← Джавами‘

Джавами‘ · id 19234

بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني

عبد العزيز الميمني

Полный текст (868 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بحوث وتحقيقات تأليف العلامة عبد العزيز الميمني [الجزء الأول] «مقالات - نقد وتعريف» أعدها للنشر محمد عزير شمس تقديم شاكر الفحام مراجعة محمد اليعلاوي

стр. 2

دَار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى ١٩٩٥ م دَار الغرب الإسلامي ص. ب: ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة. لَا يسمح بِإِعَادَة إصدار الْكتاب أَو تخزينه فِي نطاق إستعادة المعلومات أَو نَقله بِأَيّ شكل كَانَ أَو بِوَاسِطَة وَسَائِل إلكترونية أَو كهروستاتية، أَو أشرطة ممغنطة، أَو وَسَائِل ميكانيكية، أَو الاستنساخ الفوتوغرافي، أَو التسجيل وَغَيره دون إِذن خطي من الناشر.

стр. 3

بُحُوثٌ وتَحْقيقَات [١]

стр. 4

تقديم ١ كان العلامة الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي نسيج وحده في علوم العربية وآدابها. أحبَّ العربية أكرم حب، ووقف نفسه لدراستها وتدريسها، وقضى حياته يطوف في رياضها، فتذوق جناها الطب تذوق عارف خبير، وأدرك أسرارها وإعجازها، وسحره بيانها، فروّى نفسه من مَعنها العذب حتى تضلّع. وأعانته حافظة حية تسعفه وتستجيب له، فكان يدهش أقرانه وجلساءه بسعة روايته، وسرعة استحضار شواهده. سُئل مرة م تحفظ من أشعار العرب فقال: نحو مئة ألف بيت (١)، فذكّرنا بأولئك العلماء الرواة الأوائل. وأُولع بالقراءة ولوع الجاحظ وأضرابه، فكان الكتاب خدينه وإلفه، مما هيأ له الاطلاع الواسع على التراث العربي، فتحلّى كنوزه، وأحاط بنفائسه. وجذبته المخطوطات العربية ففتن بها، وتتبعها في مظانها في مكتبات الهند ومصر والشام والحجاز واصطنبول وأمثالها. قرأ منها ما قرأ، ونسح ما نسخ، ونقل إلى الجُزاز ما نقل، حتى غدا أعرف الناس بما تشتمل عليه خزائن المخطوطات من أعلام ونوادر، يقصُّ عليك من أنباء ما تفرق منها وتشتت، ليدني القصيّ، ويقرب البعيد. وقد يواتيه الحظ فيقوى على أن يردّ الجزء الضائع ليجمعه بأخيه (٢)، حتى غدا المرجع الثقة في الدلالة على المخطوطات: مواضعها وأوصافها. وفي النسخة المصورة لمذكرات الميمني المهداة إلى مكتبة المجمع بدمشق غيض من فيض مما اطلع عليه وعلّقه في رحلته الميمونة (١٩٣٥ - ١٩٣٦ م)

стр. 5

التي نقّب فيها عن جلّ المكتبات في القاهرة والإسكندرية واصطنبول وحلب ودمشق والقدس وبغداد والنجف، فتسنّى له أن يكشف عن "الخبايا في الزوايا " (١). ثم كان للأستاذ الميمني الباع الطويل في التحقيق، وقد خلّف في هذا الباب ثروة طائلة، تتجلى في المقالات الكثيرة، والرسائل والكتب التي حققها. وكتاب (سمط اللآلي) هو واسطة العقد والنموذج المختار لمقدرة الميمني ومنهجه في التحقيق. إنه يروعك بسعة علمه ومدى إحاطته وهو يخرج النصوص: شعرها ونثرها، وكأن المصادر العربية بين يديه، يستخرج منها ما يشاء، وتطالعك في تعليقاته الفوائد الكثيرة، والفرائد الغريبة: يدلك على ما وقع فيه الناسخ من تصحيف وتحريف، ويقوّم ما وهم فيه المؤلف، ويقرن الشقيق بالشقيق وإن تباعدا، ويرشدك إلى الينابيع: مخطوطها ومطوعها إن شئت للاستزادة والتوسع. وكل ذلك في عبارة رشيقة غاية في الإِيجاز. قد جعل ديدنه أن ينظم المعاني الكثيرة بالكلمات القليلة (٢). وكان للميمني القدحُ الملَّى في التأليف. وقد تنوعت تآليفه تنوع غاياتها، فهي إما كشف عن غامض مجهل، أو جمع لمتفرق يصعب جمعه، أو تأليف مبتكر جديد يغني المكتبة العربية، ويفتح الأبواب لدراسات مبتكرة، صنيعه في كتابه العظيم: (أبو العلاء وما إليه). وأسهل طريق لتطلع على مجمل نشاط العلامة الميمني أن تعود إلى مجلة المجمع العلمي الهندي بمجلديها العاشر والحادي عشر. وفي مقالة الأستاذ حمد الجاسر تعداد لأبرز ما ألف وحقّق (٣). ورُزق الميمني ملكة التعبير، فأسلست له العربية قيادها، يصرفها كيف يشاء، فتميّز بأسلوبه المشرق العجب، يُمتع الناس بنصاعة بيانه، ورواء ديباجته، إنه

стр. 6

ليذكّرك بأولئك البدعين من كُتّاب القرن الرابع الهجري. وأهلته مواهبه الفذّة، وكفاياته الرفيعة، وسجاياه الحميدة المحببة أن يحتلَّ بين علماء عصره المحل الأرفع، فاحتفَوْا به واحتفلوا له، وأحاطوه بضروب التكريم والتبجيل. وكانت الفجيعة بفقده، رحمة الله، بالغة، وقد عبَّر أصدقاؤه وتلاميذه ومقدرو فضله عن المكانة التي كان يتبؤؤها، والفراغ الذي خلّفه (١). ٢ وقد انتدب الأستاذ محمد عُزير شمس لجمع العزيز النادر من مقالات العلامة الميمني تقديرًا "لمكانة هذا المحقق الجليل في نفوس الباحثين والمشتغلين بتحقيق التراث ونشره". فتتبع من مقالات المينمي وبحوثه المتناثرة في المجلات ما وافى المنهج الذي اختطه لعمله، وتجنب كتب الميمني المعروفة المتداولة. وقد بذل ما بذل حتى استقامت له مجموعة "بحوث وتحقيقات" مما كتب الميمني في مختلف مراحل حياته، وجعلها في ثلاثة أقسام: القسم الأول: يحتوي جملة من مقالات الميمني تتناول موضوعات مختلفة. والقسم الثاني: يتضمن ما حرره الميمني من نقد وتعريف بمجموعة من الكتب. والقسم الثالث: يتألف من جملة نصوص محققة، جلُّها رسائل نادرة. وقد وفّق الأستاذ عُزير في مختاراته، وقرّب هذه النصوص المشتتة النادرة إلى القراء والباحثين، فجزاه الله خير الجزاء. وأرجو أن ينظر ناظر في طبع كتب الميمني النادرة مثل خلاصة السير للطبري، وإقليد الخزانة وأمثالهما، لتصبح آثار الشيخ

стр. 7

العلامة في متناول طالبيها. ولعل من تمام القول أن أشكر للأستاذ الكريم الحبيب اللمسي تطوعه لنشر هذا الجزء من تراث الأستاذ الميمني يضعه بين أيدي الناشئة يفيدون منه ويترحمون خطاه، فيحيي ذكرى عالم كبير كان له شأنه وخطره في الدراسات العربية. وللأستاذ الحبيب اللمسي أياد مشكورة تتمثل في حسن اختياره لما ينشر من كتب التراث، وفي عنايته العناية البالغة بنشر جملة صالحة من تراث المغرب العربي الذي كان عسير المنال، لا يظفر به طالبه في مشرقنا العربي، فقرّب البعيد وأدناه لمبتغيه من القراء. آمل وأرجو أن تصدر الطبعة الثانية لهذه المجموعة، وقد مُسح عن وجهها ما علق به من هنات الطاعة، وأن يلحق بها جامعها ما ندَّ عنه في الجمع الأول من مقالات تأتلف ومنهجه الذي اختطه لعمله، وما لم يعثر عليه من دراسات وتحقيقات أشار إليها في مقدمته والله الموفق. ٢/ ٦/ ١٤١٥ هـ ٥/ ١١/ ١٩٩٤ م الدكتور شاكر الفحام

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، هذه مجموعة بحوث وتحقيقات نشرها العلامة عبد العزيز الميمني السلفي الراجكوتي (١٨٨٨ - ١٩٧٨) في المجلات العلمية المختلفة، ونشر بعضها بصورة مستقلة، أحببت أن أجمعها هنا لصعوبة الحصول على كثير منها، وشدة الاحتياج إليها نظرًا لمكانة هذا المحقق الجليل في نفوس الباحثين والمشتغلين بتحقيق التراث ونشره. ولم أُدخِل في هذه المجموعة تلك الكتب والمؤلفات التي طبعت مرارًا، وهي معروفة ومتوفرة (مثل: أبو العلاء وما إليه، وسمط اللآليء، وفهارسه، والطرائف الأدبية، وديوان سحيم، وديوان حميد، والفاضل، والوحشيات، والمنقوص والممدود، والتنبيهات على أغاليط الرواة) أو التي ينبغي إعادة طبعها مستقلة نظرًا لحجمها وضخامتها (وهي: ابن رشيق، وإقليد الخزانة، وخلاصة السير للطبري، والزهر الجني من رياض الميمني). وأما ما عداها من الرسائل الصغيرة المحققة أو المقالات والبحوث فهي مجموعة في هذين المجلدين، ولا يفوتها من آثاره المطبوعة شيء إن شاء الله. وقد قسّمتُ هذه المجموعة ثلاثة أقسام: القسم الأول: يحتوي على مقالات وبحوث كتبها في فترات مختلفة من حياته، ومنها مقالان نشرهما بالأردية في مجلات الهند، وأثبت هنا ترجمتها العربية، وألحقت بهذا القسم مقالًا بالإنجليزية حرره عن الميمني تلميذه البارّ الأستاذ السيد محمد يوسف. ولم أترجمه إلى العربية بسبب وجود مقال بالعربية في هذا الموضوع بقلم الميمني نفسه، فأغنى عن ترجمة المقال الثاني. والقسم الثاني: يحتوي على نقد وتعريف لمجموعة من الكتب المطبوعة والمخطوطة، وتصحيحها، وتحقيق نسبتها إلى المؤلفين، ومقابلتها على نسخها

стр. 9

الخطية. ومن أهم ما في هذا القسم تعليقاته على "معجم الأدباء" و"لسان العرب" و"خزانة الأدب" ففيها تصحيحات كثيرة للمتن وفوائد علمية قلما توجد مجموعة في مكان. ويا ليته وُفِّق لتصحيح هذه المصادر والنظر فيها إلى نهايتها. أما القسم الثالث: والأخير فيحتوي على نصوص محققة، وهي عبارة عن رسائل نادرة في مختلف الفنون حققها الميمني ونشرها مستقلة أو في بعض المجلات والمجاميع، وأضفتُ إليها ما جمعه من شعر ابن رشيق وابن شرف ومن زيادات شعر المتنبي وأبي العلاء المعري. وعدد المقالات والرسائل في الأقسام الثلاثة يزيد على الخمسين، وبعضها مترجمة إلى العربية كما أشرت إلى ذلك. وهناك مقالات أخرى بالأردية نشرت في مجلات الهند لم أر حاجة إلى ترجمتها، لكونها مستفادة من كتاباته العربية، وخاصة ما يتعلق منها بابن رشيق وأبي العلاء المعري، وحقُّها أن تُنشر مجموعة في الهند وباكستان. وقد التزمت بأن أذكر في هامش كل مقال المصدر الذي نقلتُ عنه رغبةً في التوثيق وتسهيلًا للرجوع إليه عند الحاجة، وفي نيتي أن أصنع الفهارس اللازمة في نهاية المجموعة إن شاء الله. ولا أريد أن أتحدث هنا بتفصيل عن الصعوبات التي واجهتها في الحصول على هذه المقالات والبحوث والتحقيقات التي كانت مفرقة في مكتبات الهند وباكستان والبلاد العربية، ولم يكن لي حيلة في استخراجها من بطون المجلات والمجاميع إلَّا العكوف عليها وتصفحها والنظر فيها من أولها إلى آخرها. وهكذا تجمّع لديّ هذا القدر من المقالات العربية إلى جانب مجموعة لا بأس بها من المقالات الأردية. بقي أن أشير إلى أن للميمني دراسات وتحقيقات أخرى ورد ذكرها في مؤلفاته، ولم تُنشر حتى الأن، ولم أعثر على مخطوطاتها مع كثرة البحث والتنقيب، وأرجو أن أحصل على بعضها في المستقبل إن شاء الله. وهي: ١ - معجم الأمثال السائرة والأيام الدائرة والبنين والبنات والأباء والأمهات والذوين والذوات. وقد ضاعت بطاقاته في حياته.

стр. 10

٢ - نظرة في النجوم من "اللزوم". ٣ - نظرة إلى ديوان شعرَي النعمان بن بشير وبكر الدلفي. ٤ - ديوان توبة بن الحميّر وليلى الأخيلية. ٥ - ديوان كعب بن زهير (برواية الأحول). كان دفعه للنشر إلى القسم الأدبي بدار الكتب في القاهرة، ولم ينشر بعد. ٦ - المستجاد من فعلات الأجداد، للتنوخي. ٧ - حاشية ابن برّي وابن ظفر الصقلّي على درة الغواص. وقد كتبت دراسةً تفصيلية عن حياة العلامة عبد العزيز الميمني وجهوده في خدمة التراث، وأعددتُ فيها قائمة طويلة لمؤلفاته وآثاره، وعرفتُ بكل واحد منها. وسوف تُنشر قريبًا بإذن الله في كتاب مستقل، فاكتفيت هنا بالإشارة إليه. وفي الختام أدعو الله أن يوفقنا لخدمة ديننا وتراثنا ولغتنا، إنه سميع مجيب. محمد عُزَير شمس

стр. 11

القسم الأول مقالات

стр. 12

العاجز عبد العزيز الميمني (*) أنا العاجز عبد العزيز بن الحاج عبد الكريم بن يعقوب (١) بن أباني (٢) الميمني، أصل آبائِنا من بلدة بردولي في مقاطعة جام نكَر من ولاية كاتهياوار (سواراشترا الحالية). نزع أبو جدي مع جدي، شابًّا إلى معسكر راجكوت، وكان الإنجليز اختاروا هذه الولاية الصغيرة لطيب مناخها وأسكنوا بعض عساكرهم، خارج راجكوت (صدر بازار) فتعاهد جد أبي مع الانجليز لتهيئة مؤن الحياة لعساكرهم، فرغبا في سكنى راجكوت، وأخذا يشتغلان بأعمالهم. إلى أن توفي جد أبي، ولم أدركه أنا. وأما جدي أنا فقد أدركت عصره، وكان بلغ من العمر نحو تسعين عامًا، وتوفي قبل نحو ٣٥ عامًا فيما أذكر. وخلف المرحوم من أعمامنا نحو عشرة، وكلهم كانوا من الجمال وطول القامة والقوة والصحة على درجة يغبطون عليها، وقد دعتهم رحمة الله بأسرهم، ولم يبق منهم إلا أبي (٣)، وهو اليوم في الثالث والتسعين من عمره، وكان يركب قبل عام على الدرّاجة وكان رافقني على دراجته نحو عشرة أميال. ومن سوء حظنا أنه سقط من الدراجة إذ كانت تتدرج إلى حدور، فاصطدم بعض أولاد فسقط على الأرض، وأصيب في عظم أحد الوركين ولزم الفراش وقد دعاني في هذه الأيام وأنا سائر إليه في الأيام المقبلة.

стр. 13

وكان جدي زوّجني بنت عمتي الكبرى (١)، فولدت لي ستة من الأولاد، ثلاثة من الذكور (٢) وثلاثًا من الإناث (٣)، توفيت واحدة منهنَّ إلى رحمة الله (٤). أما الميمنيون -قومنا- فيقال إن أصلنا كان من السند، دخلوا في حظيرة الإسلام على يد بعض المرشدين من الطريقة الجيلانية، ولعل ذلك في القرن التاسع، وغاية ما أعرف من أوليتهم أنهم كانوا جلوا من السند إلى كاتهياوار في أيام بعض الملوك المظفرية بأحمد أباد قبل امبراطور أكبر. ولكنهم لم يكونوا من العلم والتعليم في ثبت ولا نفي، لم نر فيهم ولا سمعنا بمن نبغ منهم في لسان ما من الألسنة، ولا يوجد عندهم دفاتر أو كتب يكونون قيّدوا فيها بعض ما مرَّ بهم، وبأوليتهم، غير بعض الكتب والدفاتر في الحسابات يوجد فيها بعض ما قيّدوه من مئة عام. والذين أعرفهم في عصر قريب من عصرنا ممن زاول بعض العلوم مولانا الأستاذ سليمان من جوناكره (٥) تتلمذ على يد السيد نذير حسين الدهلوي، ثم صديقنا المرحوم محمد بن إبراهيم الجوناكري، ثم الدهلوي، كان من كبار علماء الحديث، وله نحو خمسين كتابًا في الأردية. ولعل أكثر العلماء يعرفون الشاه وليّ الله وولده الشاه. عبد العزيز ثم شاه إسماعيل الشهيد يعرفون بجنوحهم إلى طريقة السلف من دون التقيد بمذهب من المذاهب، ثم في زمن الثورة الهندية وبعدها زادت هذه الرغبة ونشا منهم شاه محمد إسحاق ثم تلميذه السيد نذير حسين الذي رأيته من سوء حظي ميتًا في الرابع عشر من عمري واشتركت في غسله (٦). كان شاب من لكنو كشميري الأصل هو عبد الخالق الكاشميري، مال إلى الحديث، فارتحل إلى باروده (كَجرات) يتعلم الحديث على بعض الأساتذة هناك

стр. 14

فاشتغل عليه قليلًا، إذ أدرك شيخه اليوم المحتوم ولم يكن قضى حاجته من العلم، فأشار عليه بعض أصدقائه أن يرتحل إلى جوناكَره حيث يوجد مولانا سليمان المحدث الكبير فسار إليه. واشتغل برهة إذ أدركه ذلك اليوم فلم يبق له رغبة في المقام بها. إذ زاره بعض العسكريين المقيمين براجكوت ورغبوه أن يسير إليها فسار إليها. لما كان أبي نحو العشرين من عمره أخذ يتردد إليه، ويجلس في حلقاته، فتأثر بدعايته السلفية بحيث لما تزوج، وهو في ٢٢ من عمره عاهد الله أنه إن ولد له ولد، فإنه يخصصه لتعليم الدين، فولدت بعد عامين، فكنت بكر أولاده، ولما بلغت نحو ستة أو سبعة من الأعوام أرسلني بعد أن فرغت من القرآن وبعض مبادئ الأردية إلى جونكره حيث كانت توجد مدرسة تسمى مهاوت مدرسة، ونزلت عند عمي يوسف، وبقيت نحو ثلاثة أشهر، أتردد على هذه المدرسة، أذكر أني تعلمت فيها بعض "آمدنامه" وتعلمت خط الحروف الفارسية. ثم دعاني أبي إلى راجكوت فبقيت بها بعض أعوام، أدرس بعض الكتب الدينية بالأردية، إلى أن بلغت الثالث عشر من عمري إذ جاءه رجل من الوعاظ، حديث عهد بالإسلام، كان يدعى عبد الخالق فرفقني به والدي إلى دهلي لأتعلم هناك في صدر بازار ببعض مدارس أهل الحديث، وأذكر أنني وصلتها في آخر دسمبر سنة ١٩٥١، فبقيت هناك نحو ثلاثة أعوام أقرأ بعض علوم الصرف والنحو بالفارسية، وما كنت أتقنها، إذ دخل مدرستنا شاب كنت أذكر أني رأيته براجكوت فتقربت إليه فاستأنست به، وسألته عن مصيره إلى راجكوت فاعترف بذلك. وسألني عن مبلغ علمي، وكنت أتدارسه إذ ذلك فأخبرته بشرح الجامي والمشكاة، فتحير وقال أنا أهون منك شابًا لأني أريد أن أقرأ "بنج كنج" و"علم الصيغة" وما إلى ذلك وقال لي أنت أفضل منا وأرقى ثم سألني هل قرأت "الميزان" و"المنشعب" فأخبرته أني فرغت منهما قبل عامين فسألني عن اسمهما ووزنيهما ومعانيهما فلم أكد أن أجيبه جوابًا اعترفت بجهلي وعدم معرفتي بذلك، فعيرني أنك إذ لم تكن تعرف هاتين الصيغتين فلا أدري حاصلًا لك في الترقي إلى ما فوقها من الكتب الفخمة. وأنا أرى كلمتَه هذه، نقطة الانتقال في حياتي العلمية، وذلك أنني بقيت في بعض زوايا المدرسة أفكر في شأني، وأنني غريب بدهلي عن الأبوين والوطن، وقد أضعت ثلاثة أعوام من دون أن أعرف الكلمة التي علمنيها الشيوخ، وقد وثقت تمام الثقة أن لن يحصل لي من هؤلاء الشيوخ كبير فائدة، وأني لن أستفيد في المستقبل

стр. 15

شيئًا، إلا إذا ما جعلت شيخي نفسي ولا أراجع أحدًا منهم، وأجعل حجي راية وأخطو إلى الإمام، ولن يتأتى ذلك إلا إذا ما فرغت عما أنا في صدده من جميع النواحي، فاذكر أنني انتخَبت "فصول أكبرى" (كتاب في الصرف كالشافية) وجمعت نحو ثلاثة شروح، كنت آخذ فصلًا أو بابًا من الفصول وكنت أفكر في معناه وتفسيره غاية التفكير، ثم أراجع هذه الشروح الفارسية، فإذا ما قضيت حاجتي منها أراجع هذا الباب بعضه في شافية ابن الحاجب بالعربية، وربما أزيد في ذلك بمراجعة بعض شروح الشافية أيضًا بحيث أنني كنت أرى نفسي عارفة بهذا الباب خاصة، فكنت بهذه الصورة أفرغ كل يوم من باب من الأبواب. ولعل كتابنا "فصول اكبرى" لا تزيد أبوابه ثلاثين فكأني بهذه الصورة فرغت من جميع كتب الصرف في ثلاثين يومًا ولا وقص ولا شطط ..

стр. 16

كتب أعجبتني (*) لما جئتُ لأول مرة من "كاتهياوار" إلى مدينة "دهلي" بدأت أدرس الصرف والنحو على الطريقة التقليدية وكنت لا أعرف الفارسية والأردية، وقد ضيّعتُ ثلاث سنوات حتى وصلت إلى مرحلة "شرح الجامي [على الكافية] ". ثم وفقني الله الطريق السوي، وعرفت أني كنت أمشي على غير هُدىً، فتركت الطريقة التقليدية، ولم أكلّف الأساتذة إلا قليلًا، واعتمدت على جهودي الشخصية، ودرست هذه الكتب مع شروحها بإمعان النظر فيها: في الصرف: شروح الشافية. في النحو: شروح الألفية، والمفصل، والأشباه والنظائر، وبعض المتون الخطية، مثل لب الألباب للأسفرايني، وتسهيل الفوائد، وغير ذلك. وبهذه الطريقة استرحتُ من نحو الفقهاء والمناطقة. وقد نفّرْتني من النحو بعض المسائل الخاطئة في "الكافية"، منها: "لا يضاف موصوف إلى صفته، ولا صفة إلى موصوفها، "وجامع الغربي" ونحوه شاذ"، والحقيفة أن اللغة العربية مليئة بمثل هذه الإضافات؛ وهناك بعض المسائل الأخرى التي فتحوا فيها باب التأويل، وأوقعوا طالب النحو في مشكلة الخصام والدفاع عن رأيٍ أو ضده، يبذل فيها جهوده بدون جدوى. هذه الأمور دفعتني إلى سوء الظن بهذه الكتب، فإن الطالب يقصد إصلاح لغته لا أن ينحاز إلى فريق دون فريق. ثم أرشدتني دراسة "المفصل" و"كتاب" سيبويه إلى الأدب. والبحث عن

стр. 17

الشواهد النحوية هداني إلى الدواوين وشروحها. ثم عرفت أني قد ضلِلْتُ الطريق في دراسة الأدب. يجب أن نحفظ أولًا مفردات اللغة. بل نحفظ قبل ذلك أبواب الثلاثي المجرد، وهذا من أصعب الأمور، لأن القياس لا يفيد شيئًا في هذه الأبواب؛ ثم نظرت في الكتب التالية وحفظتها من أجل معرفة المفردات اللغوية: كفاية المتحفظ. فقه اللغة للثعالبي. الألفاظ الكتابية للهمذاني. نظام الغريب ... وغير ذلك، ثم بعدها: إصلاح المنطق. تهذيب الألفاظ ... وغيرهما. وقد حفظت في تلك الأيام المعلقات العشر وعدة قصائد أخرى تعدّ من أجود القصائد العربية وتبلغ في رتبتها مرتبة المعلقات، أما المجاميع الأدبية والدواوين الشعرية التي حفظت معظمها فهي: ديوان المتنبي. ديوان الحماسة (كلاهما كاملًا). جمهرة أشعار العرب. المفضليات. نوادر أبي زيد. الكامل للمبرد. البيان والتبيين. أدب الكاتب (مع شرحه "الاقتضاب"). كنت درست الحماسة وديوان المتنبي ومقامات الحريري وسقط الزند على الأستاذ المرحوم الشيخ نذير أحمد الدهلوي، ومن خصائصه أنه كان يترجم النصوص العربية إلى اللغة الأردية بأسلوب جميل يَجلّ عن الوصف، وكان قادرًا على نظم الشعر العربي بارعًا فيه، وأظن أن مقدرته الأدبية كانت موهبة من الله ولم تكن مَدينةَ للكتب، وكان متواضعًا معي إلى حد كبير، والأسف أنه كانت المفارقة بيني وبينه

стр. 18

بسبب بيت من أبيات "سقط الزند". توجد في "سقط الزند" ثلاثة أبيات (١): وعلى الدهر من دماء الشهيديـ ... ـن عليٍّ ونَجلهِ شاهدانِ فهما في أواخر الليل فجرا ... نِ وفي أوليَاتِه شَفَقَان ثبتا فِي قميصه ليجيء الـ ... حشر مستعديًا إلى الرحمنِ قرأ الشيخ نذير أحمد "ثبتًا" -على أنه مصدر- بدلًا من " ثبتا" (فعل ماضٍ، صيغة مثنى المذكر الغائب)، فقلت له: إذن يصير هذا البيت نثرًا، ثم بينت مرادي بتقطيع الشعر حسب قواعد العروض، فقال الشيخ: شعر مي كويم به از آب حيات ... من ندانم فاعلاتن فاعلات (أنا أقول الشعر أحسن من ماء الحياة، ولا أعرف فاعلاتن فاعلات)، فقلت: "ولكني أعرف "فاعلاتن فاعلات" هذه، فماذا أفعل"؟. حدثت هذه الواقعة سنة ١٩٠٦ - ١٩٠٧ م، ثم لم أذهب إليه، وإن كنت أتوقع من كرمه وتواضعه أنه لا يبخل عليَّ في إعطائي الفرصة للاستفادة منه. ومما يدلّ على قدرة الشيخ نذير أحمد على نظم الشعر العربي أنه تقرر في كلية سينت استيفنس (بدلهي) مرةً أن يزورها الأمير حبيب الله خان، فوقع الاختيار على قصيدة من ديوان أبي العتاهية -الذي كان مقررًا آنذاك في الدراسة بمرحلة الكلية المتوسطة- لتنشد أمام الأمير، مطلعها (٢): لَا يَذهبنَّ بك الأمَلْ ... حتى تقصَّر في الأجَلْ فقال الطالب -الذي تقرر أنه سينشدها في الحفل- للشيخ نذير أحمد: "أنا أنتهي من إنشاد هذه الأبيات خلال ثلاث دقائق، زد عليها بعض الأبيات من عندك". فقال الشيخ في نفس البحر والقافية وأجاد: اللهُ قدَّر في الأزَل ... أن لا نجاة بلا عملْ النصح ليس بنافِعٍ ... والسيف قد سبق العذل

стр. 19

والمرء ليس بخالدٍ ... والعيش أمر محتمل كن حيث شئتَ من السهو ... لِ وفي البروج وفي القلل يُدركْكَ موت في الزما ... نِ ولا يزيد في الأجل لذّات دُنيا كلها ... سَمٌ مَشوبٌ بالعسل العمر فانٍ فالنجا ... والموت آتٍ فالعجل حتَّامَ تقليد الهوى ... وإلامَ تجديد الحِيَل المبتلى بعلائق الـ ... ـدنيا حمارٌ في الوَحل وهناك نادرة أخرى يعرف بها مدى القوة الأدبية وسرعة البديهة التي كان يمتاز بها الشيخ: قابل مرةً الأمير حبيب الله خان، وبالصدفة كان ذلك يوم العيد، فانشد الشيخ شعر المتنبي المشهور الذي ذكر فيه وجه الحبيب والعيد. وقد أحدثت هذه المناسبة بين اسم الأمير حبيب الله وموافقة يوم العيد نوعًا من اللطف والجمال انبسط به الأمير. والآن أذكر هنا رأي في بعض الكتب الأدبية المشهورة: أرى أنه يجب على الأديب أن يحفظ من كتب اللغة: "الغريب المصنف" (١) لابن سلَّام، و "إصلاح المنطق". [لابن السكيت]. ليس بين أيدينا كتاب جامع عثر مؤلفه على المصادر القديمة النادرة، وجمع فيه كل المواد اللازمة التي تتعلق بالمسائل النحوية والشعر والشعراء ضمن شرح أبيات الشواهد بعد البحث الطويل عنها في المصادر القديمة- إلا كتاب "خزانة الأدب"، فإن مؤلفه واسع المعرفة بشعر المتقدمين وكلام اللغويين، وكانت عنده ذخيرة نادرة للكتب، لا نجد لها مثيلًا عند الآخرين (٢)، وكان الزمان قد تقدم به عدة قرون، وكان حقه أن يُخلق في القرن الحادي والعشرين الميلادي. أحسن كتب الحماسة: حماسة أبي تمام، إلا أن حماسة البحتري تفوقها في الترتيب والتبويب وخلوّهـ[ـما] من الفحش. أما نوادر الأشعار فيمتاز بها كتاب

стр. 20

"الوحشيات" (أو الحماسة الصغرى) لأبي تمام (١)، ولا يوجد هناك كتاب في نقد الشعر والشعراء أحسن من حماسة الخالدِّيين (٢)، أما "الحماسة المغربية" (٣) و"الحماسة البصرية" (٤) فكلتاهما تافهة قليلة الفوائد. الأولى توجد في مكتبة [الفاتح] باستانبول، والثانية في حيدرآباد، وعندي أيضًا نسختان منها. أما نقد الشعر على طريقة الموازنة بين عدة أبيات في موضوع واحد فأحسن الكتب في هذا المجال: قراضة الذهب لابن رشيق (٤ م)، ورسالة الابتكار لابن شرف، وحماسة الخالديين، وشرح المختار من شعر بشار [لابن التجيبي] (٥) وكتاب ابن رشيق "العمدة" أحسن كتب النقد من بعض الوجوه، و"الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء" للمرزباني أيضًا كتاب جيد. وأحسن كتاب لفهم الشعر "اللآلئ [شرح أمالي القالي، للبكري] " (٦). أما الكتب التي جعلها ابن خلدون أصول الأدب فأرى فيها ما يلي: "الكامل" للمبرد يفيد المبتدئ أكثر. ولو درس أحد "أدب الكاتب" مع شرحه "الاقتضاب" يصير محققًا لغويًّا. وتوجد في "البيان والتبيين" نماذج من فصيح الشعر والنثر أكثر من الكتب الثلاثة الأخرى، أما نوادر اللغة والشعر فهي في "أمالي" القالي أكثر وأوفر.

стр. 21

الأمالي والنوادر- للقالي هما شيء واحد (*) كنتُ حققت أنهما شيء واحد بعد أن اطلعت على الطبعة الأولى منه، وذكرت ذلك في كتابي (اقليد الخزانة) (١). ولكن لما رأيت أن ناشري الطبعة الثانية لم ينتبهوا لهذا كسلفهم، فعدُّوا الأمالي والذيل والنوادر كتبًا ثلاثة برأسها، ظننتُ أن هذه السطور لا تخلو عن الفائدة، على أن صنيعهم هذا قد أوقع في الوهم كلَّ من كتب عن الكتاب شيئًا: (١) فالذي قاله ابن خلدون في مقدمته عن دواوين الأدب الأربعة -ومنها النوادر- كيف ينطبق على هذه الأوراق العديدة التي سماها الناشر بآخر الأمالي "النوادر" مع أن ابن خلدون قرنه بالكامل والبيان والتبيين، وكلاهما في جزءين؟ (٢) قول ابن حزم الشهير الذي أورده كل من ترجم القالي، وجدته في رسالته التي كتبها في عدّ مفاخر الأندلسيين (٢)، ونصّه "وكتاب النوادر ... وهو مُبار للكتاب الكامل لأبي العباس المبرد. ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوًا وخبرًا، فإن كتاب أبي علي لأكثر لغة وشعرًا". فهذه الـ ٦٨ صفحات التي ألحقوها بآخر الأمالي كيف تباري من الكامل (طبعة لبسك) ٧٩٦ صفحات أو تُبِرُّ عليها. (٣) كل حوالات (للنوادر) توجد في (الأمالي) كما يتضح لمن يتصفّح اقليدنا. ولكن أذكر لغيرهم عدة من حوالات النوادر من تآليف الأندلسيين، فهو أقوم بكتاب بلادهم علمًا وضبطًا:

стр. 22

الاقتضاب لابن السيد (ص ٢١١) يروي عن (النوادر) بيتًا لإسحاق الموصلي: له خفَقانٌ يرفَع الجَيب كالشَجا ... يُقطع أزرارَ الجرِبّان ثائرُه وهو في (الأمالي) ٢: ٦٠ من الطبعة الثانية. الاقتضاب (ص ١٠٧ و ٢٩٢) يروي عن النوادر بيتًا من كلمة: فقالوا قد جزعتَ فقلتُ كلًّا ... وهل يبكي من الطرب الجليدُ وهي في (الأمالي) ١: ٥٠. الروض الأنُف للسهيلي (١: ١٥٠) يروي قول النسابة ليزيد بن شيبان "شامَمْتَنا مُشامَّة الذئب" وهو في (الأمالي) ٢: / ٢٩ في حديث طويل. ألف بالابن الشيخ (١: ٢٧١) يروي بيتي عبد بني الحسحاس: أشعارُ عبدِ بني الحَسْحاس قُمْنَ له ... عند الفَخار مَقام الأصل والوَرقِ وهما في (الأمالي) ٢: ٨٨. ألف با أيضًا (١: ٤١٢) يروي بيتَ مسكين الدارِمّي، وهو في (الأمالي) ٤٥: ١. نفح الطيب (١: ٢٩٠ مصر) يروي عن (النوادر) حكاية الرشيد مع جارية له، وهي في (الأمالي) ١: ٢٢٥. (٤) قال ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة القاليّ وهو يسرد تآليفه: "كتاب الأماليّ معروف بين الناس كثير الفوائد غاية في معناه، قال أبو محمد ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي الخ" فياقوت يرى أنهما شيء واحد. (٥) لم يذكر أحد ممن ترجم له في عداد كتبه كتابَ (النوادر) مُفرَزًا عن ذكر (الأمالي) بفَصْل بعضِ تآليفه بينهما (١)، بل كتبوا عن آخرهم (كتاب الأمالي

стр. 23

والنوادر)، فظنّ من لم يعرف الحال أن النوادر شيء آخر وهذا هو مصدر الوهم. ومن هنا وهم من صحّحه كمن طالعه، فصحّحْ ما جاء في الزهراء (٣: ٧٣ و ٤٥٤) ومقدمةَ التنبيه ص ١١. (٦) وهاك نصًّا في ذلك لأبي بكر بن خير (فهرسة ص ٣٢٣ - ٣٢٥): "كتاب النوادر لأبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي حدثني به الشيخ (ثم سرد عدّة من أسانيده إلى المؤلف في صفحتين ثم قال) وهذا الكتاب أمال أملى جله (١) أبو عليّ ﵀ في الأخمسة بالزِهراء علي بني الملوك وغيرهم من أهل قرطبة. ثم زاد فيه فبلغ ستة عشر جزءًا للعامَّة. ثم زاد فيه فبفغه عشرين جزءًا لأمير المؤمنين الخ * كتاب ذيل النوادر لأبي عليّ البغدادي وهو أربعة أجزاء وصل بها النوادر. حدثني به شيوخي المتقدم ذكرهم (رح) بالأسانيد المسطورة في النوادر قبلُ إلا أني لم أقرأه عليهم ولا سمعته وإنما أرويه عنهم إجازة". (٧) ذكر المستر كرينكو في فهرسته ص ١ للطبعة الأولى من الأمالي أنه عارض الكتاب على نسخة الأمالي بدار الكتب الوطنية بباريس (١٩٣٥ supplement ٤٢٣٦ No.) وهذه النسخة بعينها يدعوها المستشرق الوارد في مقدمة الأصمعيات ص (XXVIII) كتاب النوادر للقالي. (٨) في مقدمة اللآلي (الزهراء ٣: ٤٥٤) هذا كتاب شرحت فيه من النوادر التي أملاها أبو علي الخ. الذيل والصلة أظن أن الناسخ يكون كتب على الجزء الثالث "ذيل الأماليّ والنوادر" ثم يكون ترك صلة الذيل غفلًا فزعم من جاء بعده أن الأول منهما هو الذيل والغُفل هو النوادر. والصواب أن هذا الذي دعَوْه النوادر هو صلة ذيل الأمالي كما قد دعاه بهذا الاسم البغدادي في الخزانة (١: ١٥) وكما هو ظاهر من كلام ابن خير المارّ آنفًا. ويدلّ لذلك أن ابن الشيخ أورد مجلس صفة الأسد عن ذيل الأمالي في ألف باء له (١: ٣٨٣) والمجلس يوجد في هذا الذي دعَوْه النوادر ص ١٨٠ فظهر أن هذا المدعوّ النوادرَ صلة لذيل الأمالي لا غيرُ.

стр. 24

اللآلئ هو شرح على كتاب الأمالي والنوادر للبكري وكان أستاذي الشيخ العلامة محمد طيّب المكيّ المرحوم ذكر لي أنه رآه يباع بمكة وأظن الموجود بخزانة الشيخ ماجد الكردي هو هذه النسخة (١). فهذا الشرح يدعونه تارةً شرح الأمالي وأخرى شرح النوادر وهاك جَدْوَلًا لذلك: دعاؤُه شرح الأمالي - النسخة الخطية الموصوفة بالزهراء ٣: ٤٥٣. - الخزانة ١: ١٠، ١٤٤، ٣٠٦، ٥٣٩ - ٢، ٢١١، ٢٢٤ - ٣٢٥، ٥١٩ إلى غيرها وهي كثيرة. راجع الإِقليد. - النفح ليدن ٢: ١٢٤. - فهرست ابن خير طبع سَرَقسْطة ص ٣٢٦. دعاؤه شرح النوادر - البكري نفسه في التنبيه ص ٢٣ (ومحشّى الأصل أيضًا) وفي مقدمة اللآلئ. - الصفدي في الوافي. - ابن الشيخ ١: ٤١٢ روى أولًا عن النوادر بيت مسكين (الأمالي ١: ٤٥) ثم قال "قال أبو عبيد البكري في شرح الأمالي، المسمى باللآلى" فهو يرى النوادر بعينه الأمالي واللآلئ شرحًا على النوادر، على أنه والأمالي واحدٌ. - الخزانة، راجع الإقليد والحوالات كثيرة. - الترجمة بآخر الجزء الأول من معجم ما استعجم ص ٤٤٥. التنبيه للبكري دعاه ابن خير ص ٣٢٥ كتاب التنبيه على أوهام أبي علي رح في كتاب النوادر الخ ومعلوم أن التنبيه لم يتعرض لشيء من أغلاط هذا الكتاب (صلة الذيل) المدعوّ النوادرَ أصلًا. عبد العزيز الميمني خادم العلم بجامعة عليكرة الإسلامية (الهند)

стр. 25

المفضليات: صاحبها الأصلي (*) تقدم لهذا العاجز الكلام على "المفضليات" في هذا المؤتمر ببتنه. ومغزاه التنبيه على سقطتين للمفضل نفسه ولأبي عبيدة كما كنت المعتُ به في نكتي على "خزانة الأدب" (١) وجرى ذكره في طرة "شرح المختار من أشعار بشار" (٢). وخلاصته أن الصواب: (لأبي السفاح بُكير بن معدان يرثي يحيى بن مبشر). لا: (للسفاح بن بُكير يرثي يحيى بن ميسرة). كما قد زعما (٣) استنادًا إلى ما جاء في "الموفقيات" للزبير بن أبي بكر (وصاحب البيت أدرى بما فيه)، و"أنساب الأشراف" (٤) للبلاذري و"مقطعات مراثٍ" عن ابن الأعرابي، وإلى بيت لجرير رثى فيه ابن مبشر هذا. وهذا مقامي بين أظهركم للبحث عن مختار هذه القصائد. وأقدم ما بلغنا في ذلك رواية أبي علي القالي (٥) ونصه مقتضبا: وذكر أبو عكرمة أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة وثلاثين في "شرح المرزوقي" تصحيف ليس إلَّا) للمهدي وقرئت بعدُ على الأصمعي فصارت ١٢٠". ثم ذكر ما معناه أن أصحاب الأصمعي زادوا فيها فكثرت جدًّا. قلتُ توجد في هذه الطبعة ١٢٦ كلمة زيدت عليها أربع، والموجود

стр. 26

في طبعة "الأصمعيات" وهي عن نسخة (١) كوبرولوزاده ٧٧ كلمة، وزيادات الجزء الثاني من "الاختيارين" ٧٢ كلمة، وزيادة نسخة دار التحف البريطانية كلمتان فتم المطبوع المعروف من "الاختيارين"٢٨١ كلمة. ولو أسعدنا الحظ بالجزء الأول من "الاختيارين" لقبضنا أيدينا على نحوه ٣٥٠ كلمة. زد إلى ذلك ما لا يوجد في جميعها من أبيات رووها عن "الأصمعيات" ولكن خلت عنها هذه الطبعات بأسرها كما قد دللتُ عليه في "ذيل اللآلئ" وكما أشار إليه صديقي الأستاذ معظم حسين في مقدمة "الاختيارين" (٢) وهناك روايات مختلفة في عداد قصائد "المفضليات"؛ ففي شرح التبريزي الذي رأيت منه باستنبول ومصر عدة نسخ أنها ١٢٤ ويُنهيها النديم ص ٦٨ إلى ١٢٨ وقال وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه والصحيحة التي رواها ابن الأعرابي. والذي يتخلص من كل هذه الأقوال المتضاربة بعد عرضها على محكّ النقد أن جملة اختيار إبراهيم وهي السبعون التي صدر بها المفضل اختياره ثم ما زاده إليها توجد في روايات الأنباري والمرزوقي والتبريزي تامة كاملة مجموعة. وهذا بخلاف نسخ "الأصمعيات" فلا يوجد فيها مجموع اختيار الأصمعي بل أدمج فيها اختياره واختيار رواة من أصحابه وغيرهم ممن لم يُثبتوا أسماءهم ولا أفرزوا زياداتهم. هذا وقد سقطتُ في نسبة اختيار المفضل إليه على رواية يرويها أربعة من علماء الشيعة اثنان منهما متقدمان لم يتنبه لها فيما أظن أحد أحببتُ عرضها في سوقكم ليجري في نصابه ويحوز الشيء من هو أولى به. روى أبو الفرج في "مقاتل الطالبيين" (٣) في خبر مقتل إبراهيم الإمام ابن عبد الله بن الحسن بن علي ﵁ وكان ﵀ خرج على المنصور بعد أخيه النفس الزكية بباخمرى فقتله وذلك سنة ١٤٥ هـ: "أنه نزل على المفضل الضبي في وقت استتاره. قال وكان المفضل زيديًّا فقال له إبراهيم ائتني بشيءٍ من كتبك أنظر فيه

стр. 27

فإن صدري يضيق إذا خرجت [وكان يخرج إلى ضيعة له]. فأتاه بشيءٍ من أشعار العرب. فاختار منها قصائد كتبها مفردة في كتاب. قال المفضل: فلما قُتل إبراهيم أظهرتُها فنسبها الناس إليّ. وهي القصائد التي تسمّى اختيار المفضل السبعين قصيدة ثم زدتها وجعلتها تتمة مائة وعشرين". وهذا يجذب إلى تزييف مزعم (١) الصديق أن الباقي من ١٢٠ كلمة بعد الثمانين التي هي اختيار المفضل من اختيار الأصمعي. ومثله رواية أخرى فيه (٢) ونقلها ابن أبي الحديد أيضًا (٣). ونقل السيوطي في "المزهر" (٤) عن "فوائد النجيرمي" (٥) بخطه: قال العباس ابن بكار الضبيّ قلت للمفضل: ما أحسن اختيارك للأشعار فلو زدتنا من اختيارك! فقال: والله ما هذا الاختيار لي ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي الخ. وفيه أن إبراهيم كان أعلم على الأشعار ولم يذكر أنه كتبها مفردة. وروى هذا الخبر ابن المهنا الحسني المتوفي سنة ٨٢٨ هـ في "عمدة الطالب" (٦) بيعض اختلاف وفيه: "أنه أعلم على ثمانين قصيدة فلما قتل أخرجها المفضل وقرئت بعدُ على الأصمعي فزاد فيها". وغرضي هنا من كل ما سردته عليكم أنه إذا كانت المفضليات، مفضليات لا والأصمعيات "أصمعيات" مع ما زيد فيهما وأضيف إليهما بقلم رُواة عُرفوا أولم يعرفوا فلماذا لا نعزو "المفضليات" إلى مختارها الأول فنقول: "الإبراهيميات اختيار إبراهيم الإمام وصنعة (٧) المفضل أو القصائد المختارة اختيار الخ".

стр. 28

ولا نُثبت اسم المفضل الذي زاد فيها كما لم نُثبت أسامي آخرين ممن زادوا فيها أو في "الأصمعيات" ودرجوا، جنوحًا إلى الإِنصاف وتخليدًا لذكرى هذا الإمام الجليل قتيل باخمرى ﵁. والله أعلم. ثم إني وجدت الخبر في نسخة "إنباه الرواة" (*) للقفطي عن العباس بن بكار الضبي بعد خمسة أعوام. كراتشي عبد العزيز الميمني

стр. 29

بشار والخالديان والشارح ومعاصروه (*) أخبار بشار بن برد أبي المحدثين غير مجهولة، ولا أريد أن أطيل على القراء بسردها غير أن ابن النديم ذكر في فهرسته (ص ١٥٩ لبسيك) أن شعره لم يجتمع لأحد، ولا احتوى عليه ديوان، وقد رأيت منه نحو ألف ورقة منقطع (كذا) وقد اختار شعره جماعة اهـ. ولئن كان كل شعره غير مدون فإن جله كان مجموعًا، ذكر (١) الخفاجي في شرحه على الدرة أنه وقف على ديوانه -ولكنني لم أقف بعد طول الفحص على ديوان شعره في شيء من فهارس الخزائن الموجودة في هذه الأعصار، غير مقطوعات مبعثرة مبثوثة في مطاوي الدواوين الأدبية، وغير بعض مجاميع حديثة للعصريين غير موعبة ولا مستقصاة، وقد أشرت على الأستاذ بجمعها فجمعها في أجزاء، وإن لم يكن قضى نهمته منها، غير أنها كما يقال غيض من فيض، أو برض من عدة. والخالديان (٢) هما أبو بكر محمد وهو أكبرهما، وأبو عثمان سعيد، شاعرا سيف الدولة، وخازنا دار كتبه ابنا هاشم بن وعْلة بن عُرام، يعزيان إلى الخالدية: قرية من أعمال الموصل، وأبو بكر هو المتقدم موتًا، وقد كان السري الرفاء يلهج بذمهما ويدعي عليهما السرقة، وله فيهما شعر كثير، ولكنه لم ينصفهما فيه، ويوجد من مؤلفاتهما حماسة شعر المحدثين، وتسمى الأشباه والنظائر أيضًا بدار الكتب المصرية، وهذا الاختيار من شعر بشار لم يذكره أحد ممن ترجم لهما، ولا أحال عليه أحد من متأخري المؤلفين، كما لم يقفوا على الشرح أيضًا فيما علمت، فكأن هذه درة يتيمة حجبت عن العيون، إلى أن جليت للرائين في هذه القرون، وهو أول

стр. 30

كتاب يظهر لثلاثة من خيار الرجال: بشار، والخالديين، وأبي الطاهر. والشارح لم يترجم له فيما علمت غير ابن الأبّار (١) وهذا كلامه بغباره: إسماعيل بن أحمد بن زيادة الله التُّجيبيّ من أهل القيروان وسكن المهدية يعرف بالبرقي، ويكنى أبا الطاهر، أخذ عن (٢) أبي إسحاق الحصري تآليفه، وسمع من أبي القاسم (٣) سعيد بن أبي مخلد الأزدي العثماني (٤) وأبي القاسم عمار [بن] محمد الإسكندراني، وأبي الحسن علي بن حُبَيش (٥) الشيباني الأديب، وروى عن أبي يعقوب (٦) النُّجِيرَمِي أدب الكاتب لابن قتيبة، وحدثني به من طريقه أبو عبد الله التجيبي وأبو عمر بن عات وغيرهما عن أبي الطاهر العثماني الديباجيّ، عن أبي القاسم منصور بن محمد البريدي، عن أبي علي الحسين بن زياد الرفاء عن أبي الطاهر البرقي هذا عن يعقوب بن خرّ زاد النَّجِيرَمي عن أبي الحسين علي بن أحمد (٧) المهلبي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه. وكان عالما بالآداب مستبحرًا شاعرًا مجودًا من أهل التأليف والتصنيف مع جودة الضبط وبراعة الخط، دخل الأندلس بعد (٨) الأربعمائة ثم صار إلى مصر وكان (٩) بها في سنة خمس عشرة وأربعمائة وذكر في

стр. 31

الرائق بأزهار الحدائق من تأليفه وقرأت ذلك بخطه أنه كان بمالقة من بلاد الأندلس سنة ست وأربعمائة، وحكى فيه أن مؤدبه أبا القاسم عبد الرحمن بن (١) أبي البشير أنشده: نزل المشيب بعارضيَ ولمَّتي ... يا نفس فازدجري عن اللَّذَّاتِ ودعي الحياة لأهلها وتجهزي ... يا نفس ويك تَجَهُّزَ الأموات فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... ولقد وعظتك إن قبلت عظاتي حدث عنه أبو مروان (٢) الطُّبِي لقيه بالإسكندرية في رحلته لأداء الفريضة، وكان وقوفه في موسم سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، ووقفت من خط أبي الطاهر هذا على ما أرخه في جمادى الآخرة لسنة إحدى وأربعين وأربعمائة هـ. قلت فكأنه عاصر ابن رشيق، وأبا العلاء، بل أبا عثمان الخالدي أيضًا شيئًا في صباه على بعد الدار. وذكر في هذا الشرح ممن أنشده شعرًا أبا محمد الأزدي القيرواني من شعراء أنموذج ابن رشيق وله ترجمة في الفوات (٣)، وإبراهيم بن يونس الأنصاري وأبا بكر محمد بن الحسن التميمي ثم الغوثي رافقه بالإسكندرية والمهدية سنة ٤١٥ هـ وأبا الحسن البصري الشريف العباسي أنشده بمصر سنة ٤١٥ هـ وأبا الحسن الطوبي الكاتب. ويروي أبو الطاهر هذا ديوان المتنبي عن أبي عبد الله الحسين بن حاتم الأزدي عن ابن جنّي عن المتنبي، وكان يَعْرف عبد الكريم النهشلي صاحب الممتع في علم الشعر وعمله، ويذكر أنه سأل الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الكريم الغالبي مقابلة بعض الكتب. ومن جلة أصحابه المعاصرين أبو الحسن علي بن محمد الخياط الربعي شاعر

стр. 32

صقلية حينئذٍ وقد أكثر (١) من إنشاد غرر شعره ومن الحنين إليه وإلى مجالس أنسه حنين الواله إلى بكرها، والطير إلى وكرها، ولا غرو فإنه كان شاعر صقلية إذ ذاك حيث قضى صاحبنا مدة غير قصيرة من كهولته بعد انفصاله من مصر، ولا أستغرب إن كان بقي بها إلى ما بعد سنة ٤٣٥ هـ ويذكر لنا من أمرائها الذين لابن الخياط فيهم قصائد طنانة مستخلص (٢) الدولة وابنه انتصار (٣) الدولة عبد الرحمن (٤) وحفيدًا له ولكني لم أعرفهم فيما بيدي من تواريخ صقلية. ويذكر (٥) للربعي كلمة في صمصام الدولة وأخيه مؤيد الدولة ابني مرتضى الدولة، والصمصام (٦) الحسن هو أخو الأكحل وتولّى بعد مقتله سنة ٤٢٧ هـ ثم قتل هو أيضًا سنة ٤٣١ هـ. ولا أعرف مؤيد الدولة إن كان غير تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة أبي الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي الحسين الكلبي، ولكن التاج تولى من سنة ٣٨٨ هـ إلى سنة ٤١٠ هـ ثم هاجرها إلى مصر، وأبو هؤلاء يلقب ثقة الدولة، وعند الشارح مرتضى الدولة إن كان هو هو. وأنشد للربعي (٧) أبياتًا في تأييد الدولة، وهو الأكحل أحمد بن يوسف المتقدم، ولي صقلية بعد أخيه التاج سنة ٤١ هـ ثم قتله عبد الله ولد المعز بن باديس صاحب المهدية سنة / ٤٢ هـ وقد ذكر الشارح (٨) نكبة التأييد سنة ٤٢٧ هـ وهذا يدل على أنه ألف هذا الشرح بعد هذه السنة. وعادة ملوك الإسلام بالغرب أن يزيدوا في هذه الألقاب الفارغة تشبهًا بملوك آل عباس في ابان انثلال عروشهم وتشتت كلمتهم كما قال ابن رشيق: مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء معتمد فيها ومعتضد ألقاب مكرمة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

стр. 33

ولكنني لا أعذر ابن رشيق في البقاء بصقلية إلى أن وفاه يومه، فلم يكن نصيبها من هاتيك الألقاب باقل من حظ الأندلس منها. ولهؤلاء (١) أخ رابع وهو عليّ ولكنه كان خالف على أخيه التاج سنة ٤٠٥ هـ فقتله. هذا جل ما أمكنني معرفته من أخبار ملوكها المعاصرين. العاجز عبد العزيز الميمني خادم العلم بجامعة عيكره (الهند) جمادي الآخرة سنة ١٣٥٣ هـ سبتمبر سنة ١٩٣٤ م

стр. 34

مقدمة شعر أبي عطاء السندي وقع فتح السند في أيام الحجاج لما ولي العراق للوليد بن عبد الملك في آخر المائة الأولى. ولم يبتدئ القرن الثاني إلا وأفواج من مسلمي السند وما صاقبها من الهند يهرعون إلى الشام ثم إلى العراق ويتغلغلون في الحواضر والبوادي. كان مواليهم المستعربون يتقلدون أعمال السلطان ويتولون ولايات في البلاد ويأخذون من الدين والثقافة العربية بحظ لا يقل من حظ القوم أنفسهم. وأكثرهم أقاموا بين أظهرهم بحيث نسوا أوطانهم التي منها خرجوا وفيها دبّوا ودرجوا. وههنا تزاوجوا وتوالدوا إلى أن انقطعت صلتهم ببلادهم الأصلية. إلا أن اللكنة واللثغة كانت ولا تزال تَنمَّ عن الهجنة برهة من الزمان إلى أن زالت في منتصف القرن الثاني. نشأ منهم علماء اللسان واللغة والشعر والحديث إلى نحو من مائتي سنة. فنبغ فيهم أمثال مكحول السامي والمنتجع بن نبهان وأبي عطاء السندي وأبي ضيلَع (*) ويقول ابن النديم أن له ديوانًا في ثلثين ورقة، إلى أن كان في ساقتهم أبو جعفر الديبلي المحدث وأبو الفتح كشاجم صاحب أدب النديم وهو حفيد السندي بن شاهك .. تفرقت أخبارهم شَذَر مَذَر في دواوين الاداب والأخبار واللغات والأنساب. ولابد أن نتلهف ونتاسف هنا على ضياع مؤلفات المدائني وغيره ممن دوّن في تاريخ بلادهم وفتوحها. وذلك لانقطاع وصلة البلاد بالخلافة العباسية بعد النَعرة الشعوبية السائرة في العجم ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، وكنا إليها في حاجة ماسة.

стр. 35

ولكن البقية الباقية من مؤلفات أبي عثمان الجاحظ تلقي بعض ضوء على أحوال القوم وأخبارهم وتدلنا على مبلغ وصولهم إلى نواحي الثقافة العربية وأعماقها. وكان صانع هذا الديوان صاحبنا الدكتور نبي بخش نزح إلينا بعليكَره والتحق بقسم العربية وبقي أكثر من أربع سنوات (١٩٢١ - ١٩٢٥ م) حاز فيها رتبة المجستير وجمع مواد وافرة لتقديم أطروحة للدكتوراه في تاريخ الدولة العربية ببلاده (السند) إلى عهد المتوكل. فبحث عما حصلنا عليه من الدواوين ومؤلفات اللغات والأنساب والآداب والأخبار، ونقب عنها تنقيبًا يقل نظيره واقتطف منها نتفًا متشتتة -حتى تسنى له أن يضيف إلى فتوح البلاذري والرحلات المطبوعة والتواريخ المعروفة حقائق انقبلت في عامتها وراجت أغلاطها في سوقها. وهذا عمل عظيم وجهد نبيل يقدر العارفون قدره ويعترفون بمزيته. وبينما كنا فيما نحن بصدده إذ أشرت عليه أنه لو جمع ما انتشر من أشعارهم في المجاميع لجاء ديوانًا صغيرًا يدل على مجهود القوم ونصيبهم في الأداب العربية حتى يكون فيه سداد من عوز. واخترنا أبا عطاء. فصنع ديوانه وأنفذه للطبع إلى مجلة الثقافة الإسلامية بحيدرآباد الدكن. ثم قضى له أن غادرنا توّا إلى أميركا دون أن يشرف على طبعه. فكتب إليّ صديقي الدكتور عبد المعيد خان مدير المجلة أن أقوم بالإشراف عليه بعد رحيل صانعه الراحل. فراجعت التجارب وأصلحت بعض أودها وكتبت عليها بعض نكت. وهذه طبعة ثانية. وقد صدر في مدة ١٥ عامًا ما لا يستهان به من النوادر الأدبية ولكنها لا تحوي من شعره على ما يعظم فائدته ويزيد فيه زيادة محسوسة. تصدر من موطن أبي عطاء نفسه حيث صرنا ناقلة الهند ومعنا صانعه الدكتور وهو هندي صليبة. وأنا أقدر مجهوده وعنايته بعمله هذا وأدعو الله له أن ينشطه لإخراج تاريخه العظيم الذي ما زلنا نرقبه منذ ١٥ عامًا والله يوفقه وييسر له كل ما لم يقف عليه إذ ذاك. الداعي عبد العزيز الميمني أول سنة ١٩٦٢ ع بكراتشي

стр. 36

جراب الدولة رجل لا كتاب (*) كان مرَّ بي منذ أمد بعيد ما لفت به الصديق المتفنّن صاحب الزهراء (٤: ٥٦٢) أنظارَ قارئيها إلى تحقيق جراب الدولة هل هو لقب يطلق على كتاب أو على مؤلف أو على كليهما. وذلك بمناسبة عبارة كان نقلها قبلُ (٣: ٤٤١) عن تاريخ ابن الفرات في ترجمة أمين الدولة أبي طالب الحسن بن عَمّار وهذا نصها: " .... كانت له دار علم بطرابلس فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفها وهو الذي صنَّف كتاب (ترويح الأرواح ومصباح السرور والأفراح) المنعوت بجراب الدولة اهـ" فهذا إن صح صريح في أن جراب الدولة اسم لكتاب. ثم لما حصل من (ترويح الأرواح) جزء للخزانة التيمورية رأى عليه اسم الكتاب ترويح الأرواح ومفتاح الخ وأن اسم مؤلّفه أبو العباس أحمد بن محمد بن علّويه الشجري (السِجْزيّ) الملقّب بجراب الدولة وثبت بآخر الجزء: نجز الجزء الأول من ترويح ... الملقب بجراب الدولة (انظر الزهراء ٤: ٥٦٢) وهذا مما يزيد الطين بلة ويقوي الارتياب. ثم أراد بعض الأفاضل (الزهراء ٥: ٩٥) تحقيق الأمر فذهب إلى أنه عَلَمٌ على كتاب أيضًا استدلالًا بما ورد عند ابن أبي أصيبعة (١: ١٨١) وهذا لفظه "وجدت في كتاب جراب الدولة قال الخ". والحقيقة أن صاحب المقال لم يزد فيما نحن بصدده شيئًا غير تعديد شيء واحد بمجرد شبهة، غير أنه يشكر على ذلك لعنايته بالمسائل العلمية فالله يُثيبه على صُنعه. وكان العاجز مرّ به ترجمة الجراب في الفهرست ١٥٣ ومعجم الأدباء (٢: ٦٢) إلَّا أن عَوَز الفراغ وإرساله نسخته من الفهرست إلى بعض الأصدقاء ليعارضها

стр. 37

على القطعة الخطّية الموحودة ببعض بلاد الهند عاقاه عن الكتابة. وقد وردتني نسختي الآن. فهاك ما تحقق لديَّ والله أعلم: لا ريب أن اسم الكتاب (ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح). و"مصباح" أراه سبق قلم أو تصحيفًا من ابن الفرات آو ممن أخذه وذلك لورود اسمه كذلك عند ابن النديم وياقوت. وقد ذكر الصديق صاحب الزهراء أنه كذلك في صورة النسخة الخطية أيضًا. قال ابن النديم وياقوت: هو كتاب كبير لم يصنف في فنه مثله اشتمالًا على فنون الهزل والمضاحك. ومؤلّفه هو أحمد بن محمد بن علّويه أبو العباس جراب الدولة السِجْزِيّ (والشجري (١) تصحيف) قال ابن النديم (النسخة الخطية بالهند) من أهل الرَيّ وقيل من سِجزَ كان طنبوريًّا أحد الظرفاء الطُيّاب يلقَّب بالريح ويعرف بجراب الدولة قال ياقوت: لأنهم كانوا يفتخرون بالتسمية في الدولة وله ترويح الخ. ومثله ما جاء في أصل الكتاب (الزهراء ٤: ٥٦٢). فقد تحقق مما سردناه أن الترويح لجراب الدولة على أنه رجل، وتبين سبب تلقيب نفسه بذلك. ولم أجد شيئًا يقوّي شبهة المحقق المذكور في أنه لقب لكتاب، والذي نقله عن ابن أبي أصيبعة فيه إضافة الكتاب إلى مؤلّفه كما تقول كتاب الله وكتاب سيبويه فمعناه كتاب المؤلف الذي يلقب جراب الدولة ليس أن كتاب جراب الدولة يكون معناه الكتاب الذي يلقَّب كذا. وجدير بالباحث أن يتأمل كلمة (قال) كيف يكون فاعله ضمير الكتاب أي كيف يقال قال الكتاب الفلاني، بل المعروف قال مؤلف الكتاب الفلاني. وما نقله الصديق البحّاثة عن ختام الجزء الأول أرى بعد ما تحقق الأمر وبان جليّتُه أن صوابه (للملقَّب الخ) و (الملقَّب) تصحيف من الناسخ لما رأى أن الجراب أصلح بالكتاب من مؤلفه (٢) -ولم يكن يعرف ترجمته وأنه كان يُلقب كذلك.

стр. 38

وقد صرّح المحض عن زبْده، غير أن عبارة ابن الفرات غلط لا محالة لا أجد وجهًا أو تأويلًا لتصحيحه. فإنك لو قلت أن أصله "وهو الذي صَنّف [له] كتاب كذا المنعوت بجراب الدولة" لا يصحّ أيضًا لأن جراب الدولة تقدّم ابنَ عمّار بقرنين. وأما أن يكون ابن عمار المؤلف لكتاب الترويح الذي قد تخلّص لدينا أنه لأبي العباس جراب الدولة وأن يكون الكتاب المذكور يلقّب جراب الدولة مع علمنا بأنه لقب على مؤلفه المعلوم أي أن تزيد ضِغْثا على إبّالة فهذا مما لا يمكن عادة. ولو كان شيئًا واحدًا لكان الخطب أيسر ولكن نسبة كتاب معلوم لمؤلف معلوم إلى كتاب مجهول النسبة مجهوك اللقب لمؤلف لم يثبت له مما لا يصار إلى مثله إلا ببرهان وهيهات. وإن قرأت أخبار ابن الفرات عند ابن حجر (الزهراء ٢: ٢١٦) من أن الكتاب بقي مسوَّدة وأن ابن الفرات لم يكن ممّن يهمه التفادي عن اللحن أو إقامة الإعراب هان عليك الخطب. وعند الله علم الجلية. جامعة عليكرة (الهند) عبد العزيز الميمني

стр. 39

المكاره التي حف بها "إقليد الخزانة " (*) اسمع حديثي فإنه عجب ... يُضحك من شرحه ويُنتحب عَرض عليَّ بُعيد وصولي للاهور أستاذ العربية بجامعة بنجاب المستر محمد شفيع أن أتولى وضع فهرس لأسماء الكتب المذكورة في خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي وذكر أن المستشرق المجري (غولد صهير) كان يستحسن مثل هذا الصنيع فأخذت فيه بعد كيت وذيت وأتممته في سنة ١٣٤٠ هـ. وقد جرى بعد ذلك أمور تثبط من جأش المؤلفين وتوهن من عزائمهم وتفتَّ في أعضادهم وتزهدهم عما هم بصدده من خدمة العلم فإلى الله المشتكى والمفزع. وأنا أرفق بساعات عمر القارئ العزيزة ولا أُضيعها في سردها. وكنت كتبت له مقدِّمة وكان المستر المذكور يجمجم ببعض الحذف والبتر فحذفت له منها بعض ما لم أر فيه كبير فائدة. وكنت سميته (إقليد الخزانة) (١) تسمية لم يتفهم معناها فأخذ يصوّب تسميته (فهرست الخزانة) ولكنه ربع بعدُ على ظلعه وسكن بعض غلوائه. ثم قضى الله أن ودعت لاهور وتم طبع الكتاب بتصحيحي بعد وصولي بسبعة أشهر (مارس ١٩٢٦) بمطبعة الصديق الفاضل المستعرب (ك. م. ميترا) وكتب إليّ هذا النصيح أن المستر لن يطبع أبدًا مقدمتك وقد انتزعها مني بإلحاح زائد. فكاتبته بشأنها فلم يجبني فكاتبت المستر دولنر رئيس المراقبة بالجامعة فلم ينبس أيضًا ببنت شبفة وذلك بإغراء المستر له ولعل ذلك ببعض الأوهام السياسية أو أنني تعرضت فيها بالذاتيات (وأنت ترى المقدمة على غرّتها الأول). فكتبت إلى دولنر أُخيره بين أمرين إما أن يطبع مقدمتي وإما أن ترفع الجامعة يدها عن الكتاب وأكون أنا الذي

стр. 40

أؤدّي نفقة الطبع فلم يجب بشيء. وكتب إلي صاحب المطبعة أن الشفيع عقبة كؤود في طريقك ويظهر أنه أغوى المستر وولنر. وكتب إليّ صديق آخر عن لسان صاحب المطبعة أن نية المستر فاسدة يظهر أنه يحبس الكتاب إلى أن يتناساه الناس ثم ينشره بعد برهة باسمه. فلم يبق لي بدّ أن أُكلف سيدي الدكتور ضياء الدين أحمد بأن يفاوض المستر وولنر رسميًّا فدار بينهما المكاتبة مرتين انتجت أن المستر قد فاز في إضلاله عن سوءِ السبيل ولكني نجحت في الحصول على كتاب رسمي فيه اعتراف بكون الكتاب من تأليفي فثاب إلي خاطري. ولكن لما لم يبق للمستر مجال لانت أَخادعُه (١) فأرخى من الخناق إذ رأى أن كل سطر من الحواشي يحول دون مناه (إن كان يتمنى ذلك) ويعلن بتسمية مؤلفه. فنشره وولنر في (فبراير سنة ١٩٢٨ م) بحذف المقدمة مضافًا إليه إرغام أنف المؤلف "الذي لم يكن ذنبه إلا ذنب صُحْرَ فجزاه كما جزي سنمار" بقلم المستر المذكور بالإنكليزية من غير حاجة إليها حتى أنه لشدة ولعه بها لم يكتب عليه الاسم بالعربية كما يفعله أفاضل المستشرقين فإنهم في غنى عن مثل هذا التبجح والتصلف وأضاف فهرسًا بالإنكليزية لأسماء المؤلفين الواردين بإقليدي بقلم المستر محمد إقبال وهو وإن كان لا يخلو عن فائدة إلا أنه مصحّف ومخرف للغاية. ولا غرو من كثرة الأغلاط فإنهم وفقهم الله لا يتلقنون في أوربا إلا وضع الفهارس على ترتيب الحروف فحسب، وأما التدبر والواعية فهذا شيء ليس مقصورًا على بلد دون بلد. ومن هنا تدرك أن المستر الموصوف كيف لم يقع بصره في الإقليد على غير الترتيب من المزايا التي ربما يفوق بها على أكثر أعمال المستشرقين. (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) وهذه المغامز التي أشار إليها هاك ما عندي فيها: (١) شكا مرة بعد أُخرى من إِخلالي بترتيب الحروف في ذكر الشروح فقط وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. إذ ليس كل شيءٍ يذكر على هذا الترتيب فإنه بنفسه متقدم على محمد إقبال زميله بالجامعة وكان حق الترتيب الإنكليزي والعربي أيضًا أن يتقدم إقبال عليه.
следующие страницы →