وأما الذي كتب الرسالة فهو أبو القاسم، ولم يكن أهلًا بالمساهمة في السياسة لصغر سنه، راجعوا "وفيات الأعيان".
(ب) أرسل أبو القاسم هذه الرسالة من مصر دون حلب، راجعوا رد المعري المعروف بـ "رسالة المنيح" ص ٩.
(ج) ولا يستند إلى دليل القول بأن أهل المعرة خذلوا الحمدانيين وساندوا المصريين، لأن أبا العلاء قرض أول قصيدته اللامية في هذا الزمان نفسه يمدح فيها سعيد الدولة حفيد سيف الدولة، ومما يؤيده أيضًا أن أبا العلاء أنشد عشرات من الأبيات أبدى فيها كرهه واستنكاره للمصريين، وإليكم بعض الأبيات من هذا القبيل:
يقولون في المصر العدول وإنما ... حقيقة ما قالوا العدول عن الحق
ولست بمختار لقومي كونهم ... قضاة ولا وضع الشهادة في رق
كما أنه يذكر علاقته وميله إلى الحمدانيين ويقول (١):
لا تأمنن فوارسًا من عامر ... إلا بذمة فارس من وائل
يقول التبريزي إن ملوك حلب هم من آل وائل، وملوك العراق والجزيرة هم من آل عامر بن صعصعة، فكأنه يشكو عامرًا ويشكر وائلًا، كما أن ذلك يشير إلى أن راكبًا لوائل يعادل عدة فرسان عامر.
(د) رسالة أبي العلاء المعروفة برسالة المنيح لا تمت إلى السياسة بصلة ما وقد تناولنا مادته بالبحث والدراسة في كتابنا.
وقد حاول طه حسين الرد على مرجليوث ولكنه وقع بنفسه في غلطة الخلط بين اسمي الوالد والولد (٢).
٤ - يزعم: أن أبا أحمد عبد السلام كان قد شهد محاضرات ابن السيرافي واستمع إليها، وهو من يسميه بالسيرافي الصغير.
стр. 107
فهذا لا يمت إلى الصحة بصلة لأن أبا أحمد كان من تلاميذ السيرافي دون ابن السيرافي، كما تدل عليه الحكاية الآتية (١) بوضوح:
يروي عن "إصلاح المنطق" أن أبا العلاء يقول: إن عبد السلام البصري الذي كان أمين مكتبة دار العلم ببغداد وصديقًا مخلصًا لي، كنت ذات مرة في مجلس أبي سعيد السيرافي إذ مرّ القارئ بالبيت التالي، وكان يقرأ أمامه "إصلاح المنطق" لابن السكيت.
ومطوية الأقراب أما نهارها ... فسكيت وأما ليلها فذميل
فقال له أبو سعيد اجعل "المطوية" مجرورة لأن الواو واو رب، قلت:
أيها الشيخ! لكن البيت الأول يدل على أنها مرفوعة والبيت الأول كما يلي:
أتاك بي الله الذي أنزل الهدى ... ونور وإسلام عليك دليل
فأمره بالرفع، وكان يشهد المجلس ابنه أبو محمد (ابن السيرافي) فأثار ذلك غضبه وحفيظته حتى قام من المجلس وباع دكانه للسمن، شد مئزره وانقطع لطلب العلم، وما زال يواصل جهده حتى أحرز الفضل وبرع فيه وتمكن من القيام بشرح "إصلاح المنطق" هذا. وعبد السلام وابن السيرافي متقاربان في السن، مما يتضح به أن عبد السلام كان تلميذًا للسيرافي دون ابنه أبي محمد (ابن السيرافي).
٥ - يقول (٢): لما كان أبو العلاء في بغداد كتب إليه خاله أبو طاهر يأمره بأن ينقل "شرح كتاب سيبويه" للسيرافي. (٣)
هذا من أشنع أخطائه شوه به صورة الجزء العاشر للرسائل والجزء العشرين للسير والتراجم، ولذلك هو يعد أبا بكر أحمد الصابوني (٣). والصحيح أنه محمد، (راجعوا الرسائل ص ٤٥) من أصدقاء أبي العلاء ببغداد، وكذلك هو تعرض لخطأ فاحش في ترجمة ١١، ١٠، و ١٥ من الرسائل، ومما يستغرب أن الأديب الفاضل المصري طه حسين أيضًا، قد أغفل هو الأخير هذه الغلطات الكبيرة وتابع مرجليوث
стр. 108
بدون بصيرة وقلده تقليدًا أعمى (١).
لعل هذا الخطأ نشأ من عدم فهمه لعنوان الرسالة العاشرة الذي ألفاظه، حسب ما يلي: "وكتب إلى أبي طاهر المشرف بن أبي سبيكة وهو ببغداد يذكر له أمر شرح السيرافي وما جرى فيه من التعب" ويمكن أن يكون مصدر هذا الخطأ جامع الرسائل، ولكن مرجليوث أحق بأن ينسب إليه هذا الخطأ لأنه اعتبر عن خطأ مرجع ضمير "له" أبا العلاء بصرف النظر عن الدلائل الظاهرة.
وما أحسن قول النحاة: إن الضمائر من المبهمات، وإني أرى أن تعد من النكرات بدلًا من المعارف لكيلا يقع في مثل هذا الخطأ من هو قليل البضاعة في العلم، وقد وقع مرجليوث في هذا الخطأ، لأن أبا العلاء قد تحققت رحلته إلى بغداد، ومما يبعث على الاستعجاب أن مرجليوث لم يدرك أن هذه الرسائل الأربع التي تتعلق بشرح ١٠، ١١، ١٢، ١٣ من الرسائل إنما هي منخرطة في سلك واحد، كما أن عنوان الرسالة يشير إلى أن أبا طاهر هو الذي رجع من بغداد، وأما مرجليوث فهو يزعم أن أبا طاهر كان حينئذٍ في حلب، وكتب من هناك إلى أبي العلاء -ببغداد يأمره بنقل الشرح، معنى ذلك أنه لم يعتن بالمواد إطلاقًا، فإن أبا العلاء يكتب في رسالته العاشرة "وفهمت ما ذكره من أمر النسخة المحصلة وهو أدام الله عزه الكريم المتكرم وأنا المثقل المبرم، جرى بي التفضل على الرسم وألححت إلحاح الوسم، فأما الشرح، إن سمح القدر وإلا فهو هدر". وفي الرسالة نفسها ورد ذكر أبي عمرو استرآبادي الذي كتبت إليه الرسالة الحادية عشرة تحقيقا لهذا الغرض، ولو كان أبو العلاء بنفسه موجودًا في بغداد لما كتب الرسالة إلى أبي عمرو، ويستطرد في رسالته العاشرة يقول: "وإنا نهدي إلى الشيخ سيدي وإلى جميع أصدقائه سلامًا تتأرج الكتب بحمله وتروض المجدبة من سبله". هنا أسأل مرجليوث هذه "السبل المجدبة" تختص بالمقيم أو بالمسافر؟ ويكتب في رسالته الثانية عشرة التي عنوانها يشير إلى عودة أبي طالب من بغداد بوضوح: "وبقي للعارفة من أن تكمل تعريفي من غير نقيمة، ما وزن في القيمة لأبادر بإنفاذه، فلو حضرت لم أبلغ ما بلغه، ولا سوغت من قضاء المأربة ما سوغه".
стр. 109
رغم أن هذه الرسائل كلها تشير إلى عودة أبي طاهر من بغداد كيف يدعي مرجليوث أن أبا العلاء هو الذي كان في بغداد، وقد ركب أبو العلاء على باخرة خاصة وهو عائد من بغداد مما يدل على أنهم كانوا يضعون دائمًا باخرة خاصة تتفرد بشؤنهم التجارية بنهر الفرات، وظن مرجليوث عن خطأ أن هذه الباخرة أعدت لأبي العلاء خاصة مما لا يستند إلى أيّ دليل كما لا يقبل المنطق والبداهة أيضًا أن يأمر أحد بإعداد باخرة لسفره الذي لا يرجو العودة منه، وهو واقع يعترف به مرجليوث نفسه.
ينشد أبو العلاء وهو يذكر الطبيعة السياحية لخاله:
كأن بني سبيكة فوق طير ... يجوبون الغواشر والنجادا
أبِالإسْكندر الملك اقتديتم ... فما تضعون في بلد وسادا
ومما يهم ذكره أن البائس الفقير أبا طاهر لم يكن شغله إلا التجارة، فأين هو من شرح السيرافي الذي هو أصل مهم من أصول النحو، لا شك أن أبا العلاء كانت له حاجة ماسة إليه بما أنه صدر جديدًا ولم تتوفر نسخهُ في الشام، فكان يتحتم عليه أن يطلب منه الشرح قبل عودته من بغداد، أما بعد عودته فقد توفر له بعدد وفير، كما ذكره بنفسه (١)، ومما يؤكد ذلك أيضًا أنه لم يعد يعشق كتب النحو بعد عودته من بغداد كما كان يعشقها قبل كما ذكر في اللزوم، وأما كيف يمكن أن يكلفهم بالحصول على الشرح من غير لقاء مسبق فمعلوم أن أبا العلاء كان يتمتع بعلاقات ودية مع أهل بغداد قبل المغادرة إليها (٢)، وله مراسلات عديدة إليهم، وقد اعترف مرجليوث نفسه أنه كان لأبي طاهر أصدقاء في بغداد وكان يكتب إليهم لحسن السلوك مع أبي العلاء، وإكرامه، ويؤكد ذلك أن أبا طاهر كان يتردد إلى بغداد.
٦ - يدعي: أن أبا العلاء لما ركب السفينة في نهر الفرات في طريقه إلى بغداد وصلت السفينة سالمة إلى "أنبار" حيث ينبثق نهر آخر ينصب في نهر دخلة وينتهي إلى بغداد، لكن حالة الجو منعت مواصلة السفر بهذا الطريق فوصلت بطريق آخر، إلى القادسية.
стр. 110
قد لا يوجد في بحث مرغليوث خطأ أكبر من هذا الخطأ الذي وقع فيه والذي يبعث على الدهشة والاستغراب، بل السخرية، فما صلة القادسية التي تقع في البادية على مسافة بعيدة من الكوفة بالسفينة، فإن الطريق لا يزال بريًّا ولو افترضنا أنها جرت على البر بمساعد [ة] الرافعات الأوربية، فمن أين جاء جباة المكوس؟ فإنهم لا يعينون إلا على المواني، فهل علم مرغليوث بالجهاز اللاسلكي أن سفينة أبي العلاء جرت على البرِّ بصورة معجزة؟ والصواب في "القادسية" أنها "الفارسية" بالفاء والراء، وهي قرية تقع على شاطئ "نهر عيسى" بعد "محول" على مسافة فرسخين من بغداد، كما يفيدنا بذلك شرح التبريزي المسمى بـ "إيضاح السقط وضوئه" كما لا يمكن أن تعني بالقادسية "القرية التي تقع على نهر "دجيل" قريبًا من "سامراء" فإنه كان يمكنه أن ينزل بمحطة قريبة لبغداد، ومن المؤسف أن الدكتور طه حسين أيضًا قلد مرغليوث في هذا الرأي أيضًا تقليدًا أعمى (١).
يرجع الالتباس في هذا الأمر إلى البيتين التاليين من "السقط":
سارت فزارت بنا الأنبار سالمة ... تزجى وتدفع في موج ودفاع
والقادسية أدتها إلى نفر ... طافوا بها فأناخوها بجعجاع
توافقت جميع النسخ "للسقط" وطبعة "تنوير" أيضًا على كلمة "القادسية" وهذا التصحيف ليس جديدًا، فقد تعرض له الشيخ برهان الدين أبو المظفر ناصر الدين بن أبي المكارم عبد السلام المطرزي قبل ثمانية قرون ونصف، وقد نبهه على خطائه باحث من الباحثين لكنه لم يصحح وظل عليه قائمًا، فذهب به الباحث إلى عالم جليل. بخوارزم قضى بالفارسية دون القادسية.
٧ - ومما لا مراء فيه أن أبا العلاء كان يتمتع بعلاقات ودية مع أمين مكتبة يعرف بأبي منصور، وتشهد بذلك الرسالة رقم ١٩، وهذه الرسالة لا تلقي الضوء على الأحاديث المسهبة للشوق والحنين فحسب بل تشير إلى أن أبا العلاء قد أرسل إليه قصيدة لزومية في البحر الطويل ولم يبلغه أنه تسلمها أم لا.
قد وضع ياقوت وابن حجر كلاهما ترجمة لأبي منصور محمد بن الطاهر بن
стр. 111
حمد الخازن الذي كان من تلاميذ التنوخي الصغير، وإنه ولد في سنة ٤١٨ هـ وتوفي في سنة ٥١٠ هـ، روى ياقوت عن "غرس النعمة" حكاية عجيبة مفادها أن مكتبة شابور بن أردشير وزير بهاء الدولة الديلمي كان يشغل وظيفة أمانتها رجل يعرف بأبي منصور، بعدما توفي شابور تولى إدارتها الشريف مرتضى الذي أضاف أبا عبد الله بن حمد بجانب أبي منصور، وكان أبو عبد الله رجلًا مزاحًا، كثيرًا ما يتناول أبا منصور بالمزاح والدعابة، حتى قال ذات مرة لأبي منصور "أسفًا فقد تلفت المكتبة وضاعت الكتب"! دهش بذلك أبو منصور وسأله عن السبب، قال: خباثة البراغيث، فعليك بالأدوية للقضاء عليها وهي تتوفر دائمًا عند الشريف مرتضى، فأسرع أبو منصور إليه وذكر له قصة، ففطن لذلك الشريف مرتضى ونصحه بأن لا يسمع منه شيئًا فإنه رجل مزاح ذو تهكم ودعابة.
أبدى ياقوت استعجابه على أن ابن حمد ذكرت كنيته في هذه الرواية أبو عبد الله بينما هي أبو منصور، وعلى أنه ولد في سنة ٤١٨ هـ وتوفي المرتضى في سنة ٤٣٦ هـ فكيف يمكن أن يفوز ابن حمد بهذا المنصب الجليل وهو ابن ثلاث عشرة سنة؟.
إليكم الآن الدعاوى الأربع لمرجليوث، التي لا نظير لها في إثارة الدهشة والاستعجاب.
(أ) القصيدة الطائية (١) للسقط التي عنوانها "إلى أمين مكتبة دار العلم ببغداد" لا تخاطب إلا إياه سوى الرسالة التاسعة عشرة.
(ب) القصيدة التي ذكر إرسالها في الرسالة ١٩ (٢) هي نفس القصيدة الطائية.
(ج) أبو منصور (٣) الذي كانت معه علاقات أبي العلاء إنما هو الذي وضع ياقوت ترجمته باسم محمد بن أحمد الخ.
(د) شك ياقوت (٤) على تعدد كنية ابن أحمد إنما هو وهم لا أساس به.
هذه هي دعاويه الفارغة التي لم يستخدم العلم فيها ولم يعمل الفكر، ومن العجيب أنه يرى بنفسه في "الأدباء" أن أبا العلاء ولد سنة ٤١٨ هـ، ثم يكتب هو
стр. 112
نفسه في المقدمة أن أبا العلاء لقي أبا منصور سنة ٣٩٩ هـ أي قبل ولادته بتسع عشرة سنة فكيف أمكن أن أقام علاقاته الودية كشاب يافع، إن هذا إلا اختلاق، ما له من فواق. .
وكيف يمكن أن تكون القصيدة الطائية للسقط من الرسالة ١٩ للزومية فإن الطائية من السقط، ولا يوجد في السقط بيتان من اللزوم.
وأما أمر كون مخاطب الطائية فإن أبا أحمد عبد السلام أحق بأن يكون مخاطبها بدلًا من أبي منصور وهو أقرب إلى الفهم منطقيًّا وقد ورد ذكره في تأليفات أبي العلاء مرارًا.
وما نسبه مرجليوث من الوهم إلى ياقوت فإنما هو دعوى فارغة لا دليل عليها.
والآن أتصدى لتبديد السحب التي أثاروها على بعض الحقائق منذ تسع مئة سنة ولله الحمد على ذلك.
إن هناك ثلاث شخصيات تاريخية:
(أ) صديق أبي العلاء أبو منصور، أمين مكتبة دار الكتب القديمة المعروف بأبي العلاء محمد على، الذي كان يختلف إلى مجالس الصاحب إسماعيل، وكان أديبًا فذًا ولغويًّا بارعًا، صنف في اللغة كتابه المعروف بـ "الشامل" وقد قرئ عليه في سنة ٤١٦ هـ، والحقيقة أنه كان من مواطني "الري" ولكنه عاش في اصفهان مدة من حياته، وهو الذي عُنِي بأبي منصور في رواية "غرس النعمة".
(ب) وأما أبو منصور بن حمد الذي وضع ترجمته ياقوت وابن حجر فلم يكن له أيّ صلة شخصية بأبي العلاء، على أننا نعترف بأن ورود اسمه مصحوبًا بمحمد ومقرونًا بالخازن كان السبب في إثارة هذا الوهم، ولا نستطيع أن نجزم بأن أيّ مكتبة كان خازنًا لها أو إن نسبة الخازن إليه وهم من الأوهام.
(ج) ومن المصادفات الغريبة أن أبا غالب بن حمد الخازن أخا أبي منصور بن حمد اسمه أيضًا محمد، وتوجد نسخة عتيقة جدًّا لشعر أبي دهبل الجمحي في مكتبة جامعة "لبزيك" يتفرد ورقها الأول والآخر بالرسائل السماعية للأئمّة العديدين، وعندما قرأ أبو غالب الخازن الديوان المذكور أعلاه أمام القاضي التنوخي الصغير
стр. 113
سجل فيها أسماء جميع العلماء الذين ساهموا في الدرس، وفيها اسم أخيه أبي منصور بن حمد ولكنه بدون لفظة "الخازن" أفلا يمكن إذًا أن يكون أبو غالب هو الخازن فحسب دون أبي منصور حسبما يوجد في هذه الرسائل وإنما قرن الخازن باسمه عن خطأ لاتحاد اسمه مع الذي سبقه، ولعل أبا عبد الله بن حمد الذي ورد ذكره في "غرس النعمة" هو أبو غالب هذا، وثمة مظاهر من لهجة أبي غالب تشير إلى أنه الأخ الكبير لأبي منصور بن حمد، إذًا يمكن أن تكون له كنيتان -أبو عبد الله بن حمد وأبو غالب- وبذلك يندفع ما اعترض عليه ياقوت من صغر سنه، لأننا علمنا فيما مضى أن الخازن الآخر مع أبي منصور صاحب أبي العلاء كان أبا غالب الأخ الصغير لابن أحمد، راجعوا (ج. ر. ا. س) / ١٠١٧، ١٠٧٥ سنة ١٩١٠، للوقوف على صور هذه الرسائل السماعية.
٨ - يقول (١): إن أبا العلاء أقام بمنطقة قديمة في بغداد تعرف بـ "سويقة ابن غالب".
يحمل هذا التصريح شيئًا كثيرًا من الغموض والإِبهام وقد زاد من غموضه ما كتبه في الحاشية، قد تناولنا سويقة بن غالب بالضبط والتصحيح فيما مضى، وحققنا أنه سويقة غالب، لا شك أنه أقام بـ"سويقة غالب" فور وصوله إلى بغداد، كما ورد فيما حكاه أبو الطيب (٢) ولكنه انتقل إلى مكتبة دار العلم لسابور التي تتصل بدار الكتب القديمة وتقع في "قطيعة الفقهاء" بكرخ في بغداد والدليل على ما نقول البيتان لمهيار الديلمي:
نزلنا في بني ساسان دورًا ... بها تسلى بيوتك في قضاعه
إذا ما الضيم رابك فاستجيزي ... ذرى سابور وانتجعي بقاعه
ومما يؤكد ما نقول الأبيات التالية لأبي العلاء نفسه وقد أنشدها في بغداد:
وغنت لنا في دار سابور قينة ... من الورق مطراب الأصائل ميهال
ويكتب إلى القاضي التنوخي بعد عودته منها:
أيام واصلتني ودًّا وتكرمةً ... وبالقطيعة داري تحفر النهر
стр. 114
بجلة الفقهاء لا يعشو الفتى ... ناري ولا ينضو المطي عزائمي
ومما يبعث على العجب أن مرجليوث يدعي أنه أقام بمنطقة قديمة في بغداد تاركًا "كرخ" يعني بغداد الجديدة، رغم أنه قرض كثيرًا من الأبيات في ذكرى "كرخ" في قصائده من "اللزوم" و"السقط" حيث يخاطب أهل كرخ متمثلًا بالبيت التالي وهو عائد من بغداد:
وما الفصحاء والصيد واليد ودارها ... بأفصح قولًا من أمائكم الوكع
وقد بحثت ذلك بتفصيل في كتابي، فليراجع.
الجهل بعادات الشرق:
ترجع بعض الأخطاء إلى الجهل بعادات الشرق كما يلي:
٩ - يقول (١): إن ما ذكره أبو العلاء من ضعف الوضع العقلي والجسمي لوطنه يبعث على الأسف، ولكن لم يصدق ذلك أحد غيره ويستطرد مرجليوث يقول: إن ما نعرفه عن أهل معرة يحملنا على أن نقدر وضعهم العقلي أكثر مما ذكره أبو العلاء، معنى ذلك أن معرفته عن أهل معرة أشمل وأوسع من أبي العلاء وأنه مخطئ في تصريحه، يا سبحان الله، كيف رماه بالكذب والإغماض عن الواقع رغم أن أبا العلاء شرقي نسجت لحمته وسداه من الاستكانة ونفي الذات ورضع من لبان التواضع وعدم الترفع ما يدفعه إلى أنه يعرض نفسه وكل ما يتعلق به أقل وأصغر مما هو عليه، كما يتجلى ذلك بوضوح في البيت الذي يلي (٢):
أتسأَلون جهولًا أن يفيدكمُ ... وتحلبون سفِيًّا ضرعها يبس
فهل يعتبر مرغليوث أبا العلاء جاهلًا أو يتصدى لتغليطه بإيعاز من تصريحات الآخرين، هذا، وكان أبو العلاء بلغ هدفه المنشود في العلو والنبل غاية تراءت معها المعرة له ضيقة الآفاق فلم يعتبرها مجالًا متسعًا لممارسة نشاطاته وتحقيق غايته، ولذا كان يحلم ببغداد منذ ريعان شبابه حيث يقول:
стр. 115
كلفنا بالعراق ونحن شرخ ... فلم نلمم بها إلا كهولًا
العصبة: كثير من الأخطاء يرجع إلى العصبية أو الكراهية الدينية، كما يتضح من النماذج التالية:
١٠ - قد أنكر من غير دليل تلك الروايات التي نالت شهرتها عن الذاكرة القوية للغاية لأبي العلاء، رغم أن بعضًا منها تنطبق عليها أصول الرواية والدراية معًا، منها ما رواه التبريزي وهو من أخص تلاميذ أبي العلاء، قال فيه علماء الرجال "وكان ثقة فيما يرويه" والتبريزي روى عنه السمعاني صاحب "الأنساب" عن طريق واسطة أو واسطتين وكلهم ثقات، وقد حكيت في كتابي حكايات عن ذاكرة الأصمعي والبخاري وهي أدهش وأغرب منها بكثير، فهل كذبها مرغليوث أيضًا؟
أكل امرئ ألفي أباه مقصرًا ... معاد لأهل المكرمَات الأوائل
الميزة الطبيعية التي تستطيع الملة الإِسلامية ولا سيما العرب أن يتحدوا بها في العالم من شرقه إلى غربه هي هذه الذاكرة الفريدة، وأن من طالع فصل الحفظ والعميان من أحد فصول "الغيث المنسجم" و"نكت الهميان" ومقدمة "الصبح المنبي" كيف يمكنه أن يكذب ذاكرة أبي العلاء الذي لم يقر له معاصره ابن القارح بالفضل والثناء الزائد فحسب بل سلم له قصبة السبق، وفضله في هذا المجال على ابن خالويه [و] أبي علي الفارسي وأبي الطيب اللغوي وغيرهما.
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
ولا داعي إلى العجب ولا لوم إذ انعدمت مثل هذه الأمثلة النادرة في الأقطار الباردة التي تعاني لأجل البرد من كثافة الأخلاط والأمشاج وغلظ الطبائع والعادات، ولكن ذلك لا يعني أبدًا أن تنكر فضائل الآخرين ومآثرهم عن قصد وتعمد، فإن الممالك الحارة -والحمد لله على ذلك- أتت بالعجائب وصنعت مآت من الأمثلة والخوارق التي تندر نظائرها في العالم، كما أفادت الصحف قبل عشرة أعوام أن جارية "مدراسية" بالهند حفظت عدة كتب منظومة باللغة السنسكريتية إضافة إلى عدة "فيدا" وهي في العاشرة من عمرها، هذا وكان من خبرها أنها كانت لا تسمع شيئًا إلا وعته ذاكرتها وذل به لسانها ولذا أشار عليها الأطباء بأن تعزل كل يوم في غرفة
стр. 116
منفردة، مخافة أن يتصيد خاطرها كل غث وسمين، فهل يقدم مرغليوث رجلًا من أبناء قومه يحفظ من النثر ما يساوي مليون حديث؟
١١ - يدعي (١) أن الحكاية التي تفيد بأن أبا العلاء لما مرَّ "باللاذقية" وهو في طريقه إلى الشام، أثار في قلبه راهب مسيحي بعض شبهات حول الإسلام لم يستطع دفعها إلى آخر حياته، يمكن أن تكون هذه الحكاية صحيحة ولكن "الرهبان" ظلوا مطعونين في المنظور الإسلامي إلى حد يجعلنا محقين فيما نشك من صحة هذه الحكاية.
فكأنه يحاول أن يحول أمرًا مشاهدًا وواقعًا ملموسًا بصورة عادية أمرًا نظريًّا اعتمادًا على قوة الاستدلال والحجة والبرهان رغم أن هذه الحكاية رواها الذهبي، كما أن "للقفطي" مواطن أبي العلاء مآت من الأبيات وردت في "اللزوم" تشير إلى مدى ولع أبي العلاء بالأحبار والرهبان ومعرفته الزائدة عنهم، راجعوا كتابي "نظرة في النجوم من اللزوم" فليس الخطأ خطأ المنظور الإسلامي وإنما هو صدى أعمالكم وأشغالكم التي تزاولونها، فالخطأ خطؤُكم.
١٢ - (١) ١٣ - (٢) وقد ذكر مرغليوث في الرسالتين ٢٧ و ٢٨ أمورًا أصرف النظر عنها فإن في ذكرها والرد عليها إضاعة لوقت القراء.
١٤ - يزعم (٣) أن الانقطاع الذي يمتد إلى تسع وأربعين سنة (٤٠٠ - ٤٤٩) شغله أبو العلاء بلعب "الشطرنج والنرد" بجانب التدريس والتأليف.
يتضح من ذلك أن مرغليوث لم يعرف أبا العلاء بعد فإن الثعالبي ذكر هذه القصة في ملحق "يتيمة الدهر" النسخة الخطية بباريس وألفاظها كما يلي: كان حدثني أبو الحسن الدلقي المصيصي الشاعر وهو من لقيته قديمًا وحديثًا في مدة ثلاثين سنة قال: لقيت بمعرة النعمان عجبًا من العجاب رأيت أعمى شاعرًا ظريفًا يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كل فن من الجد والهزل، إلخ. لعل مرغليوث لم يمعن
стр. 117
النظر في هذه العبارة وقد فاته "في مدة ثلاثين سنة" توفي الثعالبي في سنة ٤٢٩، وأكيد أنه أعدَّ هذا الملحق قبل وفاته، فمعنى ذلك أن أبا الحسن الدلقي رأى أبا العلاء في نحو سنة ٣٥٥ هـ، فأبو العلاء أعقل من أن يُضيعَ وقته الثمين للعزلة والانقطاع سدى، وهو القائل:
جنيت ذنبًا وألهى خاطري دمن ... عشرين حولًا فلما نبه اعتذرا
كان محل رد هذا الخطأ بعد الرقم ٢٣ ولكنني سجلته هنا سهوًا.
١٤ - يكتب في الدائرة (١) عاش أبو العلاء أربعين سنة منعزلًا بعد عودته من بغداد، ويقول في "الأفكار" إنه عاش خمسين سنة بعد عودته.
هذا تناقض فاحش مني به نكلسن، والحقيقة أنه عاش بعد عودته منعزلًا نحو ثمان وأربعين سنة وشهرًا، لأنه ذكر في رسائله أنه غادر بغداد في ٢٤ رمضان ٤٠٠ هـ فيرجى أنه وصل إلى معرة في بداية ذي الحجة أو نهاية ذي القعدة حيث توفي في ربيع الأول ٤٤٩ هـ كما ذكر ذلك جميع المؤرخين من الصفدي، العباس، أبو الفداء، اليافعي، ابن الأثير، ابن الأنباري، السمعاني، ياقوت، ابن خلكان والسيوطي وغيرهم.
١٥ - وذكر في "الآداب": أنه مات وسنة ٨٤ سنة، لا نحتاج لتكذيب هذا القول إلى تصفح كتب المؤلفين المذكورين أعلاه، بل يتعارض ذلك مع قول نكلسن نفسه، في "الدائرة" حيث يقول: ولد أبو العلاء في ٣٦٣ ومات في ٤٤٩ هـ فاتضح بذلك أن عمره ٨٦ سنة وهذا هو الصواب كما ورد بوضوح في "معجم الأدباء" وعاش ستًّا وثمانين سنة ولا يغيبنّ عن البال أن مرغليوث كتب عن خطأ "شيئًا" بدل "ستًّا" وهو تصحيف لا يغتقر. يروي أبوالبركات ابن الأنباري (٢) أن أبا بكر الصولي لما روى الحديث: من صام رمضان وأتبعه "شيئًا" من شوال إلخ، قال له محمد بن العباس أيها الشيخ اجعل هاتين النقطتين فوق ولكنه لم يفطن لذلك، فعاد وقال: اجعل ستًّا، فصححه الصولي. فهل أرجو ذلك من مرغليوث؟ فإن عدد القلة
стр. 118
تستعمل له في العربية كلمة "نيف" في عامة الأحوال ولا يستعمل له "شيئًا".
١٦ - يكتب في الدائرة (١) مكث أبو العلاء في معرة إلى سنة ٤٠١ هـ ثم عزم على المغادرة إلى بغداد، يكفي لدحض هذا الخطأ الفاحش قول مرغليوث الذي تصدقه كتب التاريخ كلها أيضًا، غادر أبو العلاء معرة وتوجه إلى بغداد سنة ٣٩٨ هـ وعاد إلى معرة في سنة ٤٠٠ هـ.
١٧ - يدعي في الدائرة (٢) أن شرح أبي العلاء "ضوء السقط" هو من أحسن شروح "السقط" ويقول: شرح التبريزي تلميذ أبي العلاء هو أيضًا من أحسن الشروح.
يكفي لتفنيد هذا القول وكشف عواره ما قاله (٣) مرغليوث من أن شرح التبريزي ليس هذا بمنفرد ولا جيد، ويكفي له ما قاله ابن خلكان (٤) بأن شرح ابن سيد البطليوسي أحسن من شرح أبي العلاء نفسه.
يكتب في الآداب (٥) أن ناصر خسرو وصل إلى معرة قبل وفاة أبي العلاء بعشر سنين وسبق أن كتب في الدائرة (٦) أنه وصل إلى معرة قبل وفاته بإحدى عشرة سنة في ٤٣٩ هـ، ففي القولين تناقض، لقد وصل ناصر خسرو إلى معرة في عام ٤٣٨ هـ كما تفيد رحلته (٧) أي قبل عشر سنين وصرح الدكتور طه حسين في "ذكرى أبي العلاء" أنه وصل إلى معرة في ٤٢٨ هـ أي قبل وفاة أبي العلاء بعشرين سنة، وذكر رقم هذه السنة في "حساب الجمل" ثم استنبط انطلاقًا من هذا الأساس الخاطئ نتائج وقضايا وسبح في أجواء خياله ما شاء أن يسبح، ولا غرابة فيه لأنه معترف بجهله باللغة الفارسية ولكن كيف نلتمس العذر لنكلسن الذي يعتبر أستاذًا من أساتذة الفارسية؟
يكتب في الأفكار (٨): أن معظم رسائل أبي العلاء كتبت بعد عودته من بغداد، فكرت فيه طويلًا كما أرهق قبلي مرغليوث أيضًا فكره ولكننا لم نعد بشيء، غير أن
стр. 119
القطع بشيء في تعيين العهد لتأليف معظم رسائله أمر مستحيل، بيد أن رسائله بعد عودته ورسائله قبل عودته كلتيهما هما متساويتان في العدد.
١٨ - كتب "رهن المحبسين" في "الأفكار" و"الدائرة" حسب ما يلي؟ rahnul mahbasyan وكان ينبغي أن يكتب كما يلي: rahnul mahbasyan.
١٩ - يزعم (١) أنه كان عند وفاة أبيه في الرابعة عشرة من عمره ووافقه صاحب ذكرى أبي العلاء أيضًا (٢).
ولكن المنطق يقول أن نفترضه ابن خمس عشرة سنة اعتبارًا بالسنة التي ولد فيها وهي ٣٦٣ هـ فقد توفي والده في ٣٧٧ هـ كما ورد في "الخريدة" و"الأدباء".
٢٠ - يكتب في الآداب أن أبا العلاء أقام بمعرة خمسة عشرة عامًا بعدما عاد من الشام وإلى أن غادر إلى بغداد.
والأنسب أن تزاد تسعة أشهر بجانب ١٥ عامًا أو ستة أشهر على الأقل، راجعوا كتابنا لزيد من التفاصيل.
٢١ - ورد في الآداب (٣) أنه عاد من الشام إلى معرة وهو ابن عشرين سنة ولكن ذلك له يتحقق لديَّ. بل بالعكس من ذلك يدلُّ ما رواه ابن حجر من أنه بقي صنعاء مدة سنة لا يأكل اللحوم، يدلُّ ذلك على أنه ظل يسيح ويتجول بعد العشرين من عمره أيضًا، ولعل خطأ نكلسن يرجع إلى ما ذكره أبو العلاء من أنه لم يتلمذ على أحد بعد العشرين من عمره، ولكن هذا الاستنتاج غير صحيح لأنه يمكن قد واصل السياحة بعد العشرين للبحث عن الكتب لا للتعلم والتلمذة.
٢٢ - يترجم في "الآداب" (٤) بيتًا لأبي العلاء كما وقع في "اللزوم" وهو كما يلي:
غدوت ابن وقتي ما تقضي نسية ... وما هو آتٍ لا أحس له طمعًا
فيقول: يحق لأبي العلاء أن يعتبر نفسه فريدًا وحيدًا في أبناء عصره.
стр. 120
ولكن هذه الترجمة لا توافق ما قاله أبو العلاء فإن أبا العلاء يرى أن الإنسان إنما يقاس في ضوء أوضاعه الراهنة وأما [ما] مضى أو ما سيستقبله فلا يمكن أن نقطع فيه بشيء، والدليل على ذلك الأبيات الآتية التي وردت في اللزوم:
أنت ابن وقتك والماضي حديث كرى ... ولا حلاوة للباقي الذي غبَرا
خذ الآن فيما نحن فيه وخلِّيا ... غدًا فهو لم يقدم وأمسِ فقد مرّا (١)
ولعل أبا العلاء أراد من "ابن الوقت" نفس ما أراده الشيخ نذير أحمد (١ م) عندما أسمى أحد كتبه بـ "ابن الوقت" ولو نظر نكلسن إلى البيتين السالفين اللذين يتفقان في المعنى لما تعرض لهذا الخطأ.
الأخطاء المشتركة لمرغليوث ونكلسن:
١ - يكتب مرغليوث (٢): كان أخوال أبي العلاء وأعمامه غير ملتزمين في العقائد فتأثر بها أبو العلاء وتدل القصيدة التي نقلها الصفدي على أنه لم يؤد الحج في عهدهم.
ويقول نكلسن (٣): لم يحج والده ولا أخواله وأعمامه الذين يعتبرهم أبو العلاء القدوة المثالية، الأمر الذي يحمل أهمية خاصة في صياغة معتقداته وأفكاره.
ولا يوجد برهان أقوى (٤) على العصبية التي تسيطر على الكاتبين من هذا القول، فإن مرغليوث نفسه قد فند الحكاية التي وردت في مناسبة الأبيات تالية مستهزءًا، ساخرًا، ورفضها رفضًا باتًا.
قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في ... مشاة وفد ولا ركبان أجمالِ
فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأي رأوا غير فرض الحج أمثالي
ما حجَّ جدي ولم يحجج أبي وأخي ... ولا ابن عمي ولم يعرف منى حالي
وحجَّ عنهم قضاء بعد ما ارتحلوا ... قوم سيقضون عني بعد ترحالي
стр. 121
وهنا يستشهد بجزء من هذا الواقع العظيم لأجل مصلحة رآها، وما ذلك إلا عصبية لم يسبق إليها، وهل يوجد مثيل أبشع وأشنع من هذه العصبية والخيانة العلمية؟
والحقيقة أن هذه الرواية لا تمت إلى الواقع بصلة ما ولا تعتمد على أيِّ دليل، كما نفاه صاحب "ذكرى أبي العلاء" نفيًا باتًا، و"سر العالمين" للغزالي هو مرجع هذه الحكاية وهو ليس بتأليف الغزالي ولا أيِّ عالم بل هو اختلاق من جاهل أبله، لا يعرف العربية إطلاقًا، كما صرح به العلامة شبلي النعماني في تأليفه "الغزالي" وقد ذكر في هذا الكتاب "سر العالمين" أيضًا أن الغزالي يدعي أنه سمع بعض أبيات أنشدها له أبو العلاء، والواقع أنه ولد بعد وفاة المعري بسنين، ومما يزيد الطين بلة أن هذه الأبيات إنما هي لقائليها بشار وجرير وهما يسبقان أبا العلاء بثلاث مئة سنة.
ولا شك أن أبا العلاء لم يؤد الحج لعوائق وموانع، كما أشار إليه في الأبيات التالية من اللزوم.
أردتَ إلى الحجاز تحملًا ... فعاقتك عنه عائقاتُ الحواجز
من خوف بارئك امتطيت نجيبة ... عادت بسيرك مثل قوس الباري
فإذا وردت منى فغايات المنى ... ملقى جرائم في الحياة كبار (١)
لا يستطيع أن يقول من له ذوق أصيل إن أبا العلاء كان من منكري الحج حقيقة.
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا
صمُّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشرٍّ عندهم أذنوا
إنما كان كرهه وعداؤه لأولائك الحجاج الذي كانوا يزدادون شرًّا وشقاوةً بعد عودتهم من الحج كما قال الشاعر:
أصبح الشيخ ماردًا ... بعدما حجَّ واستلم
هذا وقد قرض أبو العلاء قصيدة لامية في "السقط" (٢) بلسان سائق الحاج تثير عزائم الضعفاء وتبعث فيهم الجراءة والهمة لأن يتوجهوا إلى البيت العتيق عن طواعية
стр. 122
هذا وقد قرض أبو العلاء قصيدةً لاميةً في السقط (١) بلسان سائق الحاجّ تثير عزائمَ الضعفاء وتبعث فيهم الجرأةَ والهمّة لأن يتوجّهوا إلى البيت العتيق عن طوعية النفس وبشاشة القلب، وهي كما يلي:
وسريت تحت المدجنـ ... ـات ممارسًا أهوالها
في فتية تزجى إلى البيـ ... ـت الحرام نعالها
تبغي بمكة حاجة ... قدر العزيز مآلها
حتى قضيت طوافها ... سبعًا وزرت جبالها
وسمعت عند صباحها ... ومسائها أهلًا لها
ترجو رضي الملك الذي ... منح الملوك جلالها
٢٣ - يقول مرغليوث (١)، قبل أبو العلاء تحدي القرآن ويقول نكلسن (٢) في "الآداب" كان أبو العلاء يراوده الشك فيما أن القرآن كلام الله ولذا قبل تحدي النبي ﷺ وأعدَّ كتابًا في معارضة القرآن الكريم إلخ، وقد أعاد هذه الفكرة الأستاذ براؤن في كتابه "التاريخ الأدبي لإيران" والحقيقة أن هذا الفكرة الخاطئة المرفوضة إنما بثها في أوربا كلها "جولدزيهر" بمقالة "ذ، د، م، ج (٢ م) ".
وقد سبق أن تناولناها بالرد والتفنيد وكشف عوارها في مقالة نشرتها مجلة "معارف" في عدد فبراير سنة ٢٥ م، ولكننا ننقل هنا شهادة لأبي العلاء نفسه بإعجاز القرآن، ظهرت بعد فراغه من تأليف "الفصول" بنحو عشر سنين في ٤١٤ هـ: لقد أجمع كل ملحد ومهتد، وناكب عن المحجة، ومقتد على أن الكتاب الذي جاء به النبي ﷺ من الله كتاب بهر بالإعجاز ولقي عدوه بالإرجاز (٣).
٢٤، ٢٥ - يروي مرغليوث عن التاريِخ الإِسلامي أن أبا العلاء لما عاد من الشام سنة ٣٨٣، بدأ يحصل على ثلاثين دينارًا سنويًّا من وقف لقومه، بيد أن الذهبي يقول كما يلي: "له وقف يحصل منه في العام نحو ثلاثين دينارًا. . . . واتفق أنه عورض في الوقف المذكور من جهة أمير حلب فسافر. إلى بغداد إلخ" كتب نكلسن مثله في مكانين (٤)، ولكنه زاد في "الآداب" (٥)، "لم يكن له أيّ دخل سوى هذه
стр. 123
الثلاثين دينارًا" وكتب في "الأفكار": لعله كان له مصدر آخر للدخل سواء من التعليم أو غيره. وبين هذين القولين تناقض فاضح، ولكن ما هو أغرب من ذلك هو أنه يكتب في "الأفكار" (١) مرة ثانية: كان يستلم من تلامذته مبلغًا معقولًا، وقد استعمل الكاتب في الاستشهاد الأول "لعل وشيئًا" وهما تعبيران مريضان بعيدان عن أسلوب البحث والتحقيق، وفي الاستشهاد الثاني استعمل كلمة "معقول" في مناسبتين في كتاب واحد، وقد اتبع فيه مرغليوث (٢) الذي يقول: ليس من المستبعد أن التلامذة كانوا لا يعودون إلى أوطانهم إلا بتقديم مكافأة جهمٍ وتكريمهم لأساتذتهم ماديًّا، ويقول في مكان آخر: كان تعليم أبي العلاء موجهًا إلى تحصيل المال بحكم طبيعته التي فطر عليها، ويكتب في مكان آخر أيضًا: "وإن كان أبو العلاء ليردد أنه لم ينظم قصائده طلبًا للمكافاة والجائزة، ثم يروي عن الدكتور ريو: "القصيدة الأولى من "السقط" يمدح فيها أبو العلاء حفيد سيف الدولة بسعيد الدولة" الخ وكأن مرغليوث حريص جد الحرص على أن يثبت بأن هذه القصيدة شهادة قاطعة على طمع أبي العلاء وكأنه يتقلب على الجمر لأن يبرهن على أن أبا العلاء كان من الشعراء الذين يرتزقون بالشعر ويتكسبون.
والواقع أن المبلغ المذكور أعلاه لم يكن إلا خمسة وعشرين دينارًا، وقد خصص معظمها لخادمه، كما صرح به أبو العلاء (٣) وأنا أعارض الذهبي فيما يقول: إن هذا المبلغ الزهيد كان يحصل له بعد عودته من بغداد وذلك لأنه يعترف بوضوح بأنه كان لديه ثروة (٤) قبل مغادرته لبغداد ولا شك أن خمسة وعشرين دينارًا لا تعد ثروة، ولكنه من نسيج خيال مرغليوث ونكلسن أن أبا العلاء بدأ يتسلم هذا المبلغ الزهيد بعد مغادرته من الشام، ولا تدل عبارة الذهبي على هذا المعنى أبدًا، بل يبدو أن هذا المبلغ كان يحصل له قبل هذه الرحلة أيضًا، وأما تسلمه للأجرة من تلامذته فلا يقوله إلا من جهل عادات الشرق وأحوال أبي العلاء فهل كان أبو العلاء أستاذًا
стр. 124
كمثلهما في "كيمبردج" و"أوكسفورد" أو كان معلمًا جوالًا يتجول على تعليم "عشاق" العلم العديدين، بل كان يسدي إلى طلبته الخير ويحسن إليهم، ويروي الذهبي أن أبا العلاء كان يعتذر إلى الطلبة الذين يأتون إليه من بعيد بأنه قليل البضاعة، عديم الثروة وكان يتأسف على ذلك تأسفًا بالغًا، وإليكم بعض أبيات من اللزوم تشير إلى هذا المعنى وهي كما يلي:
يزورني القوم هذا أرضه يمن ... من البلاد وهذا داره الطبس
قالوا سمعنا حديثًا عنك قلت لهم ... لا يبعد الله إلا معشرًا لبسوا
أعاننا الله كل في معيشتِه ... يلقى العناء فدرّي فوقنا دُبَس
ماذا تريدون لا مال تيسر لي ... فيستماح ولا علم فيقتبس
أتسألون جهولًا أن يفيدكمو ... وتحلبون سفيًّا ضرعها يبس
أنا الشقي بأني لا أطيق لكم ... معونة وصروف الدهر تحتبس (١)
يروي القفطي أن تلامذة أبي العلاء أبدوا ذات مرة رغبة إلى حبحب حلب، حتى أحضره أبو العلاء فأكلوا جميعًا وقد خصصوا منه شيئًا لأبي العلاء، لكنه جف ولم يأخذ منه أبو العلاء شيئًا. إن هذا الحكاية لهي أوضح دليل على أن أبا العلاء إنما كان يعطي ويساعد الطلبة، كذلك روى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن تلميذ أبي العلاء الرشيد التبريزي أنه قال: كنت أقرأ كتب الأدب على الخطيب البغدادي في جامع دمشق، مرة جاء الخطيب إليَّ في غرفتي ومنحني خمسة دنانير وطلب مني بأن اشتري منها الأقلام وكذلك منحني مثله مرة أخرى.
عبر مرغليوث ونكلسن كلاهما عن الوقف بصندوق مال الوقف Trust fund حينًا وبمعاش التقاعد (PENESION) حينًا آخر، والواقع أن أبا العلاء لم يكن يملك سوى أرض ومباني فكانت الأرض تؤتي ثمارها سنويًّا والمباني تجلب له الأجرة، كما تناولناه بالضبط والتحقيق في كتابنا مدعمًا بتصريحات أبي العلاء نفسه، ولا شك أن مثل هذا الدخل لا يعبر عنه بكلا اللفظين إطلاقًا.
وما أبعد عن الواقع قوله إن: أبا العلاء واصل تعليمه لكسب المال، رغم أنه قد رفض هذا القول مرارًا وتكرارًا، يقول الذهبي وغيره (٢) إن أبا العلاء كان طموحًا
стр. 125
على الهمة، لم يكن يحمل في جيده منة أحد، فإنه لو أراد أن يرتزق بشعره ويلتمس لتوفرت له الرياسة الدنيوية وانهالت عليه الثروة الفائضة، ولا نحتاج إلى إيضاح أن أبا العلاء كانت حياته بكاملها قدوة ونموذجًا مثاليًّا للتقشف والقناعة، فكأن مرغليوث يريد أن ينظر إلى أبي العلاء من خلال العيون النهمة المادية لأوربا، ينظره فريسة الشره المطرد والنهامة الزائدة، رغم أنه يقول بنفسه عن قصائد صباه في مقدمة السقط (١):
"ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طالبًا للثواب وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس فالحمد لله الذي ستر بضفة من قوام العيش ورزق شعبة من القناعة أوفت على جزيل الوفر".
فهل هما فاقا أبا العلاء صدقًا وأمانة، أنا اعترف بأن "ريو" صدق فيما أفاد بأن القصيدة الأولى للسقط في مدح سعيد الدولة، لكنه لو سرح هذا المدعي طرفه على عنوان نفس القصيدة التي فيها "ولم يكن من طلاب الفوائد" وورد في النسخ المطبوعة "من طلاب الرفد"، فقوله بأن مدائحه لكسب المال، ليس بعد هذا التصريح إلا العناد والمكابرة والعصبية الجاهلية، وإن البيت التالي الذي أنشده في صباه ليؤكد ما نقول (٢):
قنعت فخلت أن النجم دوني ... وسيان التقنع والجهاد
٢٦ - يدعيان (٣): أن أبا العلاء غادر إلى بغداد للبحث عن المعاش أو الوظيفة أو تجربة الحظ، ولكن أبا العلاء نفى ذلك يوم كان في بغداد ونفاه بعد عودته منها أيضًا حيث يقول:
سيطلبني رزقي الذي لو طلبته ... لما زاد والدنيا حظوظ وإقبال
رحلت لم آت قرواشًا أزاوله ... ولا المهذب أبغي النيل تقويتًا
والموت أحسن بالنفس التي ألفت ... غذا القناعة من أن تسأل القوتا
وكم ماجد في سيف دجلة لم أشم ... له بارقًا والمرء كالمزن هطال
وإني تيممت العراق لغير ما ... تيمّمه غيلان عند بلال
стр. 126
فالقراء لهم الخيار إما أن يصدقوا أبا العلاء أو يصدقوا مؤلفي سيرته الماديين. ثم يزعم كلاهما أن أبا العلاء كان يخيب مقاصده وغاياته بمثل هذه الأبيات الإنكارية، يا سبحان الله! لعلهما قد شقا قلبه ولمساه بالبنان.
٢٧ - كلاهما يدعي (١) أن أبا العلاء تحول نباتيًّا Vegetarian فرفض أكل اللحوم بعد عودته من بغداد، ويعارض ذلك تصريح أبي العلاء نفسه فإنه يقول:
"لما بلغت الثلاثين من عمري صمت صوم الدهر وبدأت اقتصر في طعامي على النبات يعني تم ذلك في ٣٩٣ هـ قبل مغادرته لبغداد بخمس سنوات ونصف، مع أن عندنا شهادة قوية خارجية أيضًا وهي ما قاله ابن حجر أنه بقي في صنعاء سنة لا يأكل اللحم، معنى ذلك أنه بقي في صنعاء مدة سنة مجتنبًا أكل اللحم، وقد أجمعوا على أنه لم يفارق زاوية عزلته قط بعد عودته من بغداد فلا محالة أن رحلته إلى صنعاء كانت قبل عودته من بغداد، أما ما يزعمون أن أفكاره المتشابهة بالبرهمية، والجينية قد نشأت بعد عودته من بغداد، فهذا خطأ تعرض له معظم المترجمين له، ويمكن أنه قد تمسك بهذه النظريات بشدة بعد ما عاد من بغداد وقد وضع لحياته خطة عمل في المستقبل.
٢٨ - يزعمان (٢) أن أبا العلاء مرَّ في طريقه بحلب، ولكن المسافر نفسه لا يصدق ذلك فإنه يقول (٣): "ما نكبت حلب في الإبداء والانكفاء إلا إلخ، ومما يبعث على العجب أن يقول ذلك ناشر رسائله ومترجمها.
٢٩ - ورد في رسائله رقم ٨ "نبذة كنبذة فنيق النجوم" يعني عزلة كعزلة فحل النجوم، أخطأ فيه نكلسن ومرغليوث حيث ظنا عن خطأ أن "فنيق" نجم من النجوم (٤)، رغم أنه في الواقع اسم للفحل من الإبل، وبما أن "سهيلًا بمعزل عن جميع النجوم لذا يعبر عنه بالفنيق بطريق المجاز، ويشهد بذلك أحد الأبيات التي ذكرها أبو علي المرزوقي في كتاب الأزمنة وهو كما يلي:
شآمية إلا سهيلًا كأنه ... فنيق غدا عن شوله وهو حافر
стр. 127
والآن نتصدى لعرض خطأ من أخطاء مرغليوث يختص به وقد فاتنا ذكره فيما سبق.
٣٠ - يزعم (١): أن داعي الدعاة راسل أبا العلاء من مصر في شأن أكل اللحم، فهذا ليس بصحيح، لأن داعي الدعاة يقول (٢): "فلما رمت بي المرامي إلى الشام وسمعت أن الشيخ وفقه الله تعالى. . . . إلخ" إن هذه العبارة بكاملها لا تترك أيّ مجال للشك، وقلد صاحب "الذكرى" مرغليوث تقليدًا أعمى، راجعوا "ذكرى أبي العلاء" ص ٩٦.
وعجب على العجب أن ياقوت الحموي قد روى عن "فلك المعالي (٣) " أن بعض الناس يعدون الموت عدوانًا من الله وأبو العلاء منهم، ولذا سلط الله عليه داعي الدعاة فجرت بينهما مراسلات ودارت مناظرات مما أدى إلى أمر داعي الدعاة بأن يؤتى بأبي العلاء إلى حلب ويخير بين حياة يزينها الإسلام الصحيح وتذهب بأثقالها الثروة الموفورة أو قتل يريحه ويريح الدين من شره، فلما علم أبو العلاء ذلك شرب السم فمات حتف أنفه.
"فلك المعاني" تأليف لأبي يعلى بن الهبارية الذي يروي عنه ياقوت كثيرًا راجعوا "كشف الظنون" ونسخة خطية له موجودة في مكتبة "أيا صوفية قسطنطينية" راجعوا دفترها برقم ٤١٥٧ المطبوع بسنة ١٣١٤، وكان ابن الهبارية شاعرًا فحاشًا بذاءً لم يسلم من معرة لسانه ووصمة بنانه أحد من أعيان عصره (٤) فوقوع أبي العلاء فريسة هجائه لهو دليل على فضله وعلوه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
قد شرحنا ذلك في كتابنا ورفضنا هذا القول بقوة، أما القول بأن أبا العلاء شرب السم ومات فهو قول مرفوض لم يذكره مؤرخ، وابن الهبارية لا يوثق به فهذا القول أيضًا مرفوض.
стр. 128
والقصة المذكورة أعلاه يرويها الدكتور طه حسين عن "غرس النعمة" فيقول (١):
"ومن الواضح أن ليس لهذه الرواية ظل من الصحة، لأن موت أبي العلاء معروف لذلك أسرع ياقوت إلى رفض الرواية وتكذيبها، والعجب أن المستشرق الفرنسي "سلامون" لم يفهم ما كتب ياقوت فظن أنه صاحب الرواية واجتهد في الرد عليه، ولو أنه فطن لما كتب ياقوت لأراح نفسه من عناء كثير".
وأنا أقول للدكتور: نسب سلامون عن خطأ رواية القصة إلى ياقوت، لكنك يا ليت لو راجعت نفسك، فقد ارتكبت نفس الفرية ونسبت الرواية إلى غرس النعمة، رغم أنه منها براء، وسيتجلى لكم ما أقول لو أعدتم النظر في "معجم الأدباء"، ولا يغيبنّ عن البال أن "فلك المعاني" هو تأليف ابن الهبارية بدل "غرس النعمة"، فهل تسمحون لي بأن أنشد هنا بيتًا لصاحبنا:
وبصير الأقوام مثلي أعمى ... فهلموا في حندس نتصادم
* * *
لم يكن يحلو لي أن أطعن في الرجال شأن الآخرين كسبًا للتأييد وتمهيدًا للطريق، ولكني رأيت أن الباحثين إنما سلطوا الضوء على الجوانب المشرقة من إنجازات المستشرقين وخدماتهم على حساب الجوانب الأخرى من الضعف وعدم الحياد، والسلبيات التي تطرقت إلى أعمالهم وإنتاجاتهم، فكانت السنة الآلهية تقتضي أن لا يظل هذا الجانب مهملًا غير مطروق، على أنني أعرف جيدًا أن الإنسان لا يمكن أن يسلم أيّ عمله من العيب والخلل، فلا أبرئ نفسي ولا أزكيها على الله، غير أنه يبعث على الارتياح ويثلج المصدر أنني تحاشيت من الدعاوي ما استطعت وأتيت بما سيكبح -لو شاء الله- شيئًا كثيرًا من جماح المجانين المزعومين في بلادنا من الباحثين المستشرقين الذين كثيرًا ما يتجرأون على نسبة العصمة إلى أنفسهم.
هذا، ويحتوي البحث على كثير من آراء قيمة نادرة وملاحظات موضوعية بديعة فأرجو من الباحثين عن الحق أنهم سيضعون فوائده الحقيقية نصب أعينهم.
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
стр. 129
ماذا رأيت بخزائن البلاد الإِسلامية (*)
سعادة الوزير الخطير وسادتي من العلماء الأعلام:
كنت أمني النفس برحلة إلى بلاد الإسلام منذ ثلاثين سنة، حتى آن أوانها وتيسرت الأسباب، فقمت بها على نفقة نفسي ومما توفر لدي من نفقات عيالي في ١٦ سبتمبر سنة ٣٥ م ورجعت في ٢١ يونيه سنة ٣٦ م. ونقبت عن جل المكاتب العمومية وبعض الخصوصية على ما تسنى لي، وهي لا تقل عن ٧٥ خزانة في مصر والإسكندرية واستنبول وحلب ودمشق والقدس وبغداد والنجف، وعلقت مذكراتي وما سقطت عليه من الشوارد والنوادر في الجزازات والدفاتر وأراها من خير ذخيرة اقتنيتها في حياتي وأخلفتها بعد مماتي، وهو شيء كثير في ضروب العلم ولكني أرفق بساعاتكم العزيزة فلا أسرد كلها عليكم غير أن ما لا يدرك كله لا يترك كله وفي المذكور دليل على المتروك.
لا يخفي على كل من طالع فهرستي ابن النديم وابن خير الإشبيلي وجملة من الأثبات المعروفة وكشف الظنون إلى غيرها من كتب التراجم والتواريخ كثرة الأسفار والمؤلفات التي خلفها لنا الأسلاف ووفرتها إلا أن معظمها كما هو معلوم ضاع وباد في عدة طامات حاق بالمسلمين نكالها ولكننا بعد كيت وذيت في حال لا يمر علينا شهر إلا ويأتي بخبر اكتشاف بعض ما كانوا يظنونه مكتومًا وبآحياء آثارهم الخالدة مما كان يحسب معدومًا.
ووضع علماء المشرقيات بالمغرب فهارس وافية لما تجمع شمله في خزائنهم، من كتبنا التي تناثر عقدها وتبدد شملها بحثوا فيها عن كل دقيق وجليل وقليل وكثير ووصفوا المخطوطات وصفًا لم يغادر في النفس حاجة إلا قضاها. ونحن في المشرق والجهل مخيم علينا سرادقه يقرع علينا في كل حين منه قارعة ويطرق علينا طارقة،
стр. 130
هذه خزائننا سدى كهمل النعام لا يلتفت إليها الأنام وإنما هي نهزة للسراق ونهي للديدان والحوادث في الآفاق.
وأما هؤلاء الشداة والنشأ من شباننا وفقهم الله فتراهم يهرعون إلى أوربا حيث يصححون في غالب الأحوال كتابًا على ما يزعمون ليفوزوا بالدكترة وإنما هم مخدوعون يخدمون الأجانب من حيث لا يشعرون إلا من أتى الله بقلب سليم. ولو منحوا خزائن الشرق من عنايتهم تمتة لخدموا العلم في مشارق الأرض ومغاربها خدمة تعد وتذكر في مآثرها ومناقها. ولا أغمطهم نعمتهم والله يشهد أني لا أغض منهم وإنما أنا بصنيعي هذا أنبه من هممهم الراقدة الراكدة وعزائمهم الهامدة الخامدة وآخذ بحجزهم إلى ما فيه صلاحهم وخير بلادهم لوجدت قلبًا واعيًا وهم فاعلون بمشيئة الله وتوفيقه.
إلا أن كثيرًا من الآثار التي خدموها بالطبع والنشر اعتمدوا فيها إما على نسخ غير قيمة أو يكون غيرها أولى منها أو ذهب عليهم فيما هم بصدده من الأخلاق الخطيرة بعض ما لم يتوفقوا لرؤيتها فلم يقضوا نهمتهم منها، ومن جراء ذلك ربما جرت عليهم أغلاط وراجت في سوقهم ثم تسربت إلى العلماء والكتاب فضلوا عن القصد وتاهوا.
ثم إن هاتيك الكتب منزوية في زوايا الإِهمال لم يقدر لها من يخدمها بالتعريف والتنويه والوصف والتنبيه بعد، وإن كان في تلك الزوايا خبايا ولسلفنا مآثر وبقايا فاعتمدنا في الأبواب على ملصقات الخلف ومزخرفاتهم فتناقص العلم وبار ونضب معينه وغار.
فالتقطت في كل باب من الأبواب غيضًا من فيض وبرضا من عد ليكون نموذجًا يدل على ما وراءه. وعندي بيان أماكن وجودها. وأقدم قبل كل شيء أن عدة من الكتب التي طبعت عن نسخ دار الكتب المصرية وغالبها بخط الطيب الذكر محمد محمود الشنقيطي أو غيره إنما توجد أمهاتها وأصولها بخزائن استنبول، كالموشح للمرزباني والصاحبي لابن فارس والميسر للقيني ودواوين ابن الدمينة. وجران العود ونابغة شيبان وابن قيس الرقيات والحماستين للخالديين والبصري ومنتهى الطلب إلى غيرها فيجب علينا إذن أن نبحث عن الأصل ثم نحكم بما نرى.
стр. 131
إذا أنشد بشار ... فقل أحسن حماد
جملة من المطبوعات التي أعرف بعض نسخها التي تزيد في الفائدة.
١ - طبع كتاب البيان للجاحظ بمصر عدة طبعات ولكنه مع ذلك يحتاج إلى طبعة منقحة معارضة بعدة نسخ توجد في كوبرولو ونور وعثمانية وغيرهما.
٢ - وكذا الحيوان طبعته من أردأ ما كان أو يكون ونسخه الجليلة في كوبرولو ونور عثمانية وعاشر أفندي.
٣ - وهذه طبعة الخواجه ريط من الكامل للمبرد وأعرف النسخ التي فاتته وهي بعاشر وكوبرولو والفاتح.
٤ - وطبع اليسوعيون نوادر أبي زيد عن نسخة بخط صاحب اللسان وكانت ملكًا لجرجس صفا إذ ذاك وهي الآن بالتيمورية مع أن أصوله بكوبرولو وغيرها ونقل عنها الشنقيطي وغيره ونسخهم بالدار فهي تحتاج إلى المعارضة بإن هذه الطبعة على نقائها مصحفة.
٥ - ورسائل أبي العلاء طبعت ببيروت وأكسفرد وفاتتهما عدة رسائل أصولهما باستنبول ونسخها بالتيمورية، وبكوبرولو نسخة جليلة جدًّا من رسالة الغفران ورأيت من الصاهل والشاحج نسخة بالنجف.
٦ - والإِبانة عن سرقات المتنبي للصاحب العميدي طبعته رديئة وأصله الجليل بأيا صوفيا.
٧ - ١٠ - وأشعار ابن قيس الررتيات وجران العود ونابغة شيبان وابن الدمينة أصولها باستنبول ولم يعرفوها.
١١ - ١٤ - ودواوين العجاج ورؤبة أبي ذؤيب وذي الرمة سلخت من الشروح اللازمة وأساء ناشروها السادة الوارد وهبل ومكارتيني إلى العلم وفي في حاجة ماسة إلى الشروح.
١٥ - والمنقوص والممدود لابن ولاد نشره الأستاذ بال برونله وأعرف منه رواية المهلبي عصري المتنبي مع زياداته (ويقول علي بن حمزة في التنبيهات أن معظمها
стр. 132
من المتنبي وإنما تغلبه عليها المهلبي) وفيها تعليقات لابن خالويه أيضًا.
١٦ - وديوان امرئ القيس يحتاج إلى عناية وزيادة من نسختيه راوتبي الطوسي وخرابنداد.
١٧ - وكذا شعر زهير إنما المطبوع نحو نصفه والتمام في رواية ثعلب أو السكري ونسخها باستنبول ومصر والاسكوريال وألمانيا.
١٨ - والآثار الباقية لأبي الريحان طبعته تنقص نحو ٣٠ ورقة ونسختها الكاملة الجليلة بالعمومية باستنبول.
١٩ - وطبع الإنصاف للكمال ابن الأنباري بليدن وأعرف كتابًا بهذا الاسم والمعنى للثمانيني بخزانة ولي الدين جار الله.
٢٠ - وطبع الأستاذ ذكوديره الاسباني صلة ابن شكوال طبعة ليست بتلك ورأيت بفيض الله نسخته الجليلة بخط الجاحظ أبي الخطاب ابن دجية تلميذ المؤلف كتبها في حياته.
٢١ - وطبع صديقنا نعمان الأعظمي النور السافر للعيدروس ببغداد ورأيت بالتيمورية ذيله للشلي في مثل حجمه المسمى السنا الباهر وهو لا يقل عن أصله في الفائدة.
٢٢ و ٢٣ - ويوجد من ذيول تاريخ الخطيب ذيلا الدبثي وقطعة من ابن النجار. ومختصر الدبثي للذهبي بخطه في الدار في خمسة أجزاء ومختصر ابن النجار لابن الدمياطي بخطه بالدار في ٨ أجزاء.
٢٤ - ورأيت مختصر ذيل ابن خلكان لابن زيرك والأصل للزركشي.
٢٥ - وطبع مشارق الأنوار لعياض بالمغرب الأقصى وأعرف إصلاحه مطلع الأنوار لابن قرقول رواية ابن دحية في ٣ أجزاء.
إلى غيرها وفيها كثيرة.
ومما يخص دائرة المعارف منها:
٢٦ - كتاب التيجان لابن هشام نسخة بعضها أردأ من بعض على أنها سقيت
стр. 133
بماء واحد وإنما الأم والإِمام باستنبول كتبت بفاس سنة ١٣١ هـ.
٢٧ - والاستيعاب لابن عبد البريا ليتهم كانوا طبعوا معه الاستدراك عليه لابن الأمين الطليطلي.
٢٨ - ولدول الإِسلام لذهبي ذيل للسخاوي وصل به إلى سنة ٨٩٥ هـ يسمى وجيز الكلام.
٢٩ - ورأيت للدرر الكامنة ذيلًا لابن حجر نفسه وبخطه وصل به إلى سنة ٨٣٢ هـ في ٢٢٥ ص.
٣٠ - ونسخة رامبور من أفعال ابن القطاع مختلة لا تفي بالغرض ورأيت منه عدة نسخ وكلها أحسن من نسخة رامبور ولا أجل من نسخة الدار المنقولة سنة ٥٦٣ هـ عن نسخة ابن القصار الصقلي وقرأها على المؤلف وأعرف نسخة من أفعال ابن القوطية بإصلاح ابن القطاع جعل الرمز فيها للأول- ق- وللآخر- ع- لا بد من المقابلة بها. على أني رأيت نسختين من أفعال السرقسطي المنبوز بالحمار فيه ٥٥٠٠ فعل وهي الغاية القصوى وعليها خاتمة الباب.
٣١ - وسنن البيهقي رأيت منه جزءًا عليه حواش منقولة من خطه.
بعض غرائب ما وجدته في تطوافي
يوجد عند صديقنا خواجه إسماعيل صائب مدير الكتبخانة العمومية باستنبول كان نسخة جليلة مقروءة مسموعة (وبآخر كل جزء منها المخطوط بذلك) من مسند معمر بن راشد اليماني من أقدم ما دون في الحديث حقًّا على رق الغزال نسخت بطليطلة نحو سنة ٣٦٣ هـ وهي ذخيرة المسلمين العظمى والبركة.
وأقدم نسخة رأيتها في الخزائن كتاب المسائل عن سيدنا أحمد بن حنبل رواية أبي داود السجستاني وثبت في ختامها "وسمعنا سنة ٢٦٦ هـ" وهي بالظاهرية.
كان طبع قبل نحو ثلاثين سنة الجزء الأول من شرح ما يقع فيه التصحيف لأبي أحمد العسكري الإمام طبعة رديئة وكنت بأشواق إلى نسخته الكاملة وإنما الأم بمصر في جزئين في مجلد وهي الفريدة لمنسخه المنتشرة في الآفاق ولما كنت بدمشق
стр. 134
على وشك الرحيل جاءني الشيخ حمدي السفرجلاني من علمائها وبيده دشت مبعثر كان اشتراه بحلب بثمن باهظ يسألني عن اسمه ورسمه ومؤلفه وكنت فطنت له في أول نظرة ولكن شرطت عليه أن يخليني أصوّره أولًا ثم أدله على ذلك فخضع لذلك بعد لأي. وهو الجزء الثالث من نسخة التصحيف بالمدار عينها انفرد عن صاحبيه.
أخين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى أمد والمرء لا يأمن الدهرا
فلا تدرون يا سادتي مبلغ سروري بهذا الفوز العظيم فتم تمام الكتاب عندي ولله الحمد.
ورأيت باستنبول قصة طويلة غريبة المغزى في نحو ٢٠ مجلدًا ضخمًا متفرقة في عدة من خزائنها تعرف بقصة الدلهمة والبطال تشبه قصة داستان أمير حمزة (قصة حمزة البهلوان) أو طلسم هوش ربا بديارنا.
ومما رأيته في معنى كشف الظنون التذكار الجامع للآثار في مجلدة طويلة بائنة الطول في عرض لا يناسبه.
ويوجد من شرح ابن ماجخ لمغلطاي بن قليج جزء من مسودته بخط يده في بانكي يور وجزؤه الفائت من المسوّدة عينها بخزانة فيض الله فسبحانه من مقدر!
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد
ووقفت على الجزء الثاني من نسب قريش للزبير بن بكار صاحب الموفقيات (الذي يوجد بعض أجزائه في لبسيك بالمانيا) فسبحان من أحياه لنا بعد مماته. ورأيت في المعنى البيتين في نسب القرشيين للموفق بن تمامة. وكنت رأيت عند الشيخ ناصر حسين ١٩٢٥ م بلكنؤ كتاب المنمق لابن حبيب في أخبارهم.
ومما يفيد دائرة المعارف
طبعوا كتاب المجتني لابن دريد عن نسخة ابن أبي جرادة وهو ابن العديم الحلبي مع أن أهل حلب كانوا غاروا عليه قبل مدة غير قصيرة فطبعوه ولما كنت بحلب أبريل سنة ١٩٣٦ م صحبة الشيخ راغب الطناخ أهدى إلينا ناشره ثلاث نسخ أخذ منها الصديق واحدة وبقيت لي نسختان أقدم منهما واحدة للدائرة إن شاء الله.
стр. 135
والسيد مير معصوم المدني كان أقام في القرن ١٢ مع الملوك القطب شاهية مجيد رآباد مكرما ورأيت له رحلة إلى حيدر آباد عن طريق اليمن سماها سلوة الغريب وأسوة الأريب لا تخلو عن فائدة في ٣٥٤ صص نسخت سنة ١٢٠٦ هـ رقمه بالتيمورية ١١٣١ تاريخ.
ما يتعلق بالكتاب كتاب سيبويه
وهو وإن سبق طبعه ثلاث مرات أو أكثر فإن الحاجة باقية بعد وفي النفس رغبة فأحسن ما رأيت من نسخه نسخة كاملة جليلة جدًّا كتبت بمراكش سنة ٦٠٥ بخزانة ملامراد.
وأما شرحه لأبي سعيد السيرافي فمنه نسخ عتيقة أو بناتها بالحميدية وعاطف وأيا صوفيا ودار الكتب المصرية والتيمورية ووضع له المرحوم أحمد تيمور فهرسًا حافلًا الحقه بآخر نسخته وهو في مجلد ضخم. ورأيت نسخة من مختصر هذا الشرح بخط المختصر نفسه.
وكتاب الانتصار أو نقض ابن ولاد على المبرد في رده على سيبويه وتعليقة أبي علي الفارسي عليه.
وشرحه للرماني (فيض الله).
وتفسير غريب ما فيه من الأبنية عن السجستاني (شهيد علي).
وتنقيح الألباب في غوامض الكتاب لابن خروف (التيمورية).
وقد اجتليت بعيني نسخة فريدة من شرح أبياته لأبي محمد ابن السيرافي.
ولأبي محمد الأسود الأعرابي الغندجاني رد عليه غريب سماه فرحة الأديب بالدار.
الحماسة الطائية وما في معناها وشروحها
أعرف منها نسخة جليلة برواية أبي رياش القيسي (ترخال خديجة سلطان ملحق بني جامع).
وأخرى جليلة مقروءة (بيني جامع).
стр. 136
وأخرى مجمع روايتي التبريزي عن أبي العلاء وابن أبي الصقر بسنده إلى النمري ونسخت سنة ٥٩٠ هـ ورأيت الجزء الثاني من أخرى عليها خط التبريزي بالإِقراء بخزانة الفاتح.
ولأبي محمد الأسود إصلاح ما غلط فيه النمري من شرح الحماسة وكأن التبريزي أخذه كله في شرحه ونسخته العتيقة الفريدة بالدار في ٤٢ ق.
والحماسة تفسير ابن فارس اللغوي منه نسخة عنيفة ملوكية ورسالة في تفسير بعض أبيات الحماسة لأبي هلال العسكري.
والتنبيه على مشكل أبيات الحماسة لابن جني رأيت منه ثلاث نسخ.
وشرحها لأبي العلاء المعري بالدار،
والنسخ الأمهات من شرح المرزوقي بالعمومية وكوبرولو والفاتح،
وشرحها للعكبري المسمى باب الحماسة منه نسختان.
وشرحها للبياري براغب باشا.
وشرحها للجعبري لعلة بلا له لي.
والباهر في شر الحماسة لأبي علي الطبرسي.
وحماسة الأعلم الشنتمري وهي حماسة أبي تمام هذه بعد ترتيبها على الحروف كما قد أخذ الشيخ نائل مرصفي في مثل ذلك يوجد منه نسختان جليلتان بالدار.
ورأيت شرحها لابن زاكور من علماء القرن الثاني عشر عند الشيخ طاهر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر بدمشق.
والأشباه والنظائر وهي حماسة الخالديين وهي من أجل ما كتب في المعنى ولا تدانيها حماسة في الفائدة- منها نسختان أمان باستنبول وبنتاهما بدار مصر.
والحماسة البصرية منها نسخ عتيقة جليلة للغاية بنور عثمانية وراغب وعاشر، وبالآصفية ودار مصر والاسكوريال نسخ دونها.
والحماسة المغربية فيها كثير من أشعار القرون المتأخرة إلى القرن السادس ونسختها المكتوبة سنة ٦١٨ بالفاتح.
стр. 137
وأما حماستا ابن فارس وأبي هلال العسكري فإني رأيت بايا صوفيا التذكرة السعدية نقل فيه في جل الأبواب منهما أشياء كثيرة.
ولأبي تمام حماسة أخرى صغيرة وهي الوحشيات.
ديوان المتنبيء
توجد عدة نسخ من شرحه لأبي العلاء بالدار ومكتبة شيخ الإسلام بالمدينة ودار تحف بريطانيا وهي إن شاء الله من شرح الواحدي وإنما النسخة الحقيقية من الشرح وهي الفريدة وكتبت في قرن أبي العلاء فهي بالحميدية وهناك عنوانه اللامع العزيزي على ما سماه أبو العلاء نفسه.
وشرح بعض أبياته لابن القطاع بالدار.
وشرح المشكل من شعره لابن سيده- شهيد على جار الله؟ الدار.
النظام وهو شرح ابن المستوفي ثلثاه يبني جامع.
شرح مشكلة للصقلي نسخة تامة جليلة.
وشرحه لعبد القاهر الجرجاني (فيض الله).
وكتاب الصفوة في معاني شعر المتنبيء للحافظ أبي اليمن الكندي.
وشرحه لعبد القادر المكي المسمى الكلم الطيب على كلام أبي الطيب بالدار.
والمآخذ على شراح المتنبيء كابن جني والمعري والواحدي والتبريزي والكندي للمهلبي وهو كتاب نقد جليل المغزى- بفيض الله.
الاستدراك على المآخذ الكندية من المعاني الطائية لابن الدهان من استدراك ابن الأثير عليه- الخالدية، كوبرولز.
وجوه الذم المستخرجة من كافوريات المتنبي- عاشر أفندي ٤٠ ق.
تنبيه الأديب الغريب في نقد اعتراضات على شعر المتنبي لعبد الرحمن باكثير المكي- الأزهرية الزكية.
نبذة في أخباره بالتيمورية حديثة في ٩ ص.
اللغة
وللأئمة مئات من المؤلفات المرتبة على الأجناس والأبواب وبعضها وهي أقلها
стр. 138
على حروف المعجم. ولسهولة الكشف عن المواد أكب المتأخرون على معاجم المتأخرين كاللسان والتاج وهما ديوانان لم يأت مؤلفهما فيهما إلا بالجمع والتنسيق والتدوين والتلفيق وأما تحقيق ما وجداه في النسخ المختلفة فليسا من بابه ولا هما خطيبا محرابه كما قد صرح ابن منظور بذلك ولا توفر لديهما مادة ذلك والغرض أنهما ليسا فيما هنالك فهذان كتاباهما فيهما ألوف مؤلفة من الأغلاط الفاضحة وهي في كفة النقد راجحة على أن الذي سقط بأيديهما من مؤلفات اللغة غيض من فيض وقليل من كثير.
وإن كانت مؤلفات الأقدمين قد ضاع معظمها وبار سائرها ففيهما بقي منها في هذه الأعصار وهو شيء كثير ربما يزيد على ما ظنه السيوطي في المزهر بعض مقنع فالحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور.
وهي على ما أعرف بعد المطبوعات.
كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني وندعوا لله أن يوفق صديقنا سالمًا الكرينكوي لخدمته كما أرجو أن يوفقني لخدمة نوادر أبي مسحل الرواية عبد الوهاب بن حريش رواية ثعلب.
وكتاب العين المنسوب إلى الخليل منه نسخ بالعراق.
ومختصره لأبي بكر الزبيدي ويقال أنه خير من أصله عدة نسخ.
الغريب المصنف باستنبول.
والتهذيب عدة نسخ باستنبول ورواية جنادة بالدار.
والمحكم عدة نسخ.
ومقاييس اللغة لابن فارس بالعجم.
المحيط للصاحب بالنجف ومصر واستنبول.
وجزآن من البارع لأبي علي البغدادي.
ومن تآليف كراع الغميم أو كراع النمل المنجد والمنضد والمنتخب والمجرد بمصر واستنبول.
وعدة ما بقي مما ألف في الأغربة كغريب أبي عبيد وإصلاح غلطه للقتبي وغريب القتبي والهروي والتنبيه على أغلاطه للسلامي وغريب الخطابي وأبي موسى
стр. 139
المديني وأبي إسحاق الحربي وعبد اللطيف البغدادي (المسمى المجرد وعليه خطه) وعبد الغافر الفارسي، ولا أغرب من الدلائل لقاسم بن ثابت السرقسطي ولا أنفع الذي تممه أبوه بعد وفاة ولده ورأيت منه الجزء الثاني وكتب سنة ٤٩٩ هـ.
وعدة ما ألف في الأفعال وقد تقدم.
ومن تآليف أبي الطيب اللغوي المثنى والإتباع والقلب- والأسف أن نسخ الثلاثة وعليها خط ابن مكتوم القيسي ناقصة.
والزاهر لابن الأنباري باستنبول، ومختصره للزجاجي بمصر.
والزاهر للأزهري.
ومن شروح الفصيح للمرزوقي والتدميري واللبلي الفهري باستنبول ومصر وتمامه للزاهد وابن فارس.
وجملة مما ألف في معنى النوادر وبقي كنوادر أبي مسحل ومر، ونوادر اليزيدي ونوادر أبي علي الهجري والجزء الأول من نوادر ابن الأعرابي.
ومن كتب النقد كالتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الأصبهاني بالعجم والتنبيهات على أغاليط الرواة وشرح ما يقع فيه التصحيف لأبي أحمد العسكري ومر، وتصحيح التصحيف للصفدي.
ولكن الإِمام الصاغاني اللاهوري اعتنى بما ألفه الأئمة في جميع هاتيك الأبواب وجمع منها مجاميع لغوية هي من أنفع ما كتب في معنى المعاجم وإلا أرجح عليها شيئًا من ملفقات المتأخرين وما المجد على قاموسه إلا من المغترفين من بحره إن لم نقل من المغيرين على كد يمينه وعرق جبينه.
ومن حسن حظنا أن جميعها أو معظمها بخط يده الذي لا مزيد عليه في الإتقان والعناية وهو الغاية القصوى في الصحة والدراية وهي العباب بمصر واستنبول، والتكملة وذيلها ومجمع البحرين وشوارد اللغة باستنبول ومصر ونسخ خزانة مؤيد الدين ابن العلقمي الوزير الذي كان مربيه ومرشحه لهذه الأعمال اللغوية العظيمة، ولا أرى في هذا العصر خدمة علمية تضاهي نشر مؤلفاته، وأدعو الله أن يوفق مجامع العلم لذلك.
стр. 140
التفاسير
من أولها مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفراء، وللزجاج، وتفسير عبد الله بن المبارك، وعبد القاهر الجرجاني، وابن فورك، والحاكم، وأبي حاتم الرازي. وعدة نسخ جليلة عتيقة للغاية من الحجة لأبي علي الفارسي، والمحتسب لابن جني في معناه، ونظم الدرر للبقاعي، ومصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، كتابان جليلا الغرض، ورأيت في معنى اتقان السيوطي فنون الأفنان لابن الجوزي والبرهان للزركشي وقد وقف عليه السيوطي واستفاد منه، وهذه كلها باستنبول.
الحديث
توجد عدة نسخ كاملة أو ناقصة من مصنف ابن أبي شيبة باستنبول، ومنتخب مسند عبد بن حميد بالظاهرية، وجزآن من صحيح ابن خزيمة باستنبول والأوسط والكبير للطبراني عدة نسخ، ومسند البزار، ومصنف عبد الرزاق، وصحيح ابن حبان ومختصر أبي عوانة على كتاب مسلم، ومسنده، ومسند أبي بكر الحميدي شيخ البخاري، وتخريج الأحاديث الضعيفة من سنن الدارقطني للغساني متأخر، والتنبيه على ما أشكل في مسلم لابن الصلاح، وشرح منتخب البخاري للنواوي بخط يده، وشرح الترمذي لابن سيد الناس والعراقي، وشرح أبي داود لابن رسلان والمنذري، والأعلام شرح البخاري للخطابي، وإتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة، وله مختصر أيضًا، والمطالب العالية بزوائد المساند الثمانية لابن حجر، وأطراف المزي وتهذيبه لابن فهد المكي.
ومن مؤلفات الطحاوي الجزء الأول من سنن الشافعي بروايته، وكتاب مشكل الأحاديث له في-٧ - أجزاء- وهذه كلها باستنبول إلا أن خزانة في مشارق الأرض ومغاربها لا تداني الظاهرية في كثرة مؤلفات الحديث والرجال والمسلسلات والأجزاء والجزازات والدشوت ومعظمها بخطوط حفاظ المقادسة وبناتهم وفيها من أقدم ما ألف في الحديث وما إليه شيء كثير لا تجد له في غيرها اسمًا ولا رسمًا وبعضها على رق الغزال وفيها نحو ٦٠ جزءًا من شرح مسند أحمد وينقصه نحو عشرين جزءًا.
стр. 141
وقد أتيت يا سادتي على وقتكم الثمين وفي النفس نهمة وللكلام بقية وصلة في سرد كتب الأدب والدواوين وشروح الأبيات والتواريخ والرجال والتراجم والطبقات والأنساب والنحو. وهي مجموعة مرتبة عندي فإن بدت لي من بعضكم نشطة وظهرت لي منه رغبة ألقيت إليه بعجري وبجري وأطلعته على عيبتي وإلا فإن ما أتيت عليه منه فيه كفاية وزاد يبلغ بالراجي منزله.
(وعن البحر اجتزاء بالوشل)
خادمكم وخادم العلم
عبد العزيز الميمني
بجامعة عليكره الهند
يونيه سنة ١٩٣٨ م
وكتب بصدر بازار راجكوت كاتهياوار في عطلة الصيف
стр. 142
من نوادر المخطوطات المغربية (*)
الأستاذ عبد العزيز الميمني من أعضاء مجمعنا الثقات في الأدب ولغة العرب، وسمط اللآليء من مصنفاته من مراجع العلماء والأدباء. وهو كثير الرحلة في طلب العلم، والبحث عن كنوز مخطوطاتنا العربية، وفي زيارته الأخيرة لدمشق حرسها الله (سنة ١٣٧٧/ ١٩٥٨)، سألته في المجمع العلمي أن يحدثنا ببعض ما عثر عليه من نوادر مكتبات المغرب لننظم لقراء مجلتنا من لآلئها سمطًا جديدًا، فبدأ بوصف نوادر من مكتبة الرباط العامة جلبت إليها منذ نحو شهرين من خزانة الزاوية الناصرية بتمكروت (١) منها:
١ - كتاب (حذفِ من نسب قريش) لمؤرّج السدوسي نسخ سنة ٢٥٥ للهجرة، وقد ذكره بعضهم بالقاف (حذق)، ولكنه في هذه النسخة الجليلة القديمة بالفاء الواضحة، وقد ذكر فيها بالفاء مرتين، ولعل (حذف) بمعنى نبذة، وهو معنى لم تثبته المعاجم.
٢ - مجلدة تشتمل على عشر رسائل نفيسة:
الأولى منها: كتاب (الموجز) في النحو لأبي بكر بن السراج.
والثانية: كتاب (الموفقي) لابن كيسان، نسبة للموفق بالله.
والثالثة: كتاب (الكِتَاب) وهو مضبوط بتخفيف التاء، لا (الكتَّاب) جمع كاتب كما نشرته اليسوعية ببيروت، ومعنى الكتاب هنا الكتابة، وهو لابن درستويه أبي محمد عبد الله بن حفص.
стр. 143
والرابعة: كتاب (النحو) مع زيادات لأبي علي لكزه بضم اللام لا (لغده) كما هو مشهور به.
والخامسة: كتاب (الهجاء) لابن السرّاج.
والسادسة: كتاب (الياء في الهجاء) لابن درستويه.
والسابعة: كتاب (المذكر والمؤنث) للمفضل بن سلمة.
والثامنة: كتاب (المقصور والممدود) لأبي عمر الزاهد المطّرز غلام ثعلب، وهو محمد بن عبد الواحد.
والتاسعة: كتاب (العروض) لابن السرّاج.
والعاشرة: كتاب (القوافي) لأبي القاسم التميمي.
ففي هذه المجموعة النفيسة ثلاثة كتب لأبي بكر بن السراج وهو محمد بن السريّ.
مكتبة جامع القرويين
وأما مكتبة جامع القرويين بفاس المحمية فمن نفائسها:
١ - كتاب (المغازي) رواية يونس بن بُكَير عن محمد بن إسحاق وغيره وليس فيها منه إلا أربعة أجزاء الثاني والثالث والرابع والخامس، وهي بخط النسخ على الورق لا الرق، وفيها سماعات من القرن الخامس والسادس.
٢ - (كتاب السماء والعالم) لأبي عبد الله بن أبان بن سيد اللخمي القرطبي (- ٣٥٤) ومنه السفر الثالث وحده، وهو قديم بالٍ، وكان هذا الكتاب الجليل في ١٥٥ جزء، وهو أصل المخصص لابن سيده، يكاد يكون قد نقله نقلًا، وقيل بل سلخه سلخًا، ويتألف هذا الجزء الثالث من ١٧٢ ورقة، والصفحة منها ٢٩ سطرًا عريضًا، فهو بقدر مجلدين ضخامةً، وهو منقول عن نسخة الحكم المستنصر تلميذ أبي علي القالي الذي طلب من المشرق لتعليمه.
٣ - (مختصر العين): لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي نقله عن نسخة أخي أبي محمد بن السيد البطليوسي وهي نسخة جليلة على رق الغزال، في مجلدة ضخمة.
٤ - كتاب (الألفاظ) لابن السكيت برواية ثعلب عنه، وفي آخر الجزء الأول منه: قرأت جميع هذا السفر على أبي محمد بن السيد البطليوسي ﵁ في
стр. 144
منزله ببلنسية حرسها الله، وكان الفراغ من قراءته سنة ٥١١ هـ، والنسخة على رق، ومثل هذا في آخر الجزء الثالث منه.
٥ - سِيَر إبراهيم بن محمد الفَزاري: الجزء الثاني، رواية ابن مروان على رَق في ١٨ ورقة، وعليه خط ابن بشكوال، وكتبت نسخة هذا الجزء سنة ٢٧٠ هـ.
٦ - كتاب المسلسل (بمعنى المداخل) للتميمي أبي القاسم، وهو مؤلف من ثماني أوراق بخط الفزازي من وزراء الأندلس.
٧ - الكتيبة الكامنة في شعراء المئة الثامنة في الأندلس، للسان الدين بن الخطيب وهي نسخة كاملة.
٨ - مختصر أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهري رواية أبي إسحاق بن هند بن سعيد بن عثمان المدني، وهو من فقه الموالك، وفي آخره: وكتب حسين بن يوسف عبد الإمام الحكم المستنصر بالله سنة ٣٥٦ هـ.
٩ - المسائل والأجوبة لابن السيد أبي محمد البطليوسي مجلد مغربي مأكول.
١٠ - كتاب التاج للجاحظ مؤلف من ١٢ رقًا، ممّا يدل على صحة نسبة التاج للجاحظ المطبوع بمصر.
مكاتب تونس
١ - ديوان النابغة الذبياني، نسخة منه قديمة جدًّا بروايات أئمة اللغة، في الأحمدية بتونس (١).
٢ - الذخيرة لابن بسام: المجلد الثاني منه، وهي نسخة جليلة.
٣ - شرح حماسة الأعلم الشنتمري، وعليه خط ابن دهية بالقراءة سنة ٥١٣ هـ.
٤ - كتاب (التيسير) لأبي عمرو الداني نسخة جليلة جدًّا، وعليها خط ابن سعادة.
стр. 145
٥ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتنبكتي، مسودة المؤلف أهداها للمقري صاحب نفح الطيب.
٦ - اللباب لابن الأثير نسخة جليلة جدًّا عليها طرر لابن خلكان، وللرضي الشاطبي (- ٦٨٤ هـ). وقد طبعه القدسي بمصر.
هذا ما تسقَّطناه من الميمني الجهبذ من جواهر الأسفار النوادر، وفي بلاد العرب المغربية من العقيدة الراسخة والعروبة الصادقة والألسنة الفصاح والمفردات الصحاح، وفيها من نوادر المخطوطات التي لا تزال في شرقنا العربي مجهولة، وفي خزائن مكتبات المغرب مدفونة، فيها من ذلك ما يستهوي القلب والعقل، ويحمل على الرحلة إليها ليطلع الخلف على تراث السلف، فنحن إلى اكتشاف الأسفار أحوج منا إلى اكتشاف الآثار، وجزى الله أخانا الميمني هذا المفتون بالعلم والأدب والعربية والعرب خير الجزاء.
التنوخي