← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19235

التحصيل من المحصول

السراج الأرموي

Полный текст (781 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التحصيل من المحصول تأليف سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي (المتوفى سنة ٦٨٢ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور عبد الحميد علي أبو زنيد [الجزء الأول]

стр. 2

هَذَا الْكتاب قدم لنيل دَرَجَة الدكتوراة ونوقش مسَاء الِاثْنَيْنِ الْمُوَافق للتاسع من شهر شَوَّال سنة ١٣٩٨ هـ ونال مقدمه مرتبَة الشّرف الأولى مَعَ التوصية بالطبع والتداول بَين الجامعات.

стр. 3

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م مؤسَّسَة الرسَالة للطباعةِ والنشر والتوزيع مؤسَّسَة الرسَالة بَيرْوت - شَارع سُوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة هَاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ برقيًّا، بيوشران

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لطريق الحق وجعلنا مسلمين. ووفقنا لتحقيق التحصيل من المحصول، وأعاننا في البدء ويسّر لنا الختام. وكان عوناً لنا على مرِّ الليالي والأيام. وأمدّنا بالصبر والمثابرة، كلما غزا القلب والعينين الملل والسهاد. فله الحمد والشكر اللذان يليقان بكماله وجلاله سبحانه. وصلواته وسلامه على من أدّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلَّا هالك، وعلى الآل والصحب الطيبين الطاهرين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله جلَّ شأنه لم يخلقنا عبثاً بل خلقنا لأمر عظيم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ولم يتركنا جلَّ شأنه هملاً بل بعث إلينا الرسل، وأيدهم بالمعجزات فمن أطاعهم واتبع سبيلهم دخل جنةً عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. ومن عصى وتولى أعدَّ له ناراً وقودها الناس والحجارة. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٣). وأوحى لرسله شرائع تصلح حال الناس في المعاش والمعاد. وكان آخر هذه الشرائع شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين محمدٍ ﷺ التي امتازت عن

стр. 5

سائر الشرائع بالعموم والشمول. قال ﷺ : "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي". ومنها (كان كل نبي يبعث في قومه خاصة "وبعثت إلى الأحمر والأسود" (١). واحتفظ جلَّ شأنه بحق التشريع لنفسه، وأمر عباده بالاحتكام إلى ما نزَّل قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) وقال تعالي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٦) وما ذلك إلَّا لعلم اللُه بالإنسان، وما أودع فيه من غرائز، كحب النفس وحب المال والبنين وإيثار الحياة الدنيا، وما ركب فيه من شهواتٍ، كشهوة البطن والفرج وحب الظهور وحب الاستطلاع، فيعلم ما يكنه صدره وما توسوس به نفسه. زد على ذلك أن العلم الذي منحه إياه علم محدود، والعقل الذي وهبه إياه له مجال لا يتخطاه، فتحقيق هذه الغرائز والرغبات والمصالح المختلفة معوقات عن كون الإنسان أهلاً للتشريع. وما عليه البشرية اليوم من الحيرة وعدم استقرار النفوس وكدر العيش والقلق المستمر، والعداوة والبغضاء والتقاطع بين الأرحام والتهارش على هذه الدنيا، إنما سببه الاحتكام إلى شريعة وضعها البشر لا يكاد يستقر لها قرار، ولا يثبت لها حال، فكل يوم مرسوم يعدل ما مضى ونظام ينسخ ما سلف وسرعان ما ينقض الجديد بالأجد. ولعلَّ هذا التبديل والتغيير يكون لمصلحة أفرادٍ معدودين، حتى إذا حصلت لهم المصلحة استبدل بنظام آخر وهلم جراً. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٧).

стр. 6

ولا خروج للبشرية مما هي فيه إلَّا بالرجوع لدين الله الذي لا يقبل سواه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). ولن يُصلح شأن هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. وهي ليست في حاجة لاستيراد التعاليم، بل مأمورة بالتصدير إلى البشرية جمعاء. وكل ما يجري في أرجاء المعمورة الآن هو برهان قاطع ودليل ساطع على أن المستقبل لهذا الدين. وما يقذف به الإسلام وأنظمته من عدم صلاحيته للحكم لتغير الحياة واختلاف الزمان، سواء أكان هذا الهراء من أعداء الدين الظاهرين، أم ممن تسموا بأحمد ومحمد وعاشوا بين أظهرنا، فهو إما نابع عن حقدٍ خبيث أو جهل بالإسلام. فالإسلام قد سيَّر دفةَ الحكم ونظم الحياة للخلافة الإسلامية، لما كان امتدادها من الصينِ شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ومن فينَّاَ شمالًا إلى أواسط إفريقيا جنوباً، فكيف يرمى الآن بالجمود ويتهم بالقصور؟. بل هو صالح لكل زمانٍ ومكان، ولكن يحتاج إلى علماء أفذاذ لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ينكبون عليه تنقيحاً وتنظيماً ودرساً واستنباطاً، فيكشفون لنا عن عظمة هذا الدين ومدى صلاحيته لأن يسود الأرض. وما دام أن الهدف من وجودنا في هذه الحياة هو تحقيق العبوديَّة لله، وما دام أن الله جل شأنه لم يكلنا لأنفسنا في تحقيق ذلك، بل أرسل إلينا الرسل وأيدهم بالوحي، فلابد لنا من فهم هذا الوحي ومعرفة مراميه وأهدافه، وما فيه من التعاليم التي تصلح لنا المعاش والمعاد. فكتاب الله وسنّة رسول الله- ﷺ -هما النبعان الصافيان اللذان تكفلا بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة لمن تمسك بهما. ولكن فهم ما فيهما بعد أن فسدت السليقة وأصاب اللسان العجمة لا يتسنى لكل فردٍ من الأمة. فاختص بالفهم الشامل والاستنباط جماعة توفرت فيهم شروط وظهرت فيهم مميزات، تؤهلهم لذلك، فأحاطوا بدقائق علمٍ خاص سموه علم أصول الفقه، ونص العلماء على أن حكم تعلمه فرض

стр. 7

كفاية لحاجة الأمة إلى استنباط الأحكام الشرعية للحوادث المتجددة. وعلم أصول الفقه من أشرف (١) علوم الشريعة، وذلك لعموم موضوعه بالنسبة لسائر علوم الشريعة، لحاجة الفقيه والمفسر والمحدث وغيرهم إليه. وبالتالي يكون أفضل العلوم على الإطلاق لشرف علوم الشريعة على غيرها، وبعضهم فضل العلم الذي يبحث في ذات الله تعالى وذلك لشرف موضوعه. وقد ذكر علماء الأصول فضل هذا العلم في بداية مصنفاتهم فقال حجة الإسلام محمد الغزالي في مقدمة كتابه المستصفى (٢): (وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع. وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل. فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل. فلا هو تصرفٌ بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد). ومن أهم فوائد هذا الفن التي لا تحصى (٣): ١ - التمكين من نصب الأدلة السمعية على مدلولاتها ومعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها. إذ بدون معرفة قواعد هذا الفن لا يتسنى للإنسان النظر في الأدلة، وذلك لأنه لا بد للمستنبط من معرفة أشياء منها: دلالات الألفاظ من حيث الحقيقة والمجاز، والمجمل والمبين والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ، والمجمع عليه والِإجماع الذي يعتد به، ومعرفة ظنية الأخبار من قطعيتها، وما يحتج به منها وما لا يحتج به، ثم إذا تعارضت الأدلة فلابد وأن يكون متمكناً من مسالك النظر فيها. وهذه كلها تتوفر في الأصولي. فالمتقن لهذا الفن يصل إلى مرتبة الاجتهاد والاستنباط. وحتى إذا لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد فعلى الأقل تؤهله للنظر في أقوال

стр. 8

المتقدمين وحججهم، وبسبرها يتوصل للقول الراجح من المرجوح، ويعرف عقيم الأدلة وصحيحها بواسطة القواعد التي اكتسبها من هذا الفن، فيخرج من دائرة التقليد الذي هو طريق معرفة الأحكام للعامي ومن في منزلته. ٢ - العالم بهذا الفن يشعر بالاطمئنان إلى ما نقل إليه من أحكام في كتب المتقدمين من الأئمة الأعلام، الذين ملكوا ناصية هذا الفن ودونوا لنا أحكاماً تدل على علو كعبهم ورسوخ أقدامهم، وأنها كانت بناء على قواعد ثابتة وأسس حكيمة فليست تبعاً لميل النفس وتلبيةً للرغبة والشهوة. ٣ - يشعر العالم بهذا الفن بأن هذا الدين وقد جعله الله خاتم الشرائع، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن المستقبل له وسيظهر فساد كل ما عداه من القوانين الوضعية البشرية مهما كان واضعها. ومهما رُفع لترويجها من شعارات، فالعدالة الاجتماعية هي روح الِإسلام ومنه نبعت، والتعاون الذي يلوحون به طَبَّقه الِإسلام في صورةٍ مثالية. قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) وأما الإحسان فيكفينا فيه قوله- ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها لا هيَ أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت" (٣). وأما الإِحسان للِإنسان فيقول تعالى فيه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٤). بل جعل الِإسلام هذا الحق ركناً من أركان الإِسلام لا يتم إسلام المؤمن إلَّا بالاعتراف به. فإذن كل ما يدعونه من الخير، فقد جاء به الِإسلام قبل أربعة عشر قرناً فأخذوا من الِإسلام جذوة بل بصيصاً من عدله ورحمته

стр. 9

ورفقه وادَّعوه لأنفسهم، والأغرب من ذلك استوردناه من عندهم متجاهلين أن ما عندنا خير منه. ٤ - وبهذا العلم نستطيع أن نرد على الفِرَق الضالة الملحدة التي تنتسب للِإسلام وتكيل إليه التهم في أصله الأصيل. سواء أكان ذلك بالنسبة للقرآن الكريم أن فيه ألفاظاً مهملة (كالحشوية). أو أنه لا دلالة فيه على حلالٍ أو حرام كالهشامية (١) من الشيعة الِإمامية. أم بالنسبة للسنة المطهرة كقول بعض المعتزلة (لا حجة في أخبار الآحاد) وكإنكار كون القياس والِإجماع من الحجج الشرعية (كالنطام وبعض الرافضة) (٢). وقد أجمل جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ فوائد هذا الفن، وغايته في مقدمة كتابه التمهيد بقوله: (فأصول الفقه هو المعلم الذي يكوَّن المجتهد المبدع والفقيه المثمر المنتج، ويقضي على أُكذوبة غلق باب الاجتهاد، ويذهب بأسطورة سد طريق الاستنباط، وأنه لا يمكن أن يستغني عنه من أراد أن يتأهل للنظر والاجتهاد. ولا من يهتم بعلم الفقه والخلاف ويتعرض لمقارنة المذاهب المختلفة والموازنة بين الآراء المتباينة، ويعنى بإظهار أدلتها وعللها وكيفية دلالتها عليها، ويحرص على التقريب بينها أو إظهار الحق فيها وبيان قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها. ومعرفة أسرار آيات القرآن وأحاديث السنة المطهرة والوصول للأحكام التي تؤخذ منها). عملي في الكتاب: ١ - ترجمت للمؤلف بترجمة وافية تبين نَسبه ومولده ونشأته ومنزلته بين العلماء وشيوخه وأقرانه وتلاميذه ومؤلفاته. والكتب التي تأثر بها وتأثرت بكتاب التحصيل وبينت مسلك الأرموي في الاختصار. كما أظهرت قيمة الكتاب العلمية.

стр. 10

٢ - قمت بنسخ إحدى النسخ وهي التي غلب على ظني أنها أفضل النسخ الموجودة، وسلكت في ذلك أنني كنت أكتب سبعة أسطرٍ في كل صفحة من الصفحات اليسرى، وتركت الصفحة اليمنى خالية وذلك لتدوين الحواشي، وإثبات المقابلات بين النسخ عند الاختلاف وتوضيح ما يحتاج إلى ذلك. ٣ - قمت بمقابلة الصورة المنسوخة بما نسخت للتأكد من صحة النسخ. ثم قابلت باقي النسخ مع إثبات مخالفة كل نسخةٍ للنسخة المنسوخة في الهامش وبعد أن وضعتُ لكل نسخة رمزاً خاصاً، وقد بينتُ الرمز المستعمل لكل نسخةٍ في المبحث الخاص بنسخ كتاب التحصيل ولم أترك من هذه الفروق إلا ما لا تدعو الحاجة إلى إثباته ومن ذلك: أ- ألفاظ تنزيه الله تعالى الواردة بعد لفظ الجلالة، فاخترت منها لفظ تعالى. ب - ألفاظ الصلاة والسلام على الرسول- ﷺ -فكنت أثبت أكملها في الغالب، مثل- ﷺ -أو ﵊. جـ - ألفاظ الترضي، والترحم، فاخترت ﵁ للصحابة، ورحمه الله لغيرهم من المسلمين. د- تصحيح صور كتابة بعض الكلمات التي تخالف قواعد الِإملاء العصرية، ولم أنبه على ذلك في كل موضع لكثرته، وخاصة إبدال الهمزة ياء. ٤ - قابلت التحصيل مع المحصول فقرة فقرة وكلمة كلمة لأعرف مدى الاختصار، ودونت ما دعت إليه الحاجة لتوضيح التحصيل، واستعنت بالمحصول في ترجيح الراجح من الألفاظ المختلفة بين النسخ. ٥ - قابلت التحصيل مع نهاية السول للعلامة جمال الدين الأسنوي، وذلك لأنه أكثر من النقل عنه وتأكدت من صحة ما عزاه له. ٦ - رقمت الآيات القرآنية الموجودة في المتن مبيناً لسورة ورقم الآية.

стр. 11

٧ - خرجت الأحاديث النبوية الشريفة وآثار الصحابة والتابعين، وعزوتها للكتب التي وردت فيها وبينت درجتها من الصحة. ٨ - خرجت الأشعار والأمثال بذكر قائليها ومناسبتها ومكان ورودها. ٩ - ترجمة للأعلام والأماكن والفرق الواردة في المتن. ١٠ - تأكدت من صحة نسبة الأقوال الفقهية والأصولية لأصحابها، مع ذكر مكان ورودها في كتبهم كلما أمكن ذلك. ١١ - شرحت بعض الألفاظ الغريبة والعبارات المشكلة والمصطلحات العلمية. ١٢ - أجبت عن معظم اعتراضات القاضي الأرموي على الإمام الرازي - رحمهما الله تعالى-، وأحصيتها إحصاءً كاملًا فوجدتها أربعةً وثمانين اعتراضاً. ١٣ - نسخت الكتاب مرة أخرى مثبتاً اللفظ الصحيح أو الأصح في المتن، مشيراً للفظ المخالف ذاكراً في الغالب سبب اختيار اللفظ المختار في الهامش. ١٤ - أثناء نسخ الكتاب في المرة الأخيرة وضعتُ عناوين مناسبةً بشكل بارزٍ مع إضافة ألفاظٍ لا بد منها. ووضعتُ الفواصل والنقط بما يسهل فهم المعنى، لأن الكتاب كان كسائر كتب ذلك العصر لا يوجد فيه فواصل وعناوين بارزة، بل مقسماً تقسيماً جيداً إلى أبواب وفصول ومسائل مدموجة بين السطور. ١٥ - صححت بعض الألفاظ المخالفة لقواعد الصرف والنحو وهي نادرة جداً. ١٦ - ألحقت بالكتاب ثمانية فهارس: فهرساً للآيات، وفهرساً للأحاديث والآثار، فهرساً للشعر والأمثال، فهرساً للأعلام، فهرساً للطوائف والأماكن، فهرساً للكتب، فهرساً للمراجع، فهرساً لمحتويات الرسالة. هذا وانني لا أدّعي الكمال فيما قمت به بل هو جهد المقل، فإن كان صواباً فهو من توفيق الله جلَّ شأنه وله الحمد والشكر، وإن كان غير ذلك- لا

стр. 12

سمح الله- فهو مني وأستغفر- الله من ذلك. وحسبي أنني بذلت قصارى جهدي وعملت ما في وسعي. وإنني والحمد لله ممن يثلج صدره أن تهدى إليه عيوبه فرحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا. وكل إِنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر، كما قال الإمام مالك مشيراً لقبر رسول الله- ﷺ ، سائلاً المولى أن يوفقنا للعمل بما علمنا لأنه هو الغاية والمبتغى. المحقق

стр. 13

ترجَمَة المؤلّف نَسَبهُ وَمَولدهُ وَنشْأته هو أبو الثناء سراج الدين محمود بن أبي بكر بن أحمد بن حامد الأرموي (١) الأذربيجاني التنوخي (٢) الدمشقي الشافعي. ولد في مدينة أُرمية من أعمال أذربيجان وهي الآن تسمى رضائية تابعة لدولة إيران. وذلك سنة ٥٩٤ هـ. وقد زار هذه المدينة ياقوت الحموي، ووصفها في كتابه العظيم

стр. 14

معجم البلدان، وذلك سنة ٦١٧ هـ عندما كان عمر القاضي سراج الدين الأرموي ثلاثة وعشرين عاماً فقال: (هي مدينة عظيمة قديمة بأذربيجان، بينها وبين البحيرة نحو ثلاثة أميال أو أربعة، وهي فيما يزعمون مدينة زرادشت نبي المجوس. رأيتها سنة ٦١٧ هـ. وهي مدينة حسنة كثيرة الماء إلا أنها غير مرعية من جهة السلطان لضعفه وهو (إزبك بن البهلوان بن إيدكز) وبينها وبين تبريز ثلاثة أيام، وبينها وبين أربيل سبعة أيام. ونسب إليها جماعة منهم: أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد الشويخ. وأبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي ومظفر بن يوسف الأرموي (١). ونشأ وتلقى علومه الأولية في بلده، ولم أجد من ذكر على من أخذ علومه ومتى كانت بداية طلبه العلم ولا نوع العلوم التي حصلها، ولا متى هجر بلاده ليلتقي بموسوعة العلوم آنذاك في الموصل كمال الدين بن يونس، ولكن يغلب على ظننا أنه كان بعد أن بلغ مبلغ الرجال لأن العلوم العقلية المنطقية والفلسفية لا يبدؤ بها في الطلب. ولم نعرف شيئاً عن بيئته الخاصة وأسرته التي ترعرع فيها، وأعوذ بالله أن أتكلف ما لم أجد رغم البحث الشديد والتقصي (٢).

стр. 15

المدارس الأصولية في هذا العصر ومن أيها كان القاضي الأرموي بعد أن دوَّن الإِمام الشافعي ﵁ في أواخر القرن الثاني الهجري قواعد علم أصول الفقه، أخذ العلماء يقتبسون من نوره وينسجون على منواله، ويوسعون ما استنبطه ودونه من أفكار، بالاستدلال عليها والتمثيل لها ووضع التفريعات عليها والذي يظهر من أسماء المصنفات التي صنفت في القرنين الثالث والرابع الهجريين أنها كانت تبحث في موضوع واحد من مواضيع علم أصول الفقه.

стр. 16

ثم ازدهر بعد ذلك علم الكلام بعد أن بدأت في عهد الخليفة العباسي المأمون ترجمة الكتب الفارسية واليونانية، وأقبل العلماء على هذه الترجمات وتأثروا بها وظهر الاعتزال وقامت دولته، وعاش رؤساء الاعتزال في ردهات القصور وفي كنف الحكام. ثم خبت نارهم التي اكتوى بها أهل السنة فعذب منهم من عذب. ثم قامت دولتهم مرة أخرى في كنف الصاحب بن عباد. ومعظم مصنفات هذه الفترة قد اندثرت وضاعت فيما ضاع من التراث الإسلامي الضخم، لما أفلت شمس الخلافة في بغداد، ودهى الأمة الإسلامية ما دهاها من غزو التتار، حيث قذف بالمكتبات في دجلة لتكون جسوراً يُعبر عليها. ولكن من النقول التي وصلتنا في بطون كتبٍ كتبَ الله لها البقاء، علمنا أن الكتابة في هذا الفن أصبح لها منحيان، وأخذت تسلك طريقين لم يكن بينهما عظيم فارق في البداية، ولكن الفرق أخذ يظهر بالتدريج ويبرز شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى بينهما الأمر إلى فارق واضح، ولكل طريقة ومنهج خاص وميزات لا تشارك إحداهما الأخرى فيها، وقد يصعب على الناظر في هذا الفن تحديد بداية التباين، ولعل ظهور طريقة الشافعية أو المتكلمين كان على يد أحمد بن عمر بن سريج المتوفى سنة ٣٠٦ هـ، الذي ألّف كتاباً في الرد على أبي داود الظاهري في إبطال القياس. فقد نقل ابن السبكي (١) في طبقاته عن القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب وأبي إسحاق الشيرازي في التعليقة أنهما قالا: (إن ابن سريج وغيره كانوا قد برعوا في الفقه وغيره، ولم يكن لهم قدمٌ راسخة في الكلام، فطالعوا على الكبر كتب المعتزلة، فاستحسنوا عباراتهم وقولهم يجب شكر المنعم عقلًا. فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدي إليه هذه المقالة. ثم وضحت هذه الطريقة على يد عبد الجبار بن أحمد المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥ هـ، حيث وضع كتابه العظيم الذي سماه العمد. ومحمد بن الطيب أبي بكر الباقلاني المالكي الأشعري المتوفى سنة ٤٥٣ هـ، حيث صنف المقنع في أصول الفقه، وأمالي إجماع أهل المدينة، والتقريب الذي قال عنه ابن السبكي:

стр. 17

وهو أجل كتب الأصول، والذي بين أيدينا مختصره ويبلغ أربعة مجلدات، ويحكى أن أصله كان في إثني عشر مجلداً) ثم انتهت الكتب المصنفة على هذه الطريقة إلى أربعة كتب. قال ابن خلدون في تاريخه (١): (وعنى الناس بطريقة المتكلمين فكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون: كتاب البرهان لِإمام الحرمين والمستصفى للغزالي، وهما من الأشعرية وكتاب العمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد، وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري، وهما من المعتزلة. وكان الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه. ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين، وهما الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول وسيف الدين الآمدي في كتاب الأحكام، واختلفت طرائقهما بين التحقيق والحجاج، فابن الخطيب أميل للاستكثار من الأدلة والاحتجاج- والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل). وأما جمال الدين الأسنوي (٢): فقد قال: (والمحصول استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالباً. أحدهما: المستصفى لحجة الإسلام الغزالي، والثاني: المعتمد لأبي الحسين البصري. حتى رأيته ينقل منهما الصفحة أو قريباً منها بلفظها وسببه على ما قيل: إنه كان يحفظهما). ويظهر مما نقلناه عن العلامة ابن خلدون في تاريخه والإمام جمال الدين الأسنوي في نهاية السول: أن علم الأصول على طريقة المتكلمين، قد انتهى في القرن السادس وأوائل السابع الى الِإمامين فخر الدين الرازي وسيف الدين الآمدي ومعظم من كتب في القرن السابع لم يخرج عن إطارهما، فهم ما بين مختصرٍ لكتابيهما أو شارح أو معلقٍ عليهما، ولقد كانت العناية بكتاب فخر الدين الرازي أشد. وسنذكر في فصل من اشتغل بكتاب المحصول مزيداً من البيان، ولعل ما رمي به سيف الدين الآمدي كان سبباً في تنفير الناس عن كتابه في ذلك الوقت، وهو في الحقيقة لا يقل فائدةً عن كتاب فخر الدين الرازي.

стр. 18

وهذه المدرسة- مدرسة المتكلمين- كانت هي المسيطرة في القرن السابع الهجري، حيث إن المصنفات على هذه الطريقة كانت لا تعد ولا تحصى، وكان القاضي سراج الدين الأرموي- ﵀ ممن أدلى بدلوه مع سائر الدلاء، ولكنه بلغ من البئر غوره، ووصل لما لم يصله غيره، لأن الميدان ميدانه فقد بلغ الأرموي- ﵀ في العلوم العقلية مبلغاً فاق أهل زمانه، لأنه ورد النبع الصافي وأخذه من علامة ذلك الزمان كمال الدين بن يونس وصنف فيه الكتب التي لا تزال المورد العذب والمنبع الصافي، فما إن أراد طاش كبري زاده في كتابه مفتاح السعادة أن يدخل في مصنفات علم المنطق والحكمة والجدل، حتى بدأ بمصنفات سراج الدين الأرموي. وقد كان لعلمه الغزير وحذقه بالفنون العقلية أثر بالغ على كتابه التحصيل، فظهر التنظيم المنقطع النظير، والبحث الدقيق، وإقامة الأدلة العقلية، ونقاش أدلة الخصوم بما يظهر عوارها وزيفها، ولا يكون ذلك إلاَّ لمن له القدح المعلى في الإحاطة بهذا الفن وإدراك عويصات مسائله. فالقاضي الأرموي- ﵀ هو ابن هذه المدرسة، وما إن بلغ مبلغ الرجال، حتى أصبح شيخها ورئيسها الذي تربع على عرشها بحق. وأما انغمار ذكره في كتب التراجم العربية فله أسباب ومبررات، ولعل من أهمها وأعظمها، أنه عاش فترة نضوج علمه وكمال شخصيته في بلاد الروم في فترة تمزقت فيها الأمة الإسلامية إلى دويلات بينها تقاطِع وتدابر. زد على ذلك أنه عاش هذه الفترة بين جماعة يختلفون عنه مذهباً وجنساً، ومع هذا سطرت الصفحات المتلألئة في مزاياه وصفاته الحميدة حتى من أقرانه الذين يخالفهم مسلكاً ومنهجاً في الكتب الفارسية والتركية ككتاب مناقب العارفين وغيره. وينبغي أن نختم ذكر هذه المدرسة بذكر بعض مميزاتها: ١ - أن القواعد الأصولية في هذه الطريقة تدرس دراسة دقيقة عميقة بقصد إثباتها بأدلة عقلية وبراهين قاطعة، بغض النظر عن الفروع الفقهية المذهبية التي تتعلق بهذه القواعد. وذكر الفروع الفقهية فيها على سبيل التمثيل لا لبناء القواعد.

стр. 19

٢ - تطرق الكاتبون على هذه الطريقة إلى مباحث كلامية هامة وأكثروا منها. واستعملوا الأدلة المنطقية والمباحث الفلسفية في إثبات هذه القواعد، ومن ذلك ما تعرضوا له من التحسين والتقبيح العقليين، وعصمة الأنبياء، وشكر المنعم عقلاً وشرعاً. ٣ - امتازت هذه الطريقة بالترتيب والتنظيم والتقسيم إلى أبواب وفصول ومباحث ومسائل. وأما المدرسة الأصولية الأخرى، فهي طريقة الفقهاء أو الحنفية وقد وصف العلامة ابن خلدون (١) هذه الطريقة في تاريخه بقوله: (ثم كتب الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضاً كذلك، إلَّا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع، لكثرة الأمثلة فيها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية ثم قال: فكان لفقهاء الحنفية اليد الطولى في الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن). وقال العالم محمد أبو زهرة (٢): وتمتاز هذه الطريقة: بأنها تقرر القواعد تبعاً للفروع الفقهية المنقولة عن الأئمة، ولهذا يلتزمون بعدم مخالفة القاعدة للفروع، ولذا دونت هذه الطريقة بعد تدوين الفروع، ولذا اتسمت بحشد كثيرٍ من الفروع أثناء إثبات القاعدة. ولعل من أقدم من صنف من الحنفية هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، ثم عبيد الله بن الحسن بن دلال بن دلهم الكرخي المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، ثم تلميذه الجصاص أحمد بن علي أبو بكر الرازي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، ثم الدبوسي أبو زيد عبد الله بن عمر المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ثم السرخسي محمد بن أحمد شمس الأئمة وكتابه مطبوع في مجلدين المتوفى سنة ٤٨٢ هـ، ثم الصدر الشهيد الحنفي عمر بن عبد العزيز بن عمر أبو محمد حسام الدين المتوفى سنة ٥٣٦ هـ، له عمدة المفتي

стр. 20

والمستفتي وكتاب أصول حسام الدين، ثم أبو المفاخر الكردي الحنفي عبد الغفور بن لقمان بن محمد شرف القضاة تاج الدين له المفيد والمزيد في أصول الفقه توفي سنة ٥٦٢ هـ، ثم عبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم القاضي النسفي المتوفى ٥٦٣ هـ، صاحب كفاية الفحول في علم الأصول. وأما هذه المدرسة فقد هدأت حالة التصنيف فيها في القرن السابع الهجري، فلم يظهر من المصنفات على هذه الطريقة كما ظهر من المصنفات على طريقة المتكلمين، ومن المصنفات في القرن السابع الهجري على هذه الطريقة: كتاب الفصول في علم الأصول للموفق الخاصي المتوفى ٦٣٤ هـ، وهو الموفق بن محمد بن الحسن بن أبي سعيد الخاصي صدر الدين الخوارزمي. وكتاب الطريقة الحصيرية في الخلاف بين الحنفية والشافعية لجمال الدين الحصيري محمود بن أحمد بن عبد السيد البخاري الحصيري أبي حامد جمال الدين المتوفى سنة ٦٣٧ هـ. والمجتبى في أصول الفقه للمختار بن محمود بن محمد أبي الرجاء نجم الدين القزميني الفقيه الحنفي، المتوفى سنة ٦٥٨ هـ، وشرح أصول فخر الإسلام البزدوي، للإمام علي بن محمد بن علي نجم العلماء حميد الدين الضرير الرامشي، المتوفى سنة ٦٦٧ هـ، والكتاب الشهير المسمى بالمغنى للشيخ الخبازي عمر بن محمد بن عمر الخبازي الحنفي جلال الدين أبي محمد، المتوفى سنة ٦٧١ هـ. ثم في آخر هذا القرن ظهر الكتاب العظيم المسمى بالمنار مع شرحه لنفس المؤلف أبي البركات حافظ الدين النسفي عبد الله بن أحمد بن محمود تلميذ شمس الدين الكردري، المتوفى سنة ٧١٠ هـ. وهذا الكتاب كثرت عليه الشروح والحواشي واعتني به كثيراً. وبرزت للوجود في هذا القرن طريقة ثالثة قد حاز قصب السبق فيها علامة من علماء الأحناف الأجلاء وهو ابن الساعاتي أحمد بن علي بن ثعلب مظفر الدين، المتوفى سنة ٦٩٤ هـ. فقد ابتكر كتابه العظيم الذي سماه (بديع النظام) الذي جمع فيه بين طريقتي سيف الدين الآمدي الشافعي في كتابه الأحكام الذي اعتنى فيه الآمدي بالاستدلال على القواعد الكلية

стр. 21

وتحقيق المذاهب، وبين طريقة فخر الِإسلام البزدوي علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، المكنى بأبي العسر في كتابه الذي عني فيه بالشواهد الجزئية الفرعية، وقد افتتح ابن الساعاتي كتابه هذا بعبارة لطيفة وهي: (قد منحتك أيها الطالب لنهاية الوصول إلى علم الأصول هذا الكتاب البديع في معناه المطابق اسمه لمسماه لخصته لك من كتاب الأحكام ورصعته بالجواهر النقية من أصول فخر الِإسلام، فإنهما البحرانْ المحيطان بجوامع الأصول الجامعان لقواعد المعقول والمنقول. هذا حاوٍ للقواعد الكلية الأصولية وذلك مشمول بالشواهد الجزئية الفرعية). رحْلَاته في طَلَب العِلْم وَالوَظائِفُ الّتي شَغَلَهَا ذكرت بأن القاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، قد ولد في أرمية من أعمال أذربيجان عام ٥٩٤ هـ. في وقتٍ كان حاكم بلدته ضعيف الشخصية عديم المسؤولية. عازفاً عن الجد إلى اللهو والعبث. وقد زار بلدته أرمية في هذه الآونة العلاّمة ياقوت الحموي (١)، صاحب معجم البلدان فوصفها لنا وصفاً دقيقاً، وذكر من خيراتها وجمالها ما ذكر مع الِإهمال وعدم رعاية الجانب من قبل السلطان. "إزبك بن البهلوان بن إيدكز". أما تفاصيل حالة أسرته العلمية والمادية وطبقتهم الاجتماعية، فلم أجد فيما اطلعت عليه من المراجع العربية والفارسية ما يكشف عنها. سوى أن بعض المراجع ذكرت أنه تلقى مبادئ العلوم في بلدته أُرمية، ولعله يوجد في المستقبل من يكشف لنا عن مزيدٍ من تفاصيل حياة القاضي الأرموي ﵀ إذا استقصى الكتب الفارسية، لأن معظم أخباره وجدتها فيها. ولا أبيح لنفسي أن أرسم في ذهني شخصاً وأسرة ثم أبدأ في إطلاق الأوصاف جزافاً، وأعوذ بالله أن أقول ما لا أعلم. وإنني وصلت في بحثي عن حال القاضي الأرموي وآثاره لا إلى طريق مسدود، بل إلى طريق شاق وصعب بالنسبة لي، حيث إنني لا أعرف اللغة الفارسية والتركية. ومن يعرف

стр. 22

هاتين اللغتين بلا شك سيصل إلى ما لم أصل إليه، وسيعرف ما لا أعرف عن أحواله وتفاصيل صفاته. وكذلك لا أدري كم المدة التي قضاها من عمره في أحضان بلدته وأكناف أسرته وعشيرته وكل ما وجدته أن محقق كتابه لطائف الحكمة، المطبوع أخيراً باللغة الفارسية في إيران أنه قال: العله فرَّ أمام الزحف التتاري كسائر العلماء). وجيوش التتار قد وصلت في زحفها إلى بلاد أذربيجان كما في كتاب الكامل لابن الأثير (١). عام ٦١٧ هـ حيث فر أمامها حاكم تلك البلاد إزبك بن البهلوان، ولكن لم تسقط في أيديهم حيث دخلت تحت وطأة التتار في عام ٦٥٤ هـ فيما بعد. وذكرت كتب التراجم أنه هاجر من بلده طلباً للعلم، متوجهاً تلقاء كعبة العلم آنذاك، وموسوعة المعارف كمال الدين موسى بن يونس بن منعة الكردي في الموصل، المتوفى عام ٦٣٩ هـ، والذي كان يتقن أربعةً وعشرين فناً على ما في طبقات ابن السبكي (٢)، وكان يشرح لليهود والنصارى التوراة والِإنجيل أحسن من أحبارهم، ولازمه القاضي سراج الدين الأرموي، وخدمه حباً في العلم فترة من الزمن فيظن أن تحصيله العلمي الذي أكسبه هذه الشهرة كان في الموصل، ويغلب على الظن أنه قد تهيأ له أيضاً، الأخذ عن علماء الموصل الآخرين الذين كانت تعج بهم الموصل آنذاك، وخاصةً آل منعة بيت العلم والفضل، ولا ندري هل هجر بلده مع أسرته أم وحيداً فريداً، لأنه فيما اطلعنا عليه لم نجد أنه رجع لزيارة بلده والله أعلم. غرف القاضي الأرموي- ﵀ من بحور معارف كمال الدين بن يونس العقلية والشرعية ما شاء الله له أن يغرف، حتى ارتوى وتضلع من تلك العلوم وقد ورد في سيرة كمال الدين بن يونس، أنه لما وصلت كتب فخر الدين الرازي درسها وشرحها ولم يعرف أحد مصطلحاته إلا هو والذي يغلب على الظن أن القاضي الأرموي- ﵀ ممن استمع لهذه الشروح، ولعل هذا هو سبب تعلق القاضي سراج الدين الأرموي- رحمه

стр. 23

الله- بكتب الِإمام فخر الدين الرازي، وخاصة المحصول وكتاب الأربعين فاختصرهما، والذي يظهر أن القاضي الأرموي لم يغادر الموصل، إلا وقد بلغ مبلغ العلماء، وأتقن الفنون وذاع صيته وظهرت شهرته. وهذا نجده واضحا جلياً في استقبال حاكم ملطية له، علاء الدين كيقباذ السلجوقي، الذي تربّع على كرسي الحكم بعد موت أخيه عز الدين بن كيكاوس بن كيخسرو بن قلج السلجوقي سلطان قونية وأقصرا وملطية. وقد وجدنا قصة استقباله له في كتاب مطبوع بالفارسية يسمى مناقب (١) أوحد الدين حامد بن أبي الفخر الكرماني، المتوفى سنة ٦٣٥ هـ في مدينة ملطية. ومطبوع في طهران سنة ١٣٤٧ هـ وخلاصة ترجمة القصة: أن القاضي سراج الدين الأرموي قد قدم إلى ملطية من مصر، قاصداً التشرف والتقرب من الشيخ أوحد الدين الكرماني. وكان ذلك في عهد علاء الدين كيقباذ الذي استقبله بنفسه، ورحب به ترحيباً يليق بجلالة قدره وعظيم منزلته، واستفسر منه عن مراده من الحضور، فلما أجابه وكشف عن رغبته التقرب من الشيخ أوحد الدين الكرماني استنكر ذلك واستغربه وقال له: إن ملطية لا تليق بمقام القاضي سراج الدين الأرموي، ولا تتسع إلى طموحه وعلومه التي في حاجة لها المدن الكبيرة ثم أسكنه مدرسةً أمام الجامع وعينه مدرساً فيها. وما هذا إلا لشهرة الأرموي- ﵀ وفي مناقب أوحد الدين الكرماني وردت قصص أخرى عن ملازمته للشيخ أوحد الدين الكرماني وإعجابه به، والتقائه مع عالم من علماء الكلام والهيئة والحكمة وإقليدس والمنطق والنجوم والرياضيات هو جمال الدين الواسطي، الذي توفي قبل أوحد الدين الكرماني، ولكن لم نعثر على ترجمة له في كتب التراجم. وكما يظهر من هذه الرواية أن القاضي سراج الدين الأرموي قد زار مصر قبل ملطية، ولكن لا نعلم كم مدة أقام سواء في مصر أو في ملطية. وبلغنا من كتاب مفرج الكروب (٢) في أخبار بني أيوب الذي ألفه صديقه

стр. 24

وقرينه جمال الدين محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة المتوفى ٦٩٧ هـ أن القاضي سراج الدين الأرموي قد بعثه الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الانبراطور الذي صالحه الملك الصالح نجم الدين على تسليم بيت المقدس للنصارى، وأقام سراج الدين عنده مكرماً مدةً، وصنف له كتاباً في المنطق، وأحسن إليه الانبراطور إحساناً كبيراً، وعاد سراج الدين الأرموي للملك الصالح منعماً. وهذه القصة إن دلت على شيء إنما تدل على منزلة القاضي الأرموي ﵀ حيث إنه في هذه السن المبكرة وصل إلى أن يكون سفيراً لملك بني أيوب. ثم بعد ذلك يظهر لنا أن الركائب قد أناخت به في دمشق الشام ملتقى العلماء، والتي شهدت من العلماء ما لم تشهده مدينة أخرى في هذا القرن بلا نزاع، والذي يبدو لي من نسخ كتابه التحصيل أنه صنف كتابه التحصيل في دمشق، حيث إن معظم النسخ قد أثبتت في آخرها أنها دُونت في دمشق الشام، وكانت الشام في هذه الفترة تحت سلطان بني أيوب. ثم ربما سافر خلال مدة إقامته في دمشق إلى بلاد أخرى، وقد ذكر المقريزي في كتاب السلوك (١) لمعرفة دول الملوك، أن القاضي سراج الدين الأرموي قد قدم إلى مصر، وكان ذلك برفقة الملك السلطان المعظم غياث الدين توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل، المتوفى ٦٤٨ هـ، عندما طلبت منه زوجة أبيه شجرة الدر الحضور لتولي الأمر لموت أبيه، وكان برفقته أيضاً سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام وبهاء الدين بن الجميزي وبعض العلماء، وحدث بينهم مناظرات ومباحثات فقهية منها في ٢ ذي الحجة سنة ٦٤٧ هـ، وكان موضع الحديث قوله- ﷺ : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (٢).

стр. 25

ثم لا ندري متى رجع إلى قونية للاستقرار فيها، إلَّا أن كاتب مقدمة كتابه لطائف الحكمة قد- ذكر أن لطائف الحكمة قد صنفه القاضي سراج الدين الأرموي باسم سلطان السلاجقة في قونية والذي دخل في خدمته سراج الدين الأرموي عام ٦٥٥ هـ، وبعد ذلك استقر في قونية عاصمة سلاطين بني سلجوق واشتغل فيها قاضياً ثم قاضياً للقضاة، وكذلك مدرساً حيث عرفنا اثنين فقط من تلاميذه في بلاد الروم وهما: الصفي الهندي محمد بن عبد الرحيم الهندي المتوفى سنة ٧١٥ هـ، والشيخ تاج الدين الكردي ولم نعثر على أسماء تلاميذ له آخرين في كتب التراجم. وبقي في مدينة قونية حتى انتقل إلى رحمة ربه راضياً مرضياً. وعلى العموم يظهر لنا أن الأرموي- ﵀ قد قضى صدر حياته طالباً للعلم في بلده ثم في الموصل. وبلغ من العلم أوجه حتى حظي بالمنازل الرفيعة عند السلاطين والحكام فبدأ حياته العملية مدرساً في ملطية، ثم سفيراً للملك الصالح نجم الدين أيوب عند الانبراطور، ثم انتظم في سلك القضاء مع المواظبة على مهنة التعليم، فبلغ من القضاء منصب قاضي القضاة وهو أعلى منصب علمي في ذلك الزمان، فكان في ذلك مثال النزاهة والذكاء والفطنة، ومع هذا لم يكن ليغفل مع تزاحم الأعمال عليه الاتصال بأقرانه، فكان يتردد على جلال الدين الرومي ويشارك في شؤون المسلمين العامة ويهتم بأمورهم. عُلومُه وَمَنزلَتُهُ بَيَن العُلَماء ذكر المترجمون لحياة القاضي سرج الدين الأرموي-رحمه الله تعالى- أنه برع في عدة فنون، وأجاد في أخرى. ولهذا، فالقاضي الأرموي لم يختص بنوع واحدٍ من الفنون بل كان موسوعة علمية متحركة. ويدل على ذلك مصنفاته العظيمة التي لازالت تتلألأ ناصعة نقية تكشف لنا عن دقةِ

стр. 26

فهمه ورجاحةِ عقله. ولذا سيكون الكلام عن علومه موزعاً على شتى العلوم التي برع فيها وخاض غمارها. فالقاضي الأرموي- ﵀: منطقي حكيم جدلي أصولي فقيه، متكلم شاعر مفسر ولذلك سنقسم الحديث عن علومه إلى خمسة أقسام: ١ - القاضي سراج الدين الأرموي المنطقي الحكيم الجدلي: عاش القاضي الأرموي في عصرٍ غلبت عليه العلوم العقلية وخاصة في بلاد المشرق، فلذا كان لابد له أن يتسلح بسلاح العلم بها. وقد قامت طائفة أخرى في نفس العصر تعادي هذه العلوم وترمي أهلها بالزيغ والضلال والانحراف، ولذا قال الناظم يصف رأي علماء عصره في المنطق بقوله: ابن الصلاح والنواوي حرما ... وقال قوم ينبغي أن يعلما وفعلاً رمي جهابذة علماء ذلك العصر بالانحراف لغلبة العلوم العقلية عليهم وكانوا ينسبون من تكلم بتلك العلوم إلى فساد الاعتقاد، وقد رمي فيمن رمي بذلك علامة الموصل وشيخ القاضي الأرموي كمال الدين موسى بن يونس- ﵀ قال الناظم: وأعطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقة شعري أو كدين ابن يونس وكان بعض الأفاضل يطلبون هذه العلوم سراً خوفاً من أن يظن فيهم العوام فساد الاعتقاد، ويقذفونهم بما يطعن في دينهم. ومن ذلك ما حدث لعلّامة الحديث في ذلك العصر عثمان أبي عمرو بن الصلاح الشهرزوري، حيث حاول سراً دراسة علم المنطق على الشيخ كمال الدين بن يونس، ولكنه أظلم قلبه فلم يفتح الله عليه بشيء ونصحه العلاّمة كمال الدين بن يونس بعدم دراسة هذا الفن لكي لا تفسد عقائد الناس فيه. ومع هذا فإن القاضي سراج الدين الأرموي- ﵀ لم أجد لفظةً واحدةً من الغمز أو اللمز أو الطعن في دينه لا من أقرانه ولا من مخالفيه في

стр. 27

المسلك، فقد عاش- ﵀ موفور العرض مصون الجانب رغم تعدد الاتجاهات وكثرة النزعات في عصره، بل وصفوه بأسمى ألفاظ الثناء والفضل، وأعلى درجات العلم مما يدل على سمو علمه وخلقه. والقاضي الأرموي أجاد في هذه الفنون العقلية الثلاثة: المنطق والحكمة والجدل، وصنف فيها أنفع المصنفات، وقد بلغ في ذلك الذروة، وحاز قصب السبق، حتى أصبح يشار لمؤلفاته بالبنان. فإذا ذكر علم المنطق تبادر للذهن مطالع الأنوار الذي تلقته العلماء بالشرح والتعليق بما لم يحدث لكتاب آخر كما سنوضح ذلك في فصل مصنفاته. وإذا ذكرت الحكمة تبادر للذهن لطائف الحكمة ذلك الكتاب العظيم الذي وضعه باللغة الفارسية وطبع بها. وإذا ذكر الجدل تبادر للذهن رسائله في هذا الفن وكتابه تهذيب النكت للشيرازي. ولم يكتفِ بمصنف واحد في كل فن، بل صنف عدة مصنفات ففي المنطق والحكمة بالِإضافة إلى مطالع الأنوار فقد صنف بيان الحق في المنطق والحكمة، وشرح الِإشارات والتنبيهات لابن سينا، والمناهج في المنطق والحكمة، ولطائف الحكمة، ولعله يوجد أيضاً ما لم يصل علمنا إليه. وهذه الكتب تعطينا فكرةً صادقةً عن مدى تمكن القاضي الأرموي من العلوم العقلية على العموم، فقد كان فارس حلبتها وخبير خباياها وعويصات مسائلها وحلاَّل عقدها وغوامضها. فلا مبالغة إن قلنا: إنه تربع على عرش هذه الفنون، وفاق من قبله ووقف من بعده دونه وعاش عالةً عليه. يرتوي من نبعه ويأكل من ثماره، ويحاكيه فيما ذهب إليه. ٢ - القاضي سراج الدين الأرموي الأصولي: لقد كانت طريقة المتكلمين في فن الأصول هي السائدة في هذا العصر - القرن السابع الهجري- وقد غلب على مصنفات الأصول طابع الاختصار والشرح والتعليق على مصنفات قد تقدمت، وكان صنيع القاضي الأرموي

стр. 28

- ﵀ متناسباً مع ما ساد في ذلك القرن فشارك وأدلى بدلوه مع من أدلى، ولقد انتهى علم الأصول في القرن السادس إلى كتاب المحصول لفخر الدين الرازي، والِإحكام لسيف الدين الآمدي، وقد حظي كتاب المحصول بما لم يحظ به كتاب سيف الدين الأمدي من الشرح والتعليق. والقاضي الأرموي الحاذق لفن المنطق والحكمة المجيد لعلم الكلام خير من تمتد يده إلى المحصول، ولذا فقد كان مختصراً متميزاً عن غيره من المختصرات، بأنه التزم منهجاً رسمه في صدر كتابه مقيداً بقوانين وضوابط، تدل على الدقة في الفهم والبراعة في التصنيف والترتيب والتقسيم إلى أبواب وفصول ومسائل وفروع، وكان يبدي من الملاحظات ما يدل على علو كعبه ورسوخ قدمه فيِ فن الأصول، ولذا فاق مختصره المحصول سائر المختصرات تنظيماً وترتيباً وتنبيهاً على مشكلاتٍ، وحلاً لعويصات ودفعاً لإيهام قد يرد على بعض الأدلة والحدود. وأسئلته الواردة فيه تشهد له بذلك. لم يكتف القاضي الأرموي بهذا الكتاب الذي اشتهر به كأصولي، بل وجدت له كتاباً آخر لا يشعر اسمه في فهارس المكتبات بحاله ولا ينبئ عما فيه، فالعنوان لا يناسب المحتوى، فقد سموه في الفهارس بأسئلة القاضي الأرموي على المحصول، فيتبادر للذهن أن المقصود هو الأسئلة التي أوردها القاضي سراج الدين الأرموي داخل التحصيل، ولكن الواقع والحال بعد أن نظرتها، وجدت أن البون شاسع والفارق عظيم والذي وجدته شرح للمحصول، ولكن الموجود في دار الكتب المصرية ليس مستوعباً لجميع المحصول وقد سماه القاضي الأرموي في بدايته: (مقاصد العقول من معاقد المحصول) وهو كتاب عظيم فصلت التعريف به في مصنفاته. وقد ساهم في هذا الفن أيضاً برسالةٍ في أمثلة التعارض في أصول الفقه، وقد حررت ما تحتويه في مصنفاته، وذكرت أنها ليست شاملة لجميع أمثلة التعارض، بل هي في عشر مسائل في دلالات الألفاظ فقط. فالقاضي الأرموي- ﵀ بما قدم للمكتبة الِإسلامية في هذا الفن استحق أن يوسم بالانتساب لعلمائه، وأن يجلس معهم جنباً إلى جنب،

стр. 29

مع أنه تربع على كرسي الصدارة في علم المنطق والحكمة. ٣ - القاضي سراج الدين الأرموي الفقيه قاضي القضاة: كثير من العلماء يرتقون من المجد أعلاه ويصلون من العلم منتهاه، ولكن لم يخلِّفوا لمن بعدهم علماً مدوناً مكتوباً، لأنهم لا يريدون شهرة، أو قد يكون لأسباب أخرى. فالقاضي الأرموي- ﵀ قد وصل لرتبة قاضي القضاة في دولة بني سلجوق. وهذه المرتبة لا يصلها أحد وفي زمانه من يدانيه علماً، فضلاً عن أن يفوقه والقضاء ينبع من الفقه ويسانده الذكاء والفطنة، وتؤيده العزيمة وقوة الشخصية، فكلِ ذلك اتصف به القاضي الأرموي ومع هذا لم يذكر المترجمون له إلَّا كتاباً واحداً في فروع الفقه وهو شرح الوجيز. فقد جرت عادة الأفذاذ أن لا ترضى إلا بمصافحة الأفذاذ، فبعد أن مدَّ القاضي الأرموي يده ليصافح فخر الدين الرازي علَّامة عصره من خلال اختصار المحصول، فيحدث له بذلك اقتران اسمه باسمه، ويندرج ذكره مع ذكره، فنجد يد القاضي الأرموي- ﵀ تمتد لمصافحة حجة الِإسلام وحيد زمانه وفريد عصره وأوانه، فيضع ظلال قلمه في جملة من وضع على معجزته التي تبارى العلماء في شرحها واختصارها والتعليق عليها، وذلك هو كتابه الوجيز الذي سارت بذكره الركبان، وأصبح عمدة في فروع مذهب الإمام الشافعي ﵁ فشرحه شرحاً لم نطلع عليه، ولكن شخصية القاضي سراج الدين الأرموي ووصوله إلى منصب قاضي القضاة ينبئ عن عظيم فائدته، وليس ما في شرح الوجيز هو كل فقه القاضي الأرموي بل في أحكامه إبَّان مهنة القضاء الذي تولاه ما يقارب الثلاثين عاماً ما قد يكون أضعاف شرحه للوجيز. ولذا نجد معظم من ترجم له وصف بالاجتهاد، ومرتبة الاجتهاد، مرتبة عزيزة لم يصل إليها إلا أفذاذ العلماء. ٤ - القاضي سراج الدين الأرموي المفسر والشاعر: لم يذكر من ترجم للقاضي الأرموي تراثاً له في التفسير، ولكن وصفوه

стр. 30

بأنه عالم بالتفسير (١)، وفي الحقيقة فإن علوم الشريعة حلقات متداخلة، فلا يكون فقيهاً من لم يكن عالماً بالتفسير، فليس في وصفه بالمفسر مع عدم ذكر إنتاجٍ له في ذلك مخالفة، فقد يكون له إنتاج ولكن لم يصل إلينا، وقد تكشف الأيام ما لم نره اليوم وتخبرنا عما لا نعلمه الآن. وأما كونه شاعراً مع عدم ذكر شيء من شعره فلا غرابة فيه، لأنه قد نقل ذلك مشاهد أعيان ورفيق زمانه أحمد الأفلاكي (٢)، الذي يقول: سمعته يقول شعراً في رثاء جلال الدين الرومي وقت دفنه على تبره، ولعل البحث والتنقيب سيكشف لنا عن شيء من شعره، وهل كان باللغة العربية أم الفارسية أم التركية. ٥ - القاضي سراج الدين الأرموي المتكلم: قد ظهرت شخصية القاضي سراج الدين الأرموي- ﵀ كمتكلم من خلال كتاب التحصيل، فيما تعرض له من مسائل على سبيل التبع والارتباط بينها، وبين بعض مسائل أصول الفقه، وهي كثيرة في كتابه التحصيل ومنها: التحسين والتقبيح العقليان، وعصمة الأنبياء، وشكر المنعم عقلاً وشرعاً، والصفة هل هي ذات الموصوف أم غيره وتكليف ما لا يطاق، وغير ذلك من المسائل. وأظهر في كل ذلك قدرة فائقةً في بحث هذ المسائل ونقاش أدلة المذاهب وخاصة المعتزلة، وأظهر احترازاً شديداً من قاعدتهم المشهورة التحسين والتقبيح العقليين حيث أدخل كلمة شرعاً في جميع حدود الأحكام الشرعية الخمسة. وقد صنف في ذلك كتباً مستقلة، ومن ذلك مختصره لكتاب الأربعين للإمام فخر الدين الرازي المتمكن من ناصية علم الكلام في عصره، وقد بلغ فيه الذروة وسماه اللباب، وهو أيضاً من أمهات الكتب في هذا الفن. والأرموي في صنيعه هذا كأنه يأبى إلَّا أن تمتد يده إلا للأمهات، ويرفض أن يقارن إلَّا العظماء فكما سبق له أن امتدت يده ليضع ظلال قلمه على

стр. 31

صفحات الوجيز، فيعانق بذلك حجة الِإسلام، فقد مدَّ يده ليصافح ابن سينا علامة زمانه وفيلسوف عصره، فيضع شرحاً للِإشارات التي تعتبر من عيون كتب المنطق والحكمة، وقد شارك فقهاء الشافعية في اختصار الوجيز، ليقف بذلك في صف حجة الإسلام الغزالي، وهنا كذلك يسيل مداد قلمه ليسطر لنا مختصراً من أعظم المختصرات لكتاب الأربعين الشهير في أصول الدين، ولم يكتف بذلك فقد وجدت له رسالةً في "الفرق بين موضوع العلم الإلهي والكلامي" في مكتبة الحرم المكي حرسه الله. وقد أجاد في كل ما كتب في هذا الفن لارتباطه بفنه الذي فاق فيه الأقران، وهو علم المنطق والحكمة، فكان بذلك متكلماً مناظراً ومجادلًا، يحسب له الحساب في بلاط بني سلجوق. هذه هي العلوم التي برع فيها القاضي سراج الدين الأرموي، وتراثه العلمي الضخم يدل بالبرهان ويقيم الحجة على صحة الدعوى، ويشهد له بالفضل وحيازة قصب السبق في كل مضمار. وقد أحسن العلّامة محمود بن محمد الأقسرائي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ، والذي عاش في عصره فترة من الزمن في كتابه "مسامرة الأخبار ومسايرة الأخيار" المطبوع باللغة الفارسية بأنقرة سنة ١٩٤٤ م. حيث يقول عن سراج الدين الأرموي في فصل وفيات الأكابر صفحة ١٢١ ما معناه: (كان سراج الدين الأرموي علماً للعالم وبحر الفضائل وشمس سماء الشريعة ومركز محيط الحقيقة والطريقة. فقد سلب من علماء العالم قصب السبق في المعقول والمنقول، وكان أفاضل الدنيا يأتون من الأطراف والأكناف بقصد الاستفادة من مجلسه. وكانوا يجتمعون جميعاً حول ملك قونية مثل كوكب "بروين" (ويتفرقون مثل بنات نعش). وقد سارت بذكره الركبان في حياته من مقارنيه فعطروا كتبهم بذكره الجميل، وسطرت أقلامهم له أنصع الصفحات وأحلى الذكريات، وقلما أن يُفعل ذلك لِإنسان في حياته وليس له صولة السلطان ولا جبروت الحاكم فيكون ما كتب عنه رياءً ونفاقاً وخوفاً وتزلفاً، بل الخلق القويم والفضل العميم والعلم الغزير ينطق الأقلام فتتكلم، ويوحي لها فترسم ما تكنه له

стр. 32

القلوب وما تلمسه مما ترى وتسمع، فتسجل طائعة مختارة عين الحقيقة. وهذا هو الحسين بن محمد بن علي الجعفري الرودكي الشهير بابن بي بي المتوفى قبل الأرموي سنة ٦٧٩ هـ، ينطق كتابه بالصدق ويظهر الحق ويدون الذكرى الحميدة التي نظرها بعينه ووعاها بقلبه، فيسطر ما شاء الله له أن يسطر من الفضائل، ويذكر مركز الأرموي بين علماء زمانه في شتى العلوم والفنون على صفحات كتابه الشهير. الأوامر العلائية في الأمور العلائية المطبوع باللغة الفارسية صفحة ٧٠٠، ٧٠١، واكتفى بذكر الألقاب التي أوردها له خوفاً من التطويل، وليتناسب المقال مع المقام. فيقول المصنف في فصل حادثة جمرى القرماني في التعريف بالقاضي سراج الدين الأرموي: قاضي القضاة ملك العلماء، سلطان الأئمة، قدوة الأمة، شُرَيْح الزمان، سراج الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين، أبو الملوك والسلاطين، أبو الثناء محمود الأرموي أدام الله علاه، وأطال بقاه، فريد دهره ووحيد عصره، حاز قصب السبق على العلماء الأوائل والحكماء الأفاضل وزعيم المحافل، يشار له بالبنان في جملة فنون لاسيما الأصولين (١): (والمنطق والفقه والخلاف واقتبس من مصنفاته واستفاد الأعاظم والأماثل والأماجد). انتهى مترجماً. أوردت هذه النقول من كتب أقرانه ومعاصريه، ليعلم الناظر أنني لم أبالغ فيما وصفته به، وما ذكرته من علماء الجم، وفضله العميم فهؤلاء عاصروه وقارنوه، فوصفوه بشُرَيْح الزمان في القضاء وبشمس السماء في العلوم والعهدة عليهم، ولكن دليلهم قائم والآثار شاهدة. ومنزلته بين العلماء لم تبرز بشهادة معاصريه فحسب، بل في منزلته عند عظماء حكام الأمة الإسلامية آنذاك بني أيوب، الذين فرجوا الكروب وكسروا الصليب وهزموا آله وأعادوا للمسلمين عزهم ومجدهم التليد، وتحطمت على سواعدهم الفتية أطماع الطغاة، الذين لا زالوا يكيدون للإسلام وأهله وإن تغير السلاح وتبدل الأسلوب، فقد كان سفيراً للملك

стр. 33

الصالح نجم الدين وهو في عنفوان شبابه، فيمثله في لقاء إمبراطور الروم على ما ذكر صديقه وقرينه جمال الدين محمد بن سالم بن واصل الحموي في كتابه مفرج الكروب. ثم يجلس في حلقات الملوك والعلماء للمناظرة والنقاش والاستفتاء برفقة سلطان علماء زمانه بل سلطان علماء المسلمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، عز الدين بن عبد السلام قدَّس الله روحه وأعلى درجاته في الجنة، وذلك في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة سنة ٦٤٧ هـ في ردهات قصر آخر ملوك بني أيوب في القاهرة الملك المعظم السلطان غياث الدين توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل، فيدلي برأيه غير خافتٍ ولا متروك، وروى لنا ذلك شاهد عيان حاضر ذلك المجلس فلا ريبة ولا شك في صحة ما نقل. وأما شأنه في قصور سلاجقة الروم فهو ليس أدنى من ذلك ولا أقل، وقد أوردنا فيما مضى من شأنه في ذلك من المواقف والحوادث، وما يبهر العقل ويثير في النفس العجب. وهناك سؤال يفرض نفسه على كل ناظر في ترجمة القاضي سراج الدين الأرموي هذه، وهو كيف تكون سيرة هذا العالم بهذا الشكل العظيم، ونحن معاشر العلماء لا نكاد نسمع إلَّا باسمه؟ ولا نعرف من شأنه وحاله إلا اختصاره للمحصول؟ والجواب على هذه الصفحات مسطور وخزانات الكتب بآثاره تقول: كم من عالم اليوم مغمور الذكر أصبح نسياً منسياً، وكان قد ارتقى أعلى المنابر، وتصدر أكبر المحافل وجالس أعظم الأماثل، ثم يأتي زمان فترفع الستائر، وتنقشع الحجب عن دُرٍّ مستور، ويتبدد السحاب عن شمس صافية وينفض الغبار المتراكم عن رفوف الكتب، فيظهر الحق ويزهق الباطل، إن الباطلَ كان زهوقاً. فهذه منزلة القاضي سراج الدين الأرموي- ﵀ بين علماء زمانه ومنها تظهر منزلته بين علماء المسلمين جميعاً، قد أقمنا عليها الأدلة وأحضرنا لها الشهادات من بطون الكتب ليس ما دوِّن منها بالعربية فحسب، بل ما دوِّن باللغتين الفارسية والتركية أيضاً، ولعل المستقبل يكشف لنا عن المزيد.

стр. 34

وَفَاتُهُ لقد عاش القاضي سراج الدين الأرموي حياة حافلة بالرحلات، مملوءة بالعمل الشاق الدؤوب في التدريس والسفارة للسلاطين والملوك، ثم استقر به المقام قاضياً ومدرساً في بلاد الروم، ثم ارتقى منصب قاضي القضاة بما أودع الله فيه من المؤهلات العلمية والنفسية فوصل إلى ما وصل إليه من الجاه، وعاش حميدَ السيرة موفور العرض، سليماً من أذى الحساد، مُحباً للجميع حتى من كان ينكر أحوالهم كالمولوي جلال الدين الرومي، فيعوده في مرضه ويسقيه الدواء ويجلس على وسادته بل ويتقدم أتباعه وتلاميذه ليصلي عليه. فقد ألف القلوب من حوله، فبكته العيون يوم لبى نداء ربه، وفقدته كراسي القضاء يوم احتاج له المتخاصمون، ورثه طلاب العلم، وخسرته المدارس، ولكن لكل أجلٍ كتاب ولكل أمر نهاية وأمر الله نافذ وقضاؤه ماض ولا حول ولا قوة لمخلوق في صرفه، فذاق كأس الموت التي لثمت فاهه شفاه الأنبياء من قبله، ولكن بعد أن عمر آخرته بما زرعه في دنياه فسيجني ثمار غرسه، ويحصد نتاج أرضه التي أتت أكلها ضعفين تغمده الله برحمته، وأسكن روحه الدرجات العليا في الجنة وجزاه الله عن طلبة العلم والمسلمين خير الجزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون- وذلك عام ٦٨٢ هـ في مدينة قونية. شيوُخه بعد تقصي ترجمة القاضي سراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي- رحمه الله تعالى- في جميع كتب التراجم، لم أجد أنها ذكرت له إلَّا شيخاً واحداً، وما من شك أنه تتلمذ على عدد من أفاضل العلماء، ولكن التاريخ يخفي كثيراً من الأخبار، فتصبح نسياً منسياً مع أن كتب التراجم نقلت لنا: أن القاضي محمود بن أبي بكر الأرموي- ﵀ قد بدأ دراسته في بلده التي ولد فيها أرمية، ولكن لم تذكر لنا على يد من أخذ علومه في مقتبل العمر. ولم تذكر لنا إلَّا اسم شيخه في الموصل بعد هجر بلاده لعله أمام الزحف التتاري. وكم نحن في شوق لمعرفة المزيد عمن أخذ عنهم، لأن

стр. 35

معرفة ذلك يؤنس القلب ويطمئن النفس، فيعرف المنبع الذي نهل منه والمصدر الذي تغذى عليه، فتزداد الثقة بعلمه. ولكن لو لم يكن له شيخ إلا كمال الدين موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة- أبا الفتح الموصلي- لكفى ذلك دافعاً للثقة بعلم الأرموي والاعتراف بمنزلته، لأن العبرة ليست بالعدد والكثرة، ولكن العبرة بإتقان العلوم والإِلمام بها. فكم من عالم احتوى قلبه علم مئات العلماء، وأتقن من الفنون ما يعجز عنه العشرات وقديماً قال الشاعر: فكم رجل يعد بألف رجلٍ ... وكم رجلٍ يمر بلا عداد وكمال الدين بن يونس (كما سيظهر لك من ترجمته التي أنقلها من مرجع واحد فقط، لأنني لو ذهبت أتقصى ترجمته في شتى الكتب لاتسع الأمر، ولأصبح تطويلًا قد يمجه الناظر مع ما فيه من الأخبار الشيقة) موسوعة علمية وبحر زاخر لشتى الفنون والعلوم العقلية والنقلية، وكان حظه من كل علم أعظم من حظ أربابه، حتى سعى له عظماء العلماء يلتمسون بصيصاً من نوره وجذوة من قبسه، وسوف لا أتكلف في نسبة تلمذة الأرموي لغير كمال الدين بن يونس، وأتشبث بخيوط العنكبوت حتى أصله بأناس لم يقم الدليل القاطع على وصله بهم، وأعني بذلك أني وجدت عباراتٍ في بعض الكتب تدل على أنه تتلمذ على فخر الدين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وعدلت عن ذلك، لضعف هذه النسبة ولاحتمال الوهم أو التجوز في النسبة.

стр. 36

كمال الدين أبو الفتح موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة الموصلي والد شارح التنبيه "شرف الدين أحمد بن موسى" (١) ولد في صفر سنة ٥٥١ هـ بالموصل، وتفقه على والده الشيخ رضي الدين يونس (٢). ثم توجه إلى بغداد فتفقه بالمدرسة النظامية على معيدها السديد السلماسي (٣). وقرأ العربية بالموصل على الِإمام يحيى بن سعدون (٤)، وببغداد على الكمال عبد الرحمن الأنباري (٥).

стр. 37

ثم عاد إلى الموصل مقيماً بها. وكان رجلاً متبحراً في كثير من فنون العلم موصوفاً بالذكاء المفرط، إليه مرجع أهل الموصل وما والاها في الفتوى. وأصحابه يعظمونه كثيراً. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقال: أنه درَّس بعد وفاة والده في موضعه بالمسجد المعروف بالأمير زين الدين (١) صاحب أربل قال وهذا المسجد يعرف الآن بالمدرسة الكمالية، لأنه نسب إلى كمال الدين المذكور لطول إقامته فيه. ولما اشتهر فضله انثال عليه الفقهاء، وتبحر في جميع فنون العلم. وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة، ولقد رأيْته بالموصل في شهر رمضان سنة ٦٢٦ هـ. وترددت إليه دُفَيْعاتٍ عديدةٍ لما كان بينه وبين الوالد- ﵀ من المؤانسة والمودة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الِإقامة وسرعة الحركة إلى الشام. وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعةً وعشرين فناً درايةً متقنة، ومن ذلك المذهب وكان فيه أوحد الزمان. وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل، مع ما يجيء عليه من الِإشكال المشهور، وكان يتقن فن الخلاف العراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين. ولما حملت كتب فخر الدين الرازي للموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء، لم يفهم أحد منهم إصطلاحه فيها سواه، وكذلك الِإرشاد للعميدي (٢) فلما وقف عليها حلها في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوا.

стр. 38

وكان يدري فن الحكمة والمنطق والطبيعي والإلهي. وكذلك الطب ويعرف فنون الرياضة من إقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي (وهي لفظة يونانية معناها بالعربية: الترتيب) وأنواع الحساب المفتوح منه، والجبر والمقابلة والأرتماطيقي وطريق الخطابين، والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره، إلَّا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها. وبالجملة فلقد كان كما قال الشاعر: وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كل علمٍ بالجميع واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد، وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً مستوفى، حتى أنه كان يقرئ كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي والمفصل للزمخشري (١). وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال وما يتعلق به يد جيدة، وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً. وكان أهل الذمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهم هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. وكان في كل فنٍ من هذه الفنون، كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه. وبالجملة: فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم نسمع عن أحد ممن تقدمه أنه كان قد جمعه. ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل (٢) بن عمر بن المفضل الأبهري،

стр. 39

صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة من الموصل إلى إربل في سنة ٦٢٦ هـ، ونزل بدار الحديث وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف، فبينما أنا يوماً عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد. وكان فاضلاً فتجاريا في الحديث زماناً. وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث، فقال له الأثير: لما حجَّ الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنتَ هناك؟ فقال: نعم. فقال: كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه؟ فقال: ذلك الفقيه. ما أنصفوه على قدر استحقاقه فقال الأثير: ما هذا إلَّا عجبٌ والله ما دخل بغداد مثل الشيخ فاستعظمت منه هذا الكلام وقلت: يا سيدنا كيف تقول كذا؟ فقال: يا ولدي ما دخل بغداد مثل أبي حامد الغزالي ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة. وكان الأثير على جلالة قدره في العلوم، يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه فيقرأ عليه والناس يوم ذلك يشتغلون في تصانيف الأثير، ولقد شهدت هذا بعيني وهو يقرأ عليه كتاب المجسطي. وقد حكى لي بعض الفقهاء: أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم. فقال: ما أعلم. فقال: وكيف هذا يا مولانا وهو في خدمتك منذ سنين عديدة يشتغل عليك؟ فقال: لأنني مهما قلت تلقاه بالقبول. وقال: نعم يا مولانا. فما جادلني في مبحثٍ قط حتى أعلم حقيقة فضله. وكان الأثير معيداً عنده في المدرسة البدريَّة وكان يقول: ما تركت بلادي وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ. وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح المتقدم ذكره يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوحده في العلوم فذكره يوماً وشرع في وصفه على عادته. فقال له بعض الحاضرين: يا سيدنا على من اشتغل ومن كان شيخه؟ فقال: هذا الرجل خلقه الله إماماً عالماً في فنونه، لا يقال: على من اشتغل ولا من كان شيخه فإنه أكبر من هذا.

стр. 40

وحكى (١) لي بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئاً من المنطق سراً، فأجابه إلى ذلك، وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه بشيء، فقال له يا فقيه، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن. فقال له: ولمَ ذلك يا مولانا؟ فقال: لأن الناس يعتقدون فيك الخير، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد، فكأنك تفسد عقائدهم فيك، ولا يحصل لك من هذا الفن شيء فقبل إشارته وترك قراءته. ومن يقف على هذه الترجمة فلا ينسبني إلى المغالاة في حق الشيخ، ومن كان من أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ، عرف أني ما أعرته وصفاً ونعوذ بالله من الغلو والتساهل في النقل. وقد ذكره أبو البركات بن المستوفي (٢) المتقدم ذكره في تاريخ أربل. فقال: هو عالم مقدم، ضرب في كل علم. وهو في علم الأوائل كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه، حل إقليدس والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد بن المظفر الطوسي الفارابي (٣) يعني صاحب
следующие страницы →