← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 19236

شرح قواعد الإعراب

شيخ زاده

Полный текст (203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ودالّة: عطف على شرطية أو على معطوفها على اختلاف القولين. على معنى الكمال، وهي من جملة وجوهها هاهنا. فتقع، الفاء: لربط الجزاء إلى الشرط المحذوف: تقديره: إذا وقعت دابة فتقع صفة لنكرة المذكورة غالبًا نحو: هذا رجل أي رجل، فرجل نكرة موصوفة بـ (أي). اعلم أن (أيَّ) إن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها، كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه, كما إذا قلت: مررت بعالم أي عالم، فقد أثنيت عليه بالعالمية، إن أضيفت إلى غير المشتق فهي للثناء عليه بكل وصف يمكن أن يثنى عليه، ففي مثال المصنف أثنيت عليه ثناءً عامًّا بكل ما يمدح الرجل به، أي: هذا رجل كامل في صفات الرِّجال. وحالا: عطف على صفة لمعرفةٍ لأن صاحب الحال لا يكون إلَّا معرفةً ولهذا تعين أن يكون في الأول صفةً، وفي الثاني حالًا. كمررت بعبد الله أي رجل، أي حال كونه كاملا في صفات الرجال, وهذا ليس قسمًا مستقلا. بل عائد إلى معنى الكمال، والمصنف لم يفسره كما فسّره فيما قبله اكتفاءً به، وإلَّا لَشوشَ كلامُ المصنف في عدها على ما جاء على خمسة أوجه، وسائر النحاة لم يذكر كونها دالة على معنى الكمال، بل قصروا على الوجوه الأربعة بناءً على أنه مندرج في الاستفهام. ووُصلةً بالنصب: عطف على قوله: دالة وشرطية، على اختلاف القولين إلى نداء ما فيه أل، وظاهر هذا التعبير يُشعر أن مذهبه كمذهب الخليل في حرف التعريف، وهو أنه ثنائي, [وهمزة الله] همزة قطع وُصلِت لكثرة استعماله.

стр. 142

قال شارح الألفية: ولا يحسُنُ على هذا المذهب إلَّا التعبير بـ أل نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾. فأيّ: اسم مفردٌ مبهم معرف بالنداء مبني على الضم. وها: حرف تنبيه عوض مما كانت (أيُّ) تضاف إليه. والإنسانُ بالرفع: صفة أي. فعبارة المصنف تُؤذن أن أيّ لا تكون موصوفة إلا في حالة النداء، كما ذكر أكثر النحويين. وللأخفش فيه خلاف، فإنه أجاز كونها موصوفة مطلقًا كما: مررت بأيٍّ معجب لك نصّ عليه في شرح الرضي. واعلم أنَّ (أيا) هي لازمة الإضافة، فإذا كانت موصولة تضاف إلى المعرفة، وإن جوّز بعضهم إضافتها إلى النكرة، وإذا كانت دالة على الكمال تضاف [إلى النكرة] وإذا كانت شرطية أو استفهامية جازت إضافتها إلى المعرفة والنكرة. كذا في شرح الألفية. واعلم أيضًا أن (أيا) معربة في الاستفهام والجزاء، ومبنية في الصفة، ومنقسمة في الصلة. وإن كانت صلتها تامة فالإعراب، وإن كانت محذوفةَ الصدرِ فالبناء أفصح. وقد مر بعض البحث المتعلق بأي في المسألة الثانية في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى. . .﴾، فليعد إليه ثانيًا. " لو " الثانية: لو [لها وجوه خمسة] آثر التذكير في الأول، والتأنيث في الثاني، مع جواز التذكير والتأنيث في الحرف إشعارًا إلى اسمية الأول وحرفية الثاني. وأحد أوجهها أن يكون حرف شرط في الماضي. سواء كان دخل على الماضي أو المضارع وهذا هو أغلب أقسامها على رأي البعض، وإنما قلنا هكذا لأن بعض النحويين لا يطلقون عليها

стр. 143

حرف الشرط. ويقولون: الشرط إنَّما يكون في المستقبل، وذهب الشلوبين إلى أنها لمجرد الربط، وقال بعضهم: إنها كما تأتي للربط تأتي للقطع. فيقال فيها أي في (لو) إذا كانت للشرط: حرف يقتضي امتناع ما يليه، وهو فعل الشرط واستلزامه [أي استلزام] فعل الشرط لتاليه، وهو فعل الجزاء. وهذا التعريف مأخوذ من ابن مالك، حيث قال في "شرح الكافية": إنه يقتضي امتناع فعل الشرط، واستلزام ثبوته لثبوت الجواب، وإنما عرف بهذا, ولم يعرف بامتناع لامتناع، بناءً أنّ هذا لا يجري في بعض الصور على ما سيأتي في نحو: لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ , فأراد التعريف على وجه يعم الجميع نحو ﴿لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. فلو هنا شرطية دالة على أمرين أحدهما أنَّ مشيئة الله تعالى لرفع هذا المُنْسَلِخ، بكسر اللّام أي المُعْرِض المكذب عن آيات الله. منتفية، ويلزم من هذا أي من دلالة (لو) على انتفاء المشيئة لرفعه، أن يكون رفعه منفيًا لأن انتفاء الرفع لازم، وانتفاء المشيئة ملزوم، إذ لا سبب لرفعه إلَّا المشيئة وقد انتفت والسببية منحصرة فيلزم من انتفائها انتفاء المسبب وهو الرفع، وهذا، أي المذكور وهو: لو شئنا لرفعناه بخلاف: نِعْمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فإنه لا يلزم من انتفاء لو لم يخف الله الذي هو سبب الشرط انتفاء لم يعص الذي هو الجواب حتى يكون، معنى الكلام أنّ صهيبًا قد خاف وعصى. على أنّ حَمْلَ الحديث على هذا المعنى غير مستقيم، لأنّه منوط بالمدح.

стр. 144

وذلك أي بيان أنه لا يلزم من انتفاء لم ينجس انتفاء لم يعص، لأن انتفاء العصيان له سببان: أحدهما: خوف العقاب فعلى هذا التقدير يكون رفع خوف العقاب بالخبرية، ويجوز رفعه بالبدلية من (سببان). وهو أي: عدم العصيان من خوف العقاب طريق العوام، لأن طاعتهم وعدم عصيانهم للخوف. والإجلال إما بالرفع عطف على خوف, أو بالجر عطف على العقاب، والإعظام عطف على الإجلال. وهو أي عدم العصيان من خوف الإجلال والإعظام طريق الخواص لأن طاعتهم وعدم عصيانهم لأجل الإجلال والرغبة. والمراد أنَّ صهيبا من هذا القسم، أي من قسم الخواص، وأنه لو قدّر خُلُوّه من الخوف لم تقع منه معصية، فكيف تقع المعصية والخوف حاصل له. والضمائر البارزات راجعة إلى صهيب. ولم يذكر المصنف كون هذا القول في حق صهيب حديثا. كما قال الفاضل التفتازاني في باب المسند إليه، وابن الحاجب في "الإيضاح"، أو قول عمر كما قال العلامة الزمخشري في تفسير سورة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ بناءً على ما ذكره القاضي بهاء الدين: إنه لم يقف على أنه حديث أو قول عمر. ومن هنا، أي لأجل كون جواب (لو) لا يكون منتفيًا إلا إذا كان له سبب واحد، تبين فساد قول المعربين أن (لو): حرف امتناع لامتناع. التنوين عوض عن المضاف إليه أي: امتناع الثاني لامتناع الأول، وهو المعنى المشهور عند النحويين.

стр. 145

والصّواب: الأحسن أن يقال: (الأولى تعريفهم) بامتناع الثاني لامتناع الأول مبني على أكثر استعمالها، أنها لا تعرض لها إلى امتناع الجواب ولا إلى ثبوته، أي لا يُتَعَرّض بلو إلى نفي الجواب، ولا إلى وجوده. قال ابن مالك: ليس فيها تعرّض لوقوع الجواب وعدمه، [إلا أن الأكثر عدمه]. وإنَّما حصل لها تعرض لامتناع الشرط: [أي] لنفيه، فإن لم يكن للجواب أي للجزاء، من سبب سوى ذلك الشرط الذي دخلت عليه (لو) لزمَ من انتفائه انتفاؤه بالرفع فاعل لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجواب نحو: لو كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود. فإنّ سبب وجود النهار لا يكون إلا طلوع الشمس. فيلزم من انتفائها انتفاء النهار. وإن كان له أي: للجواب، سبب آخر غير ما جعل شرطًا لها, لم يلزم من انتفائه، أي من انتفاء الشرط، انتفاء الجواب ولا ثبوته، نحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودًا فلا يلزم من انتفاء طلوع الشمس انتفاء الضوء، لأن الضوء كما يحصل من الشمس يحصل من غيرها من النار والكواكب. ومنه: أي ومما كثرت أسبابه لو لم يخف الله لم يعصه كما عرفت فيما تقدم. اعلم أن لو إذا كانت للشرط لها استعمالات ثلاثة: أحدها: امتناع الثاني لامتناع الأول وهو المشهور. والثاني: أن يكون للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائمًا في قصد المتكلم حين كون الشرط مستبعدًا لاستلزام ذلك الجزاء، وكون نقيض ذلك الشرط أنسب باستلزام ذلك الجزاء،

стр. 146

فيستمر وجود الجزاء سواء وُجد الشرطُ أو فُقِد وسواء كانا مثبتين نحو: لو شتمتني لأثنيت عليك، ومن هذا القبيل قول علي ﵁: لو كُشفَ الغطاءُ عني ما ازددت يقينًا. ذكرهُ في شرط المفتاح. أو منفيين كما: لو لم يخف الله لم يعصه. أو مختلفين نحو ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ويستعمل في هذا المعنى لولا نحو: لولا أكرمتك لأثنيتك. والثالث: في مقام الاستدلال للدّلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول من غير نظر إلى أن علة [انتفاء] الثاني في الخارج ما هي، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومن هذا عرّف ابن الحاجب بامتناع الأول لامتناع الثاني, وخطأ عكسه المشهور، ولم يدر أن هذا معنى قصد إليه مقام الاستدلال، كذا قالوا. الأمر الثاني مما دلّت عليه (لو) في المثال المذكور، وهو قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ أن ثبوت المشيئة لرفعه مستلزم لثبوت الرفع، فثبوت المشيئة ملزوم، وثبوت الرفع لازم، والملازمة من السببية. والمصنف أشار إليه بقوله: ضرورة أنّ المشيئة لرفعه سبب، والرفع مسبب، وهذان المعنيان المستفادان من الدّلالة الثبوتية والسلبية قد تضمنتهما العبارة المذكورة، أي اشتملت العبارة المذكورة عليهما وهي قوله: حرف يقتضي امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه. والثاني من وجوه استعمال لو: أن يكون حرف شرط في المستقبل، وهو مذهب الفراء.

стр. 147

فيقال فيها: حرف شرط مرادف لـ (إن) في هذا الوجه، إلا أنها لا تجزم، إلا في ضرورة الشعر في بعض اللغة، فتكون للاستقبال سواء دخلت على الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾، أي إن تركوا، أو على المضارع نحو قول الشاعر: وَلَوْ تَلتقي أصدَاؤنا بَعْدَ مَوتنا [الطويل] الأصداء جمع الصدى، الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، أي أن تلتقي أصواتنا بعد موتنا لكان كذا. اعلم أن النحاة قالوا: إنّ (لو) هذه لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم. وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر إلا في الضرورة أو بالندرة، والظاهر أنه ليس كذلك لوقوعه في أفصح الكلام كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾. الثالث: أن تكون (لو) حرفًا مصدريًا مرادفة لأن المصدرية، وهو مذهب الفراء وأبي علي الفارسي، وأبي البقاء، والتبريزي، وتبعهم ابن مالك والمصنف، فإن (لو) عندهم قد تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى الجواب كما عرفت. إلا أنها لا تنصب. كما أنّ (لو) مرادف (أن) لا يجزم، ولم يجزم هنا خلافًا كالجاري في جزمها. وأكثر وقوع لو إذا كانت مصدرية بعد ودّ نحو ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾. فلو هنا

стр. 148

مصدرية تقديرها: ودّوا أن تدهن، أي: الإدهان. أو يودِّ نحو: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾. أي: التعمير، وعلامتها أن يصلح في موضعها (أن) كذا في شرح الألفية، والمصنّف أورد مثالين إشعارًا إلى وقوعها بعد ماضي (ودّ) ومضارعه، وقيَّد بالأكثر [إشعارًا لجواز] وقوعها في غيره قليلًا كما سيجيء في ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾. وأكثر النُّحاة لا يثبتون هذا القسم، ويخرّج الآية ونحوها ممَّا يدل ظاهرًا على أنها حرف مصدري على حذف مفعول الفعل الذي هو المذكور قبلها، والجواب بعدها، أي حذف الجواب بعد لو والمصنف فسّر تقدير الكلام بقوله أي: يودّ أحدهم التعمير لو يعمّر لسرّه ذلك، أي: التعمير. الرابع من وجوه استعمالها أن تكون للتمنّي عند أكثر النُّحاة، ومنهم الزمخشري، وهو مذهب سيبويه، ووافقه أهل التحقيق في صناعة المعاني، لكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى قسم آخر، فذهب ابن الصَّائغ وابن هشام الخضراوي إلى أنَّه قسم برأسه، فلا يجاب بجواب الامتناعيَّة وغيرها إلى أنَّها امتناعية أُشربت معنى التمنّي. قيل هو الصَّحيح، وقد جاء جوابها (باللَّام بعد جوابها) بالفاء، كذا ذكره شارح الألفية. وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية أغنت عن التمنّي حيث قال في "التسهيل" بعد ذكر لو المصدرية: وتغني عن التمنّي لكونها لا تقع غالبًا إلَّا بعد مُفهم تَمَنٍّ، فينصب بعدها الفعل

стр. 149

مقرونًا بالفاء نحو ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: فليت لنا كرّة. قال القاضي في تفسير تمنّي الرجعة أو شرط حذف جوابه. وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية واعتذر عن الجميع بأنَّ المصدرية بوجهين: أحدهما: أن يقدّر الفعل بينهما. والثاني: أن يكون من باب التأكيد. قيل في إثبات كونها للتمنّي، وذكر القيل إشعارًا من أوّل الأمر إلى تضعيف الدليل. ولهذا لو نصب كلمة فيكون في جوابها كما انتصب كلمة فأفوز في جواب ليت في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾. حاصل الاستدلال أنْ يقال: إن إضمار أنْ بعد الفاء لا يكون إلَّا بعد أحد الأشياء الستة، فلو لم يحمل عليه لم يكن لنصبه وجه، والمناسب فيها أن يكون للتمني، وإذا عرفت ما تلونا عليك، وعلمت أن ردّ المصنف بقوله: ولا دليل فيها، ليس كما ينبغي لأنهم لم يقولوا أنها منحصرة للتمني حتَّى يردّوا بقوله: لجواز أن يكون النّصب في فأفوزَ مثلَه بالنصب: خبر أن يكون، في قوله: وَلُبسُ عبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عيني ... أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشَّفُوفِ [الوافر] فَلُبْسُ: مبتدأ مضاف إلى عباءة، وتقرّ: منصوب لفظًا بتقدير أن المصدرية، ومرفوع محلًا على أنَّه معطوف على (لُبْسُ)، وأحَبُّ: خبره. قال في "الصحاح": شفَّ يَشِفُّ شُفُوفًا، فالشَّفُّ بالفتح ستر دقيق. وقوله تعالى بالجر: عطف على قوله: ولبس عباءة، وأخَّرَه لكونه حجة قاطعة.

стр. 150

﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فيرسل: منصوب بأن مقّدرة معطوف على (أن يكلمه) وكذا أفوز لجواز أن يكون منصوبًا بأنْ مُقدّرة معطوفًا على الضمير المتصل بـ كان لوجود الفصل، فلا يلزم من نصبِهِ أن يكون جوابًا للتمني، وقس عليه نصب فيكون. الخامس أن يكون للعرض نحو: لو تنزلُ عندي بضمّ اللّام فتصيبَ راحةً. فإنَّها إذا لم تحمل على العرض لم يكن لنصب تصيبَ وجه. ذكره ابن مالك في "التسهيل"، اسم كتاب من مؤلفات النحو، وذكر ابن هشام اللَّخمي. اللَّخم: حيٌّ من اليمن وإلياس. معنىً آخر زائدة عما ذكره وهو أن يكون للتقليل، أي: يعطى في مدخولها معنى القلّة نحو قوله ﵇: (تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفِ شَاةٍ مُحَرَّق). فقال في "الصحاح": الظّلف للبقر والشاة والظبي، واستعاره عمرو بن معدي كرب للأفراس: وخَيْلٍ تَطأكمْ بِأظْلَافِها [متقارب] و (اتَّقوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمرَةٍ). هذا مثال آخر، فلو هنا مستفاد منها معنى التقليل. فمعناهما: لا تستقلّوا الصدقة، ولو كان شيئًا قليلًا، ذكر في بعض شروح ذلك المتن.

стр. 151

إنّ (لوِ) هذه شرطية عندي، والجواب محذوف بعد لو م قدَّ ر دلَّ عليه كلام السابق. انتهى فالحق في ظني أن يجعل الجملة الشرطية حالًا، فينسلخ معنى الشرط، ولا يحتاج إلى الجواب. اعلم أن جواب (لو) لا يكون إلا فعلًا ماضيًا مثبتًا، أو منفيًا بـ (ما)، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم). والأكثر في الماضي المثبت اقترانه بـ اللام. وقد يحذف كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ وأمّا حذف اللام مع الجواب فكثير في كلام العرب. - ما يأتي على سبعة أوجه - "قد" النوع السادس: ما يأتي على سبعة أوجه وهو قد فقط وأحد أوجهها أن تكون اسمًا بمعنى حَسْبُ فيقال: قدي بالإضافة إلى ياء المتكلم، بغير نون الوقاية كما يقال حسبي. ظاهر هذا الكلام يشعر اختيار المصنَّف مذهب الكوفيين حيث يقولون: إنّ قد إذا كان اسمًا بمعنى حسب يُضَاف إلى ياء المتكلم، ولا يلحقها نون الوقاية، لأنَّها تزاد في الأفعال فتكون معربة. وأمّا عند البصريين يلحقها نون الوقاية على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: [قدي و] قدني، فعندهم تكون مبنية. كذا ذُكِرَ في "التسهيل" و"شرح الألفيَّة". والثاني من أوجهها: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فالياء المتَّصلة بها في محل النّصب. فيلزمها نون الوقاية. فيقال: قدني بالنّون، كما يقال: يكفني. وقد تلحقها كاف الخطاب فتكون في محل النصب. فيقال: قدك، فعلى هذا يكون مبنيًا على السكون بالاتفاق.

стр. 152

والثالث من أوجهها: أن تكون حرف تحقيق، تقتضي تحقّق مدخولها، فتدخل على الماضي من غير اختلاف فيه، لكن هل هي للتحقيق المحض؟ وهو مذهب المنصور، أو للتحقيق مع التوقّع كما مذهب الخليل حيث قال في "الصحاح": زعم الخليل أن هذا لِمَن ينتظر الخبر، يقول: مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات، ولكن يقول: مات انتهى. والعنوان بالزّعم يدل على ردّ مذهبه، لأنها تجيء للتحقيق المحض في الماضي كما عُلِمَ من موارد الاستعال نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. فقد هنا تدخل على الماضي لتحقّق الفلاح. وعلى المضارع عند البعض. قال ابن مالك في "التسهيل": وقد التي للتحقيق تدخل عليها نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فقال بعض النُّحاة: إنّ قد التحقيقية إذا دخلت على المضارع ولم يمكن التوقع فيه كان المضارع بمعنى الماضي. والرابع من أوجهها: أن تكون حرف توقّع أي: انتظار، يقال: توقعت واستوقعت، أو انتظرت فتدخل عليهما، أي على الماضي والمضارع أيضًا. أي كما تدخل عليهما إذا كانت للتحقيق. قول: قد يخرج زيد، فتدلّ (قد) على أن الخروج منتظر متوقّع. والمصنّف لم يذكر هنا مثالًا للماضي لكون الاختلاف في دخول حرف التوقّع عليه، فذكر بعد إثباته بالدليل، وظاهر هذا الكلام يشعر أن يكون التوقّع مقابلًا للتحقيق في الحقيقة، وليس كذلك. تدل عليه عبارة "الكافية": حرف التوقّع (قد)، وشرحها الشَّيخ الرضي: فإنَّه عام إلى التحقيق والتقريب إلى الحال مع التوقع. قد تكون للتحقيق مع التقريب بدون التّوقع، وقد تكون للتحقيق المحض، فإذن لها ثلاثة معان. انتهى.

стр. 153

وزعم بعضهم: لا تكون قد للتوقع مع الماضي، لأنَّ التوقُّع انتظار الوقوع والحال أنّ الماضي قد وقع، فإنّ جواز دخولها يلزم الجمع بين المتنافيين. وقال الذين أثبتوه، أي: التوقّع مع الماضي: إنَّها تدلَّ على أنَّه أي قد يدلّ أنّ الفعل كان منتظرًا قبل وقوعه. [لأنَّه] متوقع بعد وقوع الفعل، فلزوم اجتماع المتنافيين مرفوع بالحمل على اختلاف الزَّمانين، تقول: قد ركب الأمير لِقَوْم ينتظرون هذا الخبر، وإنَّما قيَّد به لانَّه إذا قلت: هذا الجر لقوم لا ينتظرون، يكون للتحقيق مع التقريب من غير توقّع، ويتوقعون الفعل. حاصله: ما ذكره في "شرح اللّبّ": لأنَّه كان يتوقع ثم صار ماضيًا نحو: قد قامت الصَّلاة لقوم قاموا خلف الإمام ينتظرون قول المؤذن: قد قامت الصَّلاة، فعلى هذا: قد لانتظار الإخبار بخبر يعتقد المتكلم به، يتوقع منه المخاطب. انتهى. فيكون التوقّع في الأصل لفعل الذي لا يوجد بالفعل، فَينتظر إلى وقوع الفعل، فيقع ويخبر بعد ذلك، ولو كان مراد الزَّاعم أنَّها لا تكون للتوقّع في الماضي الذي هو الخالص للمُضيِّ من غير نظر إلى زمان الاستقبال، يكون كلامه حقًّا، ولكن النُّحاة قالوا: قد للتوقّع بمعنى المذكور. الخامس: تقريب الماضي من الحال ولهذا، أي لأجل كونها للتقريب. تلزم مع الماضي المثبت إذا لم تكن واقعًا بعد إلَّا الواقع حالًا عند البصريين بخلاف مذهب الكوفيين، فإنَّهم لا يوجبونها (قد) ظاهرة ولا مقدّرة، ووافقهم ابن مالك حيث قال: هذه دعوى مجرّدة لا تقوم عليها حجة إمّا. ظاهرة نحو: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 154

أو مقدّرة نحو: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. أي: قد رُدَّت إلينا. ونحو قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت صدورهم، وذلك لاستقباحهم في الظَّاهر الجمع بين الحال والمضيّ، وأنّ حالية الماضي بالنسبة إلى زمان عامله، وهو زمان المتكلم. ولفظة (قد) تقرَّب الماضي من ذلك الزمان، فتكون المقاربة [بمنزلة المقارنة] هذا بخلاف مذهب سيبويه والمبرَّد، فإنهما لا يجوّزان حذف (قد)، وسيبويه يؤوّل قوله تعالى: قد حصرت صدورهم بقلَّة ما حصرت صدورهم، فتكون جملة (حصرت) صفةُ موصوف محذوف. وهو الحال. والمبرَّد يجعله جملة دعائية. وقال ابن عصفور: إذا أجيب القسم بماض مثبت متصرّف. قيّد بالمثبت والمتصرّف تحرّزًا من المنفي غير المتصرّف، لما عرفت أن المنفي لم يشرط ذلك، وأمّا غير المتصرف، كـ نِعْمَ وبِئس وعَسَى ولَيْسَ. فلا تدخل قد عليها لأنها ليست بمعنى الماضي حتَّى يقرَّب إلى الحال، بل يدخل اللّام فقط نحو: لنِعْمَ السَّيِّد. كذا في الرضي. فإن كان الفعل قريبًا من الحال جئتَ بجواب مقرون باللَّام وقد نحو: بالله لقد قام زيد، فقد هنا دالة على التقريب، فمعلوميَّة القرب بالنسبة إلى المتكلم، والدَّلالة بالنسبة إلى المخاطب، وإن كان زمان الفعل بعيدًا، جئت باللَّام فقط، اسم فعل بمعنى انته، وكثيرًا ما يصدّر بالفاء تزيينًا للفظه. كان: جزاء شرط محذوف، والحال في دخول ياء المتكلم عليها، ونون الوقاية وكاف الخطاب كالحال في قد إذا كان اسم فعل. كقوله: أي: قول الشاعر؛ أي امرئ القيس: خَلَفْتُ لَها بِاللهِ حِلْفَةَ فَاجِر أي: أقسمت بالله لاطمئنان المرأة المعشوقة حلفة كاذب أو عاهر، أي: زانٍ. يقال: فجر فجورًا، أي: فسق وفجر أي كذب، أصله المَيْل، والفاجر: المائل، كذا ذكر في "الصحاح"

стр. 155

لناموا فما إن من حديث ولا صال. [الطَّويل] و (اللام) في لناموا جواب القسم، واكتفى بها إشعارًا لمخاطبه بأنّ زمان نومهم بعيد، أي نام الرقباء ولا ينظرون إلى حالنا، والفاء في (فما) تفسيرية و (ما) نافية، و (إن) زائدة مؤكدة للنفي، ويبطل عمل (ما) بزيادة (إن) بعد (ما) عند البصريين. فـ (من) زائدة للاستغراق، فيكون المعنى نفي هذا الجنس من واحد إلى ما يتناهى. (الحديث): الخبر، يأتي على القليل والكثير، ويُجمع على أحاديث على غير القياس، أي: فما إن من ذي حديث. ويجوز أن يكون الحديث بمعنى المحادث. و (لا) في قوله (ولا صال): زائدة. يقال: صال البعير إذا حمل. أي: ذي صال، وحاصل المعنى: المرأة تخاف من الرّقباء فأؤمنّها من مراقبتهم، كذا في "الإقليد". وزعم الزَّمخشري، وفيه إشارة إلى ردّ صاحب "الكشاف"، عندما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ في (سورة الأعراف)، أن (قد) للتوقع. وجملة (أنّ قد للتوقّع) في محل النصب على أنَّه مفعول زعم، لأنَّ السَّامع؛ تعليل من جانب الزمخشري، أي السَّامع ذلك الجواب المصدّر باللّام، وقد يتوقّع الخبرَ عند سماع المقسم به، وهو لفظة الله، وأمثاله ممّا يُقسم به. اعلم أن عبارة الزمخشري في تعليل الجمع بين (اللام) و (قد) هكذا، لأنّ الجملة القسميّة لا تُساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنّة لمعنى التوقّع الذي هو معنى (قد) عند سماع المخاطب كلمة القسم. فَمِنْ تأمُّل كلامه عُلِمَ أنَّ تعبير المصنف لا يخلو عن الفتور، وأنْ يُعَنْوِنَ كلامَهُ بالزَّعم مبنيٌّ على القُصور. والسادس التقليل وهو ضربان:

стр. 156

تقليل بالرَّفع: بدل عن (الضربان) مضاف إلى وقوع الفعل الذي هو مدخولها نحو: قد يَصْدُق الكذوب، وقد يجود البخيل. فقد في المثالين يدلّ على قلّة وقوع الصّدق. من الكذوب، وقلّة وقوع الجود من البخيل. وتقليل متعلِّقة أي: تقليل متعلّق الفعل من غير نظر إلى قلَّة وقوع الفعل أو كثرته، نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فإنّ (قد) ها تحقيقية باعتبار وقوع الفعل، وتقليلية باعتبار متعلّقة. أي: ما أنتم عليه هو أقلّ معلوماته، وفي هذا التفسير إشارة إلى أن (ما) موصولة مبتدأ، صلته: أنتم عليه، وخبره محذوف، وهو أقل معلوماته، قال الشَّيخ الرضي: إنّ المادح قد يستعمل الكثير. من المدائح، لأنَّ الكثير منها كأنّه قليل بالنسبة إلى الممدوح، وذلك أبلغ في المدح، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قَد يَعْلَمُ﴾ لأنَّ (قد) لتقليل المضارع في الأصل. وزعم بعضهم، وَجَّهَ العنوانَ بالزَّعم إنكاره على كونها للتقليل، والأليق ذكره المصنّف هذا فيما قبلُ مثالًا للتحقيق: إنَّها في ذلك أي [قد] في ﴿قد يعلم﴾ للتحقيق كما تقدَّم في القسم الثالث، لا للتقليل، وإنّ التقليل في المثالين الأوّلين، وإن كان متحقّقًا لكنه لم يستفد من قد، بل من قولك: البخيلُ يجودُ، والكذوبُ يصدقُ مع قطع النَّظر عنها. فإنَّه: الفاء بمعنى لام التعليل، أي لأنَّ الكلام إن لم يُحمل على أن صدور ذلك أي الجود والصدق من البخيل والكذوب قليلٌ بالرَّفع خبر إن. كان ذلك في جزاء الشرط أي كان الكلام كذبًا متناقضًا لأنَّ آخر الكلام، وهو البخيل والكذوب يدفع أوَّلَه وهو يصدق ويجود، لأنَّ البخيل والكذوب صيغة المبالغة، فيدلّ على كثرة البخل والكذب، فلو لم يَحْمل يَصدق ويَكْذب على القلّة للزم التَّدافع، ولك أن تمنع هذا الكلام بعد تسليم لزوم التَّدافع في المثالين على إنكار كونها للتقليل غير مقبول، لأنَّه كثير الاستعمال.

стр. 157

السابع: التكثير قاله، أي: كونُها للتَّكثير سيبويه في قوله: قَدْ أتركُ القِرْنَ مُصفَرًّا أناملُهُ وآخر البيت: كأن أثْوابهُ مُجَّتُ بفِرْ صاد [البسيط] أي: أترك كثيرًا ما مماثلي في الحرب، حال كون أنامله ملوّنًا بالصّفر، قال الجوهري: وقد يكون بمعنى ربَّما. وأنشد هذا البيت، ولا يظن أنّه مخالف لما قال المصنف حيث قال الزمخشري في آخر سورة النور: "إنَّ (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربَّما فوافقت ربَّما في خروجها إلى معنى التكثير. وذكر صاحب "التسهيل": أن ربَّما ليست للتقليل، بل هي حرف تكثير، والتقليل نادر، ووقع في بعض شروح "الكافية": وهذا الذي ذُكر من التقليل أصلها، ثم تستعمل في معنى التكثير كالحقيقة، وفي التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة". وقاله، أي: اختار الزمخشري كونها للتكثير في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فالكثرة في الآية باعتبار متعلِّق الفعل، وهو تقلّب وجه الرسول ﵇ لا في وقوع الفعل وهو الرؤية، وفي البيت في وقوع الفعل مع [قطع] النظر عن متعلّقه، المصنف لم يذكر كون التكثير متنوّعًا اعتمادًا على ذكر المثالين، واكتفى بما سبق. اعلم أن (قد) التي للتحقيق والتكثير والتوقّع قد تجتمع، وقد يستعمل كل واحد منها مجرّدًا عن الآخر. والتقليلية تجتمع مع التحقيقية، لكن لا تجتمع مع التكثيرية، هكذا فُهم من الرضيّ.

стр. 158

- ما يأتي على ثمانية أوجه - " الواو " النوع السابع: ما يأتي على ثمانية أوجه، وهو الواو وذلك، أي بيان الانحصار للاستقراء، أن لنا واوين يرتفع ما بعدهما سواء كان اسمًا أو فعلًا. فـ (ما): موصولة، وبعدَ: منصوب على الظّرفية بفعل مقدّر، وهو (حصل)، مضاف إلى هما، والموصول مع صلته في محل الرّفع على أنَّه فاعل يرتفع، أي: يكون ما بعد الواوين مرفوعًا. اعلم أنَّ الجهات السّتّ المضافة إذا لم يقتضِ العامل غيرَ النَّصْبِ تكون معربةً منصوبةً على الظرفية نحو: السَّماءُ فوقَنا، والأرضُ تَحْتنَا، وما بعدَه، وما قبلَه، وأمثال ذلك فإنَّها تقتضي النَّصبَ بالفعل المقّدر. مثلًا إذا قلت: أمامُك فوق السَّطح، والأمام بالرَّفع لأنَّه مبتدأ، فوقَ وإن كان خبرًا لكن لا يقتضي الرَّفع لفظًا، بل يقدّر الفعل فينصب به وتكون الجملة في محل الرَّفع بالخبرية وكذا أمثالها فاحفظ على هذا. واوًا بالنّصب: بدل من الواوين، ويجوز الرَّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي أحدهما: واو الاستئناف نحو: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾. فإنَّها أي: الواو، ولو كانت واو العطف، انتصب الفعل، وهو نقرُّ عطف على تبيَّن المنصوب بأن مضمرة، وبإضمار كي عند [الكسائي والسيرافي وباللام أصالة عند الكوفيين أو نيابة من أن عند] ثعلب. وحاصله أن هذه الواو لا تصلح إلَّا أن تكون للعطف، أو للاستئناف، وإذا قُرئ بالرَّفع تعيّن الاستئناف، لأنَّ إعراب مدخول واو العطف يكون حسب ما قبلها.

стр. 159

وواو الحال إما بالنَّصب على البدلية، أو بالرَّفع على تقدير الثَّاني. وتُسمى واو الابتداء أيضًا كما تُسمى واو الحال، وإنَّما تسمّى بها لصلاحية أن يليها المبتدأ نحو: جاءني زيد والشمس طالعة، فجملة والشمس طالعة: في محل نصب على الحالية، هذا، أي: كون هذه الواو للحال على مذهب الجمهور، وعند البعض أنَّها عاطفة. وقاله صاحب "التخمير": وعندي أنَّه يجوز أن تكون هذه الواو واو الظرفية، ألا ترى أنك لو قلت: جئت والشمس طالعة، فمعناه: وقت طلوع الشَّمس، والذي غرّ النحويين منه أنهم وجدوا قولهم: جئت والشَّمس طالعة، يرجع معناه إلى معنى قولك: جئتك حال طلوع الشَّمس، فسمّوا واو الحال، وقد غفلوا أن قولك: جئتك حال طلوع الشمس ظرفٌ لا حال. وإن كان له واو الظرف فلا علينا أن يكون معها واو الظرف انتهى. وسيبويه يقدّر بإذ، نقله في "الارتشاف" حيث قال: وقدّر بإذ ليفيد معنى الظرفية وهي الحين والفجاءة. وواوين ينتصب ما بعدهما. إعرابه كإعراب ما سبق، وهما واو المفعول معه، فإنّ ما بعد تلك الواو، لا يكون إلَّا منصوبًا. اعلم أنَّ مذهب جمهور البصريين أن العامل فيه هو الفعل أو معناه، بتوسّط الواو بمعنى مع، وإنَّما وضعوا الواو موضع (مع) في بعض المواضع لكونه أخْصرُ لفظًا وأصل هذه الواو العطف الذي فيه معنى الجمع، فيناسب معنى المعيّة، وإن قالوا: لا يتقدم المفعول معه على ما عمل في مصاحبه، فلا يقال: والخشبةَ استوى الماء كما تتقدّم سائر المفاعيل، وجوّز أبو الفتح تقدّمه على صاحبه، والأَوْلى المنع رعاية لأصل الواو.

стр. 160

وقال الكوفيون: وهو منصوب على الخلاف، فيكون العامل منصوبًا معنويًا كما قلنا في الظرف. والأَوْلى. إحالة العامل اللفظي ما لم يضطر إلى المعنوي. وقال الزجّاج: هو منصوب بإضمار فعل بعد الواو، كأنّك قلت: جاء البرد ولابسَ الطيالسة، وكذا في غيره، والإضمار خلاف الأصل. وقال عبد القاهر: وهو منصوب بنفس الواو والأَوْلى: رعاية أصل الواو في كونها غير عاملة، ولو نصبت بمعنى مع مطلقًا لنصبتَ في: كل رجل وضيعته. وقال الأخفش: نَصْبُه نصب الظروف، وذلك لأنَّ الواو لمَّا أقيمت مقام المنصوب بالظرفية، والواو ظرف في الأصل، فلم يحتمل النصب، فأعطى النصب ما بعدها رعاية لأصلها، كما أعطى ما بعد إلَّا إذا كانت بمعنى غير إعراب نفس، غير، ولو كان كما قال لجاز النّصب في كل موضع، بمعنى مع مطردًا نحو: كل رجل وضيعته، هذه عبارة الرضي طويتها على غيرها. نحو: سرتُ والنيلَ أي: مع النيل، وتميّز بتقدير (مع) مكانها، وقال صاحب "التخمير" النحويون سَهَوْا في واوين: إحداهما: واو الحال. والثانية: واو المنصوب بمعنى (مع). وذلك أنّ المنصوب بمعنى (مع) في محلّ النّصب على الحال، ألا ترى أنّك إذا قلت: جاء البردُ والطيالسةَ، فمعناه مقرنًا بالطيالسة، فلمَّا لم يكن إعراب الواو إعرابها نقل إعرابها إلى ما بعدها، كما في (إلَّا) إذا وقعت صفة نُقلَ إعرابها إلى المستثنى وعكسها (غير) و (ما). قالوا. (و) ههنا في الحقيقة للحال لا للمفعول معه كما أن الواو في قولك: جئتك والشَّمس طالعة. للمفعول فيه لا للحال. انتهى. وواو الجمع. وإنَّما سُمِّي بها لاجتماع مضمون طرفيها في زمان واحد.

стр. 161

الدَّاخلة على المضارع المسبوق بنفي محض أو طلب محض، أي: بفعل أصيل، وهو يعمُّ الأمر والنهي والاستفهام، والدّعاء بلفظ الخبر، على مذهب الكسائي، والاستفهام والعرض والتحضيض [والتمنّي]، لأنَّ المضارع ينصب بتقدير أن بعد الواو، وإذا كانت بعد أحد الأشياء الستة كما هو المشهور. وقال أبو حيَّان: لا أحفظ النَّصْب جاء بعد الواو في الدّعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي لأحد أن يقدِم على ذلك إلا بالسَّماع انتهى. ذكره شارح الألفية. والنَّصب بعد هذه الواو بتقدير أنْ على مذهب البصريين وهو الصّحيح، وبنفس الواو عند بَعْض الكوفيين نحو: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. هذا مثال للمسبوق بالنَّفي أي: وأن يعلم الصابرين، وقول أي: ونحو قول أبي الأسود: لَا تنه عن خُلقٍ وتأتيَ مِثله وآخر البيت: عَارٌ عَليكَ إذا فَعلتَ عَظِيمُ [الكامل] الخُلُق بضمتين: السجيّة والطبيعة والمروءة والدّين كذا في "القاموس" هذا مثال للنهي معناه: لا يكن منك نهي عن الخلق وأن تأتي مثله أي إتيان بمثله. والكوفيّون يسمّون هذا واو الصرف أيضًا، لأنها صرفت الفعل المضارع من الجزم إلى الرَّفع ويكون الصرف عن إعراب ما قبلها مرشدًا من أوَّل الأمر، بأنَّها ليست للعطف، وأنَّها للجمعية من حيث الاستعمال.

стр. 162

وواوين ينجرُّ ما بعدهما، وهما واو القسم. (والموصول مع صلته فاعل ينجرّ) كما مرّ غير مرَّة نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فهذه الواو تجرّ بنفسها، وتدخل على مظهرٍ يَحسُنُ الحلف به. وهي مبدلة من باء الإلصاقية في أقسمت بالله، لما بينهما في المناسبة لفظًا ومعنىً عند حذف الفعل، فلا تجتمع مع الفعل لكونها عوضًا عنه خلافًا لابن كيسان، هذا على ما صرّح به في كتب النّحو. وذكر في بعض الشروح تلك الرسالة، لأنَّها أصل، وليس بدلًا من الباء في القَسَم خلافًا لزاعمي ذلك. واو رُبّ: وهي تقع في أوّل الكلام، وتدخل على المظهر المنكر كقوله: أي قول الشاعر وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلَّا اليعافير، وإلّا العيس [الرجز] أي: رُبَّ بلدة، وإنَّما فسّرنا به لأنَّ هذه الواو للعطف عند البصريين، وليست جارَّة بنفسها، فإن لم تكن في أوّل الكلام، فكونها للعطف ظاهر، وإن كانت تقدَّر معطوف عليه. قال شارح الألفية وهو الصَّحيح. وأمَّا عند المبرّد والكوفيين إنَّها جارَّة بنفسها، وبلدة مجرورة بها، وهي حرف عطف، لكن لمّا صارت قائمة مقام ربِّ، كائنة بمعناها كانت جارّة بنفسها لصيرورتها بمعنى ربَّ فلا يقدرون المعطوف عليه في نحو: وقائم الأعماق، لأنّ ذلك تَعَسّف، واختاره ابن الحاجب. وواوًا يكون ما بعدها من الإعراب على حسب ما قبلها غالبًا، وإنَّما قال غالبًا إذ تجوز المخالفة إذا عُرف المراد، نحو: مررتُ يزيد وعمروٌ بالرَّفع، أي عمرو كذا ذكره الرضي.

стр. 163

وهي واو العطف وهي الأصل بالنسبة إلى الجميع، لكن كونها للعطف في الحال قول مرجوح. فَعُلم من هذا القيد أنّ تغاير أقسامها ليس بحسب الحقيقة. و [هي] لمطلق الجمع من غير أن يكون المبتدأ به داخلًا في الحكم قبل الأخير، ولا أن يجتمعا في وقت واحد، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما. وواوًا دخولها في الكلام كخروجها، بالنسبة إلى المعنى، لكنّها تفيد التأكيد. وهي الواو الزائدة نحو: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. فالواو هنا زائدة مؤكدة بدليل الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. وقيل: التنكير للتعظيم حيث قال أبو البقاء: الواو زائدة عند قوم، وليست زائدة عند المحققين. إنَّها عاطفة فالجواب للشرط، وهو إذًا محذوف لأن فُتِحَتْ على هذا الوجه معطوف على الشرط، فلو لم يقدّر الجزاء لزم بقاء الشرط بدونه. تقديره: كان كيت وكيت، هما كنايتان عن الحديث، (ولا يُستعمل إلَّا مكرّرًا) مخفّفًا من كيت وهي أصل كيت، فخفَّفت الياء المشدَّدة، وعوّضت عنها التاء فصار كيت كما بنت وأخت، فوجب إسقاط التأنيث لئلا يجتمع علامتان، فبقيت كيت، ويوقف فيه بالتاء كما توقف في بنت، وقد جاء فيه فتح التاء والكسر والضمّ، وكذا حال زيت. هذا أي: كون الواو للعطف مختار الزمخشري، وهو الصواب لموافقة الأصل. وجَعَلَها بعضٌ بمعنى (مع). ذكره العلامة أيضًا حيث قال: حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، أي مع فتحت أبوابها وقيل: إنَّها للحال. وهو أيضًا مذكور في "الكشَّاف" حيث ذكر فيه، وقيل: أبواب جهنّم لا تُفتح إلّا عند دخول أهلها فيها، وأبواب الجنَّة فمتقدمة فتحها، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾، ولذلك جيء بالواو، كأنَّه قيل: حتَّى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.

стр. 164

وقول مضاف إلى جماعة، وجملة: إنَّها واو الثمانية وإنَّ منها: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مقول القول، وجملة: لا يرضاه النّحوي خبرٌ، وياء النسبة للمبالغة، أي: النّحوي الكامل، وإنهم بهذه المقالة يستحقّون أن تُسلَبَ عنهم نسبتهم إلى النّحو لما لا يتعلّق به حكمٌ إعرابي، ولا سرٌّ معنويٌّ، والواو الثمانية هي التى أن العدد قد تمَّ بالسَّابع من حيث أنّ السبعة هو العدد التّام، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ذكره الشَّيخ القاضي في أواخر سورة البراءة. وقال بعض الفضلاء: هذا ليس بشيء بدليل قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾. (فإن المتكبّر) في محل التّعداد نعت ثامن، مع أَنَّه لم يُذكر بالواو، وفيه مناقشة ظاهرة لا تخفى على المتأمّل. والقول منه أي: بكون الواو واو الثمانية في آية الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أبعدُ منهِ أي من القول بكون الواو واو الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لأنَّ الواو في هذه الآية وقت في الصفة الثامنة في التعداد، وأمّا في آية الزمر فليس فيها تعدادٌ بل هي للجنة الثمانية، وأمّا وجه البعد في: والنّاهون، لما يتعلَّق به حكمٌ إعرابي، ولا سِرٌّ معنوي. والقول به في ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ ظاهر الفساد. لأنَّ في واو الثمانية يجوز اجتماع الأوصاف المذكورة في موصوفٍ واحدٍ بخلاف الواو المنافي بين طرفيها، إذ البكارة والثّيابة لا يجتمعان في موصوف واحد، وقيل الواو الثمانية لا يخلّ المقصود بالحذف بخلاف هذه الواو، لأنّ التوسّط بها للتنافي بين طرفيها.

стр. 165

- ما يأتي على اثني عشر وجهًا - "ما" النّوع الثامن: ما يأتي على اثني عشر وجهًا وهو (ما)، وقع في بعض النُّسخ وهي، فالتأنيث باعتبار الكلمة، فإنَّها أي الـ (ما) على ضربين: اسميَّة: التأنيث باعتبار ذي الضَّرب، وهي كلمة (ما)، وأوجهها أي أوجه ما الاسمية سبعة، آثر التذكير لكون الجمع مؤنثًا غير حقيقي، فإن اعتبرت التأنيث فيه، فالتذكير لعدم وجوب. المطابقة، أو للاكتفاء بظاهر التأنيث. معرفة بالرَّفع إمَّا على البدلية من سبعة، أو على أنَّها خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النَّصب بتقدير: أعني. وتامّة: صفتها، والمراد بها مالا يحتاج إلى الصلة، والعائد والصفة نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نِعمَ الشيء إبداؤها، [هذا] عند سيبوية والكسائي فـ (ما) فاعل نعم لكونه بمعنى ذي، اللام وهي مخصوصة بالمدح، وكناية عن الإبداء الذي دلَّ عليه فعله، وهو تُبدُوا. وعند أبي علي الفارسي والفرّاء، فالتقدير: نعم شيئًا هي. لأنَّ (ما) نكرة تامَّة بمعنى الذَّي فاعل نِعْمَ، فتكون الصِّلَةُ بأجمعها محذوفة، لأنَّ (هي) مخصوصة، أي نعم الذي فَعَلَهُ هي أي: الصدّقات كما عرفت في (من هو في سِرٍّ وإعلان). وذكر في بعض شروح تلك المتن أن (ما) مركبة مع الفعل لا موضع لها من الإعراب، والمرفوع بعدها هو الفاعل. ومعرفة ناقصة أي محتاجة إلى الصِّلة، والعائد والصفة، وهي الموصولة أخَّرهَا عن التّامة مع أنَّ جميعَ الكتب عكس ذلك، إمّا بناءً على أنّ مفهومها عدميٌّ، والإعدام مقدَّم على الملكات، أو أنَّها أقدم مرتبة من النَّاقصة، ومَنْ جَعَلَ عكس ذلك يعتبر كون مفهوم النَّاقصة وجوديًّا، واستعمالها أكثريًّا، ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها.

стр. 166

نحو ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ -أي الذي عند الله- خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ و (ما) هذه تستعمل لما لا يَعْقِلُ غالبًا، وقد يستعمل من ذوي العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وشرطية نحو ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أي: إن تفعلوا، فما شرطيَّة جازمة لتفعلوا، منتصبةٌ به على المفعولية، وجواب الشرط: (يعلمه الله). ومِنْ خَيْرٍ في موضع نصب على التمييز، والمميَّز ما، والتقديرُ: أي شيء تفعلوا من خير ويجوز أن تكون (مِنْ) زائدة، وخير حالًا، والتقديرُ أي شيء تفعلوا قليلًا أو كثيرًا، ويجوز أن يكون موضع النَّصب لكونه صفةً لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: ما تفعلوا فعلًا من خير، وقيل: يجوز أن تكون مصدرية، ومِنْ خيرٍ: مفعولًا به، والتقديرُ: أي فعلهم مِنْ خيرٍ يعلمه الله. واستفهاميّة وهي لا تختص بما لا يَعْقِل عند الإبهام. تقول لشيخٍ رفع لك من بعيد: ما ذاك؟ نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ فـ (ما) استفهاميَّة، وبيمينك: حال من معنى الإشارة. وقيل: صلة لتلك. ويجب حذف ألفِها على الأجود: قال الشَّيخ الرضي: وتُحذفُ ألف (ما) الاستفهام في الأغلب، إذا كانت مجرورة بحرف الجر نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فما مجرورة بـ من، وألِفُها محذوفة، فَوَجْهُهُ أنّ الاستفهام لمّا كان لها صدر الكلام لكونها استفهامًا، ولم يمكن تأخير الجار عنها، فقدّم عليها وركَّب معها حتَّى يصير ككلمة واحدة، موضوعة للاستفهام فلا يسقط الاستفهام عند رتبة الصَّدر فحذف ألفها ليكون دليلًا لتركيبها مع الجارّة، وإنَّما لم يحذف نون (من) الاستفهامية إذا كانت مجرورة لكونها حرفًا صحيحًا. كذا ذكره الشَّيخ الرضي. ونحو قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ جميع النسخ التي صادفناها بغير العاطف، والظَّاهر أنَّه سَهْوٌ من قلم الناسخ، لأنَّ النُّحاة قالوا: إنَّ حذف المعطوف عليه كثير،

стр. 167

وحذف المعطوف مع حرف العطف قليل نحو: راكب طلحان أي: راكب البعير، والبعير طلحان، وأمَّا حذف حرف العطف مع ذكر المعطوف فَشَاذٌّ نادر. ولهذا أي: لأجل وجوب حذف ألف (ما) الاستفهامية المركّبة بحرف الجرّ، ردَّ الكسائي على المفسِّرين قولَهم بالنَّصب مفعول ردَّ في: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أنها استفهامية: مقول القول. حاصله: لمَّا كان حذف ألف (ما) الاستفهامية واجبًا عند دخول حرف الجرّ عليها يُثبِتُ أنّ (ما) في (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) ليست استفهامية لوجود ألف في (ما). قال العلامة في "الكشَّاف" فإن قلت (هي ما في) قوله: بمَا غَفَرَ لي ربي أي الماءات [هي] قلت المصدرية أو الموصولة، أي بالَّذي غفر لي [ربّي، أَي] من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية، يعني: أيَّ شيء غفر لي ربيّ؟ فَطَرحُ الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزًا انتهى. فإذا فهمت ما تلونا عليك من كلام الرضي، والعلامة الزمخشري عرفت أن ردَّ الكسائي مردود، لأنَّ الحذف أكثري لا دائميَّ. وإنَّما جاز نحو لماذا فعلتَ؟ هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره. ولمّا وجب سقوط ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجرّ على الأجود فلم يحذف في مثل: لماذا فعلتُ؟ مع أنَّه مركّب بالَّلام، فأجاب بقوله: لأنَّ ألِفَها صارت حشوًا أي: وسطًا بالتركيب مع ذا، فتكون الألف في وسط الكلمة، والحذف في الوسط قليل لتحصنه مِنَ الحوادث فأشبهت (ما) الاستفهام بالموصولة في إثبات الألف، لأنّ (ذا) لمّا لم تثبت زيادتها، ولا كونها موصولة إلَّا مع (ما) الاستفهامية، لم تحذف

стр. 168

ألفها كألف (ما) الموصولية، ويجوز أن يكون معنى حشوًا أي زائدة غير منظور بالحذف والإثبات لتركيب (ما) مع (ذا) الذي يكون موصولًا بالتركيب فأشبهت الموصولة فكما أنّها إذا كانت موصولة لا تُحذف ألِفُها كذلك هنا. وتعجبية نحو: مَا أحسَنَ زَيْدًا، فهذه الـ (ما) نكرة تامة بمعنى شيء عند سيبويه، وموصولة عند الأخفش، واستفهامية عند الفراء وابن درستويه. وقال الشَّيخ: وهو قوي من حيث المعنى لأنَّه كان جُهِلَ سببه، فاستُفهم عنه. وضعّف شرّاح "المفصّل" هذا الوجه بأن قالوا: أمّا صيغ الاستفهام لم يثبت فيها نقل إلى إنشاء آخر بخلاف صيغ الأفعال، فإنَّها تنقل إلى إنشاء كثيرًا، وقالوا: الوجه ما صار إليه سيبويه، لأنّ التعجب من مواضع الإبهام والبعد عن الوضوح والبيان، والموصول معرفة بمعنى الذي، والموصوفة قريبة إلى المعرفة فلا يليقان بهذا الموضع. وقيل أيضًا في تضعيف كونها موصولة أنّ (ما) إذا كانت بمعنى الذي، وأحْسَنَ: صلتها، لاحتاجت إلى تقدير الخبر وإن الموصول مع صلته مبتدأ، ونحن نقطع كلامًا من غير نظر إلى المحذوف، فما: مبتدأ على مذهب سيبويه والفرّاء، وما بعدها خبرها. وأمَّا عند الأخفش هي مع صلتها: مبتدأ، وخبرها محذوف. قال ابن الحاجب في "الإيضاح" في باب المنادى: ما أحْسَنَ زيد أصله إمَّا خبر وإمَّا استفهام، ثم نقل إلى التعجب، فَعُلِمَ منه أن كونها قسمًا مستقلًا مبني (على الفتح) وعلى الظاهر. ونكرة موصوفة نحو: مررتُ بما معجبٍ لك، فما: نكرة في محل الجرّ بالباء، موصوفة بمعجب، ولك: متعلّق به، أي بشيء معجب لك ومنه، أي من كون (ما) نكرة موصوفة بمعجب في قوله أي في قول بعض النُّحاة وهو الأخفش والزّجَّاج. نعم ما صنعت،

стр. 169

فما على هذا نكرة منصوبة لأنَّها مميّزة، وصنعت: صفتها، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم شيئًا صنعته. لعل وجه إيراد المثالين إشعار إلى جواز كونها موصوفة بمفردٍ وجملةٍ. ونكرة موصوفة بها أي: تكون ما صفة للنكرة، إنَّما قال: نكرة موصوفة، ولم يقل موصوفة بها كما قال سائر النُّحاةِ إيذانًا في أوّل الأمر بأنّ موصوفها لا يكون إلا نكرة، لأنَّ النكرة لا تكون وصفًا للمعرفة. نحو: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾، فما: إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، ومثلًا في هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا بمعنى ممثلًا، وأن يكون تمييزًا، وأن يكون منصوبًا على المصدرية، أي: أُمَثلُهُ مثلًا. ويُذكر إذا قصد التعميم والزّيادة. وقولهِم أي: وهو قول العرب: لأمْرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنْفَه. قوله: أمْرٍ مجرور باللام، وما في محل الجر لكونها صفة لمجرور، والجَدْع بالدَّال المهملة: قطع الأنف واليد والأذن. وقصير: اسم رجل، وأنفه، بدل اشتمال منه. أي: مثلًا بالغًا في الحقارة ولأمر عظيم. هذا تفسير على وجه اللفّ والنشر على التَّرتيب. قال بعض النُّحاة: إنّ (ما) إذا وقعت صفة تكون على ثلاثة أقسام: - قسم يراد بها التحقير، و [قسم يراد بها] التعظيم. - وقسم يراد بها التنويع نحو: ضربت ضربًا ما، فما على هذا التفسير اسم، وقيل إنّ هذه حرف لا موضع لها. ذكر شارح الألفية عن ابن مالك: أنّ (ما) في مثل هذه المواقع حرف زائد مبنيّة من وصف لائق بالمحلّ وهو أولى لأنَّ زيادتها عوضًا عن محذوف ثابت

стр. 170

في كلامهم، من ذلك: حيث ما يكن أكن. وليس في كلامهم نكرة موصوفة بها جامدة كمعهود (ما) إلَّا وهي مرادفة بمكمّل كقولهم: مررتُ برجلٍ أي رجل انتهى. وحرفية بالرَّفع: عطف على اسمية. وأوجهها أي أوجه (ما) الحرفية خمسة. نافيةٌ بالرَّفع: إما بدل عن خمسة، أو خبر مبتدأ محذوف فتعمل في ظرف الجملة الاسمية، قيّد بالاسمية احترازًا عن الجملة الفعلية. عمل ليس، وهو رفع الاسم ونصب الخبر، في لغة الحجازبين، وإنَّما قال في لغة الحجازيين لأن (ما) و (لا) المشبهتين بـ ليس لا تعملان عند بني تميم أصلًا لدخولهما على الاسم والفعل كما مرَّ تفصيله غير مرّةٍ. وإن أردت الاطّلاع، فلتعد إليه. نحو: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، هذا في محل الرَّفع [اسم] ما الحجازيّة، وبشرًا بالنَّصب خبره. ومصدرية غير ظرفية نحو: قوله تعالى ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (فما) موصولة حرفيّة. هي وصلتها في محل الجر بالباء، أي بنسيانهم، فلا يحتاج إلى عائد، هذا مذهب سيبويه. ومذهب الأخفش وابن السراج، إلى أنّ (ما) المصدرية اسم يحتاج إلى عائد هو مذهب مرجوح. ومصدرية ظرفية، فتكون بمعنى المدّة نحو: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أي: مدّة دوامي حيًّا. وكافّة عن العمل، هذا وجه رابع من وجوه (ما) الحرفية، لكن قال في "القاموس": وتكون (ما) زائدة، وهي نوعان: كافة وغير كافّة فَعُلِمَ من هذا أنّ (ما) الكافَّة قسم من الزائدة، لا قسم لها، لعلّ وجه عدّها مقابلُ الزّائدة مبنيٌّ على أن لها تأثيرًا قويًّا، وهو منع العامل

стр. 171

عن العمل، فكأنها ليست بزائدة وإن كانت قسمًا منها وهي ثلاثة أقسام: - كافّة عن عمل الرَّفع كقوله، أي: كقول الشَّاعر: صَدَدْتِ فَأطْوَلتِ الصّدُودَ وقَلّمَا ... وِصالٌ عَلَى طُولِ الصُّدودِ يَدُوم [الطَّويل] الصدود: الإعراض، يقال: صَدَّ عنه وتَصِدُّ صُدودًا، أي أعرض، كذا في "الصحاح". فَقَلَّ: فعل ماض و (ما) المتّصلة بِقَلَّ كافّة له عن طلب الفاعل النّحويّ، لا عن طلب الفاعل حقيقةً لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل. قال الشَّريف في "شرح المفتاح" في حاشية المعلّمة بـ منه حيث [قال]: وقَد طَالَ مَا جَالَ في صَدري. اعلم أنّه يجوز أن تكون (ما) كافّة في إنَّما، فإنَّها تكفّ إنَّ عن العمل (كما تكفّ الفعلَ) عن العمل في الفاعل بحسب الظَّاهر، إنَّما قلت بحسب الظَّاهر لأنَّ المنع عن الفاعل حقيقة غير ممكن، لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل، والفعل هنا يتعلَّق بحسب المعنى إلى مصدر جال ودار، أي طال الجَوَلَانُ والدَّوَرَان، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، والمصدر فاعل طال. وعلى التَّقدير الأوَّل تكتب موصولة لأنها من تتّمة الفعل. وعلى الثاني مفصولة، وذكر في موضع آخر أي: لا يطلب له فاعل في الترغيب، وإنْ فُهِمَ منه القليل والطويل انتهى. فَعُلِمَ من كلامه أنَّ الفعل المكفوف يجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ فعل الذي تدخل عليه، ذلك الفعل المكفوف، ويجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ نفسه، وهو القليل والطويل والكثير، وعُلِمَ أيضًا (أن (ما) تكتب مفصولة إذا كانت مصدرية وموصولة إذا كانت كافّة لكونها من تتمّة الفعل، وإنمَّا قال: كافّة عن طلب الفاعل مع أن مدّعاهُ كونها كافّةً عن عمل الرَّفع، لأنَّ إعراب الفاعل مستقرٌّ للرفع.

стр. 172

ووصال: فاعل لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور، وهو يدوم، ولا يكون وصال: مبتدأ، ويَدُوم: خبره، وعلى أصول متعلّق بـ يدوم، لأنَّ الفعلَ المكفوفَ بـ (ما) الكافّة لا يدخل إلَّا على الجملة الفعلية، لأنَّه جرى مجرى حرف النَّفي. وقولك: قلَّما يُضرب زيدٌ، بمعنى ما يُضرب زيدٌ، كذا قالوا. هذا الكلام ردّ على سيبويه حيث قال الشَّيخ الرَّضي: وهي عند سيبويه كافّة، وصالٌ: مبتدأ. ولكن ذكر في "شرح الألفية": قال بعض النُّحاة إنَّ قلَّ إذا كُفّت بـ (ما) تدلّ على ندارة الشيء لا على نفيه، وقال أكثرهم: يراد النَّفي في الأشهر، فعلى هذا لِم لا يجوز دخولها على الجملة الاسمية؟ غاية الباب أن يخالفَ الأشهر، على أنّ قول سيبويه بمنزلة النَّصِّ في هذا الفنّ. وقال بعضهم: إنَّ (ما) مصدريّة هي وصلتها، وهي فعل المحذوف وفاعل الفعل المكفوف أي: قَلَّ دوام الوصال. وقال بعضهم: ما زائدة، ووصال فاعل قلَّ، ذكره شارح "الكافية"، فمعنى البيت يختلف على هذا الاختلاف، فتكفّ في وجوهها. ولم يُكفّ من الأفعال بـ (ما) الكافّة إلَّا قلَّ وطَالَ وكَثُر. - وكافّة عن عمل النَّصب والرَّفع معًا. وجه التقديم على الثَّاني ظاهر، وأمّا وجه التأخير عن الأوَّل من الأوَّل كافّة عن طلب الفاعل، وذلك في إنَّ وأخواتها، وهو سائر حرف المشبهة بالفعل، فيكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا. اعلم أن الحروف المشبهة بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر خلافًا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، "وبعض العرب ينصبُ بهذه الأحرف الجزأين معًا. وحكى قوم منهم ابن السّيد أنَّ ذلك لغة" ذكره شارح "الألفية"، فعلى هذا قول المصنف. - وكافّة عن عمل النصب والرفع يكون على الأشهر، وأنَّ هذه الحروف تلحقها (ما) الكافّة وتمنع عن العمل في الأصحّ، وقد يجوز إعمالها، فذهب الزمخشريُّ إلى جواز إعمالها كلَّها،

стр. 173

والزَّجّاج في: ليت ولعلّ وكأنّ دون البقية لقوّة قرب هذه الثلاثة من معنى الفعل من حيث إنّ كأنّ بمعنى: شبّهتُ، وليت بمعنى: تمنّيتُ، ولعلّ بمعنى: ترجّيتُ مع تفسيرها معنى الكلام، وتأثيرها في مضمونه بخلاف إنَّ وأنّ ولكنّ، فإن معناها غير زائدة على الابتداء سوى التأكيد. وذهب بعضهم إلى جواز النصب بـ ليت ولعلّ، فقال سيبويه والأخفش والفرّاء: لا يجوز النَّصب إلَّا في لَيْتَمَا، وصحّحه أكثر المغاربة، كذا ذكره ابن أمَّ قاسم، فهذه الحروف إذا كُفَّت بـ (ما) يجوز دخولها على الجملة الإسمية نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى الفعلية نحو: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾. - وكافّة عن عمل الجرّ في (رُبَّ) و (كاف) التشبيه، وفي (الباء). وعند البعض قال صاحب "التسهيل": إن (ما) قد تكفّ عن العمل وتحدث معنى التقليل كقوله: (ربَّما قد تُرى وأنت خطيب). [الخفيف] فربَّ إذا [اتصلت] بها (ما) الكافّة تدخل على الجملة الإسمية نحو: ربّما زيد قائم، وعلى الفعلية لكونها بمعنى حرف النّفي الداخلة على الفعل. لكن يجب أن يكون فِعْلُها ماضيًا لفظًا نحو ربَّما قام زيدٌ أو معنىً نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإن المستقبل هنا كالماضي، لأنَّ إخبارَ اللهِ في المستقبل يجري في (التحقيق مجرى) الماضي.

стр. 174

وقوله أي قول الشَّاعر، هذا مثال على كون الـ (ما) كافّة عن العمل: أخٌ مَاجدٌ لم يَخْزُني يَومَ مَشهدٍ المجد: الكرم، وقد مَجُدَ الرَّجُلُ بالضَّم فهو مجيد وماجد، والمشهد: محضر النَّاس. والمُراد هنا: الحرب. كما سيف عمروٍ لم تَخُنْهُ مَضَارِبه [الطويل] كما سيفُ عمروٍ بالضمّ: مبتدأ، لأنَّ (ما) تمنع الكاف عن العمل، ومضافٌ إلى عمرو. لم تَخُنْهُ: خبره، وفاعله مستتر راجع إلى السيف، ومفعوله ضمير راجع إلى عمرو. مضاربه: بالنصب مفعول فيه بتقدير في، وقد تستعمل تلك الكاف (في القرآن) وفي الوقوع نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي قارن القيام والحضور في الوقوع. وقيل: إنَّها لتأكيد الوجود كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: أَوْجِد رحمتهما إيجادًا متحققًا كما أوجدت تربيتهما إيجادًا محقّقًا، في زمان الماضي. وزائدة، وهو قسم خامس من (ما) الحرفية وتسمى هي وغيرها أي ما وغيرها حال كونها من الحروف الزائدة، وهي ثمانية أحرف:

стр. 175

إنْ، أنْ، ومَا، ولَا، ومِنْ، والباء، واللام، والكاف بالندرة. مرَّ تفصيلُ كل واحد منها في موضعه. صلةً وتأكيدًا لأنَّها يُتوصل بها إلى زيادةِ فصاحة، واستقامةِ وزن، أو حُسْن سَجْعٍ، أو تزيين لفظ، وغير ذلك نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ﴿وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾. فـ (ما) في الآيتين صلة ومؤكدة، ورحمه وقليل: مخفوض بـ (الباء) و (عن). أي فبرحمة وعن قليل الأوَّل تفسير للأول، والثاني للثاني.

стр. 176

[الباب الرّابع] [الإشارات إلى عبارات] الباب الرابع في الإشارات أي: الإيماءات. قال الجوهري: أشار إليه باليد: أومى. وفي لفظ الإشارات إشعار إلى أن ذلك التفصيل إيماءٌ بالنسبة إلى ما يستحقه هذا المقام من البسط. إلى عبارات. يقال: عبرت الرؤيا إذا فسرتها، وإنَّما سميتِ الألفاظ الدّالة عبارة لأنها تفسّرها في الضمير، أي في تعريفات. محررة. تحرير الكتاب: تقويمه، والمراد هنا: كونها مهذبة أو مطهّرة من الزوائد بحيث لا دخل فيها ولا اعتراض عليها. مستوفاة. استوفى حقه وتوفاه بمعنىً كذا في "الصحاح". موجزة، يقال: أوجزت الكلام: قصرته، وفي الاصطلاح: أداء المقصود بأقل من عبارات المتعارف، أي عبارات تُعطى حقها بحيث لم يكن فيه طول كالتعريف المعهود، ولم يخلُ شيء من المقصود مع وضوح الحدّ عن حدّ المحدود. وينبغي أن تقول، لمّا فَرَغَ من القواعد والأصول أراد أن يبين كيفية إجرائها على ما يناسبها، وإعراضها عمّا لا يناسبها، فقدّم ما يناسبها مع أن ذكر الإعراض عما لا يناسبها أهم من ذكر ما يناسبها، قصد إلى عدم الفصل بين القواعد والأجزاء.

стр. 177

في نحو ضُربَ. أي في الفعل الماضي المجهول. مِن ضُرِبَ زيدٌ. من جارة داخلة على الفعل على سبيل الحكاية، وإنَّما قال هذا ليكون توطئة لقوله: وأنْ تقول في نحو زيدٌ: نائب عن الفاعل. إنهُ فعلٌ ماض مُنَوّنَيْن لم يُسَمَّ فاعله، ولا تقل مبني لما لم يُسم فاعله لما فيه أي: لشيء نفسي حصل في هذا التعريف. من التطويل، بيان لـ (ما) وهو زيادة حرف من التعريف الأول. والخفاء: عطف على التطويل، وَجْهُ الخفاء أن (ما) في قوله: لـ (ما) عبارة عن المفعول، وضمير فاعله راجعٌ إليه، فلابُدَّ أن يوجهَ بأن يقال: إضافة الفاعل إليه لأدنى ملابسة، أو على حذف المضاف، أي فاعل فعل الواقع عليه. وأن تقول في نحو زيد من ضُرِبَ زيد: نائب عن الفاعل لاختصاره وعدم صدقه على نحو دِرْهمًا، لكن يرد عليه أنهُ يصدق على المضاف إليه الذي يقوم مقام الفاعل المضاف المحذوف كالحساب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ وعلى تقدير أن يكون الإسناد مجازيًا. ولا تقل مفعول ما لم يُسَم فاعله لخفائه، وهو أن الغرض منه إعلام كونه نائبًا عن الفاعل، ومُعربًا بإعرابه ولم يُفْهم. وطولهِ. نائب عن الفاعل. وصدقِهِ على نحو دِرهمًا كائنة من أعطيَ زيدٌ درهمًا، مع أن التعريف لازم أن يكون مانعًا عن أغياره، ويمكن أن يُجاب بأن يقال: إن من قال: مفعول ما لم يُسَم فاعله، قال: كل مفعول حُذف فاعله وأقيم مقامه فلا يصدق عليه. نعم إذا قطع النظر عنه (يصدق عليه) لكنَّه مقدّر عند أرباب هذا الفنّ، وليس بأجنبي عن اصطلاحاته، وبهذا يندفع ما قال التفتازاني في شرحه للعزي: إنّ التّعريف ينتقض بالمبني للفاعل عند من جوّز حذف الفاعل.

стр. 178

وأن تقول في قد: حرف تقليل زمن الماضي أي: تقريبه، ولا يخفى حُسْنُ هذه العبارة لِمَنْ له أدنى مُسْكَةٍ في هذا الفن. وحدث المضارع أي: وقوعه. يقال: حدث أمر إذا وقع، كذا في "الصحاح". أو لتحقيق حدثيهما أي: لتحقق وقوع الماضي والمضارع، وهذا التحقيق غير الذي حصل من صيغة الماضي. وينبغي أن تقول في لن، وهي حرف برأسه عند سيبويه وهو الصَّحيح، لأنَّ الأصل في الحروف أن لا يحكم عليها بخلاف ظاهرها، لأنها بعيدة عن التصرف والتمسك بالأصل أولى وأحَق. وعند الخليل مركبة أصلها: لأنْ حذفَت الهمزة تخفيفًا، وسقطت الألف لالتقاء الساكنين، ورده سيبويه بجواز تقديم معمولها نحو: زيدًا لن يضرب. أجيب بأنه يجوز أن يحدث بعد التركيب ما لم يكن قبله، على أنَّه منع الأخفش [الصَّغير] ذلك التقديم، وعند الفراء نونها مُبْدَلَة من الألف، كما أُبْدِلت الألف من النون وهو ضعيف. حرف نصب ينصب المضارع. وحكى بعضهم أن الجزم بـ لَنْ لغة بعض العرب، وأنَّ الجزم والرفع جائز عند البعض، ذكره "شارح الألفية". ونفي استقبال ذكر في "شرح الألفية" أيضًا: أن (لن) حرف نفي ينصب المضارع ويخلصه للاستقبال، ويلزم أن يكون مؤبدًا خلافًا للزمخشري. ذكر ذلك في "أنموذجه" وقال في غيره أنّ (لن) لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل.

стр. 179

قال ابن عصفور: وما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون المنفي بـ (لا) آكد من المنفي بـ (لن)، لأنَّ المنفي بـ (لا) قد يكون جوابًا للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون، ونفي الفعل إذا قُسم عليه آكد، وقال صاحب "الإقليد": والمراد بالتأكيد هو التصميم وإبرام العزيمة على ما خبر به من سلب وإيجاب عما هو يصدره وليس كما زعم بعضهم أنها للتأبيد، إذ التأبيد مناف للتحديد. وقد جاء التحديد معها في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾. وحتى لانتهاء الغاية. وذهب قوم ومنهم ابن السَراج إلى أنه يجوز أن يكون الفعل بعدها دعاء. واختاره ابن عصفور، وجعلوا منه قوله تعالى ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والصحيح أنَّه لم يستعمل من حروف النفي في الدعاء إلَّا (لا) خاصة. وفي (لم) حرف جزم يدخل على المضارع، وقد تلغى فلا [يجزم بها]، قال في "شرح التسهيل"، حملًا على (لا) وفي "شرح الكافية" حملًا على (ما) قاله شارح الألفية، وهو أحسن. لأنَّ (ما) يُنفى بها الماضي كثيرًا بخلاف (لا) وأنشد الأخفش على إهمالها: لَوْلَا فَوَارسُ مِنْ ذُهْلٍ وأسرتهم ... يَوْمَ الصَّليفِ لم يوُفُونَ بِالْجَارِ [البسيط] قال بعض النحويين: إنه ضرورة، وقال بعضهم: إنَّه شاذ، وفي "التسهيل": وقد لا يُجزَمُ بها، فلم يخصه بالضرورة، وذكر في "شرحه" أن الرَّفع بها لغةُ قوم، ولا يجوز الفصل بينها وبين الفعل، وحذفه بعدها إلَّا في الضرورة.

стр. 180

لنفي المضارع، فيجوز أن يكون ذلك النفي منقطعًا عند الحال نحو قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، ومتصلًا بها نحو: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. وقلبه ماضيًا: هذا صريح بأنها تدخل على المضارع، وتصرف معناه إلى الماضي، وهو مذهب [المبرد] وأكثر المتأخرين. وقد ذهب أبو موسى ومن وافقه، وقد نُسب هذا القول [إلى] سيبويه إلى أنها تدخل على الماضي، وتصرف لفظه إلى المضارع. وقال ابن الحاجب: وإن لم يكن بين هاتين العبارتين خلاف في المعنى، لكن العبارة الثَّانية ليست بجيدة لأنَّ قولهم مما يوهم صحّة دخول (لم) على الماضي، وليس كذلك. ويوهم أيضًا بقاء المضارع على معناه، لأنّهم لم يقولوا: إنَّها تقلب لفظ الماضي إلى المضارع ولم يتعرض إلى كون معنى الماضي مُرادًا، فكان الأوَّل أَوْلى. وفي أمّا المفتوحة المشدَّدة حرف شرط قال محشي الضوء: إن النُّحاة اختلفوا بعد اتفاقهم على أنها حرف، في أنها موضوعة للشرط، أو قائمة مقام ما وُضع للشرط. فذهب ابنُ الحاجب إلى الأوَّل، قال في "الكافية": وحرف الشرط: إنْ ولَوْ وأمّا. وصاحب "الكشاف" إلى الثَّاني حيث قال في "مفصله": ومن أصناف الحروف حرفا الشرط وهما: إنْ ولو. ثم ذكر بعد عدّة فصول. (أما) كلمة فيها معنى الشرط والخلاف في أنها حرف أو اسم ليس بمشهور. انتهى
следующие страницы →