Полный текст (203 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
في جواب التحضيض نحو: هلا تزورنا؟ كان المعنى ال إي جاب، أي نعم أزورك، وكذا في جواب المرض: ألا تزورنا.
وزعم بعض: أن نعم تكون حرف تذكير، إذا وقعت صدرًا نحو: نعم، هذه أطلالهم. وهو ضعيف لإمكان جعلها تصديقًا لما قبلها وقُدمت، أو تصديقًا لما في النفس.
إيْ
والرابعة: إيْ بكسر الهمزة وسكون الياء إذا وقع بعدها حرف القسم، وإن لم يقع إلَّا بلفظة الله، جاز ثلاثة أوجه:
حذفها للساكنين، وهما الياء واللام نحو: إلله لأفعلن. وفتحها تنبيهًا لحرف الإيجاب.
وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في [المحافظة] على حرف الإيجاب، بصون آخرها عن التحريك والحذف، وإن كان السّاكنان في كلمتين إجراءً لهما مجرى كلمة واحدة [نحو]: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وهي بمنزلة نعم في استعمالها على الوجوه الثلاثة، وهو قول ابن مالك حيث قال:
إيْ بمعنى نَعَم.
وهذا الإطلاق يقتضي أن لم يقع بعد الخبر والاستفهام والطلب، وجوزه بعض النحاة لكنه مخالف لما قاله فحولهم.
стр. 107
وإي إثبات بعد الاستفهام حيث اشترطوا لزوم سبق الاستفهام، وكونها للإثبات، إلا أنها تختص بالقسم من الاستفهام غالبا بخلاف نعم، فإنها غير مختصّة به كما عرفت، ولا يستعمل بعد إي فعل القسم، فلا يقال: إي أقسمت بربي، ولا يكون المُقْسَم به بعدها إلا: (الرب، والله، ولعمري) نحو: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. وربي قسم فعله محذوف مع وجود الاستفهام في أوّل الآية [وهو قوله تعالى]: ﴿أَحَقُّ﴾.
حتى
الخامسة: حتّى، وأحد أوجهها. أي: أحد أوجه حتى، والتأنيث باعتبار الكلمة، أن تكون جارة فتدخل، الفاء: إما للتفسير، أو لربط الجزاء على الشرط المحذوف.
على الاسم الصريح، أي الخالص، والمراد منه ما يقابل المؤول والمضمر، وهو الظاهر بمعنى إلى، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وتفسير القاضي بقوله: أي وقت مطلعه، أي طلوعه، لا كما قاله في بعض حواشيه: المطلَع بفتح اللام: مصدر ميمي، فيحتاج إلى مضاف ليكون المعنى صحيحًا، إذ يمكن تصحيح [الكلام] بأن يقال: يدوم سلام الملائكة إلى طلوع الفجر، أو يقال: لية القدر [ذات] سلامة إلى طلوع الفجر، بل للإعلام بأن المَطْلَع بفتح اللام مصدر ميمي لا اسم للزمان، لأنّه لا يحتاج إلى تقدير الوقت، ومثله في المصادر عند أكثر النحاة وأما عند أبي علي الفارسي إن المصادر تقع في الزمان , فيُجعل لسعة الكلام زمانٌ لا على طريق حذف المضاف، فقول المصنف ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ لتصحيح كون المطلع مصدرًا ميميًا لا لمجرد تصحيح المعنى.
وعلى الاسم المؤوّل معطوف على الاسم الصريح، وقوله: بأن، متعلّق إلى المؤول، ومضمرةٍ إما بالجر صفة إنْ، أو بالنصب حال عنها، وقوله: من الفعل المضارع، بيان الاسم المؤول،
стр. 108
هذا هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين فإن حتى إذا دخلت على الاسم المؤول تكون حرف جر عندهم. والنصب بعدها بإضمار إن وعند الكوفيين والكسائي والفراء إنها ناصبة بنفسها. وأجازوا إظهار أن بعدها تأكيدًا، وأما إذا دخل على الاسم الصريح، فالجر بإضمار إلى عند الكسائي ويجوز إظهارها تأكيدًا، وعند الفراء لنيابه (حتى) منابها، وعند الكوفيين هي جارة بنفسها لشبهها بـ (إلى). فتكون تارة بمعنى إلى نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الأصل: حتى أن يرجعَ، على مذهب سيبويه كما عرفت قبيل هذا، أي إلى رجوعه، فعلم منه أن يرجع مع أنه مؤول بالمصدر، أي إلى زمن رجوعه.
قدّر المضاف كما هو مذهب أكثر النُّحاة، لأن المصدر لابدّ له من زمان، فيكون حصوله فيه، لكن دلالة المصدر على الزمان بالالتزام.
وتارة أي، مرة بمعنى كي إذا كان ما قبل حتَّى سببًا لما بعدها. نحو أسلِم حَتَّى تدخل الجنَّةَ، أي: كى تدخل الجنة، ولم يفسره المصنف بناء على ظهور معنى السببية فيه.
وقد يحتملها، أي: يحتمل حتى أن يكون بمعنى إلى وكي. كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى أن تفيء، أو كي تفيء، أي: إلى أن ترجع، أو كي ترجع.
اعلم: أن علامة كونها بمعنى إلى وكي إذا وضعتهما موضع حتى يكون المعنى صحيحًا. وزعم ابن هشام وابن مالك أنّها، أي أن حتى قد تكون بمعنى إلا كقوله، أي قول الشاعر:
стр. 109
لَيسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سماحةً
اللام في (الفضول) إما:
مُغْنٍ عن المضاف إليه، أو عوض عنه، أي ليس الإحسان من زيادة المال الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة. يقال: فضل من الشيء، وفَضَل منه شيء بفتح العين، يَفْضُلُ بالضم مثل دَخَلَ يدخلُ، وفيه لغة أخرى، وهي بكسر العين وفتحها في الغابر مثل: حَذِرَ يَحْذَرُ، وحكاها ابن السكيت. وقيل: فيه لغة بالكسر في الماضي والضم في المستقبل، مركبة منهما يقال: فَضِلَ يَفْضُلُ، لكن هذا شاذ لا نظير له. ويؤيده ما قال سيبويه: هذا عند أصحابنا يجيء على لغتين. ذكره في "الصحاح". سماحةً: بالنصب خبر ليس، السماحة: الجود.
حتى تَجُودَ، وَمَا لَدَيْكَ قَليِلُ [الكامل]
فما: موصولة، ولديك: ظرف مكان صلة ما، والموصول مع الصلة مبتدأ، وقليل: خبره. وفي بعض النسخ: إلَّا قليل، فما بمعنى ليس، ولا يعمل لانتقاض عمله بإلا، فما بعده مبتدأ وخبر.
ويجوز كونها موصولة، والاستثناء من لديك بتأويل النفي، لأن الاستثناء من المثبت يكون على مقتضى العامل إذا لم يتعذر، نحو: قرأت إلَّا يوم كذا، وبتقدير النفي إذا تعذر، وهاهنا متعذر فيجب، وتقديره: ولا يكون في لديك إلا قليل أي إلَّا أن تجود، وهو استثناء منقطع، وعنوان هذا القول بالزعم الذي كنيته الكذب إشارة، كما أن الاستدراك بهذا البيت ضعيف، لجواز أن تكون حتى في هذا للغاية، بمعنى إلى حيث.
قال في "البسيط" تفسير قولهم: لا أقوم إلا أن تقوم، وقولهم: لا أفعل إلَّا أن تفعل بحتى تفعل ليس بنص لكون حتى بمعنى إلا لأن قولهم ذلك تفسير معنىً.
стр. 110
واعلم أنّ المصنف ذكرها في النوع الثالث، مع أن معناها أكثر من الثالث لأن ما وجد من المعنى الذي غير ما ذكره المصنف، فراجع إلى كونها جارة.
والثاني: أن تكون حرف عطف تفيد الجمع المطلق كالواو. وهذه العبارة تُشعِرُ ظاهرًا أنَّ حتى كالواو في الجمع لا ترتيب فيها، كما زعم بعض النحاة، لكن الحق أن يكون فيها جمع وترتيب ومهملة [متوسطة] بين الفاء وثمّ، لكن المهملة المعتبرة فيها بحسب الذهن، فإن المناسب في: مات الناس حتى الأنبياء، بحسب الذهن أن تعلق الموت أولًا بغير الأنبياء، وتعلق بالأنبياء بعد التعلق بهم، وإن كان موت الأنبياء في أثناء سائر الناس بحسب الخارج بخلاف ثم، فإن المهملة المعتبرة فيها بحسب الخارج نحو جاءني زيد ثم عمرو: إلا أن المعطوف بها أي بحتى مشروط بأمرين.
هذا تفريق بين الواو وحتى العاطفة بعد اشتراكهما في الجمع، أي: يُفَرق بين حتى والواو من جهتين:
أحدها: أن يكون المعطوف بعضًا أي جزءًا من المعطوف عليه في الحقيقة. هذا هو المختار وإن قال بعضهم: أو بالتأويل نحو: ضربني السادات حتى عبيدهم، فإن العبيد صار كالجزء منهم بالمجاورة والاختلاط بهم.
والثاني: أن يكون غاية له في شيء، وزاد صاحب التسهيل قيدًا آخر، وهو مفيد احترازًا من نحو: صُمتُ الأيّام حتّى يومًا. لكن سائر النحاة لم يذكروه بناء على أن مثل هذا لا يتّصف بكونه غاية، فيخرج من لفظه للغاية نحو مات الناس حتى الأنبياءُ. لأن الأنبياء - ﵈ - غاية للناس، بالنسبة إلى كمالات نوعه، في شرف المقدار وهو ما يقدرُ [به] الشيء، أي يُعرف قدره، وإضافة الشرفِ إليه بمعنى مِنْ، ويجوز أن يكون بمعنى اللام.
وعكسِه بالجر: عطف على [شرف] أو عكس الشرف وهو الخساسة نحو: زارني الناسُ حَتى الحجّامُون، فإنهم غاية في خساسة المقدار.
стр. 111
اعلم: أن الغاية قد تكون في الخساسة والشرف كما في المثالين المذكورين، وقد يكون في القوة والضعف، وأشار إليه المصنف بقوله، وقول الشاعر: عطف على ماتَ الناس:
قَهَرنَاكُمُ حتى الكُمَاةَ، فَأنتمُ
والكَماءُ بفتح الكاف هو الشجاعة، وجمعه الكُماة، بضم الكاف، كأنهم جمعوا كام مثل قاض وقضاة، كذا في "الصحاح"
تَهَابُوننا حتى بنينا الأصاغِرَا [الطويل]
الهيبة والمهابة هي الإجلال والمخافة، فالمعنى: أنتم تهابوننا بغاية المهابة، وإنما قلنا كذا لأن المفاعلة والمتفاعلة إذا كانتا من جانب واحد تكونان للمبالغة، وهنا كذلك.
ولما كان مصرعا هذا البيت جامعًا للغايتين أشار إليه بقوله: فالكماة: الفاء إمّا للتفسير. أو لربط الجزاء للشرط المحذوف، غاية في القوة، والبنون الأصاغر غاية في الضعف.
والثالث: أن يكون حتى حرف ابتداء، وإنما سُمي به لأنه يبتدأ به لأنه داخل على المبتدأ كما توهم البعض، لأنه قد تدخل على الفعل، والفعل لا يكون مبتدأ.
ويرشدك إليه قول المصنف: فتدخل على ثلاثة أشياء: جمعُ شيء، وفيها مذاهب، وإنها غير منصرف بالاتفاق، قال الكسائي: أشياء على وزن أفْعَال مثل: فَرَح وأفرَاح، وإنما تُرك صرفها لكثرة استعمالها، ولأنها شبهت بفعلاء، كذا قالوا، لكن هذا لا يوجب عدم انصرافها كما في أبناء وأسماء، ولهذا قال "شارح الديباجة ": فعلى هذا القول منصرف.
وقال الخليل: أصلها شيئاء على وزن فعلاء، جمع على غير واحد، ثم استثقلوا الهمزتين في آخره فقلبوا الأولى إلى الصدر فصار: أشياء، وعلى وزن أفعال, ويدل على صحة ذلك أنها لا تنصرف، وأنها تصغر على أشيياء، وقال الأخفش والفراء: أصلها أشيئاء
стр. 112
على أفعلاء، وحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف، فصار أشياء، لكن عند الأخفش جُمِعَ على غير واحد لأن (فَعْل) لا يُجمع على أفعلاء، وهذا القول مرجوحٌ لأن كل جمع كُسر على غير واحِدِهِ، وهو من أبنية الجمع فإنه يُرَد في تصغيره إلى واحده. فيما لا يُفعل بالألف والتاء، فيجب أن يقول في تصغيره: شييئاه مع أنه لم يُسمع، وهذا القول لا يلزم الخليل لأن فعلاء ليس من أبنية الجمع، وعند الفراء أصله: شيء بالتشديد كـ (هين) على وزن فَيْعل بالفتح والسكون ثم خُفّفَ فقيل: شيء، كما قالوا: هَيْن، فلذا جُمِع على أشياء، فحذفت الهمزة الأولى للتخفيف، ومن هنا, أي لأجل كون أصل أشياء عند الأخفش والفراء. قال أبو الحسن الجار بردي: وفيها ثلاثة مذاهب مع كون الأقوال فيها أربعة.
الفعلُ الماضي: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، فقوله: والمضارع المرفوع، والجملة الاسمية معطوفان عليه بتقدير الثاني والثالث.
وبالنصب بتقدير أعني الفعل.
وبالجر بدلًا من ثلاثة أشياء.
فقوله والمضارع المرفوع والجملة الاسمية معطوفان عليه بلا تقدير، فلمّا تعدد المتبوع معنىً أجري الإعراب على كل واحد منهما، فَعُلم من هذا أن أحد البدلين يجوز أن يعطف على الآخر، ويكون المجموع بدلًا من أشياء، فبالنظر إلى كل واحد بدل البعض، وإلى المجموع بدل الكل, ذكره الكرماني، شارح "البخاري".
واعلم أيضًا: أنْ أحد الحالين، أعني الحال من الفاعل، والحال من المفعول، يجوز عطف أحدهما على الآخر، كقولك: لقيت زيدًا راكبًا وماشيًا. نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ فإنّ حَتّى هنا
стр. 113
ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، هذا هو الحق لكن فسر أبو البقاء بـ (إلى أن عفوا) وقال شارح الألفية: فتوزع في ذلك الماضي بأن حَتى قبله ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، فَعُلِمَ من دخولها جواز كونها جارة في الماضي، وقال ابن مالك وهو وَهْمٌ.
المضارع المرفوع، احتراز من المنصوب بـ أن, لأن حتى فيه، لا تكون إلَّا جارة. نحو ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ في قراءة من رفع وهو نافع، فعلى هذا تكون الآية حكاية عن الحال الماضية، لأن حتى الابتدائية لا تدخل على المضارع، إلَّا بتحقيق الحال. أو لحكاية حال الماضي فلا يدخل على المضارع المقدر فيه (أن)، لأنها علم الاستقبال، فمن نَصَبَ بتقدير أنْ يجعل حتى جارة.
والجملة الاسمية كقوله، أي قول الشاعر:
بدجلة حتى ماء دجلةَ أشكل
إعرابه في الباب الأول، في المسألة الثانية فلينظر.
اعلم: أن حتى الابتدائية تدخل على الجملة الاسمية، فيكون ما قبلها سببًا لما بعدها، مع كون ما بعدها من جنس ما قبلها، سواء كان حقيقة أو حكمًا بأن يكون بينهما ملابسة، يقال: ضربتُ القومَ حتى زيد غضبان، لأن بين الضرب والغضب ملابسة، فكأنه كان من جنس الضرب، وخبر تلك الجملة تارة يكون موجودًا، كما في المثال المذكور، وتارة يكون مقدرًا كما في: أكلت السمكة [حتى] رأسُها بالرفع، لأن تقديره: حتى الرأسُ مأكول. وتدخل أيضًا على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا، فلا يلزم كون ما بعدها من جنس ما قبلها، بل يكفي أن يكون سببًا لما بعدها كما في المثالين اللذين ذكرهما المصنّف. وحتّى الجارة تدخل على الاسم فيكون مدخولها إمّا بعضًا مما قبلها كقولك: أكلت السمكة [حتى رأسِها] بالجر أو مجاورًا
стр. 114
لها كما في: نمت البارحة حتى الصباح، وتدخل أيضًا على المضارع بإضمار (أنْ) المصدرية، ولا تدخل على الماضي في الأصح، وإنْ جوّزه أبو البقاء. وكذا لا تدخل على المضمر خلافًا للمبرد، فإنه يجوز مستدلًا بما وقع في بعض أشعار العرب على سبيل النُّدرة. والجمهور يحكمون بشذوذه فلا يجوّزونه قياسًا، وحتى العاطفة تدخل على الاسم المفرد كما في: أكلت السمكةَ حتى رأسَها على تقدير النصب. ويكون مدخولها بعضًا مما قبلها، فبعض النحاة عمَّ البعضية بكون بعضًا في الحقيقة أو شبهًا بالبعض المجاورة، لكن التعميم ليس بجيد لأن أصل حتى أن تكون جارة لكثرة استعمالها، فتكون العاطفة محمولة عندهم على الجارة، وإذا كانت محمولة عليها لم يستعملوها في معنييها جميعًا، ليبقى للأصل مزيّة على الفرع، وإنما استعملوها في أظهر معنييها، وهو كون مدخولها جزءًا لأن اتحاد الأجزاء في تعلق الحكم أعرف في العقل وأكثر في الوجوه من اتحاد المجاورين، هكذا في بعض الشروح. واختلفوا في دخولها على الجملة الاسمية، فلذلك لم يذكر المصنف مثالًا لها.
وكذا في دخولها على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا فقيل: في الأفعال تكون ابتدائية، لأن حتى لا تعطف على الجملة أبدًا، كذا في "شرح الرضي" و"شرح الألفية"، وهذا مذهب الجمهور.
وأمّا عند البعض، يجوز أن تكون حتى عاطفة في الفعل نحو: نظرتُ أو أنظر حتّى أبصرتُ أو أبصر. فإن أبصرت أو أبصر معطوف بحتّى على نظرت أو أنظر لوجود الشرط المذكور، وهو كون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه.
فإذا عرفت ما تلونا عليك علمت أن حتى في مثل قولك: جاءني زيد حتى عمرو ليست للجر، وجارة لفقدان الشرط المذكور فيهما، بل هي حرف ابتدائية، ذكره ابن يعيش.
стр. 115
[وقيل: هي مع الماضي جازة، وأنْ بعدها مضمرة، وقد مضى خلاف الزجاج وابن درستويه]
كلا
والسادسة: مبتدأ وخبره كلا، فيقال فيها حرفُ بالرفع: نائب عن فاعل يقال، مضاف إلى: ردع وزجر بالواو العاطفة. تفسير للردع، فإن على التفسير جائز بالواو والفاء، وإن كان قليلًا، نصّ عليه الشريف في شرحه لـ"المفتاح".
هذا أي كون الردع مفسرًّا بالزجر عند سيبويه، وقال الزجاج: حرف ردع وتنبيه، وشَرَط أن يتقدم ما يرد بها في غرض المتكلم، سواء كان المردود من كلام المتكلم على سبيل الحكاية والإنكار، أو من كلام الغير، في نحو: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا﴾ أي لا تقل وليس الأمر كذلك فَعَلِم منه أنَّ متمم كلا محذوف لعدم استقلال الحرف، ويشعره قول المصنف: أي: انته عن هذه المقالة. هذا تحقيق لمعنى الردع والزجر، وحرف تصديق.
قال عبد الله بن محمد الباهلي: إن (كلًا) يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون ردا لكلام ما قَبْلَها، ويجوز الوقف عليها، وبعده استئناف. والآخر: أن يكون صلةً لكلام، فيكون بمعنى أي.
في نحو ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ أي والقمر.
وعن أبي بكر الأنباري، سمعت أبا العبّاس أحمد بن يحيى يقول: لا يُوقَف على كلا في جميع القرآن لأنها بمعنى انته، إلا في موضع وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ وهذه الرواية تشعر أيضًا
стр. 116
أن كلا فيها ليس للردع، لكن المفسرين لم يذكروا هذا المعنى أصلًا، بل قالوا: حرف للردع، وما ذكره المصنف فقليل نادر.
وبمعنى حقا، هذا مذهب الكسائي، إنما قال بمعنى حقًا، ولم يقل حرف بمعنى حقًا، إشارة إلى جواز كونها اسما إذا كانت بمعنى حقًا كما ذكره في بعض شروح "الكافية" وعلى تقدير اسميتها يكون مبنيًا لمشابهتها بالحروف لفظًا ومعنًى.
أو بمعنى ألا الاستفتاح، هذا مذهب أبي حاتم حيث قال: إنها تكون للاستفتاح وبمعنى حقًا، ووافقه الزجاج. على خلاف في ذلك، أي كائنة على خلاف في كونها لمجرد الاستفتاح، قال ابن مالك في "التسهيل": ولا تكون كلا لمجرد الاستفتاح، خلافًا لبعض النحاة نحو ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ هذا يجوز أن يكون مثالًا لكونها بمعنى حقًا لا تطعه، أو لكونها بمعنى الاستفتاح يبتدأ الكلام بها غير ردع، وكونها بمعنى حقًا:
قال ابن الحاجب في "الأمالي": إطلاقه الاستفتاح عليها ليس بِأوْلى، لأنه ليس من دلالتها عليها. انتهى.
فعلى هذا ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه يكون على الوجه الأول.
ووقع في بعض النسخ، والصواب الثاني، وهو كونها لمجرد الاستفهام. لا بمعنى حقًا. بكسر الهمزة نحو ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.
هذا هو الدليل الادعائي في كونها للاستفتاح.
حاصله: لو كان بمعنى حقًا لما كُسِرَت إن، وهذا الاستدلال في غاية الضعف. يرشدك إليه قول صاحب "التخمير" ناقلًا عن ابن دهان وهو الذي عليه أكثر العلماء: إن كَلا يحسن
стр. 117
الوقف عليها إذا كان رد ا لأ وَل بمعنى ليس الأمر كذلك، ويكون ما بعدها مستأنفًا، ويحسن الابتداء بها إذا كانت بمعنى ألا، وحقا كقوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
لا
والسابعة لا، أي لفظة لا، فتكون نافية وناهية وزائدة.
إطلاق النافي والناهي عليها مجاز لأنها لا تنفي ولا تنهي، بل النافي والناهي هو المتكلم بها، ذكره التفتازاني في بعض تصانيفه، والنافية تعمل في النكرات عند البصريين، لأن (لا) لِنَفي فيه شمول، وذلك لا يحصل إلا إذا دخلت على النكرات، بخلاف ما، فإنها لمجرد النفي، فلذلك [تدخل] على النكرة والمعرفة، وأمّا عند الكوفيين يجوز أن تعمل في المعرفة في بعض المواضع نحو:
لا أبا حسن، ولا أبا محمد، ولا أنت لك، ونحو ذلك
فأجاب البصريون بتقدير التنكير أو يكون هذا الكلام مشبهًا بالشذوذ.
عَمَلَ إن كثيرا، لأن (لا) التي لنفي الجنس نقيض (إن) من حيث أنها للإثبات و (لا) للنفي. ومن شأن النقيضان أن يستويا في الأحكام، فكان لكل منهما منصوب ومرفوع.
لكن مرفوعها لا يتقدم على اسمها, ولو كان ظرفا، لأنها محمولة على (إن) في العمل، فانحطت مرتبتها عن مرتبة أصلها، وقوله:
كثيرا يجوز أن يكون وصفًا لمصدر محذوف تقديره عملًا كثيرا، هذا مذهب سيبويه، وفي مثل هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا كما ذكره في شرح "الألفية"، ويجوز أن يكون تمييزًا.
اعلم أن النحاة تارة قالوا: صفة لمصدر محذوف، وتارة منصوب على المصدرية فهما في معنى واحد، وإن كان لفظهما متغايرين، وأما إذا قيل: مصدر منصوب بفعل مضمر يكون المراد منه هو المصدر لا غير.
стр. 118
نحو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فـ (إله): اسم (لا) لكن اختُلِفَ في حركته.
قال الأخفش والمازني والمبرد وأبو علي الفارسي هي حركة بنائية، والاسم المبني في محل النصب لكونه معمولًا لـ (لا).
وقال الكوفيون، والجرمي والزجاج: إنها حركة إعرابية، ونسب هذا القول إلى سيبويه، وخبرها محذوف، وهو موجود لأن خبر (لا) التي لنفي الجنس يُحذف كثيرًا إذا كان الخبر عامًا.
وبنو تميم لا يلفظونه إلَّا أن يكونَ ظرفًا، وعلى تقدير وجوده يحملون على الصفة، كذا قالوا وقال الأندلسي والحق أن بني تميم يحذفونه وجوبًا أو دل عليه قرينة، وإلا فلا يحذف رأسا.
و (إلا الله) مرفوع على أنه بدل من محل إله، وهو الرفع بالابتدائية على القاعدة الممهدة. وهي: إن تعذر البدل عن لفظ المستثنى منه أُبْدِلَ عن الموضع، وذُكر في بعض شروح ذلك المتن. وذهب قوم إلى أن (لا) لا يعمل في إله، وهو وحده في محل الرفع، فحينئذ يجوز أن يكون بدلًا من محل القريب.
وعمل ليس لمشابهتها في النفي والدخول على المبتدأ والخبر. قليلًا، إعرابه كإعراب كثيرًا. وعبارة "الكافية" و"اللب": وعمل (لا) شاذ فيلزم إمّا توجيه القليل بالشاذ، أو بالعكس، لأن الشاذ ما يكون على خلاف القياس، وان كان استعماله كثيرًا، والقليل ما لا يكون على خلاف القياس، وإن كان استعماله قليلًا، كذا في الجار بردي، وما وقع في بعض كتب العربية شاذ نادر، يوهم أنهما متحدان وليس كذلك، بل مراد أنه شاذ مع قلته، لأن الشاذ والنادر
стр. 119
واحد هذا، أي: عمل لا على مذهب الحجازيين وأما عند بني تميم لا يعمل (ما) و (لا) اللّذان بمعنى ليس.
وزعم بعض النحويين أنَّ (لا) أُجريت مجرى ليس في رفع الاسم خاصة، وقال بعضهم: لم يُسمع النصب، وخبره ملفوظًا، واستدل المصنف على رفع اسمها، ونصب خبرها يقول الشاعر. وقال كقوله:
تَعَزَّ فَلَا شَيءٌ على الأرْضِ بَاقيًا [الطويل]
قوله: تَعَزَّ أمرٌ من تَعَزى يتعزى: انتمى وانتسب بنسبتك، والفاء في فلا للتعقيب مع الربط لشرط محذوف، وشيء في محل الرفع بـ (لا)، وباقيًا بالنصب: خبر لا، وعلى الأرض: متعلّق به، إذ يجوز تقديم المعمول على العامل في اسم الفاعل والمفعول، كما في الفعل دون الصفة المشبهة والمصدر إن لم يكونا نائبين عن الفعل، وأفعل التفضيل على الخلاف، ويجوز تقديم معمول أسماء الأفعال خلافًا للكسائي، فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير. ونقل بعض النحاة هذا الخلاف عن الكوفيين.
والنّاهيةُ: بالرفع عطف على النافية، هذا أحد أوجهها, ولو قال: والطّلبية كما وقع في "الارتشاف" لكان أحسن ليشمل لـ (لا) الناهية والتي للدعاء.
تجزم المضارع، زعم صاحب "التسهيل" أنَّ (لا) التي تجزم المضارع هي (لا) التي لنفي الجنس، والجزم في الفعل بلام الأمر مضمرة قبلها، فَحُذِفت لكراهية اجتماعهما في اللفظ وزعم بعض النحاة أن أصلها لام الأمر زيدت عليها ألف، فانفتحت لأجلها، والحق أنها أصليَّة، والجزم في الفعل بها.
اعلم أن الفصل بينها وبين معمولها لا يجوز إلا بفعل نحو: لا اليوم تأكل طعامًا.
стр. 120
وقيل: لا يجوز مطلقًا إلا لضرورة، ويجوز حذف الفعل بعد لا الطلبية إذا دل عليه دليل كقولك: اضرب زيدًا إن ساء وإلا فلا تضرب، لكن يحتاج ذلك إلى السماع، وإنما قال تجزم المضارع ليشمل نهي المخاطب نحو. ﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تمنن بعبادتك مستكثرًا بها، والغائب نحو ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والزائدة، وهي التي دخولها في الكلام كخروجها بالنسبة إلى النّفي، لأنها لا فائدة فيها أصلًا، لأنها تفيد توكيدًا ولا يعد عبثا.
لا يجوز ذلك في مثل كلام الفصحاء، لاسيما كلام الباري سبحانه، فتزاد قليلًا قبل أقسم، ومع واو العاطفة بعد النفي لفظًا نحو: ما جاءني زيدٌ ولا عمروٌ أو هو معنىً نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , وبعد أن المصدرية نحو: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ كما: أي جاء أن تسجد بدون (لا) في موضع آخر من القرآن، وشذت زيادتها مع المضاف، وبعد مِنْ والباء واللام، وتجيء (لا) أيضًا للعطف لكن المصنف لم يذكرها، إما بناءً على أنها داخلة في النّافية أو لقلة استعمالها.
- ما يأتي على أربعة أوجه -
النوع الرابع: ما يأتي على أربعة أوجه، وهو أربعة. الضمير عائد إلى ما، فتذكيره بحسب الظاهر.
لولا
أحدها: أي ما جاء على أربعة أوجه، فتأنيث الضمر باعتبار كون (ما) عبارة عن الكلمة. لولا.
стр. 121
اعلم أن لولا مركبة من (لو) و (لا)، ولو قيل: والتركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، ولا للنفي الامتناعُ نفي في المعنى، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا فمن هنا صار معنى لولا هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره، كما في: لولا علي لهلك عمرو، وليست هذه هي التي للتخصيص لاختلاف معنى البابين، لأنها إذا كانت للتخصيص، تكون لارتباط الجملتين على معنى أن الثانية، امتنع مضمونها [لحصول] مضمون الأوّل.
فيقال فيها هي أي في لولا تارة حرف يقتضي، الجملة الفعلية: صفةُ حرفٍ امتنع جوابه لوجود شرطه، الضميران راجع إلى الحرف من غير تأويل. هذا موافق لما وُجد في أكثر كتب النحو، وأمّا ما ذكر في "التسهيل": امتناع جوابه لوجوب شرطه، فيكون مقابلًا لـ (لولا) الامتناعية بخلاف الأول، فإنه يعم.
وتختص لولا هذه بالجملة الاسمية المحذوفة الخبر, هذا الاختصاص، وكونها محذوفة الخبر على رأي من يقول: إن الاسم الواقع بعد لولا مرفوع بالابتداء كما مذهب البصريين.
وأما على [قول من] قال: إنه مرفوع بنفس لولا، وهو مذهب الفراء.
وفاعل فعل محذوف كما قال الكسائي، فليس كما ذكرنا، لأنها على كلا القولين لا تدخل على المبتدأ غالبًا، أي أكثريًا. هذا قيد لكونها محذوفة الخبر لا لتخصيصها بالجملة الاسمية، لأن دخولها على الجملة الاسمية واجب عند البصريين. وظاهر هذا القول يدل على أن مختار المصنف مذهب الرماني، والشجري، والشلويين، لأن عندهم لم يجب حذف الخبر مطلقًا، بل يجوز إظهاره إذا كان الخبر خاصًا، لأن سبب امتناع الثاني إن كان وجودًا للأول فحسب، فالحذف لازم، وإن كان أمرًا خاصًا صفة للأوّل زائدة على وجوده،
стр. 122
فلابد من إثبات الخبر نحو: لولا زيد يدفع عدوّه لأهلكه، بخلاف سائر النحاة. فإن خبر لولا عندهم يحذف مطلقا لدلالتها على الخبر مع قيام جوابها موضعه، ولو ظهر ليُؤوِّل بأن يجعل الأمر الخاص حالًا, وعامله الخبر المحذوف، أي لولا زيد موجود دافعًا عدوه لأهلكه. والحق أن نظرًا للأول أدق, لأن هذا التقدير زائدة على قدر الضرورة، و [لمجيء] ما يتعين أن يكون خبرًا بعد لولا، كقوله ﵇:
"لولا قومك حديث عهدهم، لأسست البيتَ على قواعد إبراهيم".
وقال أبو البقاء: هذا أي كون الخبر محذوفا إذا لم تقع بعدها إن، فإن وقعت أظهر الخبر لليس كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
نعم لو قيل: مراد المصنف من قوله: غالبًا، أن يقال: عند الأكثر لكان مذهبه مذهب الجمهور، كان غالبًا قيدًا لـ (الكلّ) لكن لا يكون حق العبارة هكذا فليتأمّل.
نحو: لولا زيد لأكرمتك. يعني وجود زيد يمنع إكرامي منك، فلولا هذه تحتاج إلى جواب بـ اللام، ولا يجوز حذفها من جوابها، لكن قد تُحذف مع الجواب، وإنّما لزم دخولها في جوابها لأنها غير عاملة بمنزلة (لو) فدخلت تأ كيدًا للربط.
وتارة حرف تحضيض أي: تحريض، يقال: حضه أي: حرّضه كذا في الجوهري. وعرض، بعد أحد الوجوه الأربعة، وإنَّما لم يقل تارة كما في السابق واللاحق إما لاشتراكهما في الاختصاص بالمستقبل أو للإشعار إلى قلة كونها للعرض. أي طلب بإزعاج أي: بعنف أو طلب برفق، وهذا ضدّ العنف، يقال: رَفُقَ بضمّ العين يرفَقُ بفتحها، وحكى أبو زيد: رفقته، وأرفقته بمعنى كذا في "الصحاح".
стр. 123
قوله: أي طلب بإزعاج، تفسير لـ (لولا) التحضيضية.
وقوله: أو برفق، تفسير لـ (لولا) التي للعرض.
فإذا علمتَ ما [تلونا عليك] عرفت أن قوله: وعرض ليس عطف تفسيرٍ لتحضيض بل بيان أحد أوجهها كما قلنا.
فلولا هذه إذا دخلت على المستقبل يكون للتحضيض, وإذا دخلت على الماضي ولا تكون للتَّنديم والتوبيخ بل للعرض، فيكون الماضي في حكم الاستقبال. نصّ عليه الشيخ الرضي.
وقال بعض النحاة: إذا لم يكن في الماضي للتوبيخ، يكون للاستفهام أو للتحضيض أو للعرض، لكن الأكثر على ما قاله الشيخ الرضي.
فتختص. يقال خُصّت بالشيء خَصُوصًا وخَصُوصية، بفتح الخاء المعجمة والضم، لكن الأول أفصح، أي تختص لولا التي للتحضيض والعرض بالمضارع إذا كانت للتحضيض، أو ما هو في تأويل المضارع إذا كانت للعرض.
نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾، مثال التحضيض.
و: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [مثال] للعرض، فتمَّ اللفُّ والنشرُ على الترتيب الذي وجهنا، فلو لم يكن مراد المصنف على ما قلنا لكان مخالفًا لجمهور النحاة وأهل المعاني ولَشوش الأمرَ في عدها مما جاء على أربعة أوجه، وجوّز بعض النحاة دخولَ لولا هذه الجملةَ الأسميةَ نحو: لولا زيد قائم.
وتارة حرف توبيخ أي: تهديد، فتختص بالماضي لفظًا ومعنى نحو ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: هلا منعهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقرّبون بهم إلى الله حيث قالوا: شفعاءَنا عند الله, وقيل: الإبهام لتحقير المقول، ويرشدك إليه أحد
стр. 124
قوله في صدد الردّ. وقال الهروي: قد يكون للاستفهام. نحو ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. أي: هلا أخرتني.
و ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾. أي: هلا أنزل إليك ملك كما رأي أكثر المفسرين. قال الهَرَوي بفتح الهاء والراء المهملة: والظاهر: الواو إما زائدة لتأكيد اللصوق بين القول ومقوله، أو ابتدائية! أنّها في الأول أي في: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ للعرض، وفي الثاني أي في: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ للتحضيض.
فـ (لولا) لا تكون للاستفهام عنده.
وزاد الهروي معنىً آخر، وهو أن تكون نافية بمعنى لم. هذا التعبير موافق لما وقع في "التسهيل" حيث قال: وقد يلي الفعل (لولا) غيرُ مفهمة تحضيضًا فَتُؤول بلو لم. انتهى وما وقع في "الارتشاف" وقد تكون (لولا) نافية بمعنى (ما). قال شارح "الألفية":
فـ (لولا) هذه ليست بمركبة بل (لو) على حالها، و (لا) نافية للماضي.
وجعل الهروي منه كونها نافية ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ وجملة ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ مفعول لجعل. وقوله: أي لم يكن قرية آمنت. تفسير لكونها بمعنى النفي، قوله: والظاهر أن المراد فهلا ردٌّ لما قال الهروي، وهو أي: كونها بمعنى هلا قول الأخفش
стр. 125
والكسائي والفراء، ويؤيّده أي كونها في هذه الآية بمعنى هلا قراءة أُبيّ وعبد الله بن مسعود ل أن القراءة يُسْتَدَلُّ ببعضها على بعض كالروايات.
فهلا في محل النصب على أنه مفعول للقراءة. ويلزم من ذلك، أي من كونها بمعنى هلا معنى النَّفي الذي ذكره الهروي، فيكون على بابها من التوبيخ لا خارجة عنها، واستدل على صحة مدّعاه بقوله:
لأن اقتران التوبيخ بالفعل الماضي يُشعر بانتفاء وقوعه، أي وقوع الفعل فلا يكون النفي موضوعًا لها، بل لازمًا للتوبيخ.
إنْ
قوله الثانية: مبتدأ، وإنْ في محل الرفع خبره، والمكسورة بالرفع صفتها والمخففة صفة بعد صفة لها، فيقال فيها: شرطية للاستقبال سواء دخلت على الماضي نحو: إنْ أكرمتني أكرمتك، يعني: إن وقع إكرامي منك في الاستقبال، وقع مني إكرامك فيه. فلهذا قال أكثر النحاة: إن أردت إبقاء معنى الماضي جعلت فعل الشرط لفظ كان أو على المستقبل نحو ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجزم جزاء الشرط. وحكمها أن تجزمَ الفعلين، فعل الشرط والجواب، وهذا القول يشعر إلى تمهيد المقدمتين.
أحدهما أنَّ حقّ الشرط والجزاء أن يكونا فعلا، وإن جاز كون الجزاء مبتدأ وخبرًا.
والثاني: أن يكونا مجزومين، وإن جاز الرفع إذا كان الجزاء مضارعًا عند كون الشرط ماضيا.
اعلم أنّ الجزاء إذا كان مضارعًا أو في تأويل، لا تدخل عليه الفاء، وأما إذا كان
стр. 126
أمرًا أو نهيًا أو ماضيًا صريحًا أو مبتدأ أو خبرًا، فلابد من الفاء، وقد يحذف في الشذوذ وإنّ (إنْ) هذه تستعمل في مشكوكِ الكونِ، وكذلك قبيح: إن احْمَرَّ البُسْرُ وأمّا إذا كان محقَّق الوقوع، غير معلوم الوقت، فيحسن استعمالها نحو: إن مات فلان.
ونافيةٌ بالرفع عطف على (شرطية)، فتدخل على الجملة الاسمية: [نحو] إن زيد قائم. والفعلية سواء كان الفعل مضارعًا نحو: إن يقم زيد، أو ماضيًا نحو قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ وقوله: من قال لا تكون إن نافية [إلَّا أن] يكون بعدها (إلا) فمردود. ويدل عليه بقول المصنف نحو: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ما عندكم، فـ (إن) داخلة على الجملة [الفعلية عند من قدر الفعل في الظرف، وعلى الجملة] الاسمية عند من قدّر المفرد، وأهل العالية يعملونها عمل ليس. قال في "المفصل": (إنْ النافية لا تعمل عمل ليس عند سيبويه، وأجازه المبرد) ونُقل عن "التسهيل" عكس ذلك نحو قول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلَّا بالعافية، فأحد بالرفع: اسم إِنْ، وخيرًا بالنصب خبرها، هذا عند البعض. وأمّا عند أكثر النُّحاة، أحد: مرفوع بالابتدائية، وخير بالرفع: خبره، وإن داخلة على الجملة الاسمية.
وقد اجتمعا، أي: الشرط والنافية في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
стр. 127
فإنْ في (ولئن) للشرط، واللام لتوطئة القسم (لفظًا وتقديرًا، ولام توطئة القُسم) هي التي تدخل على الشرط بعد تقدّم القسم لفظًا أو تقديرًا تؤذن أن الجواب للقسم لا للشرط، وليست جواب القُسم، وإنما الجواب، ما يأتي بعد الشرط فإن قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ للنفي، والجملة المنفية تَسد مَسد الجوابين، أعني جواب الشرط [والقسم لكن حكم القسمِ غالب على الشرط فيكون جواب القسم. لفظًا وجواب الشرط] معنى، كذا في "شرح المفصل". ومن في أحد زائدة في غير الموجب، وأحد: فاعل أمسك.
ومخففة من الثقيلة في نحو: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
اللام الأولى لتوطئة القسم، والثاني للتأكيد، أو بالعكس. و (ما) زيدت بينهما للفصل على قراءة من خَفَّف (لما) في قراءة من خفف النون في إن، وهو ابن كثير ونافع، ولم يتعرض إلى التخفيف (لما) في هذه الآية لأن كُلًا منصوب، فعلم منه أن (إن) مخففة من الثقيلة، فعلى القراءتين لا يحتاج إلى الاستدلال باللام الفاصلة.
ويقال: إعمالها إعمال إنّ المشددة، (أي كإعمال إن المثقلة) في نصب الاسم ورفع الخبر كهذه القراءة، أي: قراءة التخفيف مع إعمالها، ومنعه الكوفيون.
لكنه مسموع عن العرب حكاه سيبويه والأخفش. ومن إهمالها نحو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ على قراءة من خفف (لما).
стр. 128
فإن لفظة كلُّ بضم، فيحتاج إلى الفارق، فعلى قراءة التخفيف تكون اللام فاصلة و (ما) مزيدة.
وأمّا [مَن] شدد (لما) فهي، أي: إنْ، عند، أي: عند من شدّد، وهو: ابن عامر وحمزة وعاصم. نافية، لأن لما المشددة التي بمعنى إلَّا تكون بعد النفي.
اعلم أنّ (إنْ) المخففة تُفَرّق من غيرها بدخول اللام [في خبرها] ويلزم تلك اللام عند ابن الحاجب، مع الإهمال للفرق، ومع الإعمال للطرد، وعند ابن مالك منع الالتباس. حيث لم يظهر الإعراب في أسمائها لكونها مبنيًا أو مُعْرَبًا بإعراب تقديري، وإنّ (إنْ) الشرطية لا تحتاج إلى اللام نحو: إن زيد لقائم، هذا عند البصريين. وبعض الكوفيين يقولون: إنَّ (إنْ) في مثل هذا المثال نافية، واللام بعدها بمعنى إلَّا فمعناه: إن زيد لقائم، ما زيد إلَّا قائم، وإن (إنْ) النافية يفرق بإلا التي للاستثناء، أو بـ (لما) المشددة التي بمعنى (إلا)، فإن لم توجد هذه الشروط يفرق بقرينة المقام.
وزائدة بعد (ما) المصدرية نحو: ما إن جلس القاضي، وبعد لما نحو: لمّا إن قام زيد قمت قليلًا، وألا الاستفتاحية، وما الكافة كثيرًا في نحو: ما إن زيد قائم. فما نافية، وإن زائدة لتأكيد النفي.
وكافة لـ (ما) الحجازية عن العمل، وذهب بعض الكوفيين إلى جواز النصب، وحكى يعقوب ذلك، ولما كانت (ما) زائدة في بعض المواضع، و (إنْ) كذلك أراد أن يبين قاعدة ليُعلم أنهما إذا اجتمعتا أيها زائدة فقال: وحيث اجتمعت (ما) و (إن) فإن تقدمت (ما) على (إن) فهي أي: الـ (ما) المكفوفة نافية، وان زائدة وكافة، هذا عند أكثر النُّحاة، وأما عند رأي الأخفش: (إنْ) تأكيد لفظي ترادف لـ (ما) النافية تحاميًا عن شائبة [التكرار] نصّ عليه في بعض حواشي "تفسير القاضي" ونقل العلامة هذا القول عن الفراء.
стр. 129
و إن تقدّمت (إن) على (ما) فهي شرطية، أي: شرطية، وما زائدة مؤكدّة نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أصله: إن ما، فإنْ حرف شرط، وما زائدة للتأكيد، أدغمت النون في الميم بعد قلبها ميما، ثم فُتِحت لدفع الالتباس بـ (إمّا) العاطفة مكسورة في المشهور، إن حُكِيَ عن قُطرب فتح همزتها، فصار إمّا.
وكذا عُدت زائدة في مثل: إنما زيد قائم، لكن الأوْلى أن [لا] تحكم بزيادتها. وتزاد أيضًا بعد إذا ومتى وأنى وأين وكيفما وإذما. إلَّا على قول من قال باسميتها، وبعد بعض حروف الجارة، وهي [الباء] من وعن والكاف، ويجوز زيادتها بعد لام التعليل ولام الفاصلة، وبين غير ومثل ومضافهما بالندرة.
وتزاد لتأكيد النكرة في شياعها كقولك: جئتُ لأمر ما.
أنْ
والثالثة: أن المفتوحة الخفيفة، وهي بفتح الهمزة وسكون النون، ثنائي الوضع فيقال فيها: حرف مصدري يؤول مع مدخولها بالمصدر، فلهذا وقعت مبتدأً وخبرًا تنصب المضارع، وتخلصه للاستقبال، مثلًا إذا قلت: أنْ تأتِني خيرٌ لك، لم تقصد إلا إتيانًا يقع في زمان الاستقبال. نصّ عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في "شرح المائة". في نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وبعض العرب يرفع الفعلَ بعدها. فلهذا رُوي عن مجاهد رفع
стр. 130
(يتمُّ) في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
اعلم أنّ (أنْ) المصدرية تدخل على الجملة الفعلية، فتجعلها في تأويل المصدر، سواء كان الفعل مضارعًا أو ماضيًا، فلهذا ذكر المصنف مثالين.
ونحو: أعجبني أنْ صُمْتَ، أي: صيامُكَ.
وزائدة في نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾.
قال الجوهري: أنْ هنا مفسرة، وكذا حيث وقعت بعد لمَا، فإنها تُحذف كثيرًا بعد لمْا، وبين (لو) والقسم نحو: والله أنْ لو قام زيد قمت، وقليلًا مع الكاف [نحو]:
كأن ظبية تَعْطُو إلَى الناضر السَّلَمْ [الطويل].
على تقدير رواية الجر في ظبية، وأنْ هذه لا تعمل عند الجمهور خلافًا للأخفش.
واستدل بالسماع كقوله ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وبالقياس على حروف الجر، ولا حجة في ذلك لكونها في الآية مصدرية، ولكون الفرق بينها وبين حرف الجر، أنّ اختصاصه باقٍ مع الزيادة بخلاف أنْ، فإنها قد وليها الاسم. ومفسرة في نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ , فجملة: أنِ اصْنَع الفُلكَ: تفسير الوحي، وكذا حيث وقعت بعد جملة فيها معنى القول دون حرفه، أي غير حرف القول فأن المفسرة لا تقع بعد القول إلَّا إذا كان مؤولا.
стр. 131
دان يَدُون دُونًا بالضم: صار خسيسًا، وبالفتح مجتمع الصحف والكتاب الذي يكتب بها أهل الجيش، والجمع دواوين، والدون بالضم: نقيض فوق فيكون ظرفًا، وبمعنى أمام ووراء وفوق ضد تحت، وبمعنى غير، وتدخل على دون: مِن والباء قليلًا، كذا في القاموس.
قال مولانا سعد الدين في "شرح التلخيص": دون في الأصل: أدنى مكانًا من الشيء.
يقال: هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والترتيب مثل: زيد دون عمرو في الشّرف. ثم اتبع فيه ما استعمل في كل تجاوز حد إلى حد, وتخطي حكم إلى حكم. وقوله في الأصل: ناضر إلى كونها نقيض فوق.
ولم يقترن عطف على وقعت بخافض، وإنما قيد بِهِ لأنها إذا قرنت خرجت من كونها مفسرة ستعرف، وليس منها. أي: وليس من (أنْ) التفسيرية في قوله تعالى: ﴿آخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن المتقدّم عليها، أي على أنْ، غير جملة، لأنه مبتدأ لا خبر معه، فتكون أنْ مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، وهو ضمير الشأن، إذ لا يجوز أن تكون مصدرية، لأنها لا تدخل على الجملة الاسمية.
قال أبو سعيد السيرافي: إن التي تكون مفسرة تحتاج إلى ثلاثة أشياء:
أولها: أن يكون في الفعل الذي تفسره معنى القول، وليس بقول.
والثاني: أنّه لا يتصل به شيء من صلة الفعل الذي تفسره لأنه إذا اتّصل بـ شيء من صلة الفعل صار من جملة، ولم يكن تفسيرًا له.
стр. 132
والثالث: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًّا، وما بعدها جملة تُفَسر جملة ما قبلها.
ولا نحو: كتبتُ إليه بأنِ افعل كذا؛ أي لا تكون أنْ مفسرة، لدخول الخافض عليها، فيكون من جملة صلة الفعل، فلا يكون تفسيرًا له، فإن أمّا مخففة من أن، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن، أو مصدرية، وعلى التقديرين تكون الباء متعلقًا بكتبت، فيكون مدخوله مفعولًا غير صريح له.
وقول بعض العلماء في: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
فـ (قول): مبتدأ، ومفعول جملة (أنها مفسرة)، أي في أنِ اعبُدُوا الله مفسرة، وخبره إنْ حُمِل على أنها مفسرة لأمرتني دون قلت مُنِعَ: مبني للمفعول جزاء الشرط. منه الضمير راجع إلى مصدر فعل الشرط، أي من هذا الحمل لأنه لا يصح.
يقلل المنع: أن يكون أن اعبدوا الله ربي وربكم مقولا، خبر كان، لله تعالى، لأن الأمر مسند إليه، فلا يصح أن يقول: أنِ اعبدُوا الله ربي وربكم وهو ظاهر. أو على أنّها مفسرة لقلت أي: وإن حمل على أنها مفسرة لقلت فجملة.
فحروف القول جزاء الشرط، وإنَّما دخل عليه الفاء لكونه جملة اسمية، تأباه لما عرفت أنّ أنْ لا تكون مفسرة بعد القول، على أنه يجوز أن يحكى القول من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، بأن يقول: ما قلتُ إلا اعبدوا الله ربي وربكم، وإنما قال: تأباه إشارة إلى أنه يجوز بالتأويل، وجوزه أي جوز كونها مفسِّرة الزمخشري إن أوّل قلت بأمرت. فكان المعنى: ما أمرت لهم إلَّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله فتكون أن مفسرة لعدم وقوعها في الحقيقة بعد القول؟ وجوّز مصدريتها، أي جوز الزمخشري في هذه الآية كونها:
стр. 133
حرفًا مصدريًا، على أن المصدرية وهي العبادة التي هي حاصلة، أن اعبدوا الله: عطف بيان للهاء في به لا بدل لأنّ تقدير إسقاط الضمر يجعله مبدلًا منه يخلي الصلة، وهي جملة أمرتني، من ضمير، لأنّ المُبْدَل منه في حكم السقوط لأنّه غير مقصود، وذلك لا يجوز. والصواب العكس، أي عكس ما قال الزمخشري، وهو تصوير البدليه وتضعيف البيانية، لأن البيان كالصفة فلا يتبع الضمير.
هذا اختيار ابن مالك، لكن الحق أن الضمير الغائب غير ضمير الشأن يُعطف عليه بيان, نصّ عليه شارح اللبّ.
والعائد المقدر (يجوز حذفه)، هذا جواب عما قال الزمخشري، وهي إخلاء الصلة عن الضمير. موجود لا معدوم، فلا يلزم بقاء الصلة بلا ضمير، ولهذا جوّز البيضاوي الوجهين حيث قال: أنِ اعبد الله: عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه انتهى وفي تفسير المصنف قصور لا يخفى على ذي مُسْكة، لأنّ النحاة فسّروا المحذوف بقولهم: هو الذي يقدره وجوده، بل الوجه أن يقال: ليس المراد من كون المبدل منه مقصودًا إهداره وإخراجه بالكلية، بل إيذان منهم باستقلال البدل بنفسه فلا يكون في حكم السقوط حتى يلزم إخلاء الصلة عن الضمير.
ولا يصحّ أن تبدل أن مع ما يتصل به إذا كانت مصدرية من (ما) في أمرتني لأن العبادة التي هي حاصل أن اعبدوا الله.
لا يعمل فيها فعل القول، لأن معمول القول لا يكون إلَّا جملة، وإضافة الفعل إلى القول بيانية يدل عليه قوله: وهو قلت.
стр. 134
هذا على رأي مَنْ قال: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه لا غير، وأمّا على من جوز في عامل البدل كونه من جنس عامل المبدل منه، فلا محذور لجواز أن يكون العامل في العبادة هو أمر الذّي من جنس القول.
نعم إعلام المقدر، وتصديق لما في النفس، وهو هل يجوز كونها بدلًا فصدّقه قال: نعم يجوز، إن أوَّلَ قلْت بأمرتُ لزوال المحذور وهو أنْ العبادة لا تصحّ أن تكون معمولًا للقول. ولا يمتنع في: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ أن تكون مفسرة، وجملة أن يكون مفسرة، فاعل يمنع.
مثلها، أي مثل هذه الآية أن تكون أن مفسرة، فمثل مبتدأ، وخبره: في ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ وإنما أوردها مع أن الكلام تقدم فيها إعلامًا على أن المانع يمنعُ كونها مفسرة في هذه الآية أيضًا، فقال: خلافًا لمن منع ذلك، أي كونها مفسرة.
والمانع هو الرّازي حيث قال: فالوحي هنا الإلهام بالاتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية [وذكر أبو البقاء أنها مصدرية] في الآيتين وتعليل مدعاه، وهو أن تكون أن مفسرة في الآيتين بقوله:
لأن الإلهام في معنى القول إشعار بأن إنكاره في مثابة إنكاره البديهي، لأن المشاجرة بين الخصمين لا تكون إلَّا في كون الإلهام بمعنى القول.
ومخفّفة من الثقيلة.
стр. 135
اعلم أنَّ (أنْ) تعمل في ضمير الشأن المقدر على سبيل الوجوب، وشذّ في غيره، وإن حكى بعض أهل اللغة في الضمير سعة مطلقًا، وجوّز بعض شيوخ المغاربة إعمالها من المُظْهَرِ مطلقا من غير ضعف، وبعضهم في الشعر على ضعف ضرورةً.
وعند سيبويه يجوز أن يكون ملغى لفظًا أو تقديرا، فتكون حرفًا مصدريا لا تعمل بشيء. في نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾، فأنْ هنا مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، وإنما قلنا مخففة لأنها للتحقيق، فيناسب العلم، بخلاف (أنْ) المصدرية فإنّها للطّمع والرّجاء، ومن هنا يُعلم أن (أنْ) كلّما وقعت بعد العِلْمِ تكون مخففة، وبعد الظن يحتمل الوجهين، ولهذا قيدَ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بقوله في قراءة الرفع, لأن الحسبان يجوز أن يكون بمعنى العلم، فتكون أنْ مخففة، وبمعنى الشك والظن، فتكون مصدريه.
وكذا أي: تكون أن مخففة كما في علم أن سيكون، حيث وقعت بعد علم أو ظن نزل منزلة العلم.
والحاصل أنَّ (أنْ) إذا وقعت بعد ظن تستعمل في معنى العلم تكون مخففة جزمًا وإذا وقعت بعد ظن تستعمل في معناه الحقيقي.
يجوز الوجهان لأن الظن باعتبار [رجحان الفعل شابه العلم وباعتبار] احتمال النقيض كان مخالفا للعلم. فالحق:
سائر الأفعال التي تقع بعدها مصدرية.
стр. 136
اعلم أن (أنْ) المخففة تدخل على الجمل الاسمية نحو:
أنْ هَالِك كُلُّ مَنْ يَحْفَى [ويَنتعِلُ] [البسيط]
وعلى الجملة الفعلية الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾.
وعلى الفعل غير المتصرف نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ولا يحتاج إلى الفارق لأنّ (أنْ) المصدرية لا تدخل عليها، وتدخل على الفعل المتصرف، فيلزمها [السين] نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ أو سوف كقول الشاعر:
واعْلَمْ -فَعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُهُ- ... أنْ سوفَ يَأتي كل ما قُدِرا [السريع]
أو قد نحو: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ولزوم هذه الأمور الثلاثة للفرق بين المخففة والمصدرية، وليكون عوضًا من النون المحذوفة.
أو حرف النفي نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾.
وليس لزوم حرف النفي إلَّا ليكون عوضًا عن النون، فإنَّه لا يجيء لمجرّد الفرق، لأنّه يجتمع مع كل واحد منهما فالفارق بينهما إمّا [من] حيث المعنى، لأنّه عنى به الاستقبال، فهي المخففة، وإلا فهي المصدرية، وإما من حيث اللَّفظُ، لأنَّه إن كان الفعل المنفي منصوبًا فهي المصدرية، وإلا فهي المخففة.
стр. 137
كذا ذُكر في بعض شروح الكافية
لكنّ الحق عندي أن يكون الفرق بمعونة المقام، لأن ما ذكره من الفرق المعنوي ليس بفرق لما عرفت فيما سبق، أنَّ (أنْ) المصدرية إذا دخلت على المضارع تخلصه للاستقبال. وكذا الفرق اللفظي، لأن الإعجام يترك كثيرًا، والسماع غير ممكن في الجميع.
"مَنْ"
والرابعة (مَنْ) فتكون شرطية تجزم الفعلين، في نحو ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ مَنْ: حرف شرط، فيعمل: فعل الشرط، ويُجْزَ بِهِ: جزاء الشرط، وهما مجزومان بِمَنْ. اعلم أن (مَنْ) في المجازاة لا تكون إلا مبتدأً غير واقع عليها العامل، إلَّا أن يكون العامل حرف جر في صلة حرف الشرط، أو اسمًا مضافًا قد عمل فيه حرف الشرط، أو مبتدأ مضافًا، فإن وقع عليها العامل قبلها من غير ما ذكرنا، بطلت المجازاة، وصارت بمعنى الذي.
وتكون موصولة، وهي اسم بالاتفاق، وتختص بأولي العلم غالبًا، وقد تستعمل في غيره كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾، فيكون بلفظ واحد في المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وذِكْرُ لفظه, والحمل عليه كثير، وقد يُحمل على المعنى. في نحو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ فَمَنْ: موصول، والجملة الفعلية وهي: (يقول) صلة، والعائد الضمير المستتر.
стр. 138
وتكون استفهامية، فيطلب بها العارض المشخص لذي العلم هذا هو المشهور، وقال صاحب "المفتاح" للسؤال عن الجنس مَن، أي ذوى العلم في نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟
ومَنْ هنا استفهامية على تقدير قراءة (بَعَثَنَا) فعلا، وأمّا إذا قرئ مصدرًا فتكون (مِنْ) جارّة.
ونكرة موصوفة بصفة تليها في نحو: مررت بِمَن مُعجِب لك، فمن موصوفة، ومعجب بالكسر: صفتها، ويجوز رفعه على تقدير: هو معجب، والجملة صفة من و (لك): متعلّق بمعجب أو بإنسان تفسيرٌ بمن الذي بني عن الإنسان ولما كانت مَنْ نكرة فسرت بالنكرة، وأجاز أبو علي الفارسي والفراء؛ أن تقع نكرة تامة، أي لا تحتاج إلى صلة قيد، فسره بكونها نكرة لأن (مَنْ) التامة معرفة إلَّا في فعل التعجب، فإنها نكرة فيه، وأمّا (مَنْ) التامة فمعرفة وحمل أبو علي عليه، أي على كونها نكرة تامهّ قوله، أي: قول الشاعر:
ونِعْمَ مَن هُوَ في سرٍّ وإعْلَان [البسيط]
فَمَنْ فاعل نعم، وهو مخصوص له، أي نعم شخصًا هو.
هذا التفسير على رأي أبي علي، وأما عند سيبويه تقديره: نعم الشخص شخصًا هو, وإنّما فسرنا بذلك لأنَّ فاعل نِعْمَ إمّا معرف بلام العهد أو الجنس، على اختلاف القولين أو
стр. 139
مضاف إلى المعرف، أو المضاف إليه مُظهرًا أو مُضمرًا، مُميزًا بنكرة معنوية، فلما كانت مَنْ نكرة لا يصلح الفاعل مميزا له، وهو الشخص. والمصنف لم يتعرض إلي قول أبي علي بالرد، وهو دليل [قبوله فشوّش] عدها مما جاء على أربعة أوجه.
اللهم إلا أن يجعل كونها نكرة أعم من كونها تامة كما هو عند أبي علي الفارسي. أو موصوفة كما هو عند الكل، وإن كان استعمالها مغ اي رًا.
- ما يأتي على خمسة أوجه -
النوع الخامس: ما يأتي على خمسة أوجه وهو: الضمير (إمّا عائد) إلى ما أو إلى النوع [وهو] شيئان أحدهما أي: أحد الشيئين.
"أيٌّ"
أي وهي تستعمل لذي العقل وغيره، فتقع، الفاء: تفسيريه، أو لربط الجزاء كما مر غير مرة. شرطية بالنصب [مفعول] يقع نحو: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ فأي: اسم شرط منصوب بقضيت.
وما زائدة مؤكدة، وقيل: نكرة، والأجلين: بدل منها، وفلا عدوان: جوابها.
واستفهامية: عطف على شرطية، أي فتقع استفهامية نحو ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ فأي: مبتدأ مضاف إلى الضمير، وزادته: خبره، ويجوز أن تكون بالنصب على شرطية التفسير.
стр. 140
وزاد قد يجيء لازمًا، يقال: زاد الشيءُ. وقد يتعدّى إلى مفعولين كما في هذه الآية، فالضمير المتصل: مفعوله الأول، وهذه: فاعله. وإيمانًا: مفعوله الثاني. وموصولة خلافًا لثعلب، فإن في زعمه لا تكون (أي) موصولة، وقال بعض النُّحاة، وهو أحمد بن يحيى: إنها لا تستعمل إلا شرطًا واستفهامًا، وهما محجوج عليهما لثبوتها في لسان العرب نحو ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فأي: موصول مبني على الضم لكون صدر صلتها محذوفًا. والمصنف أشار إليه وفسَّر بقوله: أي الذي هو أشَدَّ. وقرأه طلحة بن مُصرف ومعاذ بن مسلم الهراء, وهو أستاذ الفرّاء بالنصب.
قاله سيبويه أي: قال سيبويه: كونها موصولة ومبنية على الضم، ومن تابعه من النحويين قال: عطف على (ما) من رأي أنّ الموصول لا يبنى وهو الخليل والكوفيون هي (أيّ) هاهنا استفهامية مبتدأ، وأشدّ خبره، فتكون عندهم حركتها إعرابية، فقالوا: إنَّ (أيّ) في الآية استفهامية مبتدأ وخبره أشد، ومن كل شيعة مفعول لننزعن والجملة محكية على أنها صفة (شيعة) على إضمار القول، أي: كل شيعة مقول في حقهم: أيُّهم أشدّ.
وضعّفه سيبويه حيث قال: لو جاز اضرب أيهم أفضل على الحكاية بإضمار القول، كما أجازه الخليل لجاز اضرب الفاسق الخبيث، وعلى معنى اضرب الذي يقال له: الفاسق الخبيث.
стр. 141
ودالّة: عطف على شرطية أو على معطوفها على اختلاف القولين.
على معنى الكمال، وهي من جملة وجوهها هاهنا. فتقع، الفاء: لربط الجزاء إلى الشرط المحذوف: تقديره: إذا وقعت دابة فتقع صفة لنكرة المذكورة غالبًا نحو: هذا رجل أي رجل، فرجل نكرة موصوفة بـ (أي).
اعلم أن (أيَّ) إن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها، كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه, كما إذا قلت: مررت بعالم أي عالم، فقد أثنيت عليه بالعالمية، إن أضيفت إلى غير المشتق فهي للثناء عليه بكل وصف يمكن أن يثنى عليه، ففي مثال المصنف أثنيت عليه ثناءً عامًّا بكل ما يمدح الرجل به، أي: هذا رجل كامل في صفات الرِّجال.
وحالا: عطف على صفة لمعرفةٍ لأن صاحب الحال لا يكون إلَّا معرفةً ولهذا تعين أن يكون في الأول صفةً، وفي الثاني حالًا.
كمررت بعبد الله أي رجل، أي حال كونه كاملا في صفات الرجال, وهذا ليس قسمًا مستقلا.
بل عائد إلى معنى الكمال، والمصنف لم يفسره كما فسّره فيما قبله اكتفاءً به، وإلَّا لَشوشَ كلامُ المصنف في عدها على ما جاء على خمسة أوجه، وسائر النحاة لم يذكر كونها دالة على معنى الكمال، بل قصروا على الوجوه الأربعة بناءً على أنه مندرج في الاستفهام.
ووُصلةً بالنصب: عطف على قوله: دالة وشرطية، على اختلاف القولين إلى نداء ما فيه أل، وظاهر هذا التعبير يُشعر أن مذهبه كمذهب الخليل في حرف التعريف، وهو أنه ثنائي, [وهمزة الله] همزة قطع وُصلِت لكثرة استعماله.
стр. 142
قال شارح الألفية: ولا يحسُنُ على هذا المذهب إلَّا التعبير بـ أل نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾.
فأيّ: اسم مفردٌ مبهم معرف بالنداء مبني على الضم. وها: حرف تنبيه عوض مما كانت (أيُّ) تضاف إليه.
والإنسانُ بالرفع: صفة أي. فعبارة المصنف تُؤذن أن أيّ لا تكون موصوفة إلا في حالة النداء، كما ذكر أكثر النحويين.
وللأخفش فيه خلاف، فإنه أجاز كونها موصوفة مطلقًا كما: مررت بأيٍّ معجب لك نصّ عليه في شرح الرضي.
واعلم أنَّ (أيا) هي لازمة الإضافة، فإذا كانت موصولة تضاف إلى المعرفة، وإن جوّز بعضهم إضافتها إلى النكرة، وإذا كانت دالة على الكمال تضاف [إلى النكرة] وإذا كانت شرطية أو استفهامية جازت إضافتها إلى المعرفة والنكرة. كذا في شرح الألفية.
واعلم أيضًا أن (أيا) معربة في الاستفهام والجزاء، ومبنية في الصفة، ومنقسمة في الصلة. وإن كانت صلتها تامة فالإعراب، وإن كانت محذوفةَ الصدرِ فالبناء أفصح.
وقد مر بعض البحث المتعلق بأي في المسألة الثانية في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى. . .﴾، فليعد إليه ثانيًا.
" لو "
الثانية: لو [لها وجوه خمسة] آثر التذكير في الأول، والتأنيث في الثاني، مع جواز التذكير والتأنيث في الحرف إشعارًا إلى اسمية الأول وحرفية الثاني.
وأحد أوجهها أن يكون حرف شرط في الماضي. سواء كان دخل على الماضي أو المضارع وهذا هو أغلب أقسامها على رأي البعض، وإنما قلنا هكذا لأن بعض النحويين لا يطلقون عليها
стр. 143
حرف الشرط. ويقولون: الشرط إنَّما يكون في المستقبل، وذهب الشلوبين إلى أنها لمجرد الربط، وقال بعضهم: إنها كما تأتي للربط تأتي للقطع.
فيقال فيها أي في (لو) إذا كانت للشرط: حرف يقتضي امتناع ما يليه، وهو فعل الشرط واستلزامه [أي استلزام] فعل الشرط لتاليه، وهو فعل الجزاء.
وهذا التعريف مأخوذ من ابن مالك، حيث قال في "شرح الكافية": إنه يقتضي امتناع فعل الشرط، واستلزام ثبوته لثبوت الجواب، وإنما عرف بهذا, ولم يعرف بامتناع لامتناع، بناءً أنّ هذا لا يجري في بعض الصور على ما سيأتي في نحو: لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ , فأراد التعريف على وجه يعم الجميع نحو ﴿لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. فلو هنا شرطية دالة على أمرين أحدهما أنَّ مشيئة الله تعالى لرفع هذا المُنْسَلِخ، بكسر اللّام أي المُعْرِض المكذب عن آيات الله.
منتفية، ويلزم من هذا أي من دلالة (لو) على انتفاء المشيئة لرفعه، أن يكون رفعه منفيًا لأن انتفاء الرفع لازم، وانتفاء المشيئة ملزوم، إذ لا سبب لرفعه إلَّا المشيئة وقد انتفت والسببية منحصرة فيلزم من انتفائها انتفاء المسبب وهو الرفع، وهذا، أي المذكور وهو: لو شئنا لرفعناه بخلاف: نِعْمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فإنه لا يلزم من انتفاء لو لم يخف الله الذي هو سبب الشرط انتفاء لم يعص الذي هو الجواب حتى يكون، معنى الكلام أنّ صهيبًا قد خاف وعصى.
على أنّ حَمْلَ الحديث على هذا المعنى غير مستقيم، لأنّه منوط بالمدح.
стр. 144
وذلك أي بيان أنه لا يلزم من انتفاء لم ينجس انتفاء لم يعص، لأن انتفاء العصيان له سببان: أحدهما: خوف العقاب فعلى هذا التقدير يكون رفع خوف العقاب بالخبرية، ويجوز رفعه بالبدلية من (سببان). وهو أي: عدم العصيان من خوف العقاب طريق العوام، لأن طاعتهم وعدم عصيانهم للخوف.
والإجلال إما بالرفع عطف على خوف, أو بالجر عطف على العقاب، والإعظام عطف على الإجلال. وهو أي عدم العصيان من خوف الإجلال والإعظام طريق الخواص لأن طاعتهم وعدم عصيانهم لأجل الإجلال والرغبة.
والمراد أنَّ صهيبا من هذا القسم، أي من قسم الخواص، وأنه لو قدّر خُلُوّه من الخوف لم تقع منه معصية، فكيف تقع المعصية والخوف حاصل له.
والضمائر البارزات راجعة إلى صهيب. ولم يذكر المصنف كون هذا القول في حق صهيب حديثا. كما قال الفاضل التفتازاني في باب المسند إليه، وابن الحاجب في "الإيضاح"، أو قول عمر كما قال العلامة الزمخشري في تفسير سورة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ بناءً على ما ذكره القاضي بهاء الدين: إنه لم يقف على أنه حديث أو قول عمر.
ومن هنا، أي لأجل كون جواب (لو) لا يكون منتفيًا إلا إذا كان له سبب واحد، تبين فساد قول المعربين أن (لو): حرف امتناع لامتناع. التنوين عوض عن المضاف إليه أي: امتناع الثاني لامتناع الأول، وهو المعنى المشهور عند النحويين.
стр. 145
والصّواب: الأحسن أن يقال: (الأولى تعريفهم) بامتناع الثاني لامتناع الأول مبني على أكثر استعمالها، أنها لا تعرض لها إلى امتناع الجواب ولا إلى ثبوته، أي لا يُتَعَرّض بلو إلى نفي الجواب، ولا إلى وجوده.
قال ابن مالك: ليس فيها تعرّض لوقوع الجواب وعدمه، [إلا أن الأكثر عدمه].
وإنَّما حصل لها تعرض لامتناع الشرط: [أي] لنفيه، فإن لم يكن للجواب أي للجزاء، من سبب سوى ذلك الشرط الذي دخلت عليه (لو) لزمَ من انتفائه انتفاؤه بالرفع فاعل لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجواب نحو: لو كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود.
فإنّ سبب وجود النهار لا يكون إلا طلوع الشمس. فيلزم من انتفائها انتفاء النهار. وإن كان له أي: للجواب، سبب آخر غير ما جعل شرطًا لها, لم يلزم من انتفائه، أي من انتفاء الشرط، انتفاء الجواب ولا ثبوته، نحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودًا فلا يلزم من انتفاء طلوع الشمس انتفاء الضوء، لأن الضوء كما يحصل من الشمس يحصل من غيرها من النار والكواكب.
ومنه: أي ومما كثرت أسبابه لو لم يخف الله لم يعصه كما عرفت فيما تقدم.
اعلم أن لو إذا كانت للشرط لها استعمالات ثلاثة:
أحدها: امتناع الثاني لامتناع الأول وهو المشهور.
والثاني: أن يكون للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائمًا في قصد المتكلم حين كون الشرط مستبعدًا لاستلزام ذلك الجزاء، وكون نقيض ذلك الشرط أنسب باستلزام ذلك الجزاء،
следующие страницы →