← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 19236

شرح قواعد الإعراب

شيخ زاده

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْوَدِّه [الرجز] هما اسمان مفعولان، إما بسكون الياء والسين، فيكون من أفعل، أو بحركتهما فيكون من فعّل بالتّشديد. مثل: منصوب إمّا على الحالية من المبيض، أو على الوصفية لمصدر محذوف تقديره اشتعالًا مثل: اشتعال النّار في جَزْل الغضا الجَزْل: الحَطَبُ اليابس أو الغليظ العظيم منه، كذا في "القاموس"، والغَضَا بفتح الغين المعجمة: شجر، هذا، أي كونه دليلًا على الاجتماع على تقدير تعلّق في مُسْوَدّه باشتعل في جزل الغضا باشتعال، وإن علّقت الأوّل أي في مسوده بالمبيضّ، أو جعلته حالًا منه متعلّقًا بكائن على القاعدة التي ستأتي في المسألة الثّالثة. وهي: متى وقع الجار والمجرور صفة أو حالًا أو صلة تعلّق بمحذوف وتقديره كائن أو مستقر. فلا دليل فيه، أي لا يكون فيه ما يدّل على الاجتماع لأن في مسودّه على شبه الفعل وهو المبيضّ أو كائن، فلا يجتمع فيه الفعل وشبهه، وإنّما قال متعلّقًا بكائن لأنّه لو جعلته حالًا متعلّقًا باستقرّ يكون دليلًا كما في تعلّقه باشتعل، ولمّا قال لابدّ من تعلّق الجار والمجرور، يُفهم منه أن يكون لجميع الجار متعلّق، فَدُفِعَ هذا الوهم بقوله: ويستثنى من حروف الجار أربعة فلا يتعلَّقْن بشيء. أحدها الزّائد، كالباء الزائد في ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، فشهيدًا يجوز أن يكون تمييزًا أو حالًا على منوال: (لله درّه فارسًا) ولا يخفى عليك أنّ قول المصنّف، كالباء الزائدة في ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ ليس على ما ينبغي، حيث قال في آخر رسالته: وينبغي أن يَجْتَنِبَ المُعْرِبُ أن يقول في كتاب الله تعالى أنها زائدة، لأنّه يسبق إلى بعض الأذهان أنّ الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام

стр. 72

الله منزّه عن ذلك، [وَأحْسِنْ بِزَيْدٍ عند الجمهور]، و ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ اعلم أنَّ: (ما) المشبهة بليس تعمل عند الحجازيين بأربعة شروط: أحدها: أن يكون اسمها مقدّمًا على خبرها. قال ابن عصفور: هذا إذا لم يكن الخبر ظرفًا أو ما جرى مجراه، وأمّا إذا كان ظرفًا أو جارًّا أو مجرورًا فيعمل لكثرة التوسُّع فيه، كما تعمل إنّ وأخواتها، لكن المُعْتَبَرَ أن لا تعمل ولو كان ظرفًا. والثاني أن لا يقترن اسمها بإنْ. والثالث أن لا يقترن الخبر بإلّا. والرّابع أن لا يليها معمول الخبر وليس ظرفًا ولا جارًا أو لا مجرورًا. وأمّا إذا كان معمول الخبر ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، فيعمل عند سيبويه، وأن يليها معمول خبرها نحو: فما [المشبهة بليس] كل حين مَنْ يوالي مُواليًا، فمواليًا خبر ما، ومَنْ اسمها، وكل حين معمول مواليا. وعند بني تميم لا تعمل وإن استُوفيت الشّروط لدخولها على الاسم والفعل، بل يكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا، ولا تدخل الباء على خبر المبتدأ الَّذي بعدها عندهم إلَّا في القرآن، كذا في "الإقليد". قال الزمخشري في "مُفَصّله": ودخول الباء في الخبر نحو قولك: ما زيد بمنطلق، إنَّما يصحُّ على لغة الحجازيين. وقال ابن هشام في "شذور الذّهب" وقرأ على لغتهم ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ بالرفع، وقرأ أيضًا: بأمّهاتهم بالجر بباء زائدة، ويحتمل الحجازية والتميمية خلافًا لأبي علي والزمخشري زعمًا أنَّ الباء تختصّ بلغة النصب. انتهى.

стр. 73

فما: بمعنى ليس، وربُّك: مبتدأ، وبغافل: في محل الرفع على أنَّه خبر مبتدأ عند بني تميم. وأمّا عند الحجازيين: ربُّكَ: اسمها، وبغافل: في محل النصب خبرها، والباء: زائدة على المذهبين، وعن: حرف جرّ متعلّق بغافل، وما يجوز أن تكون بمعنى الَّذي، فمعناه: وما الله بغافل عن الشيء الذي تعملون، ويجوز أن تكون مصدرية، فمعناه: بغافل عن عملكم، والجملة في محلّ النّصب على أنها مفعول بغافل. اعلم أن الباء تزاد قياسًا في خبر المبتدأ استفهامًا نحو: هل زيد بقائم؟ وفي خبر (ما) نحو: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وخبر ليس نحو: ليس زيدٌّ بقائمٍ. وسماعًا في الفاعل في غير التعجب نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أحد التأويلين، وهو مذهب سيبويه. فذكر ابن السرّاج وجهًا آخر، وهو أن تكون غير زائدة، وفاعل كفى ضمير مستتر عائد على الاكتفاء المفهوم من كفى. كأنّه قال هو أي: كفى اكتفاؤك بالله. وأمّا في صيغة التعجب نحو: أفعل به، فزيادة الباء قياس في الفاعل عند سيبويه، وفي المفعول عند الفرّاء، ومن وافقه، وإنّما حكموا بزيادتها لأنّ الهمزة في أفعل للتعدية عند من جعلها أمرًا حقيقة، وقال بعض المغاربة، ويحتمل أن تكون الهمزة لا للنقل، بل على معنى أقطع البخل في مثل: أكرم بزيد، ثم أدخلوا الباء على معنى أنّه صَيَّرَهُ أي: صَيِّره [ذا كرم]، فأكرم أمرٌ، فتكون الباء للتعدية. وتزاد أيضًا سماعًا في المفعول نحو: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وفي المبتدأ نحو: بحسبك زيد، وكمِنْ، معطوف على الباء في ﴿مَا لَكُمْ مِنْ

стр. 74

إلهٍ غيره﴾ مِنْ: جارّة وزائدة، فلا يتعلّق بشيء، وإله مجرورها لفظًا، ومرفوع محلًا على أنه مبتدأ، واللام في مالكم: حرف جر، وتُفتح اللاّم الجارّة إذا دخلت على المضمر، ويجوز كسرها على لغة خزاعة، و [كم] مجرورها متعلّق بكائن أو استقر، والجار والمجرور في محل الرفع على أنَّه خبر لمبتدأ [محذوف] متأخّر ولا تعمل (ما) لما عرفت أنَّ خبرها إذا كان مقدّمًا على اسمها، يبطُلُ عملُها سواء كان الخبر ظرفًا أو لا، وغيره: صفة (إله)، قُرِئ بالرفع حملًا على المحل، وبالكسر حملًا على اللَّفظ. اعلم أنَّ إضافة غير وشبه ومثل معنويةٌ عند أكثر النّحويين، لكن لا تتعرّف لتوغلها في الإبهام إلّا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، أو بمماثلته، ولفظيّةٌ عند صاحب "التخمير" حيث قال: والحقّ أن هذه الأسماء في الأصل صفات بمعنى اسم الفاعل في موضع مغايرك ومماثلك ومشابهك. فلهذا لم يكتفِ بها للمضاف تعريفًا، ثم قال. إنّ (غيرًا) له ثلاثة مواضع: أحدها: أن يقع موقعًا لا يكون فيه إلَّا النكرات، وذلك إذا أريد به النّفي السّاذج نحو: مررتُ برجلٍ غير زيد، يريد أنّ المجرور به ليس هذا. والثاني: أن يقع موقعًا لا يكون فيه إلَّا معرفة، وذلك إذا أريد به شيءٌ قد عُرِفَ بمضادّة المضاف إليه في المعنى، لا يضادّه فيه إلَّا هو، كما إذا قلت: مررت بغيرك المعروف بمضادّتك، إلّا أنَّه لا يحسن في هذا الوجه أن يجري صفة. والثالث: أن تقع في موضعٍ تارةً تكون [فيه] معرفة، وأخرى نكرة، كما إذا قلت: مررت برجلٍ كريمٍ غيرِ لئيم، والرجل الكريم غيرُ اللّئيم.

стр. 75

قال النحويون: إذا قلت: مررت بالرجل غير اللئيم، فالمعنى: مررت بالرجل الكريم غير اللئيم. انتهى. وفي مثل ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ و (غيرُ) بالرّفع إمّا لكونه صفة للخالق على الموضع، و (خالق): مبتدأ و (من): زائدة، وخبره محذوف تقديره: هل خالق لكم أو للأشياء، أو لكونه فاعلًا له، فتقديره: هل يخلق غير الله؟ اعلم: أنّ (مِنْ) تزاد في الموجب وغيره عند الأخفش والكسائي وهشام، سواء كان مدخولها معرفة أو نكرة، وعند بعض الكوفيين يُشترط تنكير ما دخلت عليه وعند الجمهور البصرية. بشرط أن يكون ما قبلها غير موجب وما دخلت عليه أن يكون نكرة فتزاد عندهم في الفاعل والمفعول: نهيًا نحو: لا تذهب من رجل، ولا تضرب من رجل. ونفيًا نحو: ما جاءني من رجل، وما ضربت من رجل. واستفهامًا نحو: هل جاءني من رجل؟ وهل تضرب من رجل؟ وفي المبتدأ: نفيًا نحو: هل من رجل جاءني. واستفهامًا نحو: هل من رجل في الدّار؟ واعلم أيضًا أنّ مجرور (من) الزائدة إذا كان من الأسماء المقصورة على العموم كأحدٍ، وديّار، تكون (من) لمجرد التأكيد، فإن معنى ما ضربت أحدًا، وما ضربت من أحد، سواءٌ في التنصيص على العموم.

стр. 76

وإذا لم يكن من الأسماء المقصورة كانت من الاستغراق، فإنّك إذا قلت: ما جاءني من رجل، يكون المعنى نفي إتيان هذا الجنس من واحد إلى ما يتناهى، بخلاف: ما جاءني رجل، فإن معناه نفي إتيان رجل، فيحمل إتيان اثنين أو أكثر، وإنما سميت مزيدة مع إفادتها لأنها لا يتغير أصل المعنى بإسقاطها. ومن ههنا يُعلم ضعف ما قاله المبرّد: لا ينبغي أن يقال إنها زائدة إذا أفادت استغراق الجنس. والثاني أي ثاني ما لا يتعلّق بشيء: (لعلّ) في لغة من يجرّبها، وهم عقيل، [ولهم في لامها الأولى الإثبات والحذف، وفي الأخيرة الفتح والكسر]. قال في "الصحاح": وعُقَيْلُ مصغرًا قبيلة، قال شاعرهم، وهو كعب بن سعد الغنوي، قال [في] مرثية أخيه، كذا ذكر في حاشية "الكشاف" (بيت أبي المغوار): لَعَلَّ أبي الْمِغوَارِ مِنْكَ قَرِيْبُ [الطويل] فـ (أبي) مجرور بـ (لعلّ) ولم يكن لها متعلّق، لأن الأسماء الستة المضافة إلى غير ياء المتكلّم، كان جرّها بالياء. والمِغْوَار بالغين المعجمة. المقاتل. بُني للمبالغة كالْمِجزَام والمِكْثَار. وأبي المغوار: كنية للمدح له.

стр. 77

لا يقال هذا لا يُثْبِتُ أن تكون لعلّ من حروف الجر عندهم، لجواز أن يُحمل على الشّاذ، أو يكون اشتهار هذا الرجل بأبي المغوار بالياء، فحكي على أصله، كما قيل: علي بن أبو طالب، وغير ذلك من الوجوه، لأنّ المصنِّف لم يرد به إثبات مذهبهم، بل هو مِثَالٌ مجرّدٌ لجرّ (لعلّ) لأنّ الجرّ بها في لغتهم شائع عند أرباب النحو، لا يحتاج إلى الإثبات. قال الشيخ الرضي: وعُقَيْل يجرُّونها بـ لعلّ مفتوحة الآخر، وكذا بـ لعلّ مكسورة الآخر، وهي مشكلة لأنّ جرّها عمل مختص بالحروف، ورفعها لمشابهة الأفعال. وكونه حرفًا عاملًا عمل الحروف والأفعال في حالة واحدة لم يثبت، وأيضًا الجارّ لابدّ من متعلّق له لا ظاهرًا ولا مقدّرًا. انتهى. وفيه كلام لأنّ هذا الإشكال مبني على أنّ الرفع بعدها بـ لعلّ عندهم، وهو غير معلوم وأيضًا استدعاء جميع الجارّ متعلقًا ممنوع. والثالث: لولا، التي للامتناع في قول بعضهم، أي قول بعض فصحاء العرب: لولاي ولولاك ولولاه، فإذا وقع بعد لولا ضمير مجرور فمذهب سيبويه أنّ لولا في ذلك جارّة ولا يتعلّق بشيء. اعلم أنَّ (لولا) إذا دخل على الاسم، فالاسم الواقع بعده: إما مبتدأ، وهو مذهب البصريين. أو فاعلُ فِعل محذوف وهو مذهب الكسائي. أو مرفوع بلولا، وهو مذهب الفرّاء. فيجب على هذه الوجوه الثَّلاثة الانفصال، فلمّا وقع من ثقات العرب استعمال الضمير المجرور بعد (لولا)، فمذهب سيبويه إلى أنَّه ضمير مجرور بـ (لولا)، ولولا حرف جر لا يتعلق بشيء، وحُكي عن الخليل ويونس: أنّ الضمير المجرور بعد لولا مجرور بتقدير المضاف، أي: لولا وجودك، وذهب الأخفش والفرّاء إلى أنّ المجرور بعدها قائم مقام المرفوع، فسيبويه تصرف في لولا، وقال: إنّ لِـ (لولا) مع الضمير شأنًا ليس لها مع المظهر، كما أن لـ لَدُن مع الغدوة شأنًا ليس له مع غيرها.

стр. 78

وتصرّف الأخفش والفرّاء في الضمائر، فقال: إن تصرّفات الضمير لا تكاد تنحصر، كتأكيد المنصوبات والمجرورات بالمرفوعات، نحو: رأيتُني أنا، ومررت بك أنت، ووقوع المرفوع موقع المجرور في قوله: ما أنا كأنت، وكأنّ تقدير ما كثرت أمثاله في كلام العرب أَوْلى من تقدير ما لم يكثر، ورجّح ابنُ الحاجب مذهب سيبويه بأن يقال: قياسية بـ (ما أنَا كأنت) فضعيف لقلّة استعماله وشذوذه بخلاف ما حمل عليه سيبويه فإنه كثير، وأمّا وقوع المرفوع موقع المجرور في قولك: مررت بك أنت، فللضرورة إذ لا يمكن إلّا كذلك، وأما وقوع المرفوع موقع المنصوب فلضرورة الفرق بين التأكيد والبدل، فإذا قالوا: ضربته إيّاه، كان بدلًا، وضربته هو، كان تأكيدًا، ورجّح الشيخ الرضيّ مذهب الأخفش وقال: لو كان لولا حرف جر، ولم تكن زائدة للزم من متعلّق، ولا متعلّق في نحو: لولاك، ظاهرًا، ولا يصح تقديره، هذا فانظر ما في الرضي فاسلكْ ما هو الصّواب عندك. والأكثر مبتدأ، وخبره: أن يقال، والجملة مبتدأ، ومقول القول: لولا أنا، ولولا أنت، ولولا هو، كما عرفت فيما سبق، الضمير الواقع بعد لولا يجب أن يكون مرفوعًا منفصلًا كما قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾. هذا دليل بحسب الظّاهر على ما قاله الأكثر، ولكن الدليل حقيقة، عدم وقوع خلافه في كلام الله تعالى، (فأنتم) على رأي البصريين: مبتدأ، وخبره محذوف وهو: حاضرٌ أو موجودٌ، لقيام العلم به بجواب (لولا) ظاهرًا، ولَكُنَّا: جوابها، لأنّ جواب لولا التي لغير التحضيض باللّام. وأمّا على رأي الكسائي، أنتم: فاعل فعل محذوف، ولَكُنَّا: جوابها. وعلى رأي الفرّاء، أنتم: فاعل لولا، وجوابها لكُنَّا، وسنذكر في بحث لولا تفصيلًا مُشبعًا إن شاء الله تعالى.

стр. 79

والرابع: كاف التشبيه، إذا لم تكن زائدة، والتشبيه: عقد القلب على أنّ أحد الشيئين يَسُدُّ مَسَدَّ الآخر في معنىً من المعاني، نحو زيد كعمرو. اعلم. أن هذا الكاف حرف على رأي جميع النّحاة إلا عند أبي جعفر فإنه قال: الأظهر أنها اسم أبدًا لأنّها بمعنى مثل، وما هو بمعنى اسم فهو اسم، والجمهور استدلّوا لحرفيتها بأن يقال: لو كانت اسمًا لما استقلّ بها الصلة، لأنَّ الصلة لا تكون إلَّا جملة، فلو جُعلت اسمًا لكانت الصلّة مضافة إلى مدخولها، والمضاف مع المضاف إليه ككلمة واحدة لا يصلح أن يُجعل صلة، وأمّا إذا كانت حرفًا فالحرف يقتضي متعلقًا، والتعلّق في الصلة لا تكون إلا فعلًا، والفعل يقتضي فاعلًا، فيكون الصّلة جملة، هذا هو الصواب لا محيص عنه المُنْهَمُ المذاب. فإذا عرفت ما تلونا عليك علمت أنّ زعم الأخفش محجوج عليه، وأنّ هذه الكاف قد تكون زائدة كما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقد يكون اسمًا بمعنى المثل، وسيبويه لا يحكم باسميتها إلّا عند الضرورة، حيث تدخل عليها حروف الجرّ، والأخفش يجوّز ذلك من غير ضرورة، وزعم الأخفش وابن عصفور أنها لا تتعلق بشيء، قال ابن عصفور: إذا قلت: جاءني الَّذي كزيد، ليس للكاف متعلّق، لأن المقدّر في المجرور إذا وقع صلة لا يكون إلا ما يناسب الحرف، فإنّ المقدّر في نحو: جاءني [الذي] في الدّار استقرّ، لأن في الوعاء والاستقرار مناسب له، ولو قلت: جاءني الَّذي في الدار، تريد ضحك وأكل في الدار لم يجز، لأنه ليس في الكلام ما يدلّ عليه. فالمناسب بكاف التشبيه [أن تقدر أشبّه وهو غير جائز لأنه متعدٍّ بنفسه والعرب] لم يتلفظ به مع الكاف في موضع [الجر]، يدلّ ذلك على أنّ الكاف لم يتعلق بشيء، هذا غاية السقوط، لأنّ المستقر يجوز فيه تقدير الأفعال العامّة، وإن وجد فيه قرينة الخصوص.

стр. 80

غاية ما في الباب أنّ تغيير عند وجود القرينة أكثر فائدة، فيجوز أن يقدّر في مثل: جاءني الَّذي كزيد، وُجد أو كان أو غير ذلك فَعُلِمَ من هذا أنّ كون كاف التشبيه من هذا الباب على زعم الأخفش وابن عصفور. وفي ذلك أي فيها، قالها الأخفش، بحث حاصله أنّ كاف الله إن جُعلت اسمًا تكون في محل الرفع [على الخبرية وما بعدها مُضافٌ إليه، والاسم لا يحتاج إلى متعلّق]. فهذا مُسَلَّم، لكن لا يكون. مما ذكرنا، وإن جُعلت حرفًا فلا يخلو من أن تكون زائدة أوّلًا، فإن كانت زائدة فتدخل في القسم الأوّل، وإن لم يكن فلابدّ من متعلّق. المسألة: مبتدأ، الثانية: صفتها، وحكم: مبتدأ ثان مضاف إلى الجار والمجرور: عطف على الجار، وبعد المعرفة والنكرة: ظرف للجار والمجرور، وإنّما قيّد بالبعدية لأن الجّار والمجرور إذا كان مقدّمًا يكون حالًا بالاتفاق، فلا يحتمل الوجهين. كحكم: الكاف إمّا اسم بمعنى المثل، على مذهب الأخفش، فيكون محل الرفع على أنَّه خبر لمبتدأ ثان، ومضاف إلى حكم، وحكم مضاف إلى الجملة والخبرية صفة لها. أو حرف، وحكم مجرور بها، والجار والمجرور في محل الرفع على أنَّه خبر مبتدأ ثان، والمبتدأ مع خبره، خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يجعل المسألة: مبتدأ، وخبره محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف وهو هذه. فهو، الفاء للتفسير، ويجوز أن يكون لربط الجواب على الشوط المحذوف، وهو عائد إلى الحكم لأنّ الأصل إرجاع الضمير إلى المضاف، ويجوز أن يكون عائدًا إلى الجار والمجرور، وتوحيد الضمير إمّا من قبيل الاكتفاء أو لكونهما بمنزلة شيء واحد، فإن قلت: إنّ الضمير بعد ذكر المضاف والمضاف إليه حقُّه أن ينصرف إلى المضاف دون المضاف إليه. قلت: بلى. قد يرجع إلى المضاف إليه أيضًا عند قيام القرينة عليه، واقتضاء المقام رجوعه إليه، قد مرّ موضع من كلام بعض الفضلاء، عاد فيه بضمير على المضاف إليه، فقال شخص من الحاضرين النحويين: لا يعود الضمير إلى المضاف إليه، فكيف أعدتموه، فقال ذلك الفاضل

стр. 81

من غير تلعثم: قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ولم يزد على ذلك، وفيه من اللطف ما لا يخفى، فقوله هو: مبتدأ، وخبره: صفة في نحو: رأيت طائرًا على غصن. الغصن بالضمّ: ما يتشعّب عن ساق الشَّجرة، دقاقها وغلاظها والصغيرة بها، وجمعها: غُصُونٌ وغِصَنَةٌ وأغْصَان لأنّه: أي الجار والمجرور، وهو على غصن، بعد نكرة محضة وهو طائرًا بالألف في أكثر النسخ، حكاية على أصله، وما وقع في بعض النسخ بغير الألف، فغير محتاج إلى كلام. وحال: عطف على صفة، في [نحو] قوله ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ أي: متزيّنًا، وإنّما فسَّره بذلك بناءً على مذهب جمهور النّحاة، وهو أن الحال لا يكون إلَّا مشتقًا، وإعلامًا إلى أن الجار والمجرور في محل النصب على الحالية، لأنه بعد معرفة محضة وهي أي: المعرفة المحضة، الضمير المستتر في خرج، وَصَفَ المعرفة بالمحضة لكون الضمير أعرف المعارف، ويحتمل لهما أي للصفة والحال، في نحو: يعجبني الزّهر والتعجب: الحيرة في النفس بسبب إدراك أمور غريبة، وبمعنى السرور، والوجهان جائزان هنا، والزّهر هنا بمعنى النَّوْر، قال الجوهري: زهرة النبت نَوْرُه، لا بمعنى الحسن بدلالة. في أكمامه. جمع الكِمّ بالكسر، وهو وعاء الطّلع وغطاء النَّوْر، وهذا الثمر يانع على أغصانه، يقال: يَنَعَ الثمر بفتح النون، ويَنِعَ بالفتح والكسر، ويَنْعًا بفتح الياء وضمّها وسكون النون، ويُنُوعًا أي نضج وأينع، ولم تسقط في المستقبل لتقويتها بأختها، واليانع مثل النَّضِج والناضج كذا في الجوهري، فقوله: في أكمامه: حال من الزّهر. ويُحتمل أن تكون صفة لأنّ الزّهر معرّفٌ بلام الجنس، فهو قريب من النكرة،

стр. 82

فيجوز كون الجملة الخبرية صفة له كما عرفت في المسألة الرابعة في الباب الأوّل، والفاء في قوله: فهو، لربط الجزاء على الشَّرط المحذوف، وقوله: على أغصانه: صفة ثانية لثمر، ويحتمل أن يكون حالًا منه لاختصاصه بالصفة الأولى، وهي يانع. فقوله: وقولَك بالنَّصْب: عطف على الزَّهر، وثمر: مقول القول بتقدير هو. وموصوف: عطف على معرف بالواو في قولك، ويجوز أن يكون قولك: مبتدأ، وموصوف: خبره، والجملة معطوفة على الجملة المتقدّمة، فهو قريب من المعرفة لاختصاصه بالصفة وهي يانع، فيعامل معاملة المعرفة. المسألة الثالثة: متى وقع الجار والمجرور صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو خبرًا لمبتدأ، أو حالًا لذي حال، يتعلق بمحذوف تقديره كائن، وما أشبه ذلك عند من قدّر المفرد، أو استقرّ وما أشبه ذلك عند من قدّر الفعل، وعبارة المصنِّف صريحةٌ بأن اللّغْو لا يكون حالًا ولا صفة ولا صلة ولا خبرًا، لأن متعلقه لا يكون محذوفًا، ولا من الأفعال العامّة. اعلم أنّ للظرف المستقر ثلاثة شروط، إذا فقدت أحدها لا يكون الظرف مستقرًا: الأول: أن يكون المتعلّق متضمنًا فيه. والثاني: أن يكون المتعلّق من الأفعال العامّة إذا لم يوجد قرينة الخصوص، وأما إذا وجدت فلابدّ من تقدير فعل خاص، لأنه أكثر فائدة، نصّ عليه كثير من الأفاضل، وذلك، أي تقدير الفعل الخاص لا يخرجه عن كونه مستقرًا لأن معنى ذلك الفعل الخاصّ، استقر فيه أيضًا، وجاز تقدير الفعل العام لتوجيه الإعراب بخلاف اللّغو، فإن متعلقه لا يكون فعلًا عامًا لتوجيه الإعراب، فلمّا كان جواز تقدير الأفعال العامّة مطّردًا في المستقرّ اعتبره النّحاة، وفسّروا المستقر بما كان عامله محذوفًا وعامًّا. والثالث: أن يكون المتعلّق مقدّرًا غير مذكور إلا على مذهب ابن جني، فإنه يجوز إظهار العامل في المستقر، وردّه النُّحاة بأنَّه لا احتياج إليه، على أن مذهب هذا يوجب ارتكاب التعسُّف في الفرق، وإنما سُمي المستقر مستقرًا لأنّه استقر فيه معنى عامله وفُهم منه، واللغو لغوًا لأن هذا الظرف لغوٌ بالنظر إلى ظاهر الكلام، لأنّه فضلةٌ يتم الكلام بدونه ابتداءً، بخلاف

стр. 83

المستقر لأنّه يسدّ مسدّ العامل وإن كان صفة للفضلة، وهذا لا يمنع عن كونه جزءًا من الكلام في أصله، ولأنه ملغاه عن جهة العمل حيث لا يعمل ظاهرًا إلّا في المضمر، ولا في المظهر، قال شارح "اللباب": وهو تسمية خالية عن المناسبة. وأمّا أنا فلا أحبّ التسمية باللَّغو لوقوعه في التَّنزيل والحديث، ففيه إذن إخلال بالآداب فسمينا ظرفًا خاصًّا لخصوص العامل فيه، والمستقر ظرفًا عامًا لأن الملحوظ عموم العامل قال بعض الفضلاء من المتأخرين: إنّ القوم قالوا للمستقر حَظٌّ من الإعراب دون اللَّغو. ولم أجد في كلامهم ما يحققّه ويبيّن غرضهم منه حتَّى لا يردّ عليهم الاشتراك في الإعراب المحلّي، حيث قالوا: بزيد، في مررت بزيد: في محل النصب، وأجازوا في معطوفه النصب وهو لغو. فأقول متوكّلًا على الله تعالى ومعتمدًا: إنّ مرادهم بذلك أن لا محل له آخر من الإعراب غير هذا المحل، لا أن لا محل له من الإعراب أصلًا، وللمستقرّ ذلك، ألا ترى أنّك إذا قلت: زيد في الدّار، له محل من الإعراب من جهة تعلّقه بالخبر الحقيقي، ومحل آخر غيره من حيث أنَّه هو الخبر بعد الحذف، وذلك بدليل انتقال الضمير عنه إليه، فيكون له محلان من الإعراب على ما لا يخفى على ذوي الألباب، بخلاف ما إذا قلت: زيد حاصل في الدّار، فإن له محلًا واحدًا. أقول: يُفْهم منه أنّ الجار والمجرور معًا له محل من الإعراب في اللُّغة، فعلى هذا يشكل الفرق بين المستقرّ واللَّغو، لأن المستقر واللغو لا يكون له محل من الإعراب إذا كان صلة كما مرّ في المسألة التي لا محل لها من الإعراب، فالجدير بالقبول ما قاله بعض الفحول من أنّك إذا قلت: مررت بزيد فالجار والمجرور ظرف لغو متعلق بمررت لا محل له من الإعراب. والمنصوب على المفعولية هو المجرور فقط، وإن جعل القوم المجموع تساهلًا لأنّ الجار كالجزء من الفعل إذ اللَّازم يجري مجرى المتعدي، ألا ترى أنّ معنى: مررت بزيد، أمررت زيدًا، وجزء الفعل لا يكون معمولًا، ولأنّه لو كان الجار والمجرور في محلّ النّصب لامتنع تعلّقه بمررت، لأنّه لو تعلّق لكان ظرفًا لغوًا، فلم يكن له محل من الإعراب. ولأن القوم أجازوا في معطوفه النصب، فلو كان مجموع الجار والمجرور منصوب المحلّ للزم أن يتعدّى الفعل إلى المعطوف بنفسه.

стр. 84

واعلم أيضًا أن الفعل إذا تعدّى إلى المفعولين، والثاني غير صريح، يقول النحاة: إنَّ المفعول الثاني، مفعول الفعل صريحًا إجراءً على أصلهم لكون الفعل عاملًا في المفعولين صريحًا إلَّا أنَّ الواقع صلة، مُتَعِّينٌ فيه تقدير استقر وما أشبه ذلك من الفعل، وهذا الاستثناء يجوز أن يكون متصلًا ومنقطعًا بمعنى لكنّ المشددة لأنّ الصلة لا تكون إلا جملة. اعلم: أنّ البصريين اختلفوا في سائر ظرف المستقر، إنّ المقدّر هو الفعل أو اسم الفاعل، فذهب بعضهم إلى الأول [قال صاحب "التلخيص" وهو الأصحّ لكون الفعل أصلًا في العمل، وذهب بعضهم إلى الثاني]. قال شارح "اللباب": وهو الأَوْلى لأنه خبر، والأصل في الخبر أن يكون مفردًا، وإنما أسندنا الاختلاف إلى بعض البصريين لأنّ الكوفيين لا يقولون بتقدير العامل، فعندهم لا يتعلّق بشيء أصلًا، ذكره الشيخ الرضيّ وهو اختيار أبي العباس من المتأخرين وبعض شرّاح الكافية ذكر الاختلاف بين البصريين والكوفيين، لكن الاعتماد على الأوّل، وقد تقدّم فيما قبل في المسألة الثانية مثال الحال، وهو قوله تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ والصفة وهو رأيت طائرًا على غصن. ومثال: مبتدأ مضاف إلى الخبر، وجملة الحمد لله: خبره، والجار والمجرور وهو (لله) متعلق بثابت أو ثبت، خبر مبتدأ وهو الحمد. ومثال الصّلة قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَمَنْ موصول ومبتدأ، والظرف المقدَم خبره، وقيل مَنْ مرفوع بالظرف، والجار مع المحكيّ بمجرور، أعني في السّموات متعلّق باستقرّ صلة (مَنْ). المسألة الرابعة: يجوز في الجار والمجرور في هذه المواضع الأربعة، وهو كونه صفة، وصلة، وخبرًا، وحالًا. وحيث في محل الجر، عطف على هذا الموضع. وقع بعد نفي أو استفهام أن يرفع الفاعل، جملة أن يرفع في تأويل المصدر. وبأن فاعل، يجوز هذا عند أكثر البصريين لأنّ الجار والمجرور والظرف، واسم الفاعل والمفعول، والصفة المشبهة، لا يعملون إلّا بالاعتماد على الأشياء الستَّة المذكورة، هذا، أي وجوب الاعتماد في جميع المذكورات عند

стр. 85

المتأخرين، وعند المتقدمين الاعتماد لا يجب في الفاعل والمفعول والظرف، بل في سائرها. أمّا عند الكوفيين والأخفش منّا، فتعمل جميع تلك المذكورات بغير اعتماد على الأشياء الستة المذكورة، فلا يختص في هذه المواضع. تقول: مررت برجل في الدّار أبُوه، فجملة: في الدّار أبوه في محل الجرّ على أنها صفة لرجل، وأبوه فاعل الجار والمجرور، وهو يعمل فيه بالاعتماد على الموصوف. وبعض النُّحاة اختلف فيه والمصنِّف أشار إليه وقال: ولك في (أبوه) وجهان: أحدهما أن تقدّره أي (أبوه) فاعلًا بالجار والمجرور ولنيابته، أي لنيابة الجار والمجرور، وتوحيد الضمير إمّا لكونهما كشيء واحد أو على سبيل البدل، أو من قبيل الاكتفاء عن استقرّ محذوفًا، هذا صريح بأن اختيار المصنّف في تقدير المتعلّق في الظرف هو الفعل، نعم يجوز أن يكون من قبيل الاكتفاء، لكن الأوّل أوْلى، قوله محذوفًا حال من استقر، وهذا أي تقدير (أبوه) فاعلًا بالجار والمجرور هو الرّاجح عند الحُذّاق، بضمّ الحاء المهملة، جمع حاذق وهو الماهر. والثاني: مبتدأ، وجملة أن تقدّره خبره، وقد يتعدّى إلى المفعولين لأن ثلاثيّه متعدٍّ بنفسه، يقال قدّرت الشيءَ، فتعدّى إلى الثاني بالتّضعيف، فمفعوله الأوّل الضمير الراجع إلى (أبوه)، والثاني قوله مبتدأ مؤخرًا صفة والجار والمجرور خبرًا للواو وللعطف، وما بعدها بأسرها معطوف على مفعولي تقدّر، أي أنّ تقدير الجار والمجرور، وقوله مقدّمًا صفة خبرًا، وعلى هذا المنوال إعراب قوله: والجملة صفة، فعلى هذا الوجه، الجملة التي تقع صفة لرجل تكون اسمية، لأن (أبوه) مبتدأ، والظرف المقدّم: خبره، وتقول في الاعتماد على النفي: ما في الدّار أحد. ما: بمعنى ليس، ولا عامل هنا لكون خبرها مقدّمًا على اسمها، فعند الحذّاق. أحَدٌ: مرفوع على أنَّه فاعل للجار والمجرور، لاعتماده على النفي، وأما عند سائرهم، فأحد: مبتدأ، وفي الدّار: خبره. وقال الله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هذا مثال الاعتماد على الاستفهام فَشَكٌ بالرفع فاعل الجار والمجرور لاعتماده على الاستفهام خلافًا لمن جعله مبتدأ، والجار والمجرور خبرًا، [مثال الاعتماد على الموصول: جاءني الَّذي في الدّار أبوه]، مثال الاعتماد على المبتدأ: زيد في الدّار أبوه، ومثال الاعتماد على ذي الحال: رأيت زيدًا في الدّار أبوه.

стр. 86

اعلم أن أكثر النحويين زادوا في الاعتماد على الستة، الاعتماد على حرف النّداء نحو: يا طالعًا جبلًا، لكن المحققين جعلوه في حكم الاعتماد على الموصوف. أي كوكبًا طالعًا جبلًا، وعند الإمام المرزوقي يجوز الاعتماد على حروف الجر، فقولهم: يجب الاعتماد على الأشياء الستة مبني على أكثر الاستعمال. تنبيه: وسَمَ هذا البحث بالتنبيه لأنه قد سبق منه ذكر ما فإن التنبيه إنما يستعمل فيما يتعلّق به ضربٌ من العلم أو كان حكمه في حكمه كالبديهيات. جميع: مبتدأ مضاف إلى ما ذكرناه في الجار والمجرور ثابت، خبره: في الظرف سواء كان ظرفًا حقيقيًا، أو ما جرى مجراها، فلابُدَّ من تعلّقه بفعل مثال الظرف نحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾. قال أبو البقاء فيه وجهان: أحدهما: ظرف متعلّق بجاؤوا، أي: جاؤوا وقت العشاء، ويبكون: حال منه. والثاني: جمع عائش، كقائم وقيام. قال الشَّيخ البيضاوي: وقرئ عُشِيًا، وهو تصغير عُشيّ وعُشيّ بالضمّ، والقصر جمع أعشى أي: عَشَوْا من البكاء. انتهى. قال في "الصحاح": العشيّ والعشيّة من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عَشِيّ أمس، وعشيّة أمس، والتصغير من العشي عُشَيَّانٌ على غير مكبّره، كأنهم صغروا عَشْيَانًا، فيُفْهَمُ منه أن لا يكون تصغير عشيّ عشيًّا، وقوله: عَشَوْا من البكاء، معناه يتعامَوْن عن البكاء، يقال: عِشي بالكسر، إذا كان في بصره آفة، وعَشي بالفتح إذا تَعَشّى بلَا آفة، فيكون مشتقًا من المفتوح، فعلى هذا يندفع على ما قيل فيه بُعْدٌ وضَعْفٌ لأن قدر ما بكوا في ذلك اليوم لا يعشى به إنسان. ومثال ما جرى مجرى الظرف نحو: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾. فأرضًا نكرة مبهمة فلذلك نصب

стр. 87

كالظروف المبهمة، وليس بمفعول ثان لاطرحوه لأنّه لا يتعدّى إلى اثنين، وجوّزه أبو البقاء فجعله بمعنى اتركوه، أو معنى فعل نحو: زيد مبكر يوم الجمعة، فيوم ظرف من ظروف الزمان المحدود، ومتعلق بمعنى الفعل وهو مبكرًا، وجالس أمام الخطيب، فأمام ظرف من ظروف المكان المبهم متعلّق بجالس، وهو في معنى الفعل. ومثال: مبتدأ مضاف إلى وقوعه، الوقوع مصدر مضاف إلى فاعله، وهو الضمير العائد إلى الظرف، وصفةٌ بالنَّصْب. مفعوله ونحو: خبر مبتدأ مضاف إلى جملة: مررت بطائر فوق غصن، ففوق ظرف مكان مبهم منصوب لفظًا، ومجرور محلًا لكونه صفة لطائر، وإنما جُعل صفة لكون، طائر نكرة محضة. وحالًا بالنّصب عطف على صفة نحو: رأيتُ الهلال بين السّحاب، فبين: ظرف مكان مبهم حال من الهلال لكونه معرفة لأنّ اللام فيه للإشارة إلى حصّة معيّنة من نفس الحقيقة بدلالة وحدة الهلال. ومحتملًا: إمّا على (صفة) أو على (حالًا) لهما، أي للصفة والحال نحو: يعجبني الثمر فوق الأغصان، مثال لوقوع الظرف بعد معرفة غير محضة فإن قوله: الثمر قريب من النكرة لأنّ اللام فيه إشارة إلى حصّة غير معينة من نفس الحقيقة، فيجوز كون الظرف وهو فوق حالًا منه، بالنَّظر إلى ظاهر حرف التعريف وصفة لكونه كالنكرة في المعنى نحو: رأيت ثمرة يانعة فوق غصن. هذا مثال لوقوع الظرف بعد النكرة غير المحضة، فإنّ ثمرة موصوفة بيانعة، فيجوز أن يكون فوق صفةً لها لكونها نكرة وحالًا منها لكونها مختصّة بالصفة، فيقرب من المعرفة. ومثال وقوعه خبرًا نحو ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [في قراءة السبعة بنصب أسفل].

стр. 88

الركبُ: مبتدأ، وأسفلَ: منصوب على الظّرفية متعلق بمحذوف تقديره كائن أو استقر، ومرفوع في المحل على أنّه خبر مبتدأ، أي والرّكب أسفل مكانًا منكم أي أشدّ تَسَفّلًا، كذا ذكره أبو البقاء ولا يخفى على ذي مسْكةٍ، أن هذا الكلام يشعر أنّه في الأصل أفعل التفضيل، ثم استعمل في الظرف، الرّكب: ركبان الإبل، وهم العشرة فصاعدًا، اسم جمع عند سيبويه وهو الأصحّ، وجمع عند الفراء والأخفش، وقد تكون للخيل، ذكره في "القاموس"، وما وقع في "الصحاح": والركب أصحاب الإبل في السَّفر دون الدّواب. وصلةً بالنصب: عطف على خبر، أي ومثال وقوع الظرف صلة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. فمن: موصول مبتدأ، وصلته: عنده، وجملة: (لا يستكبرون)، خبره، وقال رفعه الفاعل: زيد عنده مال. زيد: مبتدأ، وعنده: ظرف عامل في المال بالاعتماد على المبتدأ، وجملة عنده مال خبره، هذا على رأي حُذّاق النّحاة، وأما على رأي سائرهم، فزيد مبتدأ، ومال: مبتدأ ثان، وعنده: خبره، والمبتدأ مع خبره خبر زيد، والمصنف أشار إليه بقوله: ويجوز تقديرهما أي تقدير جملة عنده مال. مبتدأ وخبرا، وإنما حصل عنده (خبرًا) لأنّ الظرف لا يصير مخبرًا عنه، وقس على ذلك اعتماد الظرف في العمل على الموصوف والموصول وذي الحال والنفي والاستفهام. والمصنّف لم يذكر مثالًا لها باكتفاء مثال الاعتماد على المبتدأ، وإيراد هذا المثال يشعر ظاهرًا أن عمل الظرف لا يكون إلَّا بالاعتماد، وهو مذهب المتأخرين كما عرفت. قال الجوهري: فيها ثلاث لغات وهي عِنْدَ وعَنْدَ وعُنْدَ، بكسر العين وفتحها وضمّها، وهي ظرف في المكان والزّمان، تقول: عند الحائط، وعند اللَّيل، إلَّا أنها ظرف غير متمكن

стр. 89

لا تقول: عِندك واسعٌ بالرفع، وقد أدخلوا [عليه] من حروف الجارة "مِنْ" وحدها، كما أدخلوها على لدن، قال الله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ وقال: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾، ولا يقال إلى عندك، أو إلى لدنك، وقد يُغْرى بها، تقول: عندك زيدًا، أي خذه. انتهى. قال شارح "الألفية": فيكون اسم فعل على هذا التقدير. واعلم: أنَّ (عند) على ما هو المفهوم من "الصحاح" والمصرّح به في الرضي وغيره أنها ظرف غير متصرف، أي لازم الظرفية، وإن كانت مجرورة بمن لأنها لا يخرجها عن عدم التصرف لكثرة زيادتها. فلم يُعْتَدَّ بدخولها خلافًا لابن الحاجب حيث قال: يدخل عليها مِنْ فلا يلزم الظرفية، ذكره في "إيضاحه" و (مع) ظرف غير متصرف في الزمان والمكان، وهي حرف عند أبي علي الفارسي خلافًا للجمهور، فإنّه عندهم ظرف معرب لازم للنصب، وظاهرُ كلام سيبويه أنها مبني ويلزم إضافتها إنْ ذُكِرَ أحد المصطحبين بعدها نحو: كنت مع زيد، وإن ذُكر قبلها يكون منوّنًا منصوبًا على الظّرفية نحو: جئنا معًا، وقيل: انتصابه على الحالية أي مجتمعين، وقد تدخل عليه من، وهو شاذ كذا ذكر في الرضي و (بين) ظرف من المتصرف المتوسط دخل عليه (من). و (دون) إن كان بمعنى القُدّام يكون من المتصرّف النادر، فتدخل عليه (من) نادرًا، وإن كان بمعنى القريب أو الأسفل الَّذي يستعار به من معنى التجاوز، أو بمعنى القَبْل يكون متصرّفًا أي غير لازم للظرفية، وإن كان بمعنى الغير يكون متصرّفًا أيضًا دخل عليه (مِنْ) و (في) نادرًا، فليكن هذا الكلام على ذُكْرٍ منك، فإنَّه ينفعك في مواضع شتّى.

стр. 90

[الباب الثالث] [في تفسير كلمات يحتاج إليها المُعْرِب] الباب الثالث في تفسير، أي بيان الكلمات التي يحتاج إليها المُعْرِبُ، بالرفع: فاعل يحتاج. وهي: مبتدأٌ راجع إلى الكلمات المحتاجة إلى تفسيرها، وخبره: عشرون كلمةً، بالنصب: تمييز (عشرون)، وهي ثمانية أنواع: - ما جاء على وجه واحد - أحدها [أي إحدى الأنواع] ما جاء على وجه واحد وهو مبتدأ عائد إلى (ما) الَّذي عبارة عن الكلمة، وتذكير الضمير باعتبار ظاهره، وخبره أربعة أحدها، أي: إحدى [الكلمات] التي جاءت على وجه واحد: قَطُّ قَطُّ: بتشديد الطّاء وضمِّها مع فتح القاف في اللغة الفصحى، قال الكسائي: أصلها قطُطْ بفتح القاف وضم الطاء الأولى، وبسكون الثَّانية، فلمّا سكّن الأولى للإدغام جعل الآخر متحرّكًا بإعرابه، ومنهم من يتبع الضمّة ويقول قُطُّ بضمّ القاف مثل: مُدُّ، ومنهم من يجعله أداة ويبقيه على أصله بالضَّمة التي في المشدّدة، ويقول: قط بالتخفيف، ومنهم من يتبع الضمّة المخفّفة. ويقال: قُطُّ بالضمّتين مثل مُدُّ وهي قليلة، هذا إذا كانت بمعنى الدّهر، وأمّا إذا كانت بمعنى حسب، وهو الاكتفاء فهي مفتوحة القاف، ساكنة الطّاء، فهي مبنيّة على الضمّ، وذكر في علّة بنائها وجوه. قال صاحب "التسهيل": لِتَضَمُنِهَا معنى (في) و (من) الاستغراقية على سبيل اللزوم، أو لشبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة.

стр. 91

وقال صاحب المعرفة ابن الحاجب: لتضمنها معنى لام التعريف، لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدّمين. وقال بعضهم: لتضمنها معنى الحرفين، فإنّك إذا قلت: ما رأيت قط، فكأنك قلت: ما رأيتُه مذ خلقني الله حتَّى الآن، وأمّا علّة بنائه على الضمّ، فعند ابن مالك حملًا على قَبْلُ المَنْوِي إضافته، وقال شارح "المفصّل": بناؤها على الضمّ للمبالغة في المعنى، وهذا لأنَّ زيادة اللفظ كما هي لزيادة المعنى، فكذلك قوّة اللّفظ لقوة المعنى. وهو ظرف لاستغراق ما مضى من الزّمان، يُفهم منه ظاهرًا أن عمومها بحسب الوضع لكن لا يخلو أن يكون عمومها لوقوعها في سياق النفي، ويرشدك قول الجوهري: معناها الزَّمان وقول ابن مالك: لتضمّنه معنى (من) الاستغراقية على سبيل اللزوم. وما قاله ابن الحاجب: لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدمين. نحو: ما فعلته قط، وقول العامّة: لا أفعله قط لَحْنٌ، أي: خطأ في الكلام. قال الحريري في "دُرّته" وهو أفحش الخطأ لتعارض معانيه وتناقض الكلام فيه، وذلك أنّ العرب تستعمل لفظ (أبدًا) فيما يستقبل، فيقولون: ما كلمته قطّ، ولا أكلمه أبدًا. والمعنى في قولهم: ما كلّمته قط، أي: فيما انقطع من عمري، لأنّه من قططت الشيء إذا قطعته عرضًا. انتهى. وقال صاحب "التسهيل" ملازمته للماضي دائميٌّ ولم أطلع على خلافه، وللنفي أكثر، وربّما يستعمل بدونه سواء كان لفظًا أو معنىً نحو: كنت أراه قط أي دائمًا. وقد يستعمل بدونه لفظًا لا معنىً نحو هل رأيت الذئب قط؟ هذا هو الحقّ، لكن المصنّفين المحققين استعملوا في تراكيبهم بالمضارع مع نهيهم في مصنّفاته. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا

стр. 92

لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ لمن يصلح أن يكون ندًّا قطَ. وقال الفاضل التفتازاني: وقط استعمله المصنّف في المستقبل تجوّزًا وتسامحًا ولم يقل غلطًا ولحنًا، ومع هذا استعمل في تراكيبه كثيرًا، خصوصًا في "المطوّل". قال في تعريف الفصاحة: أو لا ينطق قط، وفي باب إسناد الخبري لا يجتمعان قطّ. اعلم أن قط إذا كانت ظرفًا فلا تتصل بها ياء المتكلم، وأمّا إذا كانت اسمًا بمعنى حسب فيتّصل بها ويكون بالنَّون على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: قطّي وقطني، وأما إذا كانت اسم فعل بمعنى انته، فعند اتصالها بياء المتكلم فبالنون، هذا مذهب البصريين. وأمّا عند الكوفيين: إذا كانت بمعنى حسب يقال بغير نون، كما يقال حسبي، وأما جعلها اسم فعل، قال بالنّون كما يفعل في غيرها من أسماء الأفعال، وكثيرًا ما تصدّر بالفاء عند كونها من الأسماء الأفعال تزيينًا للخط، وكأنه جزاء شرط محذوف. عوضِ والثاني: عوض بفتح أوّله، وقد هوى بالضمّ وتثليث آخره بالحركات الثلاث، لكن الفتح أفصح لأنّه في الأصل منصوب على الظرفية، فيبقى بعد ذهاب الإعراب على صورة ما كان عليه، وأمّا الكسر فَلِجَرْيهِ على أصل التقاء الساكنين، ووجه الضمِّ أنّه محمول على (قبلُ). وهو ظرفٌ لاستغراق ما يستقبل من الزمان، ويسمّى الزمان عوضًا لأنه، الضمير للشأن، كلّما ذهبت منه مدّة عُوِّضتها مدّة أخرى، فيكون مأخوذًا من التعويض، "والفرق بن المدّة والزّمان والوقت، أنّ المدّة المطلقة حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزّمان مدّة مقسومة، والوقت الزّمان المفروض"، نصَّ عليه القاضي في تفسير (سورة البقرة)، فعُلم منه قول المصنّف، ويسمّى الزمان عوضًا ليس مقابلًا للمدة والوقت، بل هو شامل لهما، لا يخفى عمن له

стр. 93

معرفة في أساليب الكلام. تقول لا أفعله عَوْض بالنّفي في المستقبل، وقد يستعمل بالإثبات في المضي، وهذا مفهوم عبارة الرّضي، فلذلك لم يقل ابن هشام: ما فعلته عوض، لحن في الكلام. وقال صاحب "العيني": عوض كلمة تجري مجرى القسم، فمعناه: أقسم بالدّهر لا أفعل هذا الأمر، فحذف حرف القسم، ونصب المقسم به كما قولك: الله لأفعلن. وكذا أبدًا يكون ظرفًا لما يستقل من الزمان في نحو: لا أفعله أبدًا. اعلم أن النُّحاة يردّون أبدًا على عوض، فلذلك قال المصنِّف: وكذلك أبدًا، ولم يجعله شيئًا مستقلًا، وهو معرب لدخول لام التّعريف عليه، فلو كان متضمنًا لها لامتنع دخولها عليه. تقول فيها، أي في حق أبدًا في هذا المثال: ظرف لاستغراق ما يسقبل من الزّمان. ظاهر هذا الكلام يشعر أن لا يكون الفرق بين عوض وأبدًا، لكن قال الشيخ الرضي: والفرق بينهما [أنّ قط وعوض] للشيوع مطلقًا، وللنفي كثيرًا، وأمّا أبدًا فليس مخصوصًا بالشيوع ويستعمل في النفي والإثبات نحو: طال الأبد. انتهى. أجل والثالث بما جاء على وجه واحدٍ: أجلْ بسكون اللام، وهو حرف لصديق الخبر، سواء كان الخبر مثبتًا أو منفيًا، يقال في المثبت: جاءني زيد، وفي المنفي: ما جاءني زيد، فتقول: أجل، أي: صدقت. ذكر في بعض كتب النَّحو: أجل لتصديق الخبر ماضيًا أو غيره ولا يستعمل في الاستفهام إلّا عند الأخفش. إلّا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم أحسن منها في الاستفهام. ونقل بعض شرّاح تلك الرسالة عن "الارتشاف": أمّا أجل فهي جواب في تصديق الخبر، ولتحقّق الطلب، وذلك تقول لمن قال: قام زيد: أجل، ولمن قال: اضرب زيدًا: أجل فلا تكون جوابًا للنهي ولا للنّفي.

стр. 94

بلى الرابع بلى، وهو حرف ثلاثي الوضع، والألف من نفس الكلمة عند أكثر النّحاة، لإيجاب النفي. قال بعضهم: إنما اختاروا بلى للرجوع عن النفي والإقرار بما بعده لأنَّ أصلها كان رجوعًا محضًا عن الجحد، إذا قالوا: ما قام زيد بل عمرو، فكانت بل كلمة عطف ورجوع لا يصحّ الوقوف عليها، فزادوا الألف ليصلح الوقوف عليها فنظيرها لم، لمّا. مجرّدًا بالنصب: خبر كان مقدّم عليه، أي سواء كان للنفي مجرّدًا عن إرادة الاستفهام نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. زعم: فعل ماض تارة للعلم، وتارة للظنّ، وتارة للباطل. وعن شريح: لكلّ شيء كنية، وكنية الكذب الزَّعم. ومتعد إلى مفعولين. والموصول مع صلته، وهو (الذين كفروا) فاعل زعم. وأنْ مُخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن. وخبرها: (لن يبعثوا). وأنْ مع اسمها وخبرها قامت مقام مفعولي زعم. وربي: قسم أكد به الجواب وهو: لتبعثنّ. أو كان النفي مقرونًا بالاستفهام، سواء كان أريد الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أريد التقدير، والعرب تُجري التقدير مجرى النفي، نحو ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي [بلى] أنت ربّنا، فيكون إيجابًا عن النفي، والمصنّف اكتفى بتفسير الثاني من تفسير الأوّل، ولم يعكس مع جوازه، لأنّ تفسير الثاني أَوْلى في السّراية إلى ما قبله، وقد يجيء بلى لتصديق الإيجاب على سبيل الشّذوذ، كما تقول في جواب: أقام زيد؟ بلى قام زيد.

стр. 95

- ما جاء على وجهين - النّوع الثاني: ماجاء على وجهين وهو الضمير [راجع] إلى ما أو إلى النّوع الثاني. إذا إذا من حيث هي، هي أعمّ من أن تكون مقروضة للظرّفية، وإذا للمفاجأة، فتارة أي: مرّة، ذكر في "مختار الصحاح": يقال فعل تارة أي مرّة بعد مرّة، والجمع "تاراتٌ وتِيَرٌ كَعِنَبٍ" وربّما قالوا: (تارًا) بعد تارٍ بحذف التاء. انتهى. وانتصابه: إمّا على الظرفية أو على المصدرية على قياس ما قيل في قولك: ضربته مرّة. يقال فيها، أي في إذا: ظرف مستقبِل بكسر الباء ويجوز الفتح، كذا صححه فاضل التفتازاني، خافض أي: جار لشرطه بالإضافة إليه، [فإن إضافته إضافة] لازمة إلى ما يليه عند الأكثر، منصوب بجوابه، أي: يعمل جوابه فيها عمل النصب على الظرفية إذا كانت للشرط. هذا مذهب أكثر النُّحاة، فإنّهم قالوا: إنّ وَضْعَهُ للوقت المعيّن، وإنه لا يتعيّن إلَّا بنسبته إلى ما يعيَّن به من شرط، فيصير مضافًا إلى الشرط، فإذا صار مضافًا تعذّر عمل المضاف إليه والمضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون الشيء عاملًا ومعمولًا. ومن وجه واحد، وهذا لا يجوز فوجب أن يكون العامل هو الجواب، وقال ابن الحاجب "والحقّ أنّ (إذا) و (متى) سواء في كون الشرط عاملًا فيه، وتقدير الإضافة في (إذا) لا معنى له، وما ذكروه من كونها لوقت معيّن مسلّم، لكنه حاصل بذكر الفعل بعدها كما يحصل في قولك: زمانًا طلعتْ فيه الشّمسُ، فإنه يحصل التعيين، ولا يلزم الإضافة، وإذا لم يلزم الإضافة، لم يلزم فساد عمل الشرط، والذي يدل على ذلك قولك: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدًا".

стр. 96

وقال الشيخ الرضيّ: في إذا خلاف إذا كان ما يليه عاملًا فليس بمضاف، وإلّا يكون مضافًا (إذا كان مدخولهما مضافًا). وهذا أنْفَع لإفادته ما لم يفد قول المعربين، لأنّه يُفهم منه كونه للشرط وكونه مضافًا ومنصوبًا بجوابه. وأَوْجَزُ لما فيه من قلّة اللفظ، من قول المعربين، وهو ظرف لما يستقبل من الزمان، وإنْ دخلَ على الماضى نحو: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. وقد يستعمل في الماضى كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ و ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ و ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾. وقد يُستعمل في الاستمرار نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. اعلم: أنَّ حتّى إذا دخل على الَّذي يقتضي جوابًا، جاز أن تكون حتَّى: حرف ابتداء، وأن تكون جارّة لإذا عند الزمخشري، واختاره ابن مالك. وقال أبو البقاء وصاحب "البسيط" إن إذا في موضع نصب بحتّى، وعند محمد بن مسعود الغزني: ومن زعم أنَّ محل إذا جرٌّ فزعمه باطل، لأن إذا ظرف محضٌ، ولا يجرُّ به ألبتَّة. وفيه معنى الشرط غالبًا، وإنما قال غالبًا، إذ قد يتحدّد من تضمّن معنى المجازات، ويستعمل ظرفًا محضًا نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وقد يستعمل اسمًا صريحًا مجردًا عن معنى الظرفية نحو: إذا قام زيد إذا يقعد عمرو، أي وقت قيام زيد وقت قعود عمرو، فإذا هنا مبتدأ وخبر، نص على ذلك سيبويه. وتختصّ إذا هذه بالجملة الفعلية على المختار عند سيبويه والأخفش، فإنهما يجوّزان الجملة الاسمية بعدها

стр. 97

لعدم تأصّلها في الشرط مثل: إن ولو. لكنّ المختار كون الجملة بعدها فعلية، وعند المبرّد يجب الفعل بعدها لفظًا أو تقديرًا. وتارة يقال فيها حرف مفاجأة. وكون إذا هذه حرفًا مختار المصنّف، وهو مذهب الكوفيين، وحكاية عن الأخفش، واختيار الشَّلّويين في أحد قوليه. قال الشيخ الرضيّ: والأقرب كونها حرفًا، فلا محلّ له من الإعراب، وأما عند سائر النُّحاة إنها باقية على ظرفيتها، لكن الاختلاف في كونها للزمان أو المكان. فذهب الزّجّاج إلى الأوَل، والمبرّد إلى الثاني. وتختص إذا حال كونها للمفاجأة بالجملة الاسمية، لقصد إيقاع المخالفة بين إذا الشرطية والمفاجأة نحو: خرجتُ فإذا السَّبُعُ حاضرٌ أو واقفٌ على حذف الخبر، والعامل في إذا هذه المفاجأة، وهو عامل لا يظهر، وقد استغنوا عن إظهاره لقوّة ما فيه من الدّلالة. وأمّا الفاء فهي السببيّة، فإن مفاجأة السبع مسببة عن الخروج، وما قاله المازني ليس بشيء، وهو كون الفاء زائدة، وقال بعض النُّحاة: الأقرب أنها للعطف من جهة المعنى: خرجت مُفاجأة زمان وقوع السَّبُع على رأى الزّجّاج، أو مكان وقوع السَّبُع على رأي المبرّد. غالبًا أي أكثريًا، وفي هذا القيد إشارة إلى إنها قد تدخل على الجملة الفعلية، إذا كان الفعل مصحوبًا بقد. نقله الأخفش عن بعض فصحاء العرب نحو: خرجتُ فإذا قد قام زيد. وقد اجتمعا، إذا الظرفية والمفاجأة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. فإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، ناب مناب الفاء في جواب الأولى. - ما جاء على ثلاثة أوجه - النوع الثالث: ما جاء على ثلاثة أوجه وهو، أي: ما جاء على ثلاثة أوجه سبعة، وقع في بعض النسخ سبع بغير التاء، لعلّ وجه كون أكثر المبحوث عنها حرفًا، ويجوز تغليب التأنيث على التذكير إذا كان المؤنث كثيرًا:

стр. 98

إذ إحداها أي أحد السَّبع إذ من حيث هي هي، ويقال فيها: فتارة ظرف لما مضى من الزمان سواء دخلت على الماضي أو المضارع، وقد يستعمل في المضارع نحو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾. وتدخل على الجملتين الخبريتين، أي الفعلية والاسمية لانعدام تضمّن معنى الشرط الذي يقتضي الفعل بعده، نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ فاذكروا عامل، ثم إذ وهو ظرفٌ داخل على الجملة الاسمية وهي: أنتم قليل، والجملة مضاف إليها لإذ. اعلم أن (إذ) هذه يجوز دخولها على الجملة الاسمية، سواء كان خبرها مفردًا كما في المثال المذكور، أو جملة نحو إذ زيد يقوم. وقد استقبحوا: إذ زيد قام، وإن الفعل الماضي لا يكون خبرًا إلَّا إذا أريد به الإخبار فيما مضى. وهذا الفرض حاصل من نفس إذ، ولأن مدلول إذ وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعتا في كلام فلم يحصل الفصل ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ , فإذ هنا ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية، وهي: كنتم، فكان من الأفعال الناقصة اسمها ضمير الخطاب، وخبرها قليلًا. وتارة: حرف مفاجأة، فيختص بالجملة الفعلية فعلها ماض غالبًا، وإنما قلنا غالبًا لأنها قد تدخل على الجملة الاسمية نحو: خرجت فإذ زيد قائم. اعلم: أن كونها للمفاجأة قليل حتى أنَّ ابن الحاجب لم يذكرها في مقدمته، واعتذر بعض الشراح من عدم ذكرها بالندرة، وإن الاختلاف في إذ هذه كالاختلاف في إذا في كونها حرفًا وظرفًا, وبعد كونها ظرفًا، هل هي للزمان أو المكان، وذهب أبو عبيد إلى أنها زائدة، ذكره في بعض كتب النحو، وأن (إذ) و (إذا) إذا كانتا للمفاجأة فإضافتهما على اختلاف النحاة.

стр. 99

فذهب ابن الحاجب إلى أنهما مضافتان، لعل وجهة كون العامل فيهما معنى المفاجأة عنده، لأن المانع من الإضافة كون شرطها عاملًا لها، فلما زال المانع لزم الإضافة، فعلى هذا يلزم أن يكونا زمانين. وذهب بعض النحاة إلى أنهما لا تكونان مضافتين، فيجوز أن يكون وجهه ما قاله بعض النحاة وهو: أن (إذ) و (إذا) إذا كان مدخولهما اسمًا يكون مبتدأ، و (إذ) و (إذا) خبرًا مقدّمًا عليه، ويجوز أن يكون كونهما مكانيين، لأن ظروف المكان لا تضاف إلى الجملة إلَّا حيث، كقوله، أي الشاعر: فبيَنَمَا العسرُ إذ دَارَت مياسِيرُ [البسيط] المياسر: جمع موسر، كمفطر ومفاطر، أوّل البيت: واستقدِرِ اللهَ خيرًا وارضيَن به فالفاء في بينما يجوز أن تكون للعطف على التعقيب أو السببيَة. اعلم أن: (بينا) و (بينما) مشبعة أو متصلة بما المزيدة أو المصدرية، وما قيل أنه موصول فبعيد، لأنه يحتاج إلى كثرة الحذف. ظرف بمعنى الشرط، أجيب تارة بـ (إذ) أو بـ (إذا)، وتارة بالفعل. والأصمعي لما رأى مجئ الفعل من غيرهما مع استقلال المعنى استفصح طرحهما، والجميع جيد، كذا قال ابن الحاجب في "الإيضاح": في (من الظروف الزمانية) وإن كان ما قبل الإشباع والزيادة يستعمل في الزمان والمكان. نص عليه الشيخ الرضي حيث قال: بين مستعمل في الزمان والمكان، أما إذا أشبع أو كُف بـ (ما) أو أضيف، فلا يكون إلا للزمان، فلابد لها من جواب، فإن جُرد عن كلمة (إذ) و (إذا) فالعامل هو الجواب وإلا فمعناه المفاجأة. هذا على رأي بعض النُّحاة، وأمّا على مذهب المبرد إن (إذ) و (إذا) ظرف مكان لما بعدهما، وبينا وبينما ظرف زمان له، فيكون إذ وإذا منصوب المحل على الظرفية، وعلى مذهب الزجاج:

стр. 100

إن (إذ) و (إذا) ظرفان مضافان إلى الجملة بعدهما يخرجان عن الظرفية: مبتدءان خبرهما بينا وبينما، قيل: الصواب مذهبهما، فإذا انتقش ما ذكرناه على صحيفة ذهنك علمت قول صاحب "المتوسط" وبين: ظرف مكان، وما: زائدة، والعسر: مبتدأ وخبره محذوف، وهو موجود، وهو العامل في بين والزمان مضاف إلى هذه الجملة تقديره: فبين زمان العسر موجود والعامل في (إذ) دارت لأنه ليس بمضافٍ إلى دارت فيمتنع عمله فيما قبله، ولا يجوز أن تعمل دارت في بين لكون بين وإذا ظرف المكان، وامتنع عمل عامل في ظرف المكان، إلَّا على سبيل البدل لا يخلو من مخالفة واضطراب خصوصًا في قوله: إن بينما ظرف مكان، لما عرفت أنه إذا كفّ بـ (ما) يكون ظرف زمان عندهم. وتارة: حرف تعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: لأجل ظلمكم. قال الشيخ الرضي: والأَوْلى حرفيتها حينئذ، إذ لا معنى لتأويلها بالوقت حتى يدخل في حد الاسم. اعلم: أن المصنف ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه، وقد تستعمل بمعنى (أنْ) المصدرية ذكره الشيخ القاضي البيضاوي في تفسير سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ والمصنف لم يذكر هذا الوجه إما لكونه على رأي البعض حيث قال في "شرح اللباب": وأخرجه بعضهم عن الظرفية وجعله كـ (أنْ) المصدرية، أو لعدم شهرته. لَما الثانية: لما، قال الكوفيون: أصلها: لم زيدت عليها ما. وقال سيبويه: هي على الأصل ليست فيها (ما) زائدة، لأن لما تقع في موضع لا تقع فيها لم، يقول الرجل لصاحبه: أقَدِمَ فلان؟ فيقول: لمَا، فلا تقع (لم) مفردة، كذا قالوا.

стр. 101

أقول: هذا الدّليل لا يدل على أصالتها إذ يجوز أن يتغير حكم الأصل بزيادةٍ ما، كما في هلا، فإنها مركبة من هل ولا، وهل لا تدخل على جملة فعلية تقدم مفعولها على أن [لا] يكون منصوبًا بما بعده، أو بمقدر، فلا يقال: هل زيدًا ضربته؟ بخلاف هلا فإنها يصح أن يقال: هلا زيدًا ضربته؟ يقال فيها، أي في لما في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، حرف، قوله حرف: مبتدأ، وخبره جملة ظرفية مقدمة، وهي في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، مضاف إلى وجود وإضافته بمعنى اللام لوجود هنا بمعنى الثبوت القابلة للنفي، والتنوين عوض عن المضاف إليه، أيّ حرف ثبوت الثاني لثبوت الأول، هذا مذهب ابن خروف فإن لما عنده: حرف يدل على ربط الجملة بأخرى ربط السببية. فبعض النحاة عبر عنها كما عبر المصنف، وبعضهم بحرف وجود لوجود، وتختص بالماضي أي ماضي اللفظ والمعنى. وزعم أبو علي الفارسي ومن تبعه أنها ظرف بمعنى حين. والظاهر من لفظ زعم كون قوله مردودًا. وذكر في "شرح الألفية": قال ابن مالك: لما بمعنى حين، إذ بدل بمعنى حين. وقيل: هذا حسن لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة كإذ. ويقال فيها: ظرف لغو متعلق بقال، والضمير راجع إلى لمّا. في نحو ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ حذف الياء اكتفاءً بالكسر، حرف: مبتدأ مضاف إلى جزم، وقوله: في نحو: خبر مقدم عليه: لنفي المضارع: خبر ثان له، وقَلْبِهِ بالجر عطف عليه، وماضيًا: مفعول قَلْبهِ، فعلى هذا الوجه يكون هذا القول بيانًا لأحوال لما، لكن علم بالالتزام أنها للجزم، ويجوز

стр. 102

أن تكون اللام للتعليل لأنه لما ذكر اختصاص لما بالنفي والقلب، علم بالالتزام أنها للجزم فالتعليل بأحد المستلزمين نوع من البلاغة، ولما هذه تنفي المضارع، وتصرف معاه إلى الماضي عند المبرد وعند أكثر المتأخرين، وعند أبي موسى تصرف لفظ الماضي إلى المضارع، وهذا نُسب إلى سيبويه، ذكره شارح "الألفية". متصلًا: حال من [المضاف إليه وهو] المضارع، ونفيه: فاعل متصلًا، وضمير نفيه راجع إلى المضارع ومُتَوقعا، يجوز أن يكون حالًا من المضارع، فيكون حالًا مترادفة، وأن يكون حالًا من نفيه، فيكون من قبيل حال المداخلة قوله ثبوته: فاعل متوقعًا. واعلم أن (لم) و (لما) تشتركان في نفي المضارع وقلبه ماضيًا، وأمّا كون النفي متصلًا إلى زمان النطق، ومتوقع الثبوت، مما تنفرد به لما، فلذلك لا يحسن أن يقول: لما يُضرب زيد ثم ضُرب، بخلاف لم. ألا يُرَى، يريد المصنف إثبات كون نفيها متصلًا، وثبوتها متوقعًا بتنزيل المعقول مرتبة المحسوس. أن المعنى في الآية الكريمة: أنهم لم يذوقوه إلى هذا الآن، معنى الآن: الزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم. وهو آخر ما مضى من الوقت، وهو أوّل ما يأتي منه، وهو مبني على الفتح بناء لازمًا عند جميع النّحاة، لكن اختلفوا في علة بنائه. قال سيبويه والأخفش والمازني والزجاج: لمشابهته لاسم الإشارة، وإن قولك الآن معاه هذا الوقت. وقال السيرافي: لمشابهة الحروف يلزمها في أصل الموضع على وتيرة واحدة، فإنها لا تُثنّى ولا تُجمع ولا تُصَغر، فيكون في الاستعمال مع لام التعريف. قال أبو علي الفارسي: لتضمنه معنى لام التعريف، وأمّا لام الظاهرة فليس للتعريف إذ شرط لام التعريف أن تدخل على النكرات فتعرفها، و (الآن) لم يُسمع مجردًا عنها، وفي هذا الدليل مناقشة ظاهرة، ولا تخفى على المتأمل.

стр. 103

وأنّ ذوقهم، بفتح الألف، وتشديد النون: عطف على (أنهم). له متوقع: اللام لتقوية العمل، والضمير للعذاب. ويقال فيها: حرف استثناء، هذا وجه ثالث لـ (لمّا) وتغيير الأسلوب إما لكثرة الفاصلة بين المبتدأ والخبر أو للتفنن نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ في قراءة التشديد وحرف التعريف إما مُغْنٍ عن غناء الإضافة كما مذهب البصريين، أو عوض عن المضاف إليه كما مذهب الكوفيين؛ أي قراءة تشديد (لما). ألا يرى أن المعنى: ما كلّ نفس إلا عليها حافظ، فَعُلِمَ منه أن (إنْ) على هذه القراءة نافية بمعنى (ما) .. قال في "الصحاح": لمّا بمعنى إلا فليس يُعرف في اللغة. لكن حكاه الخليل وسيبويه والكسائي، فالأولى أن يقتصر على التركيب الذي وقعت فيه. كذا قال أرباب النحو. نَعَمْ والثالثة: نعم، وفيها أربع لغات على ما قاله الشيخ الرضي: الأولى: فتح النون والعين وهي المشهورة. الثانية: كسر العين، وهي كنانية واختارها الكسائي، واحتج عليه بما روي عن عمر ﵁ أنّه سأل قومًا فقالوا: نِعَم، فقال عمر: أمّا النعم فالإبل. وقال أبو عبيدة: هذه الرواية [عن عمر] غير مشهورة.

стр. 104

الثالثة: كسر النون والعين. والرابعة: نَحَم، بفتح النون، وقلب العين المفتوحة حاءً كما قلبت في حتى. قيل: هي لغة هذيل. فيقالُ فيها، أي في نعم: حرف: مبتدأ مضاف إلى تصديق, وخبره جملة: إذا وقت بعد الخبر سواء كان مثبتًا [أو منفيًا] نحو: قام زيد، فتقول: (نعم، أي: نعم قام زيد)، أو منفيا: ما قام زيد، فتقول: نعم. أي ما قام. وحرف إعلام إذا وقعت بعد الاستفهام، سواء كان سؤالًا عن موجب نحو: أقام زيد؟ فتقول: نعم، مريدا بالإعلام بأنه قام. أو منفيًا كما في جواب من قال: ألم يقم زيد؟ فتقول: أي نعم لم يقم. فنعم بعد الاستفهام ليست للتصديق، لأن التّصديق إنّما يكون في الخبر، فلذلك قيل: فالأَوْلى أن يقال: هي بعد الاستفهام لإثبات ما بعد أداة الاستفهام نفيًا كان أو إثباتًا. ولهذا قال ابن عبّاس: لو قالوا في [جواب]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: نعم لكان كفرًا، فيصح لهذا الاعتبار أن يقال لها: حرب الإيجاب، أي: إثبات ما بعد حرف الاستفهام، لكن الأظهر أن يقال: الإيجاب في الإيجاب والكلام المثبت، لا المنفي المستفهم عنه. وجوّز بعض النحاة إيقاعها موقع بلى، إذا جاء بعد همزة داخلة على نفي لفائدة التقدير, فيجوز أن يقال في جواب: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: نعم، لأن الهمزة

стр. 105

للإنكار دخلت على النفي فأفادت الإيجاب، ولهذا عطف [على] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قولَهُ: ﴿وَوَضَعْنَا [عَنْكَ]﴾ فكأنه: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، فيكون (نعم) في الحقيقة [تصديقًا] للخبر المثبت المؤول به الاستفهام [معنىً] لا تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام مع النفي. فلا يكون جوابًا للاستفهام، لأن جوابه يكون بما بعد أداة، بل هو كما قيل: قام زيد بالإخبار، فنقول: نعم، مصدقًا للخبر المثبت. وقد اشتهر في العرف هذا القول. فلو قيل لك: أليس عليك دينار، فقلت: نعم، ألزمت بالدينار. هذا ليس بمناقض لما قاله ابن عباس، لأن قوله مبني على [كون نعم تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام، وبناء هذا القول مبني على كونه] تقديرًا لمدلول الهمزة مع حرف النفي. وحرف وعد، هذه العبارة موافقة لما يوجد في كتب اللغة حيث قال في "الصحاح": نعم: عدة وتصديق. وأما عبارة أكثر كتب النحو: نعم مقررة لما سبق. لعل وجهه عند النحاة لما رأوا اختلاف هذه الوجوه بحسب الاعتبار لعدم خروجها عن الجوابية، فعبرَّوا بكلام يعم الجميع, فعلى هذا ما قاله المصنف لا يخلو من المسامحة: إذا وقت بعد الطلب سواء كان ذلك طلب الفعل، (كقولك لمن قال لك): نحو: أحسن إلى فلان فتقول: نعم، عند وعدك بالإحسان، أو طلب ترك الفعل، كقولك نعم لمن قال: لا تضربني، أي لا أضربك، فإنك وعدت بعدم الضرب إليه، وكذا لو قلت: نعم،

стр. 106

في جواب التحضيض نحو: هلا تزورنا؟ كان المعنى ال إي جاب، أي نعم أزورك، وكذا في جواب المرض: ألا تزورنا. وزعم بعض: أن نعم تكون حرف تذكير، إذا وقعت صدرًا نحو: نعم، هذه أطلالهم. وهو ضعيف لإمكان جعلها تصديقًا لما قبلها وقُدمت، أو تصديقًا لما في النفس. إيْ والرابعة: إيْ بكسر الهمزة وسكون الياء إذا وقع بعدها حرف القسم، وإن لم يقع إلَّا بلفظة الله، جاز ثلاثة أوجه: حذفها للساكنين، وهما الياء واللام نحو: إلله لأفعلن. وفتحها تنبيهًا لحرف الإيجاب. وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في [المحافظة] على حرف الإيجاب، بصون آخرها عن التحريك والحذف، وإن كان السّاكنان في كلمتين إجراءً لهما مجرى كلمة واحدة [نحو]: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وهي بمنزلة نعم في استعمالها على الوجوه الثلاثة، وهو قول ابن مالك حيث قال: إيْ بمعنى نَعَم. وهذا الإطلاق يقتضي أن لم يقع بعد الخبر والاستفهام والطلب، وجوزه بعض النحاة لكنه مخالف لما قاله فحولهم.

стр. 107

وإي إثبات بعد الاستفهام حيث اشترطوا لزوم سبق الاستفهام، وكونها للإثبات، إلا أنها تختص بالقسم من الاستفهام غالبا بخلاف نعم، فإنها غير مختصّة به كما عرفت، ولا يستعمل بعد إي فعل القسم، فلا يقال: إي أقسمت بربي، ولا يكون المُقْسَم به بعدها إلا: (الرب، والله، ولعمري) نحو: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. وربي قسم فعله محذوف مع وجود الاستفهام في أوّل الآية [وهو قوله تعالى]: ﴿أَحَقُّ﴾. حتى الخامسة: حتّى، وأحد أوجهها. أي: أحد أوجه حتى، والتأنيث باعتبار الكلمة، أن تكون جارة فتدخل، الفاء: إما للتفسير، أو لربط الجزاء على الشرط المحذوف. على الاسم الصريح، أي الخالص، والمراد منه ما يقابل المؤول والمضمر، وهو الظاهر بمعنى إلى، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وتفسير القاضي بقوله: أي وقت مطلعه، أي طلوعه، لا كما قاله في بعض حواشيه: المطلَع بفتح اللام: مصدر ميمي، فيحتاج إلى مضاف ليكون المعنى صحيحًا، إذ يمكن تصحيح [الكلام] بأن يقال: يدوم سلام الملائكة إلى طلوع الفجر، أو يقال: لية القدر [ذات] سلامة إلى طلوع الفجر، بل للإعلام بأن المَطْلَع بفتح اللام مصدر ميمي لا اسم للزمان، لأنّه لا يحتاج إلى تقدير الوقت، ومثله في المصادر عند أكثر النحاة وأما عند أبي علي الفارسي إن المصادر تقع في الزمان , فيُجعل لسعة الكلام زمانٌ لا على طريق حذف المضاف، فقول المصنف ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ لتصحيح كون المطلع مصدرًا ميميًا لا لمجرد تصحيح المعنى. وعلى الاسم المؤوّل معطوف على الاسم الصريح، وقوله: بأن، متعلّق إلى المؤول، ومضمرةٍ إما بالجر صفة إنْ، أو بالنصب حال عنها، وقوله: من الفعل المضارع، بيان الاسم المؤول،

стр. 108

هذا هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين فإن حتى إذا دخلت على الاسم المؤول تكون حرف جر عندهم. والنصب بعدها بإضمار إن وعند الكوفيين والكسائي والفراء إنها ناصبة بنفسها. وأجازوا إظهار أن بعدها تأكيدًا، وأما إذا دخل على الاسم الصريح، فالجر بإضمار إلى عند الكسائي ويجوز إظهارها تأكيدًا، وعند الفراء لنيابه (حتى) منابها، وعند الكوفيين هي جارة بنفسها لشبهها بـ (إلى). فتكون تارة بمعنى إلى نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الأصل: حتى أن يرجعَ، على مذهب سيبويه كما عرفت قبيل هذا، أي إلى رجوعه، فعلم منه أن يرجع مع أنه مؤول بالمصدر، أي إلى زمن رجوعه. قدّر المضاف كما هو مذهب أكثر النُّحاة، لأن المصدر لابدّ له من زمان، فيكون حصوله فيه، لكن دلالة المصدر على الزمان بالالتزام. وتارة أي، مرة بمعنى كي إذا كان ما قبل حتَّى سببًا لما بعدها. نحو أسلِم حَتَّى تدخل الجنَّةَ، أي: كى تدخل الجنة، ولم يفسره المصنف بناء على ظهور معنى السببية فيه. وقد يحتملها، أي: يحتمل حتى أن يكون بمعنى إلى وكي. كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى أن تفيء، أو كي تفيء، أي: إلى أن ترجع، أو كي ترجع. اعلم: أن علامة كونها بمعنى إلى وكي إذا وضعتهما موضع حتى يكون المعنى صحيحًا. وزعم ابن هشام وابن مالك أنّها، أي أن حتى قد تكون بمعنى إلا كقوله، أي قول الشاعر:

стр. 109

لَيسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سماحةً اللام في (الفضول) إما: مُغْنٍ عن المضاف إليه، أو عوض عنه، أي ليس الإحسان من زيادة المال الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة. يقال: فضل من الشيء، وفَضَل منه شيء بفتح العين، يَفْضُلُ بالضم مثل دَخَلَ يدخلُ، وفيه لغة أخرى، وهي بكسر العين وفتحها في الغابر مثل: حَذِرَ يَحْذَرُ، وحكاها ابن السكيت. وقيل: فيه لغة بالكسر في الماضي والضم في المستقبل، مركبة منهما يقال: فَضِلَ يَفْضُلُ، لكن هذا شاذ لا نظير له. ويؤيده ما قال سيبويه: هذا عند أصحابنا يجيء على لغتين. ذكره في "الصحاح". سماحةً: بالنصب خبر ليس، السماحة: الجود. حتى تَجُودَ، وَمَا لَدَيْكَ قَليِلُ [الكامل] فما: موصولة، ولديك: ظرف مكان صلة ما، والموصول مع الصلة مبتدأ، وقليل: خبره. وفي بعض النسخ: إلَّا قليل، فما بمعنى ليس، ولا يعمل لانتقاض عمله بإلا، فما بعده مبتدأ وخبر. ويجوز كونها موصولة، والاستثناء من لديك بتأويل النفي، لأن الاستثناء من المثبت يكون على مقتضى العامل إذا لم يتعذر، نحو: قرأت إلَّا يوم كذا، وبتقدير النفي إذا تعذر، وهاهنا متعذر فيجب، وتقديره: ولا يكون في لديك إلا قليل أي إلَّا أن تجود، وهو استثناء منقطع، وعنوان هذا القول بالزعم الذي كنيته الكذب إشارة، كما أن الاستدراك بهذا البيت ضعيف، لجواز أن تكون حتى في هذا للغاية، بمعنى إلى حيث. قال في "البسيط" تفسير قولهم: لا أقوم إلا أن تقوم، وقولهم: لا أفعل إلَّا أن تفعل بحتى تفعل ليس بنص لكون حتى بمعنى إلا لأن قولهم ذلك تفسير معنىً.

стр. 110

واعلم أنّ المصنف ذكرها في النوع الثالث، مع أن معناها أكثر من الثالث لأن ما وجد من المعنى الذي غير ما ذكره المصنف، فراجع إلى كونها جارة. والثاني: أن تكون حرف عطف تفيد الجمع المطلق كالواو. وهذه العبارة تُشعِرُ ظاهرًا أنَّ حتى كالواو في الجمع لا ترتيب فيها، كما زعم بعض النحاة، لكن الحق أن يكون فيها جمع وترتيب ومهملة [متوسطة] بين الفاء وثمّ، لكن المهملة المعتبرة فيها بحسب الذهن، فإن المناسب في: مات الناس حتى الأنبياء، بحسب الذهن أن تعلق الموت أولًا بغير الأنبياء، وتعلق بالأنبياء بعد التعلق بهم، وإن كان موت الأنبياء في أثناء سائر الناس بحسب الخارج بخلاف ثم، فإن المهملة المعتبرة فيها بحسب الخارج نحو جاءني زيد ثم عمرو: إلا أن المعطوف بها أي بحتى مشروط بأمرين. هذا تفريق بين الواو وحتى العاطفة بعد اشتراكهما في الجمع، أي: يُفَرق بين حتى والواو من جهتين: أحدها: أن يكون المعطوف بعضًا أي جزءًا من المعطوف عليه في الحقيقة. هذا هو المختار وإن قال بعضهم: أو بالتأويل نحو: ضربني السادات حتى عبيدهم، فإن العبيد صار كالجزء منهم بالمجاورة والاختلاط بهم. والثاني: أن يكون غاية له في شيء، وزاد صاحب التسهيل قيدًا آخر، وهو مفيد احترازًا من نحو: صُمتُ الأيّام حتّى يومًا. لكن سائر النحاة لم يذكروه بناء على أن مثل هذا لا يتّصف بكونه غاية، فيخرج من لفظه للغاية نحو مات الناس حتى الأنبياءُ. لأن الأنبياء - ﵈ - غاية للناس، بالنسبة إلى كمالات نوعه، في شرف المقدار وهو ما يقدرُ [به] الشيء، أي يُعرف قدره، وإضافة الشرفِ إليه بمعنى مِنْ، ويجوز أن يكون بمعنى اللام. وعكسِه بالجر: عطف على [شرف] أو عكس الشرف وهو الخساسة نحو: زارني الناسُ حَتى الحجّامُون، فإنهم غاية في خساسة المقدار.
следующие страницы →