← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ميزان الأصول في نتائج العقول «المختصر» تصنيف الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي (المتوفى سنة ٥٣٩ هـ) متعه الله من علمه حققه وعلق عليه وينشره لأول مرة الدكتور محمد زكي عبد البر الأستاذ بكلية الشريعة - جامعة قطر ونائب رئيس محكمة النقض بمصر (سابقا)

стр. 2

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقْديم الحمد لله على ما وهبنا من نعمائه، ونحمده على ما أعطانا من آلائه، ونثني عليه الخير أعظم ثنائه. والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله: بعثه هادياً، وبشيراً، ونذيراً، الناسخ بشرعه كل شرع غابر. ورضي الله عن أصحابه، الذين حازوا قصب السبق في نصرة الشريعة الغراء والحنيفية السمحة البيضاء، الباذلين نفوسهم في سبيل الله لإعلاء الدين والإيمان. وأثاب الله من تبعهم بإحسان، الباذلين جهودهم في استنباط الأحكام، والبالغين ذروة الكمال في تبيان الحلال والحرام. أما بعد - فإن إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر يسرها أن يشاركها في مهمتها الأفراد والجماعات، فإن التراث الإسلامي، في كل مناحي المعرفة في، حاجة، لإحيائه ونشره، إلى جهود المئات بل الأُلوف. وإنه ليسرها أن تقدم للعالم الإسلامي هذا العمل الرفيع المستوى، تحقيقاً وتعليقاً وطباعة، وهو نشر مخطوطة (ميزان الأصول في نتائج العقول - المختصر) لأول مرة، من تأليف الأصولي الفقيه المتكلم الإمام علاء الدين السمرقندي من علماء القرن السادس الهجري، وتحقيق الدكتور محمد زكي عبد البر الأُستاذ بكلية الشريعة بجامعة قطر. وقد سبق للمحقق نفسه أن نشر، لأول مرة أيضاً، مخطوطة "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه، عندما كان أُستاذاً بكلية الشريعة في جامعة دمشق سنة ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م، في ثلاثة أجزاء، فقوبلت بالترحيب من الجامعات، إذ قررت كلية الشريعة بجامعة دمشق وكذا كلية الشريعة في عمان بالأردن تدريسه فيها. كما سبق لإدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر أن نشرت للمحقق نفسه كتاباً قيماً بعنوان "تقنين الفقه الإسلامي". والكتاب الذى نقدمه اليوم يمتاز بما امتازت به "التحفة" من ترتيب وحسن عرض للأقوال المختلفة، وبيان وجه الخطأ أو الصحة في هذه الأقوال، مما ييسر على القاريء الإلمام بالموضوع في سهولة ويسر، وخصوصاً في هذا العلم -علم الأصول- الذي اتسم، في نظر بعض الناس، بالصعوبة لفظاً ومعنى.

стр. 4

وقد قدم المحقق لنشر هذا الكتاب بمقدمة عن المؤلف، وعن الكتاب ونسخه ومنهجه في النشر، كما آثر أن ينشر تقديم أُستاذه وأحد أساتذة الجيل - المغفور له الشيخ علي الخفيف لكتاب "التحفة"، إحياء لذكرى هذا الرجل العظيم، ونفعاً للناس بما جاء في هذا التقديم من علم غزير وتوجيه سليم. وموضوعات الكتاب هي موضوعات علم "أُصول الفقه". وقد رتبه المؤلف على أربعة فصول، الأول: (في بيان الأحكام). والثاني: "في بيان ما يعرف به الأحكام". والثالث: "التعارض بين الأدلة". والرابع: "أهلية الأحكام". ولم يقتصر المحقق، أثابه الله، على مجرد نشر الكتاب مصححاً موثقاً، بل ترجم للأعلام، وشرح الألفاظ الغامضة، وفي بعض الأحيان يورد عبارات موضحة للمعنى إذا غمضت العبارة - كل ذلك من المصادر الأصلية المعتمدة. وإننا لنرجو أن يمنح الله -بفضله وكرمه- المحقق القوة والتيسير كي ينشر بقية كتب الإمام "علاء الدين السمرقندي" محققة معلقاً عليها على هذا النحو الرفيع من الضبط والتعليق والنشر. وهذا االكتاب، بين يدي القاريء، ينطق بما بذل فيه من جهد، حتى جاء موضوعاً وشكلاً، على هذا المستوى الرائع. ولابد أن نشيد أيضاً بإدارة النشر بمطابع الدوحة الحديثة التي حملت عبء نشر هذا الكتاب، وقامت به على هذه الدرجة العالية من الكمال - أثاب الله أصحابها ومديرها، ووفقهم إلى جلائل الأعمال. وإنا لندعو الله بصالح الدعاء، للمؤلف وللمحقق ولكل من يعين على نشر تراثنا الإسلامي- إنه سميع مجيب. وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه ويجعلنا مفاتيح خير في نشر العلم، وخدمة أهله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين. خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري مُدِيرُ إدَارة إحْيَاء التراث الإسْلامي

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمَة افتتَاحيَّة (١) لا يمكن لشيء -أي شيء- أن يستقل بحاضره عن ماضيه، فالماضي هو الذي يحوي سر النشوء والتطور، وهو الذي يهدي إلى الخصائص والصفات، وهو بهذا يكشف عن طريق المستقبل. فالماضي هو أساس الحاضر والمستقبل، ولا يمكن لشيء أن يعيش منبت الصلة عن ماضيه. وهذا القول يصدق في الجماد والحيوان والإنسان، ويصدق في الأفراد والجماعات. ولقد كان لكل أُمة من الأمم التي دخلت في الإسلام من بعد، ماضيها، بما فيه من أسرار وصفات وخصائص وعلائق، تختلف في أُمة عنها في أُخرى، بل تختلف في الأمة الواحدة من طائفة إلى أُخرى. فلما جاء الإسلام جمع هذه الأمم، التي دخلت فيه، على أُسس واحدة، فوحد بينها، فيما يجب، وبالقدر الذي يجب التوحد فيه، من عقيدة واحدة، وغاية في الحياة ومن الحياة واحدة، فصهر هذه الأمم جميعاً في بوتقته، وأخرج منها الأمة الإسلامية، بعد أن وحد بين طوائف العرب وجعل منها الأمة العربية. ولكن هذه الأمم لم تنقطع صلاتها بتاريخها قبل الإسلام، لأن ذلك غير ممكن، ومن ثم كان لها تاريخ قبل الإسلام، وتاريخ بعد الإسلام، وكانت دولة الإسلام قوية، فظلت الدولة الإسلامية متراصة متحدة متكاتفة، لا تذكر تاريخها الأول إلا كطور من أطوار حياتها جاء الإسلام فطفر بها منه درجات إلى أعلى، فهي لا تذكر ماضيها ذكر حنين عودة إليه وإنما تذكره ذكر عبرة وتدبر. ولكن شاء قدر الله أن يأتي على الدولة الإسلامية ضعف المسلمين في عقيدتهم وأخلاقهم، فضعفت، واختلط الأمر على بعض أبنائها -إما جهلاً منهم وإما بتأثير الأجانب- فنسبوا هذا الضعف إلى الإسلام، ومن ثم ارتفعت أصوات في

стр. 6

كل أُمة بالعودة إلى أصل قومها قبل الإسلام، من فرعونية أو آشورية أو غيرهما. وهي دعوات خطيرة تبغي تنحية الإسلام عن أن يكون أصلاً في حياتها، إلى أن يكون عرضاً جانبياً لا يمسكها من الأساس، وإنما يربط بينها ربطاً غير موجّه، كرابطة اللون مثلاً، ومن ثم وجب على المخلصين محاربة هذه الدعوات، ومن وراءها من مسلمين جهلاء، وغير مسلمين يمكرون بالإسلام وبالمسلمين. فلكل أُمة مسلمة أن تذكر تاريخها قبل الإسلام، وأن تلتمس منه أسباب القوة، ولكن عليها أن تكمل ذلك بذكر الإسلام وما أضاف من أمجاد إلى أمجادها، وما دفع بها إلى أمام، وما وحد بينها وبين أخواتها، وما وصلت بها هذه الوحدة من عظمة، ثم تواصل السير مع أخواتها -أُمة واحدة- إلى أمام مستمسكة بالإسلام، بانية نهضتها عليه. القرآن هو حبل الله المتين الذي جذب العرب المتفرقين في البوادي، المختلفين في الطبع والعادة والدين واللهجة، وسلكهم في أُمة واحدة، وجمعهم على دين واحد، وشريعة واحدة، ولسان واحد، وجمعهم على خُلُق واحد، ونهج في الحياة واحد، فكوَّن منهم دولة بعد أن أعطاهم عناصرها. وبالقرآن خرج العرب من بلادهم غازين: يفتحون في الشرق وفي الغرب، وتستسلم لهم قلاع الروم وحصون فارس. وبالقرآن دخل الناس في دين الله، ودولة الإسلام، أفواجاً. وعلى القرآن أقام العرب -والمسلمون- علومهم. فلما وهنت صلة العرب والمسلمين بالقرآن، وهنت دولتهم، وضعفت شوكتهم، واستذلهم من لم يرحمهم. وكما صلح أولنا يصلح آخرنا. ولا ملجأ لنا - في حياتنا السياسية، الداخلية والخارجية، وفي حياتنا الإجتماعية، والتعليمية، والتشريعية -إلا القرآن. فالقرآن- وهذه نعمة كبرى اختص الله بها الأمة الإسلامية - قد نظم الدين والدنيا: فحدَّ الصلة بين المسلم وبين ربه، ونظم العلاقة بين المرء وبين أُسرته في أحواله الشخصية. ورسم أُسس معاملاته مع أفراد مجتمعه ودولته، ووضع منهج السياسة، في السلم والحرب، بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية. والقرآن، لغة وعقيدة وشريعة، هو وحده القادر على أن يجمع بين المسلمين في مختلف أقطارهم. والقرآن، عقيدة وشريعة، هو وحده الذي يربط بين الدول الإسلامية: يشهد ذلك بالحس من زار البلاد العربية والإسلامية، فما يتلى القرآن إلا وتجتمع القلوب وتزول فوارق الجنس واللون والدم والمكان والمجتمع، فيلتفت الصيني إلى المراكشي ويناديه: أخي! فأى قوة أُخرى تصنع مثل هذا الصنيع؟

стр. 7

فالقرآن إن أردنا الدين، أو الدنيا، أو أردناهما معاً هو ملجؤنا: منه نستمد أُصول الأخلاق، وأُصول السياسة، وأُصول التشريع، وأُصول التربية والتعليم. والقرآن لا يحول بيننا وبين الأخذ في مضمار الحياة الحديثة، فما وضع إلا أُصولاً، وما سن إلا قواعد. ولسنا نقصد بقصرنا كلامنا على القرآن إنكار غيره من أُصول، ولكن لأنه الكتاب الأكبر الذي ترجع إليه هذه الأصول، وعنه تتفرع، وإليه ترد. فإلى القرآن، إن أردنا ديننا ودنيانا، نتخذه شعاراً ومبدأ وموئلاً وميزاناً: فنحتفظ بخصائصنا التي تميزنا عن غيرنا فلا ننماع، ونمسك بالحبل الأوحد المتين الأبدي الذي يربطنا، من الفؤاد، بالدول العربية والإسلامية، ثم لا يضيرنا في علاقاتنا بالدول الأخرى. * * * وإذا كان البناء على الإسلام هو الأصل، فإنه يجب أن نتجه إلى تراثه فنجمعه في إخلاص وقوة، وننشره على الناس في أمانة، وندعو الناس إليه في إيمان ويقين أن العودة إليه، والبناء عليه، هو الهضبة المستقرة التي ارتفعت بنا عن أغوار الماضي، ولن يعلو لنا بناء مستقر إلا عليها. ومنذ الماضي اهتم المسلمون، أفراداً وجماعات وحكومات، بذلك. وقد بذل الأفراد الذين اتجهوا إلى هذا وسعهم، وكذا الجماعات الأهلية. ولم تنفرد أُمة إسلامية بهذه العناية، بل وجد التراث الإسلامي من يهتم به وينشره على الناس في كل البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، مما يدل على التجاوب في هذه البلاد التى جمع بينها الإسلام، ووحد بين أهلها في منازعهم وأهوائهم. وإنا لندعو أن تهتم الحكومات الإسلامية، والجامعة العربية، بنشر المخطوطات الإسلامية فما تغني الجهود الفردية في هذا الصدد، وننبه إلى وجوب أن يوكل هذا العمل إلى ذويه، وأن يرسم للعمل منهاج معين قائم على أساس علمي، حتى يؤتي المجهود ثمرته.

стр. 8

أما نحن فإن إيماننا بالفقه الإسلامي يزداد على الأيام قوة. وكل ما نرجوه أن يأخذ الله بيدنا إلى ما نبغي من خدمة شريعته، وأن يقوي فينا هذا الإحساس، وأن يؤتينا العزم والتوفيق والرشاد. والكتاب الذي ننشره اليوم هو "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي: عثرنا عليه أثناء الاطلاع على مخطوطات الفقه الإسلامي، لتحضير رسالتنا للدكتوراه. وقد راعنا هذا الكتاب وعزمنا منذ يومئذ على القيام بنشره، وسنتكلم على الكتاب ومؤلفه ومنهجنا، في المقدمة التالية للتقديم الذي تفضل به أُستاذنا الجليل الشيخ على الخفيف. وإنا لنرجو أن يكون باكورة نتبعها بنشر مخطوطات أخرى (١). والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. القاهرة في مايو سنة ١٩٥٥. الدكتور محمّد زكى عَبدِ البرّ

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقْديم (١) للأستاذ الجليل الشيخ/ عَلي الخَفيف أُستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ووكيل تلك الكلية سابقاً من خير ما يقدم المرء لأمته أن ينشر بعض ما طواه الزمن من تراث علمي كان فيما مضى ركناً من أركان نهضتها، ومظهراً من مظاهر عزتها وحضارتها، وثمرة يانعة من ثمار حياتها وثقافتها. وخير ما يحييه ويبعثه من ذلك ما كان متصلاً بحياتها الإجتماعية وروابطها الإقتصادية والسياسية، يقوم عليه أمنها وتطيب به حياتها وذلك هو الفقه. ولقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأُسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية وتكوين حضارتها واتساع عمرانها وامتداد سلطانها وانضواء الشعوب المختلفة تحت لوائها، لأنه فقه يقوم على العدالة ويشرع الحقوق ويصونها ويكفل الحرية ويلائم الفطر السليمة ويزيل الفوارق ويقضي على الطبقات ويساير التطور ويمسك بالأصول والقواعد العادلة، لا تسيطر عليه شهوات الأفراد ولا أطماع الأحزاب والجماعات ولا يخضع لهوى الأمراء والرؤساء، ذلك بأنه مستمد من شرع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وإرشاد من رسول أمين لا ينطق عن الهوى، ولا يحيد عن الحق، فجاء أول ما جاء ثابت

стр. 10

القواعد راسخ الأساس سليم المبادئ صحيح النتائج متفقاً مع الأعراف الصحيحة والعادات الحسنة والأخلاق الكريمة، يهدف إلى الإصلاح لا الهدم، ويدعو إلى السمو وينأى بجانبه عن الركود والقعود. ولقد كان هذا الفقه وليداً لقيام الدولة الإسلامية وظهور دينها، منه استمدت أصوله وأحكامه، وبقدر حاجتها تعددت فروعه وامتدت أغصانه، فكان في عهده الأول على قدر الحاجة إليه حلولاً لما حدث من مسائل وما اشتجر من خلاف وما وجد من نزاع في تلك البيئة القصيرة المدى المحدودة الرقعة المتقاربة الأركان البدوية الحياة الخشنة العيش المتجانسة الميول والعادات، حتى إذا نعم عيشها ونما ثراؤها واتسعت أطرافها وامتدت حدودها فشملت أقطاراً وضمت أُمماً ودولاً تختلف في عاداتها وتقاليدها ومعيشتها وأناظيمها (١) وأقاليمها وأجوائها، نما الفقه الإسلامي بنمائها واتسع بإتساعها وامتدت فروعه بإمتداد حدودها وآتى أُكله وبدأت حلوله تقوم على أُصول تدرس وترتد إلى قواعد تبحث ومبادئ تؤسس وعندئذ تم للفقه الإسلامي نموه واكتمل له ازدهاره فتنوعت بحوثه وتفرعت مسائله واتسعت جوانبه وامتدت حدوده وتعددت فروعه. كان الفقه الإسلامي أول ما وجد عبارة عن طائفة من الأحكام والفتاوي التي صدرت من الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيما عرض عليه من خلاف وما استفتي فيه من مسائل لا يتجاوزها إلى غيرها وكان فيها حاجات الناس يومئذ وكان وجوده بينهم كفيلاً بتكميل أي نقص وسد أية حاجة، فإذا حدث ما لم يكن قد رفع إليه فزعوا إليه فقضى بينهم فأسلموا لقضائه ولم يكن لهم فيه خيرة ولا عنه محيد. ثم انضم إلى هذه الطائفة بعد وفاته ﷺ ما استنبطه أصحابه من أحكام وفتاوي لما استجد من الحوادث وما نزل بهم من وقائع مما لم يحدث ولم ينزل بهم في زمنه ﷺ مسترشدين بأحكامه وفتاويه التي حفظوها عنه مستهدين بهديه حين كان يشرع لهم ويقضي بينهم ويجتهد لهم. وكانت هذه الطائفة من الأحكام تمتاز عن الأولى بالكثرة وتعدد الآراء ووجود الخلاف وكان أصحابها يعملون بها بظن أنها توافق حكم الله وإن احتملت أن تكون

стр. 11

على خلافه - وكان وجود الخلاف نتيجة لتعدد المفتين وعدم عصمتهم واتساع الدولة الإسلامية بدخول بلدان وأُمم غير عربية في الإسلام. ثم انضم إلى هاتين الطائفتين بعد ذلك طائفة ثالثة من الأحكام والفتاوي صدرت عن تلاميذ الصحابة من التابعين وتابعيهم ممن درسوا على الصحابة وأخذوا الفقه عنهم أو عمن أخذ عنهم. ثم جاء بعد هؤلاء من الفقهاء والأئمة المجتهدين من فرغ لدراسة الفقه واستنباط قواعده ووضع أُصوله ومبادئه، ورد الأحكام والفتاوي الموروثة إليها، وتفريع المسائل المختلفة عليها، ووضعت فيه المؤلفات ونظمت المناظرات حتى كان من كل ذلك نتاج طيب لا تفارقه جدته ولا تذبل نضرته ولا ينقطع مدده، يتسع لحاجات كل أُمة ويساير تطور كل زمن ولا يستعصي عن الإستجابة إلى المصالح، وكان له فى الأمة الإسلامية آثاره المحمودة في حياتها الإجتماعية ونهضتها الثقافية ووحدتها السياسية ومكانتها الخلقية - إلى أن كان من الحوادث والنوازل ما شغل الناس فصرفهم عنه وتركوا العمل به والبحث فيه وادعى العلم به بعد ذلك جهلة اتخذوه مرتزقاً ووسيلة إلى المال والتقرب من الأمراء والحكام واكتساب الجاه من ذلك التقرب، فوصموه بما هو براء منه ولوثوه بآرائهم وأقوالهم وأفعالهم، ونسبوا إليه النقص بسوء سياستهم، فكان ذلك حجاباً حجبه عن الناس حقباً طويلة، وساعد على ذلك ظهور عصبية عمياء لآراء لا تقوم على حجة، وأحكام لا تستند إلى دليل ولا تصلح للناس، وكان من وراء ذلك خلافات أدت إلى فرقة فرقت بين الناس بقدر ما حدث بينهم من خلاف وما تعدد من مذاهب إلى أن استقر الأمر أخيراً لبعضها واندرس باقيها فلم يبق منها إلى اليوم من له مكانة واتباع سوى مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك بن أنس ومذهب الشافعي ومذهب أحمد ومذهب الزيدية ومذهب الإمامية الإثنى عشرية وقد يضاف إلى ذلك مذهب الإباضية أتباع عبد الله بن إباض الخارجي. وهذه المذاهب هي مذاهب الجمهور الإسلامي في جميع الأقطار، وقف عند اتباعها ونبذ ما عداها وجافى من عمل بغيرها على ما قد يكون له من قوة في الدليل وما قد يكون فيه من صلاحية وملاءمة للزمن وترفيه على الناس، وذلك منهم تعصباً بدون حجة وابتداعاً وتركاً للسنة إذ لم يكن معروفاً في عهد السلف الصالح بل ولا في عهد أصحاب هذه المذاهب نفسها. ذلك لأنهم لم يجتهدوا ولم يستنبطوا ليحملوا الناس على اتباعهم وتقليدهم بل كان

стр. 12

للناس يومئذ الخيرة في استفتاء من يشاؤون ممن تطمئن إليه أنفسهم وإلى العمل بفتياهم ضمائرهم حين لا يستطيعون أن يصلوا إلى حكم الله بإجتهادهم ونظرهم. كان كل ذلك سبباً في دفن هذا التراث المجيد وتراكم الأتربة عليه مع طول الزمن حتى خفي على كثير من الناس وبعد على المشترعين منهم إلى هذا الوقت إذ ظهرت النهضة العلمية الفقهية الإسلامية في البلاد الشرقية وبخاصة مصر نتيجة لنمو الوعي القومي فيها وبعث الحركة العلمية الثقافية والتلفت إلى الماضي المجيد والرغبة في ترسمه مع شيوع الفكرة الإستقلالية والشعور بالحاجة إلى التكتل الإسلامي دفعاً لتسلط الأجنبي وضيمه واضطهاده واستغلاله وظهور الرغبة في توجيه البلاد الإسلامية إلى تهيئة أسباب الوحدة بينها في الثقافة والتشريع والإقتصاد والسياسة العامة وليس أصلح لتوحيد القانون فيها من اللإلتجاء إلى الفقه الإسلامي واتخاذه أساساً لقوانينها، منه استمدادها وعليه يكون قيامها. عن كل هذا نظر الناس إلى ماضيهم فرأوا سنا الفقه الإسلامي ونوره يشع من تحت ما تراكم فوقه من أنقاض فأخذ الفقهاء في بعثه وتوطيء أكنافه وتعبيد سبله وإظهاره للناس بثوب بهي قشيب حتى يكون لهم منه في حاضرهم مستمد لتشريعهم ومعين لقوانينهم بدلاً من الإلتجاء إلى تشريع أجنبي عنهم لم يوضع لهم ولا يتلاءم مع ماضيهم وحاضرهم ولا يتفق مع أخلاقهم وعاداتهم ولا يتمشى مع معتقداتهم وتقاليدهم. ولقد بدأت هذه الحركة المباركة بوضع قوانين مصرية في بعض مسائل الأسرة ومشاكلها لم يتقيد فيها واضعها بمذهب أبي حنيفة الذي كان عليه العمل في مصر فوضع القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ في أحكام نفقة الزوجية والعدة والتطليق للعجز عن النفقة والتفريق بعيب في الزوج وأحكام المفقود والقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ في أحكام الطلاق والتطليق للضرر ولغيبة الزوج وحبسه وبعض أحكام النسب والعدة والمهر وسن الحضانة وبعض أحكام المفقود ووضع القانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٤٦ في بعض مسائل الأوقاف مما جأر فيه الناس بالشكوى وطلبوا الخلاص منه ووضع القانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ في أحكام الوصية ووضع القانون رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣ في أحكام الميراث، وأُلفت لجان لوضع قانون عام في مسائل الأحوال الشخصية وهي مرحلة جديدة خطتها مصر وانتقلت منها إلى بعض البلاد الشرقية كسورية فوضع فيها قانون في الأحوال الشخصية "الزواج والطلاق والعدد والنفقات والنسب والحضانة

стр. 13

والرضاع والأهلية والنيابة المالية والوصية والميراث" وتونس فوضع فيها قانون لمسائل الأحوال الشخصية. وإنها لمرحلة تؤذن بعهد جديد في البلاد الشرقية: عهد توحيد التشريع فيها وسن القوانين لها على أُسس من الشريعة الإسلامية شريعة الأسلاف والأوطان ومصدر كثير من العادات والتقاليد والأخلاق - عند ذلك يعود لهم مجدهم وتقوى وحدتهم وتشتد إصرتهم وتجتمع كلمتهم فترجع إليهم قوتهم ويعود لهم سلطانهم ويتم لهم استقلالهم في شتى نواحي جهودهم ومضطربهم في هذه الحياة حياة الجد والكفاح والمثابرة والقوة والسلطان والغلب. وإن في قيام الدكتور محمد زكي عبد البر بإخراج هذا الكتاب - كتاب "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي من فقهاء القرن السادس الهجري ونشره في الناس -سليماً، محققاً، مضبوطاً- لمساهمة منه محمودة في بناء هذه النهضة الفقهية المباركة المرتقبة الثمرة نهضة إحلال التشريع الإسلامي على وضعه الصحيح في البلاد الشرقية محل التشريع الوضعي الغربي وبخاصة إذا لوحظ أن ذلك قد جاء في عهد عُهد فيه بالقضاء في مسائل الأحوال الشخصية على وفق الشريعة الإسلامية إلى رجال القانون الوضعي - قضاة المحاكم المصرية - فكانوا بسبب ذلك في حاجة إلى الرجوع والنظر في كتب الشريعة والإتصال بالفقه الإسلامي والتزود منه والتعرف بأُصوله وحكمه وأغراضه - وكل هذا يحتاج إلى كتب في الفقه جامعة ميسرة لا يمل طولها ولا يفوت الغرض بسبب إيجازها. ولذا كان الدكتور محمد زكي عبد البر موفقاً حين اختار هذا الكتاب وحين اتجهت نفسه في هذا الوقت إلى نشره فالكتاب من ناحية موضوعه مجموعة قيمة من أحكام مذهب أبي حنيفة في كل أبواب الفقه مقارنة في كثير من مسائله بمذهب الشافعي فيها أحياناً وبمذهب مالك أحياناً أُخرى على وضع تجنب فيه مؤلفه الطول الممل والإختصار المخل. وهو من ناحية ترتيبه وعرضه للمسائل وتفريعها وردها إلى أُصولها أقرب ما يكون إلى ما انتهى إليه التأليف في العصر الحاضر من استعراض لمسائل الأبواب جملة وترتيبها ترتيباً منطقياً تقودك فيه كل مسألة إلى المسألة التي تليها بحيث تجدها متصلة بها وبما قبلها كإتصال الحلقة في السلسلة فلا تكاد تشعر في الباب بإنتقال مفاجيء من موضوع إلى آخر لا يتصل به بل تحس كأنك لا تزال في موضوعك الذي بدأته وذلك ما يعين على جمع الفكر واتصال النظر وفهم الموضوع واستيعابه من جميع أطرافه.

стр. 14

وهو من ناحية أُخرى سهل الأسلوب بين العبارة لا تشعر فيه بتعقيد ولا بخفاء بل يلازمك ما قرأت فيه ظهور المعنى وجلاء المراد ووضوح الغرض. لهذا كان اختيار الدكتور محمد زكي عبد البر اختياراً موفقاً إذ أنه بهذا الاختيار أتاح لمن لم يتعود القراءة في الكتب الفقهية ولم يمرن على أسلوبها الاصطلاحي أن يأخذ منه الفقه الإسلامي وأن يتفهم مسائله كما أتاح للمعاهد العلمية الإسلامية فرصة اختيار كتاب قيم لدراسة فقه أبي حنيفة بإستيعاب غير ممل وأن تجد فيه طلبتها من ناحية الترتيب وسهولة العبارة وحسن العرض مما يوفر الزمن لطالب البحث ويجنبه أن يضيعه في فهم الأساليب وحل رموزها وتفهم عبارتها والكشف عما يراد منها. وإني لأرجو إذا تم طبعه أن ييسر للناس البحث فيه بوضع فهارس له تفصيلية على النمط العصري المعروف في كتب الفقه الوضعي. إنه بذلك يستحق شكراً فوق شكر وثناء بعد ثناء ويخدم الفقه الإسلامي خدمة لا تقل عن خدمته في نشر هذا الكتاب. هذا وإذا كان الدكتور محمد زكي عبد البر قد قام بهذا العمل الجليل في محيط الفقه الإسلامي فاستحق عليه الشكر، فإنه إلى ذلك قد ضرب لزملائه وأقرانه من رجال القانون خير مثل وسن لهم أحسن سنة في الإقبال على البحث في الفقه الإسلامي ونشر كتبه القيمة المفيدة التي أتى عليها الزمن فخبا نورها وزال من بين الكتب المعروفة اسمها - ففي ذلك إنماء لثقافتهم التشريعية وإعلاء لمنزلتهم القانونية وإظهار لكنوز أسلافهم التشريعية - وفق الله رجال القانون إلى إحياء الفقه الإسلامي ونشره وإلى خدمته وبعثه. القاهرة في يناير ١٩٥٦ عَلي الخَفيفْ

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقَدمَة نقدم لهذا الكتاب بكلمات ثلاث: الأولى: عن صاحب الكتاب. والثانية: عن الكتاب نفسه. والثالثة: عن نسخ الكتاب، ومنهجنا في النشر. أولاً: المؤلف (١) صاحب هذا الكتاب هو علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي. ومن سوء الحظ أن هذا الرجل العظيم، رغم الإعتراف بجلالته وعلمه، لم يحظ بالدراسة الكافية، ولم يخلف لنا كتاب التراجم ما يغني في معرفة أحواله. وقد بذلنا جهداً في سبيل الحصول على المعلومات التالية، راجين أن يسعدنا الحظ فنحصل على ما يكمل الصورة، فنبينها واضحة في طبعة أُخرى. وسنكون شاكرين لمن يمدنا من الباحثين بشيء مفيد في هذا الصدد. أما أصحاب التراجم فما ذكروه قد لخصه صاحب الفوائد البهية فقال: "محمد بن أحمد ابن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء أُستاذ صاحب البدائع: شيخ كبير فاضل جليل القدر، تفقه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، وكانت ابنته فاطمة الفقيهة العلامة زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب البدائع، وكانت تفقهت على أبيها، وحفظت تحفته، وكان زوجها يخطئ فترده إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب

стр. 16

البدائع كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها (١) ". وقال صاحب طبقات الحنفية في ترجمة علاء الدين الكاساني: إنه (أي الكاسانى) "تفقه على محمد بن أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين، وقرأ عليه معظم تصانيفه، مثل التحفة في الفقه وغيرها من كتب الأصول، وزوجه شيخه ابنته فاطمة الفقيهة العالمة، وكانت حفظت التحفة تصنيف والدها، وطلبها جماعة من ملوك بلاد الروم فامتنع والدها، ولزم الكاساني والدها، واشتغل عليه، وبرع في علمي الأصول والفروع وصنف البدائع، وهو شرح التحفة، وعرضه على شيخه فأزداد به فرحاً، وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفته وزوجه ابنته" (٢). هذا ما نجده في كتب التراجم عنه. أما بلده، وكنيته، وتاريخ مولده، وتاريخ وفاته، وأحداث حياته، فلم نجد من ذلك إلا متفرقات نجمعها فيما يلي: اسمه وكنيته: ذكر في "الفوائد البهية" أنه "محمد بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء". وذكر في "كشف الظنون" عند الكلام على "التحفة" أنه الإمام الزاهد "علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي" وعند الكلام على "مختلف الرواية" أنه الإمام "علاء الدين محمد بن عبد الحميد المعروف بالعلاء". وذكره "رفيع الدين الشرواني" في "طبقات أصحاب الإمام الأعظم أبي حنيفة" فقال: "ركن الأئمة عبد الكريم السمرقندى صاحب تحفة الفقهاء". وذكره صاحب "طبقات الحنفية" (٣) عند ترجمة علاء الدين الكاساني بأنه "محمد بن أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين" وذكره السيد محمد راغب الطباخ في كتابه "أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء (٤) " بإسم: "محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو منصور السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء". وفي "معجم المطبوعات العربية والمصرية" ليوسف الياس سركيس (٥): "أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي سنة ٥٤٠" وذكره "صاحب الجواهر" فقال: "محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو منصور السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء" كما ذكر في موضع آخر (٦) ما يأتي: " محمد بن أحمد بن أبي حامد السمرقندي

стр. 17

أبو أحمد - قال السمعاني: نزيل بخارى، إمام فاضل في الفتوى والمناظرة والأصول والكلام، كتب إلي الإجازة ومات ببخارى غرة جمادى الأولى سنة ٥٣٩". ويظهر لنا أن ما ذكره "صاحب الجواهر" في الموضع الأخبر بقوله: "محمد بن أحمد ابن أبي حامد السمرقندي أبو أحمد" خطأ نشأ عن إختصاره فقد ورد في كتاب "الطبقات السنية في تراجم الحنفية" لتقي الدين عبد القادر التميمي الغزي الحنفي (١) ما يأتي: "محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو منصور السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء: تفقهت عليه ابنته فاطمة العالمة الصالحة، وكانت تحفظ التحفة، وستأتي إن شاء الله تعالى. وتفقه عليه أيضاً زوجها أبو بكر الكاساني صاحب كتاب البدائع. وسيأتي له زيادة في ترجمة تلميذه أبي بكر حامد السمرقندي أبو أحمد - قال السمعاني: نزيل بخارى، إمام فاضل في الفتوى والمناظرة والأصول والكلام، كتب إلي بالإجازة ومات ﵀ في بخارى سنة ٥٣٩" فاختصار القرشي في الجواهر جاء مخلاً إذ ما قاله السمعاني راجع إلى المترجم وهو محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو منصور السمرقندي، وليس إلى تلميذه أبي بكر حامد السمرقندي أبو أحمد. فصاحب التحفة هو "محمد بن أحمد بن أبي أحمد" وهو ما ذكره الكاساني في البدائع (٢) وما جاء في مقدمة التحفة. وهو أيضاً صاحب هذا الكتاب: "ميزان الأصول". ويلقب بعلاء الدين ويكنى بأبي بكر وقد يكنى بأبي منصور والغالب الأول. كما أن البعض سماه عبد الكريم. بلده (٣): هو من سمرقند كما تدل نسبته إليها. وسمرقند مدينة مشهورة فيما وراء النهر (نهر سيحون) وهي قصبة "الصغد" وقد أطنب ياقوت في معجم البلدان في مدح سمرقند حتى قيل إنه ليس على وجه الأرض مدينة أطيب ولا أنزه ولا أحسن من سمرقند. وقد يسمى إقليم الصغد إقليم سمرقند. فتكون سمرقند مدينة وإقليماً. ولعل نسبته إلى سمرقند الإقليم لا إلى سمرقند المدينة إذ جاء في أنساب السمعاني أنه أقام ببخارى ومات فيها. وبخارى مدينة في الصغد أو في إقليم سمرقند، وبين بخارى ومدينة سمرقند بحساب القدماء سبعة أيام وسبعة وثلاثون فرسخاً (٤).

стр. 18

وليس عندنا تاريخ مفصل عن سمرقند (١)، ولكن الثابت أنها كانت تحتل موقعاً ممتازاً بين الشرق والغرب، أيام الحضارة القديمة، وقد تقلبت عليها مدنيات مختلفة، من صينية وفارسية وتركية وإسلامية. وكان لابد أن يكون لهذا الموقع الممتاز وللمدنيات التي وفدت على الإقليم أثره في أبنائه، وقد كان. فمن ذلك الإقليم خرج - على سبيل المثال - البخاري صاحب الجامع الصحيح، وأبو منصور الماتريدي مصحح عقائد أهل السنة وهو منسوب إلى ما تريد، وهو حي في سمرقند، وآل برهان (ومنهم صاحب المحيط البرهاني) وغيرهم. فمن بلاد هذا الإقليم، كبخارى ومرو وسمرقند، خرج كثير من العلماء الذين أبدعوا وخلدوا بما تركوا من تراث إسلامي نفيس (٢). وممن نسب إلى سمرقند: ١ - إسحاق بن محمد بن إسماعيل أبو القاسم الحكيم السمرقندي: أخذ الفقه والكلام عن أبي منصور محمد الماتريدي، ولقب بالحكيم لكثرة حكمته وموعظته. وصحب أبا بكر الوراق ومشايخ بلخ في زمانه، وأخذ عنهم التصوف. وقد تولى قضاء سمرقند أياماً طويلة. وتوفي سنة ٣٤٢ هـ (٣). ٢ - الحسن بن داود بن رضوان أبو علي السمرقندي: درس بنيسابور على أبي سهل الزجاج. وأخذ عنه عن أبي الحسن الكرخي. وكان أحد الفقهاء المتقدمين في النظر والجدل. وقد مات سنة ٣٩٥ هـ (٤). ٣ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محمود السمرقندي السنجاري: كان شيخاً كبيراً وعالماً متبحراً. ولد بسمرقند سنة ٦٧٥ هـ وبعد ما بلغ رتبة الكمال ساح في البلاد ثم أقام بماردين ودرس وصنف وأفتى إلى أن مات بها في رمضان سنة ٧٢١ هـ وله كتاب "عمدة الطالب لمعرفة المذاهب" جمع فيه المذاهب الأربعة ومذاهب داود والشيعة (٥).

стр. 19

٤ - محمد بن نصر بن منصور بن علي بن محمد بن محمد بن الفضل أبو المعالي العامري الخطيب بسمرقند، تفقه على الشيخين: صدر الإسلام محمد بن محمد، وفخر الإسلام علي بن محمد البزدويين. وكان إماماً. وقد ولد سنة ٤٠٥ هـ. ومات بسمرقند سنة ٥٥٥ هـ (١). ٥ - محمد بن اليمان السمرقندي: إمام كبير. عدوه من طبقة أبي منصور الماتريدي. له كتاب "معالم الدين والرد على الكرامية" وغير ذلك. مات سنة ٢٦٨ هـ (٢). ٦ - ناصر الدين بن يوسف أبو القاسم الشهيد الحسين السمرقندي: إمام عظيم القدر، قوي العلم. له تصنيفات كثيرة المنافع منها "النافع" وهو مختصر في الفقه، و"الملتقط" في الفتاوي و "خلاصة المفتي" و "كتاب الأخصاف" و "مصابيح السبل" وغير ذلك - قيل: توفي سنة ٦٥٦ وقيل سنة ٥٥٦ هـ (٣). ٧ - نصر أبو الليث الحافظ السمرقندي: توفي سنة ٢٩٤ هـ، وهو متقدم على أبي الليث إمام الهدى المتوفى سنة ٣٧٣ هـ (٤). وقد دخل العرب سمرقند وعلى رأسهم قتيبة بن مسلم سنة ٩١ هـ. (٧٠٩ م) وهي الآن تابعة للتركستان التي هي جزء من الإتحاد السوفييتي وتنقصنا المعلومات عنها. وفي الفوائد البهية (٥) أن سمرقند معرب من "شمر كند". وفي دائرة المعارف الإسلامية أن المقطع الثاني من الإسم وهو "قند" عبارة عن كلمة فارسية معناها المدينة أما المقطع الأول فلا يؤدي وحده معنى. مولده ووفاته: لم نعثر على تاريخ مولده. أما تاريخ وفاته فقد ذكر السمعاني أنه توفي سنة ٥٣٩ هـ. وذكر يوسف سركيس أنه توفي سنة ٥٤٠ هـ. وذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" عند الكلام على مصنفه "مختلف الرواية" أنه توفي سنة ٥٥٢ هـ. وعند الكلام على كتابه "ميزان الأصول" أنه توفي سنة ٥٥٣ هـ.

стр. 20

والظاهر لنا أن وفاته كانت سنة ٥٣٩ هـ. فقد ذكر ذلك السمعاني قائلاً: إنه (أي السمرقندي) كتب له الإجازة (انظر فيما تقدم ص: ش) أما الأقوال الأخرى فلم تنسب إلى أحد معاصر أو صاحب صلة بالمؤلف، بل لم تنسب إلى شخص ما. مشايخه: ذكر أصحاب التراجم أنه تلقى العلم على اثنين من مشاهير العلماء، أولهما هو صدر الإسلام أبو اليسر البزدوي (١)، والثاني هو أبو المعين المكحولي النسفي (٢). أما أُستاذه الأول فقد أخذ العلم عن إسماعيل بن عبد الصادق (٣) عن أبي محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي (٤) عن أبي منصور الماتريدي (٥) عن أحمد بن إسحاق أبي بكر الجوزجاني (٦) عن موسى بن سليمان أبي سليمان الجوزجاني (٧) عن محمد ابن الحسن الشيباني (٨) صاحب أبي حنيفة. كما أخذ (أُستاذه الأول) العلم عن أبي يعقوب

стр. 21

يوسف السياري (١) عن أبي إسحاق الحاكم النَوْقَدي (٢) عن الهندواني (٣) عن أبي بكر الأعمش (٤) وأبي بكر الإسكاف (٥) والصفار (٦) عن محمد بن سلمة (٧) عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن (٨). كما أخذ الصفار أيضاً عن نصير بن يحيى (٩) عن محمد بن سماعة (١٠) عن أبي يوسف (١١).

стр. 22

وأما أُستاذه الثاني (أبو المعين ميمون المكحولي النسفي) فقد أخذ العلم عن أبيه مكحول أبي المعين النسفي (١) صاحب كتاب الشعاع (على ما قيل) عن أبيه أبي مطيع مكحول النسفي، صاحب اللؤلؤيات (٢) في الزهد، عن أبي بكر الجوزجاني عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن. زملاؤه: من زملائه في التلمذة على أُستاذه أبي اليسر البزدوي ابن أُستاذه أبو المعالي أحمد (٣)، وابن أخ أُستاذه الحسن (٤) بن فخر الإسلام علي البزدوي صاحب كتاب الأصول المشهور، ونجم الدين النسفي (٥). ومن زملائه في التلمذة على أبي المعين النسفي، أحمد ابن أُستاذه أبي اليسر البزدوي (٦). تلاميذه: من تلاميذه محمد بن الحسين بن ناصر بن عبد العزيز ضياء الدين البندنيجي (٧) أُستاذ صاحب الهداية الذي أجاز لصاحب الهداية جميع مسموعاته مشافهة بمرو سنة ٥٤٥ هـ وكان من تلاميذه ابنته فاطمة، وزوجها علاء الدين الكاساني صاحب كتاب "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع".

стр. 23

مؤلفاته: لعلاء الدين السمرقندي غير "تحفة الفقهاء" الكتب الآتية: - ١ - شرح كتاب التأويلات للماتريدي. ٢ - مختلف الرواية. ٣ - ميزان الأصول في نتائج العقول (المطول والمختصر) (١). ٤ - شرح الجامع الكبير. وقد ذكر الثلاثة الأول برو كلمان وغيره، وذكر الأخير القرشي في الجواهر (٢). وهو يشير في التحفة إلى "مبسوط" له (٣)، ولكنا لم نعثر على هذا المبسوط، ولعله كان على عزم من تأليفه ولم يفعل لسبب ما، أو لعله اكتفى بالبدائع. كما أشار إلى "الزيادات" أيضاً، وإلى شرح له على الطحاوي. كما أشار في هذا الكتاب "الميزان" إلى "مبسوط" له في الأصول (٤). وفي مكتبة الأزهر كتاب منسوب إليه بإسم: "شرح منظومة النسفي". على أن أشهر كتبه هي "التحفة" وبها يعرف فيقال: صاحب "تحفة الفقهاء" ثم "ميزان الأصول". صفاته: ظاهر من القصة التي أوردناها فيما سلف عن تزويج ابنته فاطمة لعلاء الدين الكاساني ما يدل على أخلاق السمرقندي، فقد آثر لابنته العلم على الإمارة، ورجل هذا شأنه لابد أن يكون على جانب كببر جداً من النفس العالية والإيمان العميق والتعلق الشديد بالعلم. كما أن فيما ورد من أن الرقعة كانت تأتي بالواقعة كي يفتي فيها، فكانت تخرج بالفتوى موقعاً عليها منه ومن ابنته ثم بعد زواج ابنته من علاء الدين الكاساني كانت تخرج

стр. 24

موقعاً عليها من الثلاثة - ما يدل على تواضع العلماء وعدم الاستئثار بالفتوى وتقدير أمانتها وهل أدل على ذلك من أن يشرك الرجل ابنته وتلميذه؟ واحترام المؤلف وإجلاله للماتريدي ظاهر بجلاء لكل من يطالع الكتاب. ونشير إلى أن المؤلف يذكر كثيراً "أبا زيد الدبوسي" وكتابه "تقويم الأدلة" (١). كما نشير إلى أن "عبد العزيز البخاري" صاحب "كشف الأسرار" شارح "أُصول البزدوي" قد أكثر النقل عن "الميزان" ولا غرو في ذلك، فالمؤلف تلميذ فخر الإسلام علي البزدوي صاحب الأصول (٢). ثانياً: الكتاب إن الناظر في "الميزان" يدرك مزاياه بيسر فهو - كالتحفة - يمتاز: ١ - بالتقسيم والترتيب والإختصار غير المخل، ووضوح العبارة والإلمام بالأقوال المختلفة وبيان حجة كل قول في الغالب كما ذكر صاحبه في المقدمة. ٢ - بأن صاحبه كان "فقيهاً" أيضاً. فلم يقتصر على دراسة "الأصول" بل جمع بين الإثنين. ولا شك أن هذه ميزة تضاف إلى ما تقدم. ٣ - بأن صاحبه لم يكن من أهل الإعتزال ولا من أهل الكلام، وإن ألم بما عند الفريقين بل كان من أهل السنة وأهل الفقه. وقد عبر عن ذلك هو نفسه في مقدمة كتابه. ٤ - بأن صاحبه كتب هذا "المختصر" بعد "المبسوط" كما يذكر في مقدمة هذا الكتاب "المختصر" وهذا يطمئن إلى إلمام صاحب الكتاب بكل تفاصيل المادة. ثالث اً: نسخ الكتاب ومنهجنا في النشر (أ) نسخ الكتاب: لم يطبع "الميزان" من قبل ونحمد الله أن هدانا إلى نشره لأول مرة.

стр. 25

وقد اعتمدنا في هذا النشر على ثلاث نسخ مخطوطة. وكل واحدة منها في مجلد واحد. وهي تختلف من حيث الحجم والخط وتاريخ النسخ ومقدار الخطأ والنقص والتحريف والتصحيف ووضوح الخط وسهولة قراءته. وهذه النسخ هي: ١ - المخطوطة رقم ٧١٩ بمكتبة مرادمله باستامبول. وقد جعلناها الأصل، لأنها أقلها نقصاً. وقد حصلنا على صورة منها ولم نطلع على أصلها. ومكتوب على الغلاف أنها ١٥٧ ورقة وكذا الترقيم ولكن الواقع أنها ١٥٨ ورقة ووجهاً (بخلاف الغلاف) ولاحظنا وجود ورقتين برقم ١٦ وورقتين برقم ١٨ وورقتين برقم ٩٧ وورقتين برقم ١١٦. وورقها من القطع المتوسط. وتاريخ الفراغ من نسخها ١٦ من رمضان سنة ٧٧٢ هـ في مدينة عسان (١) "المحروسة [بعين] الله من الآفات والبلايا بجوار المدرسة النورية رحم الله منشيها وساكنيها والمترددين ... ". وخطها صغير وعلى غلافها "كتاب ميزان الأصول في نتائج العقول تصنيف الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي متعه الله تعالى من علمه" وعبارات أُخرى بخط مختلف تتضمن ترجمة للمؤلف. وبالصورة نقص صفحتين هما ٨٤/ ٢، ٨٥/ ١. ٢ - المخطوطة رقم ٩٧ بمكتبة رواق الأروام بالجامع الأزهر. وهي مصورة بدار الكتب المصرية. وهذه النسخة المصورة برقم ٢٦٥٥٩ ب بدار الكتب المصرية قسم المخطوطات، ونشير إليها بالحرف "أ". وهي تقع في ٩٧ ورقة (أو ٩٨). وخطها دقيق، كثيرة النقص. ولا يعرف تاريخ نسخها إذ هي ناقصة من النهاية حيث يكتب تاريخ النسخ عادة في هذه المخطوطات. وعلى هامشها تصحيحات وتفسيرات رأينا من الخير إثباتها في الهامش للإفادة منها وفيما يلي بيان النقص فيها:

стр. 26

- من الأول حتى ص ٤٥ (انظر الهامش ١ ص ١. والهامش ٦ ص ٤٥). - من ص ٢٥٥ (انظر الهامش ٨ منها) حتى ص ٣٠٤ (انظر الهامش ٥ منها). - من ص ٥٨٤ (انظر الهامش ١ منها) حتى ص ٦٥٠ (انظر الهامش ٤ منها). - من ص ٦٥٤ إلى النهاية (انظر الهامش ١١ منها). ٣ - المخطوطة رقم ٧٧٨ أُصول فقه بدار الكتب المصرية. ونشير إليها بالحرف " ب " وتقع في ٢٧٤ ورقة ووجهاً (أي ٥٤٩ صفحة) وقد فرغ من نسخها في أول رجب سنة ٥٩٤ هـ (والمؤلف توفي سنة ٥٣٩ هـ). وعلى الغلاف ما يأتي: "كتاب ميزان الأصول في نتائج العقول للسمرقندي"، وكتب أيضاً على الغلاف: "تصنيف الشيخ الإمام علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي ﵀". وفيما يلي بيان النقص فيها: - من ص ٣١١ (انظر الهامش ٩ منها) حتى ص ٣٣٦ (انظر الهامش ٥ منها). - من ص ٧٤٤ (انظر الهامش ٨ منها) حتى ص ٧٦١ (انظر الهامش ١ منها). - من ص ٧٦٣ (انظر الهامش ٤ منها) حتى ص ٧٦٥ (انظر الهامش ٢ منها). وهي غير كاملة النقط، وأحياناً يكون النقط غير ما نعهده، كأن تكون النقطة الفوقية نقطة تحتية، وكثير من أوراقها في غير مواضعها فقد جلدت دون مراعاة ترتيب الأوراق وفقاً لترتيب الكلام. وترتيبها الصحيح كما يلي: الأوراق من اإلى ٧ ثم ٤٩ ثم من ٨ إلى ٤٨ ثم من ١٠٠ إلى ١٠٩ ثم من ٩١ إلى ٩٩ ثم من ٨٠ إلى ٩٠ ثم من ٥٠ إلى ٦٠ ثم من ٧١ إلى ٧٨ ثم ٦١ ثم ٧٩ ثم من ٦٢ إلى ٧٠ ثم من ١١٠ إلى ٢٧٥ مع وجود نقص بين ١١٠ و ٢٧٥. * * * ومن حسن الحظ أن وجدت في كل موضع، إلا نادراً، نسختان على الأقل. فلم نفقد النسخ كلها في موضع ما، وكل ما صادفنا أن انفردت نسخة واحدة بصفحات قليلة (انظر الهامش ٨ ص ٧٤٤ والهامش ٨ ص ٧٦١. وكذا الهامش ٤ ص ٧٦٣ والهامش ٢ ص ٧٦٥). وقد بينا كل ذلك في أثناء الكتاب.

стр. 27

(ب) منهجنا في النشر: أما منهجنا في نشر هذا الكتاب فهو المنهج نفسه الذي اتبعناه في نشر "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه (علاء الدين السمرقندي). وهو الاقتصار على تحقيق النص وإخراجه كما صدر من مؤلفه بقدر الإمكان، وبيان ما بين النسخ من خلاف. وفي داخل هذا الإطار صدرنا عن الفكرتين الآتيتين: ١ - أنا لا ننشر النسخة التي اعتبرناها أصلاً، وإنما ننشر "الميزان" معتمدين على ما اعتبرناه أصلاً مقارنين بالنسخ الأخرى. وقد ترتب على ذلك أنا قد جعلنا ما اعتبرناه أصلاً هو المتن وأثبتنا الخلافات بينه وبين النسخ الأخرى في الهامش. ولكنا رفعنا إلى المتن ما وجدناه في النسخ - الأخرى يكمل المعنى أو وجدناه هو الصحيح من حيث المعنى أو اللفظ أو أصح أو أوضح أو أسهل مع الإشارة إلى كل ذلك بالتفصيل في الهامش. ولم نرد أن نضع بين علامتين هكذا [. . .] ما نأخذه من نسخة أُخرى غير الأصل لتحقق الغاية بالإشارة في الهامش والبعد عن عيوب كثرة هذه العلامة بين العبارات. ٢ - أنا ننشر كتاباً في أُصول الفقه، ولا ننشر كتاباً لغوياً أو أدبياً يكون للفظ فيه الاعتبار الأول. وقد ترتب على هذا أنا لم نذكر كثيراً من الخلافات اللفظية البحتة بين الأصل وبين النسخ الأخرى اللهم إلا إذا كان الخلاف - وإن كان لفظياً - مفيداً في ناحية ما، أو يحتمل أن يكون كذلك فإنا نشير إليه. ومما قوى لدينا هذا المسلك كثرة الخلافات اللفظية البحتة بين النسخ بحيث لو أشرنا إلى كل خلاف في الهامش لطغى الهامش على المتن طغياناً كبيراً جداً ولصارت معظم الصفحة هامشاً ولشغل الباحث بهذا الخلاف اللفظي البحت عن العلم نفسه. وماذا يفيد الباحث من أن نضع في المتن "ثم" ونشير في الهامش إلى أن في نسخة أُخرى "ثمة" أو أن يكون عبارة الأصل "ولكن" وعبارة النسخة الأخرى: "لكن". أو أن يكون في الأصل "غير واجب" وفي نسخة أُخرى: "ليس بواجب". ويدخل في الخلافات اللفظية البحتة اختلاف التركيب مثل أن يكون في الأصل: "ثم تنتقض طهارتها" وفي نسخة أُخرى: "ثم طهارتها تنتقض" أو مجرد تقدم كلمة على كلمة في مجرد معرض العطف بالواو مثلاً كأن يكون في الأصل: "القرح والجرح" وبالنسخة الأخرى: "الجرح والقرح" دون

стр. 28

أن يقصد بذلك غير مجرد العطف، أو اإختلاف صيغة الفعل حيث تصح الصيغتان مثل أن يكون في المتن "وجب" وفي نسخة أُخرى "يجب". أهملنا الإشارة إلى الخلاف حيث لا يحتمل أبداً أن يكون هناك أي خلاف في المعنى، فإذا بدا لنا إحتمال ذلك ولو حتى من حيث الدقة أو السهولة، أثبتنا كل خلاف. وقد أخذنا بالأحوط، وهو بالإثبات لا بالترك. هذا في غير الأحاديث. أما في الأحاديث فقد حرصنا على إثبات كل خلاف بين النسخ، ولو كان لفظياً، مهما كان يسيراً. ونحن بهذا المسلك قد رفعنا عن عاتق القارئ عبئاً ومشغلة تحت مسؤوليتنا. ولا شك أنه كان الأيسر والأحوط لنا الإشارة إلى كل خلاف مهما كان لفظياً بحتاً. وأن هذه التصفية قد احتاجت منا جهداً لم نبخل ببذله رعاية لوقت القارئ وفائدته. ٣ - وقد رأينا من الخير أن نشير في الهامش إلى موضع الآيات القرآنية من حيث السورة والرقم في المصحف، مع إيرادها كاملة في الهامش. وقد نورد آية أو أكثر قبلها أو بعدها إذا إحتاج ذلك الإحاطة بالمعنى. ٤ - كما عنينا بشرح الألفاظ الغامضة. وكذلك بشرح العبارات المبهمة مستندين في ذلك إلى الكتب المعتمدة من لغوية وأُصولية وفقهية. ٥ - وترجمنا في الهامش للأعلام التي ورد ذكرها، الترجمة التي يحتملها المقام، وتتناسب مع المترجم له. فلم نوجز الإيجاز الشديد الذي لا يغني، ولم نطل الإطالة التي تبعد عن الموضوع. وأشرنا عقب كل ترجمة إلى المصدر الذي اعتمدنا عليه. ٦ - وطبعي أن تقسيم الكلام إلى فقرات تبدأ كل فقرة من أول السطر من عندنا. فالكتاب من أوله إلى آخره الكتابة فيه متتابعة. وكذا تقسيم الكلام، بفواصل من شولة وشرطة من عندنا. وكذا الفصل بالنقط. ونحن نرى أن هذا العمل مهم جداً فعليه يتوقف سهولة الإلمام بالموضوع.

стр. 29

٧ - كما ننبه إلى أن النقط لم يكن كاملاً في بعض النسخ، فكنا نرجع في ذلك إلى النسخ الأخرى أو إلى سياق العبارة، ولم نجد حاجة إلى الإشارة إلى ذلك في كل موضع. ٨ - وفي مرات قليلة احتاجت العبارة كي تؤدي المعنى إلى إضافة كلمة ليست في "الأصل" ولا في النسخ الأخرى، فكنا نبذل جهدنا كي نأتي بهذه الكلمة من الكتب الأخرى ناسبينها إليها مع ظهورها على سبيل التحرز. ٩ - وكذا قد تحتاج صحة العبارة لغة إلى إضافة حرف كالفاء في جواب "أما" مثلاً فكنا نضيفه، ووضعنا هذا وذاك بين علامتين هكذا [] ولم يحتج الأمر معه إلى أن نشير في كل موضع إلى أن ما بينهما من عندنا. ١٠ - وقد اكتفينا عند اختلاف النسخ في كلمة أو عبارة بأن نذكر في الهامش الكلمة أو العبارة المخالفة فقط، ولم نر حاجة إلى تكرار الكلمة أو العبارة المستبدلة اعتماداً على فطنة القارئ. نسأل الله تعالى العون والتسديد فهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 30

وَبَعْد فهذا هو "ميزان الأصول في نتائج العقول" تصنيف الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي صاحب "التحفة": حققت نسبته إلى صاحبه، وحققت ألفاظه ومعانيه، وحملت عبئه سنين: قمت فيها بنسخه بنفسي ثم مقارنته بالنسخ الأخرى وحدي ثم بشرحه والتعليق عليه وكان يلازمني في كل وقت: في السفر والإقامة، في العمل والراحة. وبذلت من صحتي وجهدي ما الله يعلمه، فما قصدي غير وجهه الكريم، وهو القادر على الجزاء. ولست أدعي الكمال فالكمال لله وحده. فإن كنت وفقت كان عملاً صالحاً آمل أن يرفعه الله إليه، وإن كانت الأخرى فحسبي أني انتويت نية طيبة وبذلت جهدي فعسى الله أن يجزيني على جهدي ويغفر لي الذنب والتقصير. وإنى لأرجو من يرى خطأ أو عيباً أن يدلني عليه - خدمة للعلم - لتلافيه في طبعة لاحقة إن شاء الله. وإني لأشكر أساتذتي وإخواني الذين كنت أرجع إليهم إذا أشكل علي لفظ، وأخص بالشكر منهم أُستاذي الجليل الشيخ علي الخفيف طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه فقد قرأ الكتاب من أوله لآخره وأبدى ما عنده من ملاحظات قيمة أُفدت منها. وليس لي بعد ذلك من كلمة سوى الدعاء إلى الله أن يجعل عملي كله خالصاً لوجهه الكريم وأن يرفعه إليه - إنه سبحانه الهادي إلى سبل الرشاد، وهو الغفار الرحيم جل وعلا علواً كبيراً. الدكتور محمد زكي عبد البر القاهرة في (ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ - يناير سنة ١٩٨١ م)

стр. 31

جَدولْ الرِّمُوز " الأصل " هو المخطوط ٧١٩ بمكتبة مراد مله باستامبول. "أ" هو المخطوط ٩٧ بمكتبة رواق الأروام بالجامع الأزهر الشريف. "ب" هو المخطوط ٧٧٨ أُصول فقه بدار الكتب المصرية بالقاهرة. [] الكلمات أو الحروف التي بداخل هذين القوسين غير مأخوذة من إحدى النسخ. فهي إما من كتب أُخرى غير الميزان. وهذا هو الأعم، وإما من عندنا وهذا قليل في حدود الضرورة. ١: ١٠: ٥ الجزء الأول، الصفحة العاشرة، السطر الخامس (على سبيل المثال).

стр. 32

ميزان الأصول في نتائج العقول «المختصر»

стр. 33

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) رَبِّ سَهّلْ وأعنْ (٢) الحمد لله ذي العزة والجلال (٣)، والرحمة والأفضال، والصلاة على رسوله محمد (٤) الممجد (٥) المفضال، وعلى آله وأصحابه أفضل الأصحاب والآل (٦). قال الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر: أبو بكر (٧) محمد بن أحمد السمرقندي، متعه الله من علمه (٨): اعلم (٩) أن علم أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع

стр. 34

ما تفرع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نسله، فكان (١) من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب. وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الإعتزال المخالفين لنا في الأصول (٢)، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع (٣)، والإعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع، والتجافي (٤) عن الأمرين واجب في العقل والشرع.

стр. 35

وتصانيفِ أصحابنا ﵏ في هذا النوع قسمان: قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان، لصدوره (١) ممن جمع الفروع والأصول، وتبحر في علوم (٢) المشروع والمعقول، مثل الكتاب الموسوم بـ "مآخذ الشرائع" والموسوم بكتاب "الجدل" للشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة: أبي منصور المتريدي السمرقندي (٣) ﵀" ونحوهما من تصنيف أستاذيه وأصحابه ﵏ (٤). وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني، وحسن الترتيب والمباني، لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع. غير أنهم لما لم يتمهروا (٥) في دقائق الأصول. في قضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول. ثم هجر القسم الأول: إما لتوحش (٦) الألفاظ والمعاني، وإما لقصور الهمم والتواني. واشتهر القسم الآخر (٧)، لميل الفقهاء إلى الفقه المحض، وإن وقع في البعض شوب (٨) المخالفة والنقض. وكلا أن يكون ذلك منهم عن قصد واعتقاد، فظن (٩) السوء في أمثالهم إثم وعناد - لكن إصابة (١٠) التفريع بدون إحكام الأصل، والأمن عن الزلل، خارج عن العقل.

стр. 36

ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (١) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار عندهم صحيحة ولموانع (٢) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (٣) يؤتي ملكه من يشاء. وليس من الشفقة والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقاً واجباً، وفرضاً لازماً، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في الإقدام، خوفاً من الإثم في الإعراض والإغماض (٤)، مع الإمكان، وإشفاقاً عن زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثواباً دائماً، وذكراً وشرفاً، إلى قيام الساعة قائماً. ولما صممت على (٥) هذا العزم، رأيت (٦) من الشفقة على هذه الطبقة أن أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (٧) مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (٨) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (٩) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، وتكون هذه الفصول إلى

стр. 37

محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (١) داعية، ثم (٢) من علت همته يتتبع (٣) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل قضايا العقول (٤) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق الصريح، ويرد الباطل المليح (٥)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (٦)، قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (٧). * * *

стр. 38

ثم لما شرعت في الشرح والبيان، على وجه الإحكام والإتقان، ولم أملك عنان القلم في فيض (١) ما فوض (٢) من الكلم، وكرهت أيضاً أن يفوتني ما يظهر من الحكم، فقيدتها بالكتابة والرقم - التفت الكتاب إلى التطويل والإطناب، فملت إلى ما هو المتوسط في الباب: لا (٣) القصير المقصر، ولا الطويل المنفر. ثم خطر ببالي أن ذا مما يمل به بعض الطلاب، وإن كان يراه البعض من أصوب (٤) الصواب، إذ الطلبة بين ريض مبتدئ، وبين مرتاض منته، والمبتدئ إلى الإختصار أميل، لأن حفظه وضبطه أسهل، والمنتهي يميل إلى الإطناب والإكثار، ليختار برأيه ما هو المختار- رأيت الأصوب في أن أتمم (٥) المتوسط الذي كنت فيه شارعاً، وأحذف الزوائد (٦) عنه، فيكون مختصراً جامعاً، ويتم الأمران على الصحبة والقرآن، إذ الشروع (٧) في قصد التقرب ملزم، والإعراض عن الخير أشام. ولما كان الكتابان متحدين من حيث الغرض، وإن تصورا مختلفين من حيث العرض (٨)، جعلت مقدمتهما واسمهما واحداً، وإن كان أحدهما في الطول والعرض زائداً، بل ازدادت كل مقدمة "المختصر" لما (٩) مهدت فيه من العذر المعتبر.

стр. 39

فمن شاء (١) اقتصر على هذا "المختصر" فهو الكفاية لذوي العناية، والهداية إلى ما هو النهاية. ومن شاء (٢) تجاوز عن (المختصر) واختار "المبسوط" (٣): فهو الدرجة القصوى، والأمد الأقصى، في طلب الفضل والعلى، إذ هو الجامع للرواية والدراية، على أصول أهل السنة، المنزه عن شوب الهوى والبدعة، المشتمل على شبهات (٤) الخصوم، وحلها، على وجه يرتضيه كل منصف عاقل، وتقر به عين كل فاضل، وهو في قلوب المبتدعة سهم قاتل. وفقنا الله تعالى على إتمامهما على وجه الإتقان، في أسرع الزمان، فهو الموفق والمستعان. و (٥) حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. * * * إذا عرفنا هذه المقدمة جئنا إلى الكتاب وهو "المختصر". * * *

стр. 40

اعلم أن (١) العلم المحدث نوعان: ضروري، واستدلالي: فالضروري ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للعالم فيه فعل الكسب والإختيار ولا (٢) قدرة التحصيل والترك. والإستدلالي ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه (٣)، وللعالم فيه فعل الكسب والإختيار وقدرة التحصيل أو (٤) الترك. نظيره: الفعل المحدث وينقسم (٥) إلى نوعين: ضروري وإختياري: فالضروري ما حصل (٦) في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والإختيار، ولا قدرة التحصيل والترك، نحو حركة المرتعش وسكون اليد الشلاء وغيرهما. والفعل الإختياري ما حصل في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه أيضاً، لكن للذات فيه فعل الكسب والإختيار، وله (٧) قدرة التحصيل أو (٨) الترك، كالذهاب والمجيء والقيام والقعود. * * * ثم العلم الضروري أنواع ثلاثة: - العلم الحاصل بالحواس الخمس. - والعلم الحاصل بالأخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان النائية والملوك الماضية.
следующие страницы →