← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 19237

ميزان الأصول في نتائج العقول

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (813 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (١) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار عندهم صحيحة ولموانع (٢) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (٣) يؤتي ملكه من يشاء. وليس من الشفقة والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقاً واجباً، وفرضاً لازماً، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في الإقدام، خوفاً من الإثم في الإعراض والإغماض (٤)، مع الإمكان، وإشفاقاً عن زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثواباً دائماً، وذكراً وشرفاً، إلى قيام الساعة قائماً. ولما صممت على (٥) هذا العزم، رأيت (٦) من الشفقة على هذه الطبقة أن أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (٧) مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (٨) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (٩) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، وتكون هذه الفصول إلى

стр. 37

محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (١) داعية، ثم (٢) من علت همته يتتبع (٣) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل قضايا العقول (٤) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق الصريح، ويرد الباطل المليح (٥)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (٦)، قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (٧). * * *

стр. 38

ثم لما شرعت في الشرح والبيان، على وجه الإحكام والإتقان، ولم أملك عنان القلم في فيض (١) ما فوض (٢) من الكلم، وكرهت أيضاً أن يفوتني ما يظهر من الحكم، فقيدتها بالكتابة والرقم - التفت الكتاب إلى التطويل والإطناب، فملت إلى ما هو المتوسط في الباب: لا (٣) القصير المقصر، ولا الطويل المنفر. ثم خطر ببالي أن ذا مما يمل به بعض الطلاب، وإن كان يراه البعض من أصوب (٤) الصواب، إذ الطلبة بين ريض مبتدئ، وبين مرتاض منته، والمبتدئ إلى الإختصار أميل، لأن حفظه وضبطه أسهل، والمنتهي يميل إلى الإطناب والإكثار، ليختار برأيه ما هو المختار- رأيت الأصوب في أن أتمم (٥) المتوسط الذي كنت فيه شارعاً، وأحذف الزوائد (٦) عنه، فيكون مختصراً جامعاً، ويتم الأمران على الصحبة والقرآن، إذ الشروع (٧) في قصد التقرب ملزم، والإعراض عن الخير أشام. ولما كان الكتابان متحدين من حيث الغرض، وإن تصورا مختلفين من حيث العرض (٨)، جعلت مقدمتهما واسمهما واحداً، وإن كان أحدهما في الطول والعرض زائداً، بل ازدادت كل مقدمة "المختصر" لما (٩) مهدت فيه من العذر المعتبر.

стр. 39

فمن شاء (١) اقتصر على هذا "المختصر" فهو الكفاية لذوي العناية، والهداية إلى ما هو النهاية. ومن شاء (٢) تجاوز عن (المختصر) واختار "المبسوط" (٣): فهو الدرجة القصوى، والأمد الأقصى، في طلب الفضل والعلى، إذ هو الجامع للرواية والدراية، على أصول أهل السنة، المنزه عن شوب الهوى والبدعة، المشتمل على شبهات (٤) الخصوم، وحلها، على وجه يرتضيه كل منصف عاقل، وتقر به عين كل فاضل، وهو في قلوب المبتدعة سهم قاتل. وفقنا الله تعالى على إتمامهما على وجه الإتقان، في أسرع الزمان، فهو الموفق والمستعان. و (٥) حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. * * * إذا عرفنا هذه المقدمة جئنا إلى الكتاب وهو "المختصر". * * *

стр. 40

اعلم أن (١) العلم المحدث نوعان: ضروري، واستدلالي: فالضروري ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للعالم فيه فعل الكسب والإختيار ولا (٢) قدرة التحصيل والترك. والإستدلالي ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه (٣)، وللعالم فيه فعل الكسب والإختيار وقدرة التحصيل أو (٤) الترك. نظيره: الفعل المحدث وينقسم (٥) إلى نوعين: ضروري وإختياري: فالضروري ما حصل (٦) في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والإختيار، ولا قدرة التحصيل والترك، نحو حركة المرتعش وسكون اليد الشلاء وغيرهما. والفعل الإختياري ما حصل في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه أيضاً، لكن للذات فيه فعل الكسب والإختيار، وله (٧) قدرة التحصيل أو (٨) الترك، كالذهاب والمجيء والقيام والقعود. * * * ثم العلم الضروري أنواع ثلاثة: - العلم الحاصل بالحواس الخمس. - والعلم الحاصل بالأخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان النائية والملوك الماضية.

стр. 41

- والعلم الحاصل ببدائه العقول، من غير تأمل ونظر (١) في الأصول، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل الشيء أكبر وأعظم (٢) من جزئه، ونحو ذلك. وأما العلم الإستدلالي فنوعان: عقلي وسمعي: - فالعقلي ما يعرف بمجرد العقل، بالتأمل والنظر في المحسوسات والبدائه (٣)، من غير واسطة الدليل السمعي، كالعلم بحدوث (٤) العالم وثبوت الصانع وقدمه وتوحيده، ونحو ذلك. - والسمعي ما يعرف بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يعرف بالعقل وحده بدون واسطة (٥) السمع، كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله تعالى من الأحكام. فالعلم العقلي يوجب العلم (٦) قطعاً ويقيناً (٧)، وهو يسمى "علم الكلام" و "علم التوحيد" و "علم أصول الدين" في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين. وأما العلم السمعي فنوعان: أحدهما - ثابت بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفسر (٨) من الكتاب، والخبر المتواتر والمشهور (٩)، والإجماع (١٠).

стр. 42

والثاني - ثابت بطريق الظاهر، بناء على غالب الرأي وأكبر الظن. وهو ما ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة (١)، وما ثبت بخبر الواحد، والقياس الشرعي (٢). وهذا النوع بقسميه يسمى "علم الشرائع والأحكام" ويسمى "علم الفقه" في عرف الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا إختصاص له بهذا النوع من العلم، بل هو اسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم (٣) يحتاج فيه (٤) إلى النظر والإستدلال مطلقاً، كعلم النحو واللغة والطب وغيرها (٥) - يقال "فلان فقيه في النحو والطب واللغة" (٦) إذا كان قادراً على الإستنباط والإستخراج في ذلك (٧). وكذا الدلائل السمعية (٨) التي تعاق بها هذا العلم يسمى "أصول الفقه" في عرف الشرع. وكذا الكتاب الذي يذكر فيه تقسيم هذه الأحكام ووجوه (٩) تعلقها بهذه الأصول وكيفية إستخراج المعاني المسماة بالفقه من الأصول - يسمى "أصول الفقه" في عرف الفقهاء.

стр. 43

وإذا كان عرف أهل اللسان، وعرف الشرع، في إطلاق هذا الإسم ما ذكرنا - تركنا (١) بيان معنى "الفقه" و "الأصل" من حيث اللغة والحقيقة، تمسكاً بالعرف، إذ هو القاضي على الوضع، وجعلنا الكتاب المسمى بـ "أصول الفقه" في العرف على فصلين: "فصل في بيان الأحكام" المسماة بالفقه. "وفصل في بيان ما يعرف به الأحكام". وبدأنا بفصل "الأحكام" ثم بفصل "الدلائل" فيتم الكتاب بذكر الفصلين (٢) بتوفيق الله تعالى وعونه (٣).

стр. 44

فصل في بيان الأحكام (١)

стр. 45

الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل. أحدهما - في تفسير الحكم. والثاني - في بيان أنواعه. وكل قسم من هذين القسمين ينقسم إلى البيان: * من حيث وضع اللغة. * ومن حيث عرف الشرع. * ومن حيث الحد والحقيقة: عند الفقهاء، والمتكلمين. أما الأول وهو تفسير الحكم أما من حيث اللغة: فيستعمل في مواضع: - يذكر ويراد (١) به المنع والصرف - يقال: حكمت الرجل عن رأيه، وأحكمته، وحكمته- أي (٢) منعته وصرفته عن رأيه. ومنه يقال: حكمت الفرس وأحكمته إذا جعلـ[ـت] له حكمة (٣) تمنعه عن

стр. 46

الجموح والعدو وتصرفه عن المشي طبعاً. ومنه سمي (١) الرجل حكيماً لأنه يمنع نفسه ويردها ويصرفها (٢) عن هواها. - ويذكر ويراد به الإحكام والإتقان. ومنه قوله تعالى: "ألر كتاب أحكمت آياته" (٣). ومنه "الحكيم" من أسماء الله تعالى - فعيل بمعنى مفعل أي محكم للعالم الدال على قدرته وعلمه؛ لكونه محكماً متقناً. - ويذكر ويراد به الحكمة، وهو وضع الشيء في موضعه. وفي الحديث: "وإن من الشعر لحكماً" أي من أنواع الشعر ما هو حكمة. وأمَّا من حيث عرف الشرع: [فـ] يستعمل (٤) على وضع اللغة في الوجوه الثلاثة: - فإن الله تعالى شرع الأحكام داعية إلى مصالح العباد، ومانعة عن أنواع العبث (٥) والفساد. - وكذا شرعت مبنية على الحكمة (٦) البالغة والمعاني المستحسنة. - وكذا هي محكمة متقنة، بحيث لو تأملها العاقل حق التأمل لعرف أنها مما ينبغي أن يكون كذلك.

стр. 47

وأما بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين: فقال أصحابنا ﵏ بأن حكم الله تعالى صفة أزلية (١) له: هو (٢) فعله، وكون الفعل الحادث واجباً وحسناً وحراماً وقبيحاً محكوم الله تعالى (٣) يثبت بحكمه، وهو إيجاده الفعل الحادث (٤) على هذا الوصف، وهو بناء على مسألة التكوين والمكون، فإن التكوين والإيجاد والإحداث والتخليق عبارات (٥) عن صفة أزلية لله تعالى وهو فعله حقيقة، والمكون مفعوله وحادث بإحداثه الأزلي لوقت وجوده- ولهذا قلنا: إن الله تعالى خالق لم يزل، ولله تعالى فعل واحد لكن تختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول، فإن كان وصف المفعول كونه حادثاً يسمى فعله "إحداثاً" وإن كان أثره الوجوب يسمى "إيجاباً"، وإن كان أثره الحرمة يسمى "تحريماً"- وهذا لأن خالق الحوادث كلها هو الله تعالى لا خالق سواه ولا صانع غيره، سواء كان الحادث جسماً أو جوهراً أو عرضاً حقيقياً أو حكمياً من الحسن والقبح والحرمة وغيرها. لكن في عرف الفقهاء وأهل الكلام يسمى كون الفعل واجبًا أو مندوباً أو حسناً أو قبيحاً أو محرماً، حكم (٦) الله تعالى، لكن (٧) المراد به محكومه عندنا بطريق المجاز، إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول. ثم (٨) المحكوم: كونه حسناً وواجباً، أو (٩) الوجوب والحسن ونحو ذلك، لا نفس الفعل الذي اتصف بها، لأن نفس الفعل حصل

стр. 48

باختيار العبد وقدرته الحادثة، وإن كان الخالق له هو الله تعالى (١). ومحكوم الشرع ما يثبت (٢) بإثبات الشرع، جبراً، شاء العبد أو أبي. هذا هو بيان مذهبنا. فأمَّا على أصل المعتزلة والأشعرية وأكثر المتكلمين: [فـ] التكوين عين المكون، فيكون الإيجاب عين الواجب، والحكم عين المحكوم، والتحسين عين الحسن، والتحريم عين الحرمة - فيكون إطلاق اسم الحكم على المحكوم عندهم بطريق الحقيقة. وقال بعض المتكلمين: إن الحكم هو كون الفعل على وصف حكمي، بأن كان موصوفاً بكونه واجبًا ومندوباً وحسناً ومحرماً، لا نفس الفعل، فإن كون الصَّلاة فرضاً، وكون التصدق بالمال حسنًا (٣)، وكون الزنا (٤) حراماً - حكم شرعي، لا نفس هذه الأفعال (٥)، لما ذكرنا أن حكم الله تعالى ما يثبت جبراً، شئنا أو أبينا، والعبد مختار في أفعاله. وهذا الحد صحيح إن أراد بالحكم المحكوم مجازاً. وإن أراد به، نفس الحكم حقيقة فيكون الحد (٦) على رأي من قال إن (٧) التكوين عين المكون.

стр. 49

وقال (١) بعض (٢) المعتزلة: إن حكم الله تعالى هو إعلامه إيانا بكون (٣) الفعل واجبًا ومندوباً ومباحاً وحراماً ونحوها؛ وهو إيجابه وتحريمه وإباحته. وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام الله تعالى إيانا بذلك، لا إحداثه (٤) وإيجاده وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة في الفعل، وإن كان عندهم الإحداث والحادث واحداً، [لأنهم] (٥) يقولون إن حدوث الحوادث بإرادة الله تعالى الحادثة، وكونه قادراً - لكن الداخل تحت الإرادة وكونه قادراً، هو نفس المحدث من الأجسام والجواهر والأعراض، فأمَّا الأوصاف التابعة للحدوث من كونه جسماً وجوهراً وسواداً وحموضة وحلاوة، وكون الفعل قبيحاً وحسناً لم يدخل تحت الإرادة وكونه قادرًا، ولم يتعلق وجوده بالفاعل، فلا يمكنهم إضافة ذلك إلى الإرادة الحادثة وكونه قادراً. وقال بعض أصحاب الحديث من الأشعرية: الحكم هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته إذا كان صدقاً، أي الحكم الحق الصواب. فأمَّا الحكم الباطل فهو الخبر عن المحكوم على خلاف ما هو (٦) عليه في ذاته، لأنه كذب. وقالوا (٧): حكم الله تعالى هو خبره (٨) عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته، لأن خبره صدق لا محالة.

стр. 50

وقال بعض الأشعرية أيضاً: إن حكم الله تعالى ما استحقه المحكوم مما عليه من الوصف الذي أخبر الله تعالى عنه (١) بذلك. وهذا حد صحيح عندهم، لأن الأوصاف التابعة للحدوث، عندهم، حادثة بإحداث الله تعالى في الجواهر والأجسام والأعراض والأفعال الاختيارية من العباد بمنزلة أعيان الحوادث، لأن كل ذلك بتكوين الله تعالى وإحداثه، وإن كان التكوين عين (٢) المكون، ولكن حدوث الحوادث كلها تعلق بقدرة الله تعالى أو بخطاب "كن"، فيكون الحكم والمحكوم هو كون الفعل على ما هو (٣) عليه من الوصف حقيقة. لكن إنما تعلقوا (٤) بالأخبار، لأن الأحكام الشرعية التي ذكرنا (٥) لا تعرف عندهم إلا بخبر الله تعالى، لا بالعقل، فحسن الأشياء عندهم يعرف بالشرع لا بالعقل، وإنما ذكر المعتزلة لفظ (٦) الإعلام (٧) دون الخبر حتى يدخل تحته العقل، لأن به عندهم يعرف كثير من المحاسن والمقابح من الأحكام الشرعيّة على ما يعرف في أصول الكلام، ونذكر شيئاً من ذلك ههنا في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وقال عامة الأشعرية: إن حكم الله تعالى هو خطابه الذي تعلق بأفعال المكلفين، وهو أمره ونهية، إيجاباً (٨) وندباً وتحريماً وكراهة، وخبره أيضاً بالحل والحرمة، وسائر الأحكام الشرعية (٩). فالواجب ما هو مأمور به حتماً، والمندوب

стр. 51

ما هو مأمور به ندباً، والمباح ما يقال فيه للمكلف "إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل"، والحرام ما يجب الامتناع عنه. والمكروه ما يندب إلى الامتناع عنه. وهذا الحد ليس بصحيح عندهم على ما نذكر. ولكن الحد الصحيح عندهم ما ذكرنا من القولين عنهم، فإن الفعل موصوف بكونه حسنًا حقيقة عندهم، فإن صفات الأفعال الراجعة إليها حادثة بإحداث الله تعالى، فيكون خالق الفعل بوصف الحسن هو الله تعالى، لكن (١) الأمر دليل الحسن، والنهي دليل القبح. وكذا الخبر عنهما دليل عليهما - لا أنه يثبت الحسن والقبح بالأمر والنهي والخبر. فإن قيل: فيما ذكرتم إشكالان: أحدهما - أن الفعل عرض، وأنه صفة، والصفة لا تقوم بالصفة (٢)، فكيف يصح قولكم (٣) بأن الفعل موصوف بالحسن والقبح والوجوب حقيقة؟ والثاني -أن الفعل قبل الوجود يوصف بكونه واجبًا وحسناً وحراماً- والمعدوم كيف يقبل الصفة حقيقة؟ [و] الجواب: عن [الإشكال] الأول- إن (٤) هذا إشكال على الكل، فإنه لا شك في كون الإيمان حسنًا، وكون الكفر قبيحاً، وكون الزنا حراماً،

стр. 52

وكون صلاة الظهر فرضاً. فإما أن يوصف بذلك مجازاً أو حقيقة. والقول يكون الإيمان حسنًا والكفر قبيحاً بطريق المجاز، وحش (١) من القول يرده العقل والشرع. ولأن علامة الحقيقة ما لا يجوز نفيها (٢) عن الموصوف بحال، والمجاز ما يجوز نفيه، ونفي الحسن عن الإيمان ونفي القبح عن الكفر، لا يجوز بحال. وإذا بطل الوصف بالمجاز ثبت أنه بطريق الحقيقة. ثم لتخريجه طرق ثلاثة: أحدها - أن تكون صفات الفعل راجعة إلى الذات، كالوجود مع الموجود، والحدوث مع الحادث، وكالعرض (٣) الواحد الذي يوصف بأنه موجود ومحدث ومصنوع وعرض (٤) وصفة ولون وسواد ودليل على ثبوت الصانع - فيكون هذه الصفات راجعة إلى الذات لا معاني زائدة عليها (٥). والثاني - يوصف الفعل بأنه واجب، لدخوله تحت إيجاب الله تعالى. ويوصف بأنه مندوب لدخوله تحت ندبه. ويوصف بأنه حسن لدخوله تحت تحسين الله تعالى. ويوصف بكونه محرماً (٦) لدخوله تحت تحريم الله تعالى، كما يوصف الفعل بأنه محدث وحادث لدخوله تحت إحداث الله تعالى، لا أنه محدث لحدوث قام به، لأن ذلك الحدوث محدث، فيحتاج إلى حدوث آخر فيؤدي إلى القول بمعان لا نهاية لها، وإنه باطل.

стр. 53

والثالث - أن هذه صفات إضافية، وأسماء نسبية، والصفات الإضافية ليست بمعان قائمة بالذات، فيكون (١) الذات موصوفاً بها على الحقيقة. وإنما يقتضي وجود غير يكون علقة (٢) بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى- كما في لفظ الأب والابن والأخ، فالذات موصوف بهذه الصفات، حقيقة لا مجازاً، وإن (٣) لم يكن الأبوة والبنوة والأخوة معاني قائمة بالذات زائدة عليها. وقد ذكرنا على الاستقصاء في أصل هذا المختصر وفي كتب الكلام - وفي هذا القدر كفاية. وأما الإشكال الثاني- فسهل، لأنا نصف المعدوم بهذه الصفات على طريق المجاز، على الطريق الأول والثاني، لأن صفات الذات لا يتصور وجودها قبل وجود الذات، وكذا الإحداث لا يتعلق بالمعدوم إلا حالة الحدوث. وأمَّا على الطريق الثالث، وهو الإضافة، [فـ] يكون الوصف له بطريق الحقيقة، كوصف المعدوم بأنه معلوم ومذكور ومخبر عنه. والله أعلم.

стр. 54

وأما الفصل الثاني في بيان أنواع الأحكام فنقول: أنواع الأحكام كثيرة، لكنا (١) نذكر المشهور منها، ونذكر تفسيرها: * من حيث وضع اللغة. * ومن حيث العرف. * وحدودها عند الفقهاء والمتكلمين.

стр. 55

[١] فمن جملتها كون الفعل: فرضاً، وواجباً، و (*) مندوباً وسنة، ونفلاً، وتطوعاً أما الفرض: في اللغة-[فـ] يستعمل لمعنيين (١): أحدهما - التقدير، قال الله تعالى: "فنصف ما فرضتم" (٢) أي قدرتم (٣). ويقال: فرض القاضي النفقة أي قدرها (٤). والثاني - القطع، يقال: فرضت (٥) الفأرة الثوب أي قطعته. وأما في عرف الشرع - فمستعمل (٦) على مقتضى اللغة: سميت الصَّلاة فرضاً وفريضة بمعنى مفروضة أي مقدرة من حيث الذات والزمان الخاص الذي تفعل فيه. وكذا كل فرض مقطوع عما يغايره من جنسه المشروع في عامة الأحكام. وأما الواجب: في اللغة-[فـ] يستعمل في شيئين:

стр. 56

- في الساقط (١)، يقال: وجب الميت أي سقط. ومنه سمي القتيل واجبًا - قال الله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" (٢) أي سقطت. - ويستعمل في اللازم، يقال: وجب عليه الدين ووجب عليه الصوم والصلاة أي لزم المكلف أداؤه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بأدائه (٣)، كأنه لازمه وجاوره. وقيل: مأخوذ من الوجبة، وهي (٤) الاضطراب، سمي به لاضطراب في (٥) دليل ثبوته (٦). وأما في عرف الشرع - فمقرر على وضع اللغة، فإن الواجب يلازم الذي عليه بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بإسقاطه عن نفسه، ويكون كالساقط عليه، فيحتاج إلى تفريغ (٧) نفسه عنه. وأما المندوب إليه: في اللغة-[فـ] هو المدعو إليه. فإن الندب فب اللغة (٨) هو الدعاء- يقال: ندبته إلى كذا فانتدب؛ أي دعوته فأجاب. ولهذا يسمى هذا النوع من الأمر أمراً طريق الأدب، لأن (٩) الأدب في اللغة هو الدعاء أيضاً، ومنه سميت المائدة الموضوعة للدعوة مأدبة.

стр. 57

وأما في عرف الشرع -[فـ] اسم لفعل مدعو إليه (١) على طريق الاستحباب والترغيب، دون الحتم والإيجاب (٢). فأما المدعو إليه على طر يق (٣) الحتم والإيجاب (٤) [فـ] يسمى فرضاً وواجباً. وأما السنة: في اللغة -[فـ] عبارة عن مطلق الطريق، قال النبي ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (٥)، ومن سن سنة سيئة فعليه (٦) وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" أي من وضع طريقة حسنة أو سيئة. وقد يذكر في اللغة (٧) ويراد بها السيرة المطلقة، حسنة كانت أو سيئة - يقال: لفلان سنة حسنة مرضية. ولفلان سنة سيئة مذمومة (٨) - أي سيرة حسنة وسيرة سيئة (٩). قال الهذلي شعراً: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها. وأما في عرف الشرع -[فـ] مستعملة في هذين المعنيين، تقريراً للوضع اللغوي، لكن في الخير لا في الشر. فالسنة، في عرف الشرع، هي الطريقة المسلوكة في الدين. يقال: سنة رسول الله ﷺ ، وسنة الخلفاء

стр. 58

الراشدين ﵃، وسنة الصالحين - أي طريقتهم المرضية وسيرتهم المحمودة. وأما النفل: في اللغة -[فـ] عبارة عن الزيادة. ولهذا سمي ولد الولد "نافلة"، لكونه زيادة على الولد الصلبي. وسميت الغنيمة (١) "نفلا" لأنها زيادة على ما وضع له الجهاد من الثواب في الدار (٢) الآخرة. وأما في عرف الشرع-[فـ] اسم لما هو زيادة على الفرائض والواجبات على تقرير الوضع اللغوي. وأما التطوع: في اللغة -[فـ] اسم لكل خير يباشره المرء عن طوع واختيار (٣) من غير إيجاب موجب. تفعل من الطوع والطواعية والطاعة. وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة، قال الله تعالى: "ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم" (٤). وأما حدود هذه الألفاظ عند الفقهاء والمتكلمين: أما حد الفرض في عرف الفقهاء: [فـ] ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به. وحد الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة العلم.

стр. 59

نظير الأول - الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصوم رمضان، والحج، ونحوها (١). ونظير الثاني - ما ثبت وجوبه بالقياس وخبر الواحد، نحو الوتر وصدقة الفطر والأضحية ونحوها. وأنكر أصحاب الحديث ما ذكرنا، وقالوا: لا نعرف إلا الواجب والسنة، فالفرض والواجب (٢) سواء. وقلنا نحن (٣): هما قسمان حقيقة، لأن الفعل الذي يجب تحصيله على وجه لا شبهة في وجوبه و (٤) لزومه ويجب أن يعتقد كونه فرضاً (٥) عليه، يخالف الفعل (٦) الذي يجب العمل به مع الاحتمال والشبهة دون الاعتقاد بكونه واجباً قطعًا إلا ظاهراً. ولهذا يكفر جاحد القسم الأول دون الثاني. وإذا كانا مختلفين في الأحكام فلابد من الاختلاف في الاسم (٧) للتمييز بينهما، فسمينا القسم الأول فرضاً وبقينا اسم الجنس على الثاني، والخلاف وين الفقهاء لا (٨) يجري في الأسماء (٩) وإنما يجري في الأحكام على مراتب الحقائق. ثم تكلم الفقهاء والمتكلمون في حد الفرض حقيقة وحد الواجب القطعي: قال بعضهم: ما يعاقب المكلف على تركه ويثاب على تحصيله. وهذا ليس بصحيح:

стр. 60

- فإن الصلاة في أول الوقت فرض: حتى لو أداها في الأول يقع فرضاً ولا يأثم بتركه (١)، حتى لو مات قبل آخر الوقت لقي الله تعالى ولا شيء عليه. وكذا صوم رمضان: عزيمة في حق المسافر، حتى يكون الأداء أفضل، ولو أدى يقع فرضاً، ولا يعاقب على تركه، حتى لو مات قبل رمضان آخر (٢) لا يؤاخذ به. - وكذا باطل بمن ترك الفرض ثم عفا الله تعالى عنه: فإن هذا فرض، ولا يعاقب على تركه. وقال بعضهم: ما لا يؤمن العذاب على تركه، أو ما يخاف العقوبة على تركه. وهذا ليس بصحيح: فإن الصلاة في أول الوقت وصوم رمضان في حق المسافر، مما (٣) يؤمن العذاب على تركه - وهو فرض. وقال بعضهم: ما فيه وعيد لتاركه. وهذا لا يصح: فإن الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر، فرض، وليس فيه وعيد لتاركه. وقال بعضهم: الفرض ما يستحق العذاب على تركه. وهذا لا يصح؛ لأنه: - إن عنى بالاستحقاق أن الله تعالى حكم عليه (٤) بالعذاب جزاء على قدر ذنبه بحيث (٥) لا يجوز تركه، فباطل، لأن (٦) عفو الله تعالى عما سوى

стр. 61

الكفر في مشيئته (١)، وإذا عفا الله تعالى عنه (٢) لا يعاقبه بعد العفو، وحكم الله تعالى نافذ لا محالة، و (٣) لا يجوز غيره، ولا يجوز الخلف في خبره، فلا يكون هذا تفسيراً للاستحقاق (٤). - وإن عني به أنه لم يحكم عليه بالعذاب، ولكن جائز أن يعذبه وجائز أن لا يعذبه، فلا يكون هذا (٥) مستحقاً. وقال بعض المعتزلة: الواجب القطعي (٦) فعل للإخلال به مدخل في استحقاق الدّم أو فعل للإخلال به تأثير في استحقاق الذم. وفيه نظر - فإنه يقال له: - إن عنيتت بالإخلال: هو ترك الفعل أو (٧) الامتناع عنه (٨) بالاشتغال بضده، فهو باطل بالصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض، وليس لتركه أثر في استحقاق الذم. - وإن (٩) عنيت بالإخلال عدم الفعل الواجب منه، وأن لا يفعل ذلك الفعل الواجب، فهو فاسد، لأن الذم إنما يحسن على الفعل، لا على عدم الفعل، فإن العلم ليس بشيء، فكيف (١٠) يستحق الذم بتركه (١١) عليه.

стр. 62

- ثم هو باطل بما ذكرنا من الصلاة (١) في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض وواجب قطعًا، وليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، على التفسير الذي ذكرت. ومنهم من زاد على هذا الحد، احترازاً عما ذكرنا، فقال (٢): الواجب فعل للإخلال به أو للإخلال ببدله تأثير في استحقاق الذم. وهو فاسد؛ لأنه حد مقسم، والحد المقسم فاسد، على ما يعرف فساده بعد (٣) إن شاء الله تعالى. ثم هو باطل بمن ترك صوم رمضان من غير (٤) عذر، ومات من غير قضاء (٥) بعد إدراك وقت القضاء (٦)، فهو (٧) يستحق الدم بالإخلال بالأصل والبدل جميعاً. وقد ذكرت الحد في أحدهما لأن حرف "أو" يتناول أحد المذكورين، أي يستحق الذم، إما بالإخلال بالأصل أو بالإخلال بالبدل (٨)، وهو فرض. فهذا يبطل الحد الذي ذكرت. فإن ذكرت بحرف الواو (٩) فيبطل بالمسافر إذا مات بعد ما أدرك وقت القضاء، فإنه يستحق اللذم بأحدهما، وهو البدلت، دون الأصل وهو فرض. وأما الحدود الصحيحة: [فـ] منها قولهم: الفرض ى فعل يستحق الذم على تركه من غير عذر. واستحقاق الذم حكم من الله تعالى، حال وجود الفعل منه: بكونه فاسقًا وعاصياً، والتسمية له (١٠) بذلك، وهو (١١) حكم معلوم منجز للحال.

стр. 63

فأما القول باستحقاق العذاب فمتردد، وهو في مشيئة الله تعالى على ما ذكرنا (١). والأصح أن يقال: ما يحسن الذم على تركه من غير عذر. وإن شئت قلت: ما أمر الله تعالى بذم تاركه من غير عذر. [و] لا يلزم على هذه الحدود: المسافر إذا مات قبل إدراك وقت القضاء: فإنه فاته الأصل والبدل، ولا يستحق الذم على ذلك، وهو فرض في حقه؛ لأنه ترك بعذر السَّفر. ولا يلزم الصلاة في أول الوقت (٢) لأنها (٣) غير واجبة، وإنما وتعين الوجوب بالشروع فيها أو في آخر الوقت. ولا يلزم إسلام الصبي، لأنه ترك بعذر الصبا. وإن شئت قلت: الواجب فعل لو أتى به يقع مستحقاً؛ أي لم يقع تبرعاً. وإن شئت قلت: الواجب ما أوجبه (٤) الله تعالى. ثم إيجاب الله تعالى يعرف بدليله. وليس من شرط كونه واجبًا أن يتعلق العقاب بتركه، وليس هو من لوازمه. ويدخل تحت هذا الحد: الواجب القطعي، والواجب مع الاحتمال، والواجب الموسع، والمضيق، والمخير، والمرخص (٥). والله أعلم. وأما حد المندوب: فما رغب (٦) في تحصيله من غير إيجاب. وقيل: ما يكون تحصيله أولى من تركه. وقيل: ما يكون في مباشرته ثواب، وليس في تركه عقاب.

стр. 64

وقيل: ما [يحث] (١) المكلف على تحصيله من غير إيجاب. وهذا لا يصح: فإن فعل الصبي العاقل (٢) في الصوم والصلاة والحج مندوب إليه، وهو ليس بمكلف. وكذا إسلام الصبي العاقل صحيح من غير تكليف، ولا شك أن الإسلام لا يوصف بالإباحة - كيف وقد ورد الحديث عن النبي ﷺ : "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً" (٣). وأما حد السنة: [فـ] قيل (٤): ما واظب عليها (٥) رسول الله ﷺ ولم يتركه إلا لعذر (٦). وهذا الحد موافق للغة - يقال: سننت الماء، إذا والى في الصب. وأما حد التطوع: [فـ] قيل: هو (٧) اكتساب الخير طوعاً. وأما حد (٨) النفل: [فـ] قيل (٩) هو قربة زائدة على القرب الواجبة (١٠).

стр. 65

[٢] ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: عبادة، وقربة، وطاعة أما العبادة: فهي (١) في اللغة: عبارة عن الخضوع والتذلل. يقال: طريق معبد أي مذلل. وأما حدها: - فقد قيل: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، للمعبود، بأمره. [فـ] لا يلزم الصلاة بغير طهارة، وصلاة أهل الذمة، وعبادة الأصنام- حيث؛ لا تكون عبادة، مع وجود نهاية الخضوع للمعبود، لأنه لم يوجد الأمر من المعبود بذلك. لكن هذا يبطل بعبادة فرعون بأمره: فإنه (٢) نهاية الخضوع والتذلل للمعبود بأمره (٣)، إلا يكون عبادة، فينبغي أن يغير هذه (٤) العبارة فيقال: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، لمن يستحق، بأمره. - وقيل: فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالى، بأمره- بخلاف القربة: فإنه يراد بها (٥) تعظيم الله تعالى مع إرادة ما وضع له الفعل من الغرض، نحو الوطء الحلال الذي أريد به حصول الولد ليوحد الله تعالى ويعبده مع إرادة اقتضاء الشهوة. وكذا بناء المساجد (٦) والرباطات: قربة،

стр. 66

لأنه يراد به (١) وجه الله تعالى مع إرادة حصول المنفعة للناس. - وقيل: العبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وتوجيهه (٢) إليه - قال الله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" (٣). وأما القربة: فما فيها وجه التقريب إلى الله (٤) تعالى بما فيه من الإحسان، بعبادته (٥)، وتعظيم أمره، وإن كان نفس العمل لنفسه أو لغيره. وأما حد الطاعة: - فهو موافقة الأمر. - وقيل: هو (٦) العمل، لغيره، بأمره، طوعاً. ولهذا لا تجوز العبادة لغير الله تعالى، وتجوز الطاعة لغيره - قال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (٧) ". وكذا التقريب (٨) إلى غير الله تعالى، لاختصاصه بالعلم والزهد، جائز، ويكون سبب الثواب (٩) إذا كان قصده تعظيم الله تعالى وتعظيم العلم والزهد. فهذا (١٠) هو الفرق بين هذه الجملة.

стр. 67

[٣] ومن أنواع (١) الأحكام، مما (٢) يدخل في العبادات والمعاملات، كون (٣) الفعل: صحيحاً، وجائزاً، ونافذاً، وموقوفاً. وكونه فاسداً، وباطلاً أما الصحيح: في اللغة: فيستعمل في الجمادات فيما استوى تركيبه الخاص، وفيه صلابة وشدة - يقال: هذه اسطوانة (٤) صحيحة وخشبة منكسرة (٥)، وكوز صحيح وكوز منكسر إذا كان فيه نوع نقصان. ويستعمل في الحيوانات فيما اعتدلت طبيعته واستكمل (٦) قوته مع انتفاء أسباب الهلاك والنقصان عن المعاني الباطنة - يقال: "رجل صحيح" و "رجل سقيم" (٧) و "فلان مصحاح" و "فلان مسقام". وأما في عرف الشرع: فيستعمل (٨) فيما استجمع أركانه وشرائطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا في حق الحكم (٩)، نقلاً للاسم من المحسوس إلى المشروع، لمشابهة بينهما في اعتدال الأجزاء والأركان، واعتبار ذلك فيما وضع له وأريد به (١٠) - في قال: صلاة صحيحة وصوم صحيح

стр. 68

وبيع صحيح - إذا وجد أركانه وشروطه (١). وتبين بهذا (٢) أن الصحة ليست بمعنى زائد على نفس التصرف وإنما يرجع إلى ذاته من وجود أركانه وشرائطه الموضوعة له شرعاً. وأما الجائز والنافذ: فهما في اللغة: مأخوذان من المجاوزة عن (٣) الشيء. يقال: جاز السهم ونفذ إذا جاوز (٤) عن الشيء الذي (٥) أصابه وتعدى عنه. ولهذا يقال في الدعاء: "وجوازاً (٦) على الصراط". وأما في عرف الشرع: فيستعمل (٧) بمعنى الاحتساب والاعتبار في حق الحكم- يقال: صلاة جائزة وصوم جائز (٨) وبيع جائز ونافذ، أي محسوب (٩) معتبر في الشرع، يظهر نفاذه إلى حصول ما وضع له في الشرع من الثواب في العبادات (١٠)، والحكم المقصود الذي شرع له (١١) في المعاملات مع الأمن عن الذم والإثم شرعًا. وأما البيع الموقوف والتصرف الموقوف: فهو الذي لا يعرف حكمه للحال، مع وجود ركن التصرف، لعارض اعترض عليه. ومتى زال العارض (١٢) ثبت الحكم من وقت وجود

стр. 69

العقد (١)، إما من كل وجه، أو من وجه، فيجب التوقف في الجواب: أنه هل له حكم في الحال (٢) أم لا؟ فإنه لا يدرى أنه هل يزول المانع أم لا؟ وهل يجاز (٣) العقد أو يفسخ؟ والتوقف في الجواب في موضع الجهل واجب، ويعرف حقيقته في باب القياس في فصل (٤) بيان الأسباب إن شاء الله تعالى. وأما بيان الفاسد والباطل: في اللغة: فالفاسد من الأعيان ما تغير عن حاله واختل ما هو المقصود منه - يقال (٥): طعام فاسد إذا تغير ولحم فاسد إذا أنتن (٦). والباطل من الأعيان هو الذي انعدم معناه المخلوق له، وفات، بحيث لم يبق إلا صورته. ولهذا مقابل (٧) الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت. وأما في عرف الشرع: [فـ] يراد بهما ما هو المفهوم مهما في وضع اللغة (٨). فالفاسد هو ما كان مشروعاً في نفسه، فائت (٩) المعنى من وجه، لملازمة ما ليس بمشروع إياه، بحكم الحال، مع تصور الانفصال في الجملة. والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة: إما لانعدام محل التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل، على ما يعرف (١٠) في باب النهي (١١) إن شاء الله تعالى.

стр. 70

[٤] ومن أنواع الأحكام أيضاً كون الفعل: حراماً، ومحرماً، ومحظوراً، ومنهياً، ومكروهاً وعلى مقابلتها (١) كونه: حلالًا، ومحللاً، ومباحاً، ومأذوناً، ومطلقاً، ومشروعاً أما الحرام والمحرم: في اللغة - فهو (٢) الممنوع. والحرمة والحرمان والتحريم هو المنع. قال الله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل" (٣) أي منعنا. ويقال: حرمت الرجل العطية إذا منعته (٤). وكذا النهي: لغة - هو المنع، والمنهي الممنوع - قال الله تعالى: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى" (٥) أي امتنع. ومنه قيل: "لا تنه عن خلق وتأتي مثله" (٦) أي لا تمنع. وكذا المحظور: الممنوع. والحظر هو (٧) المنع. ومنه الحظيرة. وأما المكروه: فمأخوذ من الكره، والكراهة، الذي هو ضد المحبة والرضا - قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم" (٨).

стр. 71

فالمكروه ضد (١) المندوب والمحبوب لغة. والكراهة ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله تعالى كاره للكفر والمعاصي أي ليس (٢) براض بها ولا محب لها، وإن كان (٣) الكفر والمعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته. وعند المعتزلة: الكراهة ضد الإرادة أيضاً (٤) على ما عرف في أصول (٥) الكلام. وأما الحلال والمحلل: في اللغة -[فـ] مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق. ومنه حل العقدة وهو نقيض العقد. قال الله تعالى خبراً (٦) عن موسى صلوات الله عليه وسلامه: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" (٧). وأما المباح: في اللغة -[فـ] الظاهر [أنه] مأخوذ من قولهم: باح فلان بسر فلان بوحاً أي أظهره. ويكون باح به وأباح بمعنى واحد (٨). وأما الإطلاق: فهو (٩) الفتح ورفع القيد، وهو معروف. وأما الإذن: فهو الإعلام - قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" (١٠) أي إعلام.

стр. 72

وأما المشروع: [فـ] مأخوذ من الشرع، وهو البيان والإظهار - يقال: شرع الله تعالى كذا أي أظهره وجعله (١) مبيناً ظاهراً. ومنه سميت المشرعة والشريعة لمكان ظاهر معلوم من البحر والنهر نغترف منه الماء ويشرب منه الدواب. وقيل: المشروع (٢) والشريعة والشرعة الطريق المسلوك (٣) في الدين - يقال: شرع فلان في أمر كذا إذا أخذ فيه، وابتدأ ذلك (٤). ومنه الشروع في الصوم والصلاة. ومنه سميت الشريعة (٥) لأنه يشرع فيها (٦) للغسل والتبرد (٧). وفي عرف الشرع: اسم لفعل أظهره الشرع، عن غير حجر وإنكار، ولا ندب وإيجاب (٨) على مقتضى اللغة. فالحلال (٩) والمطلق والمأذون نظائر (١٠)، والمندوب إليه والمحبوب والمرضي نظائر. والمشروع شامل للكل. وأما حدودها عند الفقهاء والمتكلمين: أما حد الحرام والمحرم والمنهي:

стр. 73

فعلى خلاف ما ذكرنا من (١) حد الفرض والواجب القطعي - أعني أن من قال في حد الواجب "ما يأثم بتركه" يقول في الحرام: "ما يأثم بفعله". ومن قال في حد الواجب: "ما أوعد على تركه" يقول في حد (٢) الحرام: "ما أوعد على فعله" إلى (٣) آخر ما تكلموا فيه (٤). وقيل: المحرم ما حرم فعله. وقيل: ما منع من (٥) فعله، وقد ثبت المنع بدليله من النهي والخبر عن الحرمة. ولكن إنما يصح هذا الحد على قول من يقول بتحريم الأفعال دون الأعيان، فيجب أن يذكر على الإطلاق، حتى يصح (٦) هذا التحديد بالاتفاق، فيقال: المحرم هو الممنوع شرعًا حتى يدخل تحته الأفعال والأعيان جميعاً (٧). وقد اختلف المشايخ في أن تحريم الأعيان هل يكون على سبيل الحقيقة أو يضاف إليها الحرمة مجازاً على ما نذكر إن شاء الله تعالى. وأما حد المكروه: [فـ] قيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله. وقيل: ما الأولى أن لا يفعل.

стр. 74

وأما حد الحلال: [فـ] هو المطاق بالإذن شرعًا (١). وقيل: التحليل إطلاق الفعل، لمن يجوز عليه المنع والحجر والتقييد، بالإذن. وزيادة معنى على كونه مطلقاً (٢) احترازاً عن فعل المجانين والبهائم، فإنه لا يوصف بالحل والحرمة (٣) , لأنه لا إذن في حقهم ولا حجر. فأما أفعال الصبي العاقل-[فـ] هل يوصف بالحل والحرمة (٤) والإباحة والندب؟ فأصحاب (٥) الحديث قالوا: لا يوصف به؛ لأنه لا خطاب عليهم. ونحن نقول: يوصف فعل الصبي العاقل بالحل والإباحة والندب، لوجود الإذن (٦) من الله تعالى في حقه - قال النبي ﷺ : "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً" (٧)، لكن لا يوصف فعله بالحرمة، لانعدام خطاب النهي في حقه (٨). وأما حد المباح: [فـ] قيل: ما استوى فعله وتركه في الشريعة. وهذا يبطل بفعل البهائم والمجانين.

стр. 75

وقيل: ما لا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب (١). وهذا يبطل أيضاً بما قلنا. وقيل: ما يتخير العاقل فيه بين الترك والتحصيل شرعًا. وأما حد المشروع: [فـ] قيل: ما بين الله تعالى فعله من من غير إنكار. وقيل: ما جعله (٢) الله تعالى شريعة لعباده؛ أي طريقاً ومذهباً يسلكونه اعتقاداً وعملاً (٣) على وفق ما شرع. [٥] ومن أنواع الأحكام (٤) أيضاً كون الفعل: حسنًا، ومرضياً، وحقاً، وصواباً، وعدلاً، وحكمة وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال: فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه (٥). أما الحسن: في اللغة (٦): فهو (٧) كون الشيء على وجه تقبله النفس، و (٨) يميل إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه.
следующие страницы →