مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
***************
مشكلة الثقافة
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مشكلة الثقافة
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
مشكلة الثقافة
ترجمة عبد الصبور شاهين
دار الفكر
стр. 4
إعادة
١٤٢٠هـ = ٢٠٠٠م
ط٤: ١٩٨٤م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١ ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان وصية، سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف بـ (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية كان- ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف، في كل ما ينشر بالعربية أو غيرها مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
تصدير
كنا في الطبعة السابقة قد التزمنا الطبعة الثانية، كما أشرف عليها فيلسوفنا مالك بن نبي- ﵀ حينما حضر إلى لبنان في حزيران عام ١٩٧١م.
ثم بدا لي من بعد ذلك أن أضيف إلى فصول الكتاب فصلاً جديداً تماماً على الذي أفاض في شرحه بن نبي، وهو يتحدث عن الثقافة في اتجاه العالمية.
فقد سلمني- ﵀ عام ١٩٧١م حين زيارته إلى طرابلس لبنان مقالاً، نشر في إحدى المجلات الناطقة بالفرنسية، يجمع بين نص البيان الذي كان قد وجهه عام ١٩٥٩م إلى مؤتمر الكتاب الإفريقيين السود في روما- وهو يمثل الفصل الأخير من هذا الكتاب- وبين تعقيب عليه، يعبر عن رؤية أودعها المؤلف مؤتمراً آخر للكتاب الإفريقيين انعقد عام ١٩٦٩م. وقد وضع لهذا التعقيب بخط يده وبالفرنسية عنواناً (ما ضد الثقافة)، كما وضع للبيان الأول المنشور في الفصل الأخير من هذا الكتاب عنواناً (الثقافة والتاريخ).
وإذ اشتمل هذا المقال على ما يتمم فكرة الأستاذ بن نبي عن مشكلة الثقافة، فقد عدنا إلى ترجمته إلى العربية، وإضافته إلى هذا الكتاب تنفيذاً لوصية المؤلف في تبليغ أفكاره إلى قراء العربية.
وكتاب (مشكلة الثقافة) في أساسه قد فرّقت بين فصوله المناسبات؛ وإذا ذكرت دوافع إصداره عام ١٩٥٩، فذلك لأنني رأيتها صدىً لما كان قد كتبه مالك بن نبي وأصدره بالعربية في (شروط النهضة) و (فكرة الإفريقية الآسيوية).
ففي المعادي في القاهرة كان يسكن بن نبي عام ١٩٥٩م، وكان الطلاب يرتادون مجلسه بين الحين والحين، وأكثرهم يأتيه مستوضحاً مفهوم الثقافة فيما كتب في (شروط النهضة وفكرة الإفريقية الآسيوية).
стр. 7
وظل في حديثه يوماً بعد يوم يدلف من خلال تحليل مفهوم الثقافة عبر تطور الحضارات وتدافُع الشعوب، إلى أن تكونت لديه فكرة الكتاب.
ولقد زكّى مبادرته ما كان قد حمل إليه أحد الطلاب السوريين من تعريف للثقافة، تلقاه في محاضرات الجامعة نقلاً عن المفكريْن الأمريكييْن (وليام أوجبرن ورالف لنتون)، ثم ما كان قد وقع في يده من كتاب (دور الأفكار التقدمية) للماركسي (كونستانتينوف)، وكان رائج التداول ذلك الحين، كمثله من منشورات الفكر الماركسي.
وفي ظل امتداد (الأفكار التقدمية) عام ١٩٥٩م، علينا أن ندرك أهمية الحديث، عن المفاهيم والمصطلحات التي كونت الفكر الجامعي في القاهرة وسواها من مدن العالم العربي.
فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة، لم تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي، أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي.
لذا شعر أستاذنا مالك بن نبي بالحاجة إلى جمع أفكاره حول الثقافة وعرضها من جديد، في صورة تحليلية تحفز الفكر العربي والإسلامي، وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات، بوسائله الخاصة، ووفق المعطيات النابعة من تجربته.
وإذا كان كتاب (مشكلة الثقافة) قد ابتدأ فيض التجربة، وما اقتضته التطورات والأيام من توضيح وبيان، فقد شاء الله أن يضم بين دفتيه البداية والنهاية معاً، وأن تجتمع كلمات بن نبي عن الثقافة في بواكير إنتاجه الفكري عام ١٩٤٧م في (شروط النهضة)، حين أخرجه بالفرنسية مع نظراته فيها عام ١٩٦٩م، في السنوات الأخيرة من نضاله في سبيل القضية.
﵀ وأجزل ثوابه جزاء ما قدم من خير، وضحَّى من جهد.
طرابلس لبنان ٢٧ شباط ١٩٨٠
عمر مسقاوي
стр. 8
الإهداء
إلى الشباب
المتطلع إلى العودة بالمجتمع الإسلامي
إلى حلبة التاريخ
مالك
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت بالقاهرة منذ اثنتي عشرة سنة، وكانت الأفكار التي تعرضها- فيما أعتقد- غريبة في الوسط المثقف العربي، إذ لم تكن سبقت دراسة في هذا الموضوع من دارس عربي، خصوصاً إذا أضفنا أن المؤلف- كما تبين هذا في الفصول الأولى- قد تناول القضية من زاوية جديدة، لأنه كان أثناء دراسته منقاداً بشعور من يبحث عن ضالة؛ بينما عالم الاجتماع في الغرب أو حتى في الشرق الأوروبي، يتناول الموضوع وهو ممتلئ بشعوره. أنه إنما يصف واقعاً اجتماعياً شاخصاً أمام عينيه في نظم بلاده، وفي فعالية السلوك حوله، وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، ذاك الترابط الذي هو في جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد.
بينما كان المؤلف مضطراً أن يقف موقف الباحث عن سبب أو أسباب هذا الالتزام، في مجتمعٍ فقده منذ شاعت فيه الروح الانعزالية التي وجدت فلسفتها في تلك الكلمة القتّالة: (عليك بخاصة نفسك) التي رددتها أجيال مسلمة عبر قرون عصر ما بعد الموحدين.
إذن كانت فعلاً الأفكار التي تعرضها هذه الدراسة غريبة، وغريبة من ناحيتين:
أولاً: لأنها لم تتوخ منهج الدراسات الغربية في الموضوع لأسباب منهجية قدمها المؤلف في الصفحات التالية.
وثانياً: لأن الأفكار المعروضة هنا ليست في جوهرها إلا أمتداداً وشرحاً تحليلياً من ناحية، وتركيباً من أخرى للأفكار التي قدمها في أحد فصول كتابه (شروط النهضة)، الذي نشر منذ ربع قرن باللغة الفرنسية، أي عندما كان الموضوع بكراً لا بالنسبة للعالم الإسلامي فحسب، بل أيضاً في بلاد الغرب.
стр. 10
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن نضيف أن هذه الطبعة تمتاز بالنسبة للأولى بفصل جديد (الأزمة الثقافية)، رأيت من الضروري إضافته حتى أطلع القارئ العربي على أغوار أخرى للقضية.
إنني عندما أراجع نفسي بوصفي مؤلفاً، أراني سرت في الطبعة الأولى على قاعدة (العالم بخير)، أي أنه يكفي إبراز الجوانب الإيجابية للقضية لوضع يد القارئ على حلها، أو على الأقل لوضع قدميه في طريق حلها.
ولكن الأيام تكمل التجربة وتتم الخبرة، فالسنوات التي مرت منذ الطبعة الأولى بينت لي أن الأمر ليس على هذا الجانب من اليسر، وأن الدلالة على الخير- وإن كانت من الخير- لا تكفي لتحقيقه في الميدان العملي، إن لم تصحب هذه الإشارة الخيرة إشارة أخرى، تدل على مطبات الشر التي قد يتعثر السير عليها، وربما يستحيل أمامها.
إن الفصل الذي عقدته في هذه الطبعة لـ (الأزمة الثقافية)، إنما قصدت به أن أضع بعض معالم الإنذار على بعض تلك المطبات، التي تجعل سير المجتمع مستحيلاً، فلعل القارئ العربي يعيره بعض الاهتمام.
بيروت ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ
مالك بن نبي
стр. 11
مقدمة الطبعة الأولى
جرى العرف إذا ما أريد الحديث عن الثقافة أن تقتصر مشكلتها في ذهن القارئ على قضية الأفكار.
والحق أن المشكلة هي كذلك في جانب من جوانبها؛ ولكن الثقافة لا تضم في مفهومها الأفكار فحسب، وإنما تضم أشياء أعم من ذلك كثيراً، تخص- كما سنرى خلال عرضنا- أسلوب الحياة في مجتمع معين من ناحية، كما تخص السلوك الاجتماعي الذي يطبع تصرفات الفرد في ذلك المجتمع من ناحية أخرى.
ومع ذلك فإذا لم يكن من دافع يدفعنا إلى هذه الدراسة سوى مشكلة الأفكار، فإن مسوغاً كهذا قد يكون كافياً في الظروف الراهنة التي يعيشها العالم الإسلامي والبلاد العربية.
وسيكون هذا المسوغ في الواقع صادقاً في نظرتين، ومن المحتمل أن يصدق في نظرة ثالثة.
إن تنظيم المجتمع وحياته وحركته، بل فوضاه وخموده وركوده، كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك المجتمع؛ فإذا ما تغير هذا النظام بطريقة أو بأخرى فإن جميع الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الاتجاه نفسه. إن الأفكار تكون في مجموعها جزءاً هاماً من أدوات التطور في مجتمع معين، كما أن مختلف مراحل تطوره هي في الحقيقة أشكال متنوعة لحركة تطوره الفكري؛ فإذا ما كانت إحدى هذه المراحل تنطبق على ما يسمى بالنهضة، فإن معنى هذا أن المجتمع في هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع من الأفكار، وإن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله الحيوية حلاً مناسباً.
ومثالنا على ذلك أننا نرى في أيامنا هذه مجتمعات معاصرة تطبق حلولاً مختلفة بصدد مشكلة بسيطة هي مشكلة الذباب، هذا الاختلاف لا ينشأ عن سبب فني في المشكلة، بل
стр. 12
هو ناشئ عن اختلاف نظم الأفكار؛ ومن أجل هذا اختلفت فاعلية الحلول التي تطبقها ففي الصين تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب، بينما في أميركا تواجه بـ (د. د. ت).
ولكن لو أننا رأينا في مجال معين أثر الأفكار في مقاومة الحشرات، فقد نرى في مجال آخر أثرها الناقل للمرض. فمن المعلوم مثلاً أن الأجسام الحية قد تتناقل بعض الأمراض بواسطة العدوى. ولكنا منذ (باستور) و (كوخ) عرفنا أن الجراثيم هي العوامل التي تنقل هذه الأمراض.
ونحن نرى أن هناك شكلاً آخر من أشكال العدوى، هو ذلك الذي ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل، الأمر الذي يضطرنا تبعاً لطبيعة المشكلة ذاتها أن نقرر أن هناك أيضاً أنواعاً من الجراثيم الناقلة للأمراض الاجتماعية، هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية، أفكار تهدم كيان المجتمعات أو تعوق نموها.
وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، تجعل النمو الاجتاعي صعباً أو مستحيلاً.
وهنالك فضلاً عن ذلك جانب آخر لأهمية الأفكار في العالم الحديث: ففي القرن التاسع عشر كانت العلاقات بين الأمم والشعوب علاقات قوة، وكان مركز الأمة يقدر بعدد مصانعها ومدافعها وأساطيلها البخرية ورصيدها من الذهب. ولكن القرن العشرين قد سجل في هذا الصدد تطوراً معلوماً، هو أنه قد أعلى من الفكرة باعتبارها قيمة قومية ودولية. هذا التطور لم تشعر به كثيراً البلدان المتخلفة، لان عقدة تخلفها ذاتها قد نصبت في طريقها ضرباً من الغرام السقيم بمقاييس القوة، أي بالقاييس القائمة على (الأشياء).
فالرجل الذي يعيش في بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه بالنسبة للرجل الذي يعيش في بلد متقدم، وهو يلاحظ شيئاً فشيئاً أن الذي يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، وإنما هي مسافات ذات طبيعة أخرى.
стр. 13
والمسلم بسبب عقدة تخلفه يرد هذه المسافة إلى نطاق (الأشياء)، أو هو بتعبير آخر يرى أن تخلفه متمثل في نقص ما لديه من مدافع وطائرات ومصارف.
وبذلك يفقد مركب النقص لديه فاعليته الاجتماعية، إذ ينتهي من الوجهة النفسية إلى الشاؤم، كما ينتهي من الوجهة الاجتماعية إلى ما أطلقنا عليه (التكديس (١))، فلكي يصبح مركب النقص لديه فعالاً مؤثراً ينبغي أن يرد المسلم تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى (الأشياء)، فإن تطور العالم الجديد دائماً يتركز اعتماده على المقاييس الفكرية.
ولننظر كيف يفكر في هذا الصدد ممثلان من ممثلي (القوة)، أعني: رجلين يملك بلداهما أكبر قدر من الأشياء، ابتداء من الثلاجة الكهربية حتى الصاروخ.
ففي المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي الذي انعقد في موسكو أراد خروشوف أن يفحم خصومه فقال: "إن النجاح الاقتصادي هو أقوم مقياس لسلامة الأفكار"، فها نحن أولاء نرى فاعلية الأفكار في إطار اقتصادي قومي، أي عندما تكون الأفكار سليمة يصبح الاقتصاد ناجحاً.
أما في المجال الدولي فإن لدينا حكماً أصدره رجل آخر يمثل أيضاً عنصر القوة في المعسكر الغربي، فلقد نشر (جورج كينان) الدبلوماسي الأمريكي تحليلاً هاماً للوضع العالمي الراهن، كان قد ألقاه في عدة محاضرات، ثم نشره في كتاب بعنوان (روسيا والذرة والغرب)، وخلاصة ما ذهب إليه: أن هناك توازناً في القوى بين كلا الجانبين، وهذا التوازن يضطر كليهما إلى الكف عن الاعتداد بالأسلحة، وأن يكون اعتدادهما بالأفكار؛ ففي البلاد المتخلفة التي ما زالت حتى الآن ضمن مناطق النفوذ، لم يعد السلاح أو عائدات البترول بكافيين في تدعيم هذا النفوذ، وإنما هي الأفكار وحدها.
فالعالم قد دخل إذن في مرحلة لا يمكن أن تحل فيها أغلبية مشكلاته إلا على أساس نظم الأفكار، وفي مرحلة كهذه يتحتم على البلاد العربية والإسلامية أن تولي أكبر قدر من اهتهامها لمشكلة أفكارها، وخاصة تلك البلاد التي لا تملك كثيراً من أدوات القوة المادية.
стр. 14
وعليه فلو افرتضنا أن موضوع ثقافة معينة يرجع إلى مشكلة الأفكار فحسب، فإن ذلك كاف بوصفه مسوغاً نضعه بين يدي هذه الدراسة.
وربما وجد القارئ جوانب أخرى لم يكن يتوقعها في هذه الدراسة التي لا تمس السياسة من قريب أو بعيد، بيد أننا إذا ما قررنا أن لمشكلة الثقافة نوعيتها التاريخية والاجتماعية في حدود الزمان والمكان، وأن لأية ثقافة بحكم هذه النوعية وجودها الخاص الذي يرسم حدودها على الخريطة، إذا ما قررنا ذلك فمن العسير علينا ألا نربط هذه الملاحظة النظرية بالمشكلات السياسية التي تثير اهتمام العالم عامة، والبلاد التي تخصها تلك المشكلات خاصة.
فإذا ما أخذنا مثلاً موقف البلاد التي اتبعت في سياستها الدولية روح مؤتمر باندونج المتمثلة في (الحياد الإيجابي)، فمن الطبيعي أن نتصور أن هذه البلاد ينبغي أن تفكر في اقتصادها طبقاً لهذه الخطة السلوكية، بل أن تفكر في سياستها أيضاً بذلك الروح.
ولكن أليس من الطبيعي أن تتجه البلاد إلى أن تفكر في ثقافتها بالطريقة نفسها، أعني بذلك أن تكون ثقافتها متجاوبة مع فكرة (الحياد الإيجابي)؟!.
ومع ذلك فربما كان هذا السؤال عارياً عن المنطق أو خيالياً لو أنه كان متعارضاً- في النظرة الأولى- مع العناصر الذاتية في المشكلة. ولكن الوضع الاجتماعي في البلاد الإفريقية الآسيوية- ومن بينها البلاد العربية الإسلامية- يحتوي في مرحلة تطورها الراهنة كثيراً من العناصر النوعية، التي تتفق مع مقتضيات فكرة (الحياد الإيجابي) بحكم ضرورة داخلية، فهناك إذن ثقافة تتفق مع هذا الاتجاه السياسي بصورة طبيعية، وربما استطاع القارئ أن يلحظ ذلك ضمناً في ثنايا هذا العرض.
فمشكلة الثقافة في البلاد العربية والإسلامية تتصل في الحقيقة اليوم بجوانب مختلفة، جعلتني أرى من المفيد في هذه الدراسة بعد موضوعها الرئيسي الذي يحمل عنواناً (تحليل نفسي للثقافة)، أن أضيف بعض الأفكار التي نشرت من قبل في دراسات أخرى، فتجمع هنا تحت عنوان (تركيب نفسي للثقافة) وتحت عنوان (تعايش الثقافات). فهذد الإضافة تمليها طبيعة المنهج ووحدة الموضوع.
القاهرة: ٢٦/ ٢/ ١٩٥٩م
م. ب
стр. 15
الفصل الأول
تحليل نفسي للثقافة
стр. 16
أوّليات
ما هي الثقافة ؟
ليس في مقدورنا اليوم أن نعالج موضوعاً كهذا، دون أن نجد أنفسنا- في حالة التطور الراهنة في العالم العربي - أمام مشكلة لغوية وتاريخية.
فمن أين جاءت كلمة (ثقافة) ومنذ متى استخدمت في اللغة العربية؟
إن أول فكرة تخطر لنا للإجابة عن سؤال كهذا هي أن نستشير قاموساً، ولكن القواميس الموجودة بين أيدينا لا تذكر هذه الكلمة إلا لماماً، سواء في ذلك القديمة والحديثة. فلسان العرب يقول في المجلد العاشر: ((يقال ثقف الشيء وهو سرعة التعلم))، ويقول ابن دريد: ((ثقفت الشيء حذقته))، وفي حديث الهجرة: ((هو غلام شاب لقن ثقف)) [رواه البخاري]، أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.
والعلامة فريد وجدي يقول في (دائرة معارف القرن العشرين/ المجلد الثاني): " ثقِف يثقف ثقافة: فطن وحذق، وثقف العلم في أسرع مدة أي أسرع أخذه، وثقفه يثقفه ثقفاً: غلبه في الحذق، والثَّقيف: الحاذق الفطن)).
والقواميس الحديثة تقول: ((ثقف ثقافة: صار حاذقاً خفيفاً، وثقف الكلام فهمه بسرعة)).
وفي هذه النصوص من التشابه ما يدعونا إلى أن نعدها نسخاً مكررة نقل بعضها عن بعض.
стр. 17
فإذا ما رجعنا قليلاً في مجال هذا البحث لم نجد أثراً لتلك الكلمة في لغة ابن خلدون (١)، الذي يعد على أية حال المرجع الأول لعلم الاجتماع العربي في العصر الوسيط. ولو ردنا في رجوعنا إلى ما قبل ذلك لم نجد الكلمة مستعملة في العصر الأموي والعباسي، إذ لا أثر لها في اللغة الأدبية أو في اللغة الرسمية والإدارية لذلك العصر، فتاريخ هذه الحقبة لم يرو وجود لائحة إدارية خاصة بمنظمة معينة أو عمل من الأعمال يتصل بالثقافة، ولم يحدث أن وقفت عين من الأعيان لفائدة عمل أو منظمة من هذا القبيل.
ومع ذلك فإن تاريخ هذه الحقبة، يدل على أن الثقافة العربيةكانت آنئذ في قمة ازدهارها.
لعل في هذا الموقف نوعاً من التعارض، ولكنه تعارض لا يتصل بمسألة لغوية فحسب، فإن الاختلاف بين الموقفين أكثر عمقاً، إذ هو الفرق بين واقع اجتماعي وبين درجة تقبله بوصفه فكرة في مجال شعورنا، أي عنصراً من عناصر الإدراك مندمج في بنائنا العقلي.
وهذا الواقع فيه من الدقة ما يحتاج معه إلى مزيد من الإيضاح، فالحق أن المشكلة هي مشكلة ما جرينا عليه في تحديد معاني الأشياء بصفة عامة.
كيف يتكون تعريف معين في عقولنا؟
إن من الواجب أن نعود إلى العناصر النفسية الاجتماعية للمشكلة.
فـ (يونج) يعرف (الذات) أو (الأنا) في صورة أخّاذة فيقول: ((الأنا هي جزيرة صغيرة في مجال غير محدود يمثل اللاشعور)).
стр. 18
ولا بد أن نضيف إلى هذه الصورة عنصراً آخر كيما تصبح صالحة لما نحن بصدده، فالجزيرة الصغيرة تحمل مناراً يغمر بضوئه امتداد المياه حوله، فالمنار هو شعورنا، والساحة التي يغمرها الضوء هي مجال شعورنا، وهي تتراءى في صورة من الضوء تتفاوت في مدى امتدادها حول الجزيرة، فكل ما يقع خارج هذا المجال يغمره الظلام، وهو داخل في مجال اللاشعور بالنسبة لعالم ذواتنا الباطن، كما يتصل بمجال (الشيء الممكن) بالنسبة للعالم الخارجي، عالم الشيء الذي لم تتحقق شخصيته بعد أمام شعورنا، أي الشيء الذي هو مجرد (حضور)، لا يتمتع بكيان مقرر.
إن (الشيء) لا يعد موجوداً بالنسبة لشعورنا إلا عندما يلد فكرة تصبح برهاناً على وجوده في عقلنا؛ فكل ما ينضوي داخلياً أو خارجياً في منطقة الضوء التي تحوط جزيرتنا يصبح (فكرة) تدخل إلى مجال معرفتنا، أي إلى شعورنا. ولكنه عندما يتم دخوله في هذه المنطقة من الضوء يصبح حضوره وجوداً حقيقياً، وحينئذ تنكشف شخصيته ويوضع بالتالي اسم يطلق عليه.
تلك هي عملية الإدراك عندما نريد أن نفهم الأشياء من الوجهة النفسية، أعني من وجهة نظر الفرد. أما إذا أردنا أن نتناولها من وجهة اجتماعية فسيكون علينا أن نحدث تفرقة بين الواقع الاجتماعي الذي يحدد أو يصنف، وبين الواقع الاجتماعي المدرك المتحقق، أي الواقع المترجم إلى مفهوم، المدرك على أنه موضوع للدراسة والمعرفة.
إن لكلتا العمليتين وجوهاً متماثلة: فتحقيق الشيء يتم بواسطة الإدراك الشعوري ثم يترجم إلى (اسم). وتحقيق الواقع الاجتماعي يتم بواسطة التصنيف ثم يترجم إلى (مفهوم).
فالاسم إذن هو أول تعريف للشيء الذي يدخل في نطاق شعورنا، فهو
стр. 19
تصديق على وجوده، وهو القوة التي تستخرجه من الفوضى المبهمة فتسجله في عقلنا في صورة حقيقية محددة.
والاسم بهذا الوضع يعد إذن أول درجة من درجات المعرفة، وأول خطوة نخطوها نحو العلم. فإذا سميتَ (شيئاً) فمعنى ذلك أنك تستخرج منه فكرة معينة، أي أنك تؤدي أول عمل من أعمال المعرفة بالنسبة لذلك الشيء، وهو العمل الذي يغير ((حضوره)) المجرد في ذلك الامتداد الهائل الذي يحوط (الأنا) إلى (وجود) تدركه (الأنا).
ولو أننا قرأنا وصف الحق ﵎ للمشهد الذي يدعو فيه آدم إلى تسمية الأشياء بأسمائها في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ٢/ ٣١ و ٣٢]- فربما أخطأنا فلم ندرك معنى الآية إلا على أنه يصف لنا مشهداً بسيطاً؛ والأمر على عكس ذلك تماماً، فينبغي أن نرى هنا في تلك الصورة الرمزية أول عمل جوهري للعقل الإنساني حين يسيطر على الأشياء، وهو يخلع عليها أسماءها، الأمر الذي لم تستطعه الملأئكة.
عملية التعريف:
ومع ذلك فهذا العمل الأول لا يعطينا سوى معرفة تجريبية، أعني معرفة تدخل في مفهوم التجربة، فإذا ما نظمت هذه المعرفة تبعاً لقواعد الفكر أخذت صفة العلم بسبب هذه القواعد.
فهناك إذن عملية تعريف تبدأ عندما يطلق الاسم على الشيء، وتنمو كلما أخذ الشيء معنى مركباً، أي أنه بعد أن يصبح اسماً يصبح فكرةً ثم مفهوماً .. إلخ.
стр. 20
ولقد اتبعت فكرة الزمن- مثلاً- هذا السياق، فإن الزمن لم يكن شيئاً مذكوراً، أو بمعنى أصح كان شيئاً لا عنوان له طالما لم يخترع الإنسان كلمة يطلقها عليه.
ثم أخذ اسماً حقق وجوده، فانتقل بذلك من مرحلة (الحضور) إلى مرحلة (الوجود) المعبر عنه بكلمة، ولكنه في ظل هذه الكلمة لم يكن يعني شيئاً كبيراً، بل كان فقط فكرة غامضة عن المدة الزمنية، تلك معرفة تجريبية.
لكن هذه الفكرة سوف تنمو في عقل الإنسان كما نظّم نشاطه في نطاق المدة، فكان من نتيجة تقسيم العمل في المجال الاجتماعي تقسيم الزمن في المجال النفسي، ومنذ ذلك الحين أصبح الزمن كمية تخضع للقياس، وإن كان هذا القياس ما زال في أول الطريق؛ فالعمل يقدر باليوم لا بالساعة لسبب بسيط، هو أن وحدة الزمن لم يتم تحديدها بعد، فحديث القدماء عن الساعة لم يكن حديثاً عن كمية محددة من الزمان، فكان على الإنسانية أن تنتظر الحضارة العربية لترى الزمان يقاس في النهاية قياساً رياضياً، لأن أحد الفلكيين المسلمين بالغرب وهو (أبو الحسن المراكشي) قد اخترع وحدته حين حدد (الساعات المتساوية)، أعني حين قسم مدة دوران الأرض أربعة وعشرين جزءاً متساوياً.
فمنذ ذلك الحين انتقل تحديد الزمن من المرحلة التجريبية إلى المرحلة العلمية.
ومنذ ذلك الحين أيضاً نمت فكرة الزمن حتى انتهت إلى (تايلور)، الذي جعل منها قاعدة جوهرية في التنظيم الصناعي في القرن التاسع عشر.
وها نحن أولاء اليوم نرى أن تلك القاعدة تسيطر على جميع نواحي النشاط الإنساني، حتى لنراها قد صارت جزءاً من مفهوم (الثقافة) في القرن العشرين، باعتبارها عنصراً جوهرياً في بناء (أنا) الفرد في المجتمع الحديث.
стр. 21
فكرة الثقافة:
هذه العملية التي فرغنا من وصفها فيما يتصل بفكرة الزمن، يمكن- في قليل أو في كثير- أن تعطينا فكرة عن كيفية تعريف (وحدة) أخرى كالثقافة مثلاً.
فهناك ظاهرة تثقيف تلقائي هي ثمرة طبيعية لأي مجتمع في أي وضع كان.
وبهذا المعنى يستطيع علماء الأجناس أن يتحدثوا عن ثقافات المجتمعات البدائية.
ذلك واقع اجتماعي عام حتى في المجتمعات البدائية، ولكنه واقع ظل زمناً طويلاً دون تحديد، أي أنه ظل مجرد شيء حاضر عار عن التسمية، وبذلك لم يتح له أن يصبح فكرة.
فروما كانت لها ثقافة (امبراطورية) كما كان لأثينا (ثقافة حضارة) كما سنرى فيما بعد، ولكن لا العبقرية الرومانية ولا العبقرية الإغريقية ابتكرت لفظاً أطلقته عنواناً على ثقافتها.
وكل ما كان في روما أو في أثينا إنما هو (حضور) ثقافة ما، لا تحديد وتشخيص لواقع اجتماعي أو تعريف لفكرة (ثقافة). وهكذا أيضاً كان الأمر في دمشق وفي بغداد. فليس لنا أن نعجب إذا لم نجد كلمة (ثقافة) في وثائق العصر أو في مؤلفات ابن خلدون؛ لأن فكرة (الثقافة) حديثة جاءتنا من أوروبا. ثم إننا نجد فيها كتب حديثاً عن هذا الموضوع في البلاد العربية، أن الكتّاب يقرنون دائماً كلمة (ثقافة) بكلمة culture مكتوبة بحروف لاتينية، كأنما يبتغون بهذا أن يقولوا: إن كلمة ثقافة لا تكتب إلا بهذا الوضع؛ وهؤلاء المؤلفون يعلمون دون ريب ما يفعلون، حين يقرنون الكلمة العربية بنظيرتها الأجنبية؛ فإن معنى هذا أنهم يدركون أن الكلمة لم تكتسب بعد في العربية قوة التحديد، التي ينبغي أن تتوافر لكل علم على مفهوم. فالكلمة إذن جديدة، أي أنها وجدت بطريقة
стр. 22
التوليد؛ والغريب أن الكاتب الذي صاغها- وربما كان ذلك في مستهل هذا القرن (١) - قد اختارها من بين عدد من الأصول اللغوية من مثل: (علم- أدب- فهم- أدرك- ثقف)، تلك الكلمات التي تدل على العمل أو العلاقة المعرفية. ومعنى هذا أنه اختار الكلمة التي تدل صورتها على طابع الروح الجاهلية.
وبوسعنا أن نقول: إن الفعل (ثقف) أصل لغوي يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام، حتى لنراه قد ورد في بعض آيات من القرآن الكريم من مثل قوله تعالى:
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١/ ٢].
ولا شك أن الذي اشتق كلمة (ثقافة) كان صنّاعاً ماهراً في علم العربية، حريصاً على تجويد اللفظ وصفائه، على ما عليه عدد من كتاب الأدب في هذه الأيام.
ولكن يبدو لنا أن كلمة (ثقافة) التي كان من حظها أن تختار لهذا المعنى، لم تكتسب بعد قوة التحديد الضرورية لتصبح علماً على مفهوم معين. وهذا هو ما يفسر لنا أنها بحاجة دائماً إلى كلمة أجنبية، تقرن بها لتحديد ما يراد منها في الكتب التي تتصدى لهذا الموضوع، أو بعبارة أخرى إنها كلمة لا تزال في اللغة العربية تحتاج إلى عكاز أجنبي مثل كلمة Culture كي تنتشر.
والواقع أن فكرة (ثقافة) كما سبق أن قلنا فكرة حديثة جاءتنا من أوربا، والكلمة التي أطلقت عليها هي نفسها صورة حقيقية للعبقرية الأوروبية.
فمفهوم (ثقافة) ثمرة من ثمار عصر النهضة، عندما شهدت أوروبا في القرن السادس عشر انبثاق مجموعة من الأعمال الأدبية الجليلة في الفن وفي الأدب وفي الفكر.
стр. 23
ومن الواجب أن نترجم هذه الظاهرة في ضوء النفسية الأوربية، وخصوصاً في ضوء النفسية الفرنسية، حتى نفهم لماذا اختيرت كلمة Culture المشتقة من الأصل اللاتيني Cultuvare كيما تطلق على صورة ما تفتقت عنه أذهان المفكرين.
فالواقع أن الأوربي عامة والفرنسي خاصة هو (إنسان الأرض)، وإن الحضارة الأوربية هي (حضارة الزراعة)؛ وعليه فإن العمليات التي تستنتج من الأرض خيراتها كالحرث والبذر والحصاد، لها بالضرورة دور هام في نفسية الإنسان الأوربي، كما أن لها دوراً هاماً في صياغة رموز حضارته؛ إذ أن الزراعة هي العملية التي تضم بين دفتيها جميع العمليات السابقة، فهي التي تحدد وتنظم إنتاج الأرض.
فإذا حدث في بعض الظروف- كتلك التي صحبت حركة النهضة في أوربا- أن تعاظم إنتاج الفكر، فلن تكون هناك غرابة إذا ما أطلق عليه الرجل الفرنسي كلمة Culture التي تعني الزراعة إطلاقاً مجازياً.
بيد أن هذه الاستعارة- وهي ما يهمنا في هذا المكان- قد شخصت وصنفت واقعاً اجتماعياً لم يكن مدركاً، فالاستعارة حين أطلقت على الواقع الاجتماعي قد خلقت مفهوماً جديداً هو مفهوم (الثقافة).
فأصبحت Culture منذ ذلك الحين فكرة، ولكنها فكرة تجريبية؛ إنها شيء (حاضر) دُلّ على (وجوده) بواسطة التسمية.
تلك هي الدرجة الأولى في سلم التعريف، وتأتي قوة اللفظة Culture من أنها مرت بهذه الدرجة ثم نمت في اللغات الأوربية منذ ذلك الحين.
ومن هنا نفهم أيضاً أن كلمة (ثقافة) العربية لم تكتسب إلى الآن قوة التحديد التي كان لنظيرتها الأوربية. وإننا مضطرون من أجل هذا إلى أن نقرنها بكلمة Culture في مؤلفاتنا الفنية، حتى كأنها دعامة تشد من أزرها في عالم المفاهيم.
стр. 24
الثقافة وعلم الاجتماع
لكن القرن التاسع عشر قد أحدث تقدماً في مفهوم كلمة (ثقافة)، أي أنه قد أحد خطوة في طريق تطوير تعريفها.
فعلم الوقائع الاجتماعية قد بدأ بـ (أوجست كونت) الذي يعدونه أباً لعلم الاجماع، والواقع أن ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق، فقبل ظهوره كان التاريخ ضرباً من (الأحداث المتتابعة)، حتى إذا جاء وجدناه يخلع على التاريخ نظرة جديدة، فهو حين وصله بمبدأ السببية أدرك بتلك النظرة معنى تتابع الأحداث من حيث كونه عملية تطور، كما حدد معنى الواقع الاجتماعي من حيث كونه مصدراً لتلك الأحداث ولتطورها.
ومع ذلك فإن القرن التاسع عشر قد شهد حقلاً من حقول الدراسة أكثر اتساعاً، ووسائل للبحث والتحقيق أخصب وأكثر تنوعاً.
فعلم الإنسان وعلم الأجناس وعلم النفس والاقتصاد السياسي، تتلاقى أضواؤها جميعاً وتتركز في نقطة واحدة هي الواقع الاجتماعي، فهي تتناوله بطريقة أعظم اتساعاً وعمقاً.
وإذا بفكرة (ثقافة) تزداد جلاء في هذا المجال المضيء، وتصبح مفهوماً أكثر تحديداً، بحيث أصبحت إحدى مشكلات علم الاجتماع، وآن الأوان ليثور في أذهان المفكرين سؤال هو: ما هي الثقافة؟.
وهو سؤال اضطرتهم إليه الأفكار الجديدة التي حملها إليهم، علم النفس وعلم
стр. 25
الاجتماع وعلم الأجناس، وهو يدل على الحاجة إلى خطوة جديدة في طريق تحديد معنى الكلمة، للانتقال من الفكرة العفوية الموروثة عن عصر النهضة الأوربية إلى فكرة علمية جديدة.
وكان من الطبيعي أن يظل تصور (الثقافة) على ما كان عليه في عصر النهضة، أي على أنها جموع ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون ... إلخ.
بيد أن هذا التعريف التاريخي لا يتفق كثيراً مع طبيعة الفكر في القرن التاسع عشر، باعتباره قرن التشريح والتحليل الكيماوي.
فلقد كان عمل القرن التاسع عشر في أوربا متجهاً إلى تحليل الوقائع داخل العمل، أكثر من اتجاهه إلى دراستها في حجرة الدراسة أو في بطون الكتب أو في آثار التاريخ؛ وبذلك كان من الطبيعي أن تدخل فكرة (الثقافة) إلى معرفة بنائها وأجزائها وعناصر تركيبها الأولية، باستخدام طرق التشريح والتحليل.
ومن هنا نشأت محاولات تهدف إلى وضع تعريف جديد للثقافة، إذ لم يعد التعريف التاريخي الذي خلفه عصر النهضة بكاف في إقناع المنطق الجديد.
وهنا ينشأ تيار جديد وسط تقاليد الفكر الكلاسيكي وعاداته، تلك التي كانت ترى في الثقافة ميراثاً من مواريث روما وأثينا، وتفسر (النهضة) على أنها هي ذاتها (عودة التاريخ القديم).
لكن هذا الفكر الجديد يلاحظ أن فكرة (ثقافة)، تمتد لتشمل ما وراء ما أطلق عليه (الإنسانيات الإغريقية اللاتينية)، وأن معناها يتجاوز ما أنتجته قرائح الفكر الكلاسيكي من أعمال أدبية، ليضم في رحابته واقعاً اجتماعياً يتجاوز هو أيضاً حدود أوربا وليحمل بصورة عامة طابع العبقرية الإنسانية، فهذا هو
стр. 26
العصر الذي اكتشفت فيه أوربا عامة، وألمانيا خاصة، ثقافات آسيا على يد (شبنهور ونيتشه).
ولقد رحب مجال البحث الاجتماعي في القرن التاسع عشر بتأثير التوسع الاستعماري ذاته، ورحب معه مفهوم (الثقافة) الذي كان حتى ذلك الحين حبيساً في نزعات، فردية أوربية، تدين بمبدأ (الإنسانيات الإغريقية اللاتينية)، اتسع هذا المفهوم حتى ضم مجالاً جغرافياً أوسع ومعنى اجماعياً أشمل، إلى أن ظفر بدراسات (ليفي بريل) عن ثقافات المجتمعات البدائية.
بعض الأفكار:
وهكذا وصل الفكر إلى سؤال: ما هي الثقافة؟ ولكن عن طرق مختلفة ومناهج متخالفة؛ فجاءت وجهات النظر مختلفة أيضاً لاختلاف النزعات مترجمة أحياناً عن اتجاهات سياسية؛ فمن أجل هذا كله اختلفت تعاريف الثقافة باختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى الموضوع.
ولقد رأينا في مجال آخر هو مجال (علم الحياة)، صورة الاختلافات التي يمكن أن تنشأ بين آراء المدارس المختلفة، عندما أراد (ليسنكو) منذ حوالي عشرين سنة أن يضع أسساً جديدة لعلم الوراثة على أنقاض ما كان قد وضعه (مورجان) ومدرسته.
فكذلك الحال في مجال الثقافة الذي نستطيع معه اليوم أن نرد مجموع ما قيل من تفسيرات إلى مدرستين:
ـ[المدرسة الغربية]ـ: التي ظلت وفيّة لتقاليد عصر النهضة، وهي ترى عموماً أن الثقافة ثمرة الفكر، أي ثمرة الإنسان، تقابلها طبعاً:
ـ[المدرسة الماركسية]ـ: التي ترى أن الثقافة في جوهرها ثمرة المجتمع.
стр. 27
ونحن لا نقصد بهذا التقسيم أن نضع حداً صارماً بين كلا الاتجاهين، وإنما نهدف إلى مجرد الفصل بين صورتين لموضوع واحد في إطارين مختلفين من أطر الفكر.
فالفكر والمجتمع يمثلان اليوم الإطارين المألوفين، اللذين توضع فيهما هنا وهناك المشكلات الاجتماعية في عمومها.
ثم يحدث أن يشتمل كل إطار على اختلافات شخصية. ففي حقل البلدان الغربية اليوم نجد أن الأمريكيين هم الذين سيطروا عموماً على الاتجاهات الثقافية، وحسبنا أن نلخص للقارئ رأي مُفكرَيْن من بينهم هما: (وليام أوجبرن) و (رالف لنتون)، حتى يتسنى له أن يطلع على فكرة المدرسة الغربية، ولكي يرى مدى ما تدين لها به البلدان المتخلفة عامة والعربية خاصة.
يذهب (رالف لنتون) إلى أن الثقافة (كلٌّ) تتداخل أجزاؤه تداخلاً وثيقاً، ولكن من الممكن أن نتعرف فيه على شكل بنائي معين، أي أن نتعرف فيه على عناصر مختلفة هي التي تكون الكل.
ففي المستوى الأول يوجد مجال العموميات باعتبارها الأرض التي تمتد فيها جذور الحياة الثقافية للمجتمع، وذلك كالدين واللغة والتقاليد، تلك التي تعد المنوال الأساسي الذي يحدد نوع العقلية الخاصة بالنموذج الاجتماعي، وهو نموذج شائع في صور جميع الأفراد المنتمين لذلك المجتمع يطبع حياتهم بسلوك اجتماعي معين.
وهذا السلوك العام هو المقياس الذي يكشف عن المواقف الشاذة والاضطرابات وألوان الفساد لدى الشواذ.
والمستوى الثاني- على ما ذهب إليه (لنتون)، هو مستوى الأفكار الخاصة
стр. 28
الناتجة عن التخصص المهني، والتي على أساسها تكون التفرقة بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
بيد أن هناك تطوراً في ثقافة مجتمع معين في مجموعها، وهناك نمو في مواريثه التاريخية؛ وهي حركة ناتجة عن الأفكار الجديدة وعن التنظيم الصناعي، وعن النظريات المستحدثة والمخترعات والمكتشفات في الميدان السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ فهذا القسم الثالث هو الإطار الثقافي الذي يحوط المستويين السابقين، ويؤثر فيهما تأثيراً ينسب إليه ما يطرؤ عليهما من تغيير أو تعديل.
ويحدث هذا التأثير من داخل المجتمع ذاته بوصفه أثرا ناتجاً عن نموه وعن حياته، كما يحدث من خارجه بفعل تبادل المؤثرات بين الثقافات المختلفة، أي بفعل الامتصاص والامتداد الثقافي.
أما (وليام أوجبرن) فإنه يفرق في الثقافة بين مجالين يطلق على أحدهما: (الثقافة المادية Material culture)، وعلى الآخر (الثقافة المتكيفة Adoptive culture).
فالمجال الأول يضم في رأيه الجانب المادي من الثقافة، أي مجموع الأشياء وأدوات العمل والثمرات التي تخلقها.
ويضم المجال الثاني الجانب الاجتماعي كالعقائد والتقاليد والعادات والأفكار واللغة والتعليم، وهذا الجانب الاجتماعي هو الذي ينعكس في سلوك الأفراد.
فتغير الثقافة- في رأيه- ضروري، ولكن من أين يبدأ؟
يرى (أوجبرن) أنه يبدأ في مجال الأشياء والأدوات ثم يمتد تأثيره كيما يُعدّل الجانب الاجتماعي.
فالقوة المغيرة عنده كامنة في الأشياء، لأنها تقبل التغير بأسرع مما تتقبله الأفكار.
стр. 29
وليس ممكناً أن تتخلص الأفكار من تأثير هذه التغيرات، وإلا حدث اختلال ثقافي واضطراب اجتماعي قد ينشأ عنه كثير من النازعات الاجتماعية.
ثم يورد مثلاً يؤيد به نظريته: حالة التعليم الذي يجب دائماً أن يساير تقدم الصناعة.
...
فإذا ما أردنا أن نعرض المشكلة من وجهة نظر الفكر الماركسى أوردنا للقارئ أيضاً رأيين:
رأياً ذكره (ف. كونستا نتينوف) في كتابه (دور الافكار التقدمية في تطوير المجتمع)، ورأي (ماوتسي تونج) في كتابه (الديموقراطية الجديدة). فـ (كونستا نيتنوف) لا يعرض للمشكلة صراحة، وإنما ضمناً عندما يعرض موقف الفلسفة الماركسية حيالها فيقول:
((إن حياة المجتمع المادية هي واقع موضوعي ومستقل عن إرادة الناس، أما حياة المجتمع العقلية culture مجموعة الأفكار الاجتماعية والنظريات والأديان ونظريات علم الجمال والمذاهب الفلسفية (يعني كل ما يحدد الثقافة (١)) فهي كلها انعكاس هذا الواقع الموضوعي)).
ولما كان هذا التعريف لا يقيم كبير وزن للأفكار في تحديد الثقافة وفي تطور الوسط الذي تنشأ فيه، فإن المؤلف الماركسي يختم فكرته بعد صفحات من كتابه قائلاً:
((ولكن هذا لا يعني طبعاً أن الأفكار الاجتماعية، مهما كانت الصورة
стр. 30
الفكرية التي تتجلى فيها، لا تمارس بدورها رد فعل على تطور شروط الحياة المادية للمجتمع ... )).
وبهذا نرى أن الجانبين اللذين أطلق عليهما (وليام أوجبرن): (الثقافة المادية) و (الثقافة المتكيفة) يظهران خلال التعبير الماركسي؛ وسنحاول أن نكشف فيها بعد عن سر هذه القرابة بين وجهتي النظر على الرغم من تعارض مذاهب مؤلفيهما.
أما (ماوتسي تونج) فقد ذهب في كتابه إلى أن مشكلة الثقافة تتجلى في جوانب معينة، ولكن يثير اهتمامنا لديه خاصة هو أنه يصف لنا كيف أن هذه الفكرة تتمثل لفكره باعتباره ماركسياً فيقول:
((إن كل ثقافة معينة هي انعكاس من حيث شكل مفهومها لمجتمع معين .. )) ولست أدري إذا ما كانت الترجمة العربية أمينة في نقل الظلال والألوان، ولكنا نجد فيها دون ريب جوهر ما يدور حوله فكر ماركسي، أعني بذلك العلاقة التكوينية التي يريد إقرارها بين الأشكال المادية، التي تعنى بها الحياة في مجتمع معين، وبين أفكار هذا المجتمع.
ونحن بحاجة إلى أن نضيف هنا أن عقلاً صاغته المادية الجدلية كعقل (ماوتسي) أو (كونستانتينوف) يرى أن ضرورة تطور الثقافة ضرورة ملزمة ملحة.
ومع ذلك فيجب أن نحسب هنا حساب عنصر سلبي جوهري في مفهوم الثقافة عند رجل كـ (ماوتسي تونج)، يرى أن القلم سلاح في المشكلة إذا ما اقتضى الأمر وضع أساس ثقافة جديدة؛ ولكن قد يكون الفأس سلاحاً عندما نحتاج إلى تسوية أطلال ما يطلق عليه أحياناً ثقافة الإقطاع أو الاستعمار، والتي يرى فيها مصدراً لمجيع صنوف الضعف الاجتماعي والسياسي في البلاد؛ ولذلك
стр. 31
يقول في هذا الصدد: ((فينبغي القضاء عليها، وإن لم يقض عليها فسيكون من المستحيل إقامة أي أساس لثقافة جديدة (١))).
وسنبين فيما بعد إلى أي حد يكون هذا العنصر السلبي في التعريف الماركسي للثقافة مفيداً لمفهومنا ولجهودنا في هذا الميدان.
موازنة هذه الآراء:
وضح لنا مما مفى أن تعريف (رالف لنتون) قد أملاه عقل كلاسيكي ورث تقاليد عصر النهضة، يحدد نصيب الفكر في الواقع الاجتماعي بنسبة هذا الواقع أولاً إلى الأفكار.
ونحن نقره على ما ذهب إليه في تحليله من وجود مستويين للأفكار هما (الأفكار العامة والأفكار الخاصة (٢))، دون أن نجد أنفسنا ملزمين بموافقته على رأيه في المستوى الثالث، الذي ربما أمكننا أن نجعل عنوانه هو العنوان نفسه الذي اختاره (كونستانتينوف) لكتابه: (الأفكار التقدمية والتطور الاجتماعي) مع تعديل بسيط.
فـ (رالف لنتون) يرى في الواقع تطور الثقافة، فلكي يفهم ماهية هذا التطور اعتقد أن من الضروري تحديد إطار من الأفكار الجديدة، كالمخترعات والمكتشفات والمذاهب الجديدة، فهي في رأيه الإطار الثقافي الخاص الذي يتم داخله كل تغير يصيب الثقافة؛ وربما وجدناه يكتفي بالقول: ((إن (الأفكار الفنية) تحمل في ثناياها بذور هذا التغيير)).
وربما شهدناه مثلاً وهو يتتبع عملية النمو، التي تعرضت لها فكرة
стр. 32
(الكهرباء) منذ التجارب الخالدة التي قام بها (جلفاني)، هؤكداً النتائج غير المتوقعة لهذه العملية في حقل الثقافة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
فتعريف (وليام أوجبرن) يعد مرحلة بالنسبة لما سبقه، إنه يسجل انفصالا ًعن الفكر الكلاسيكي الذي ربما دلنا على تطور في التفكير الأمريكي، يميزه ويقصيه عن الأسس التي قام عليها التفكير الأوربي، إقصاء يحمل معه طابع العالم الأمريكي.
فـ (أوجبرن) حين وضع تعريفه لا بد أن يكون نظره قد وقع على ذلك العالم الممتلئ بالأشياء والأدوات والأجهزة، فأدركت نظرته العملية من أول وهلة مدى فاعلية هذه الأشياء.
ومع ذلك فإن طريقة التعريف في كلتا الحالين واحدة، صادرة عن فكر واحد هو الفكر الإحصائي الذي يتم لدى (لنتون) في عالم من الأفكار، ولدى (أوجبرن) في عالم من الأشيماء يحوطه جو من الأفكار.
وعلى الرغم من هذا يجب أن نذكر أن عالم (أوجبرن) يختلف تماماً عن عالم (لنتون)، إذ أن الشيء لديه هو الذي يخلق الفكرة؛ وبناء عليه يكفي أن نتصور زوال (الأشياء) حتى تنهار الثقافة كأنها بناء قُوّضَ أساسه.
لكن هذا لا يقوم عليه دليل. ولقد أرانا تاريخ ألمانيا الحديث كيف أن بلداً شهد الانهيار الكامل (لعالم أشيائه)، قد استطاع باحتفاظه (بعالم أفكاره) أن يبني كيانه من جديد.
فلو أننا أخذنا الآن تعريف (أوجبرن) على أنه محاولة وسطى، فإن وجهة النظر الماركسية تصبح وليس بها أدنى غموض، على الرغم من أنها تؤكدى أكثر من غيرها دور الشروط المادية في تحديد العناصر الثقافية.
стр. 33
ومع ذلك فلقد ذكرنا أن في التعريف الماركسي- الذي سبق أن وجدناه عند (ماوتسي تونج) - عنصراً سلبياً، أو جانباً هداماً، يرجع بكل تأكيد إلى الجانب الثوري.
فلماذا، وإلى أي مدى يستطيع هذا العنصر أن يقدم لنا مقياساً مهما عندما نحتاج أن نصوغ مذهباً في الثقافة؟.
إن من الواجب أن نضع نصب أعيننا (ماضياً) تتكون فيه أحياناً الأشياء والأفكار الميتة الخامدة، و (مستقبلاً) ينبغي أن يشيد على الأفكار والأشياء الحية الناشطة.
والحق أننا قد قلنا جوهر رأينا في مقدمة هذه الدراسة، فيما يخص هذا الجانب السلبي الضروري في تحديد معنى (الثقافة)، وذلك عندما تحدثنا عن (الأفكار الممرضة) التي تنقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى آخر.
ومن الواضح أنه لا يمكن تعرف (ثقافة حية وباعثة) دون أن ندرك خطر هذه الجراثيم الثقافية التي يتحتم القضاء عليها.
تصور آخر للمشكلة:
عندما افتتح الرئيس (جمال عبد الناصر) العيد الذهبي لجامعة القاهرة، وجه الخطاب إلى مستعيه من الطلبة والأساتذة قائلاً: ((إنني جئت لأضع على كاهلم مسؤولية المستقبل)).
وهذه الكلمات حين تقال في مكان كهذا ولهؤلاء المستمعين، إنما تعني أن مشكلة الثقافة أصبحت ذات شأن كبير في ضمير العالم العربي.
ولكن من أين لنا حل مشكلة كهذه؟
لا شك أن فيما عرضناه من آراء مختلفة إشارات ثمينة، لكن هذه الإشارات
стр. 34
- على الرغم من أنها لا تقدّر بثمن- ليست في الحقيقة حلاً لمشكلتنا، فإن للمشكلات الاجتماعية نوعيتها التاريخية، وهذا يعني أن ما يصلح لمجتمع معين في مرحلة معينة من تاريخه، قد تنعدم فائدته تماماً بالنسبة له في مرحلة أخرى.
وذلك هو ما عبر عنه (لنتون) و (أوجبرن) بصورة غير مباشرة، عندما تحدثا عن جانب (تطور الثقافة)، وهو ما أراد (ماوتسي تونج) قوله أيضاً، وبصورة أكثر تحديداً عندما سجل في كتابه هذه العبارة:
((ورب شيء جديد في مرحلة تاريخية معينة يصبح قديماً في مرحلة تاريخية أخرى)) (١)
فلو صح هذا بالنسبة لمجتمع واحد معين في حقبتين مختلفتين من تاريخه، فكم يكون صحيحاً بالنسبة لمجتمعين مختلفين، قد اختلف فيهما أيضاً عمر التطور الاجتماعي.
ولهذا نستطيع أن نقرر بصفة عامة أن من الخاطرة أن نقتبس حلاً أمريكياً أو حلاً ماركسياً، كما نطبقه على أية مشكلة تواجهنا في العالم العربي والإسلامي، لأننا هنا أمام مجتمعات تختلف أعمارها أو تختلف اتجاهاتها وأهدافها.
لكن هناك نتائج فنية تنبع من هذه النوعية التاريخية، وهي نتائج تتصل بطريقة مواجهة المشكلة التي تؤتر على طبيعة الحل.
فالواقع أننا لو تأملنا من قريب تعريف (لنتون) و (أوجبرن)، فسنجد فيهما- على الرغم من اختلافهما المذهبي- نظرة متجهة إلى واقع الأشياء، هو واقع الولايات المتحدة الأمريكية، أي واقع مجتمع له عمره ونموه؛ فلنا أن نعد تعريفهما نوعاً من التصور الإقليمي، أعني أنه فكرة صادرة من مكان واحد في وسط تاريخي واحد.
стр. 35
فإذا ما انتقلنا إلى مجال آخر، وجدنا أن وجهتي النظر الماركسي اللتين ذكرناهما يمكن أيضاً أن تتقاربا في تصور آخر، هو في هذه المرة روح الوسط الإيديولوجي.
فهناك في كلتا الحالين عنصر ضمني مكمل للتعريف، سواء كان ذلك في نطاق تاريخي هو نطاق الحضارة الغربية، أم كان في نطاق إيديولوجي هو نطاق الفكر الماركسي.
فتعريف الثقافة بصورة أو بأخرى مكتمل ضمناً في فكر عالم الاجتماع الأمريكي أو في فكر الكاتب الماركسي. والسؤال الذي يرد أمام كليهما في صورة (ما هي الثقافة؟) يأخذ لديه الاتجاه نفسه والمعنى نفسه، فهي تتصل لديهما بفهم واقع اجتماعي معين موجود بالفعل في نطاق تاريخي معين، أو موجود في حيز القوة في نطاق فكري معين أيضاً.
أما إذا وضع هذا السؤال في العالم العربي والإسلامي، فإنه يأخذ معنى آخر مختلفاً تمام الاختلاف؛ إذ هو يتصل بخلق واقع اجتماعي معين لم يوجد بعد.
وعليه فإن وضع المشكلة مختلف كما قلنا تماماً، ولعل الآراء التي عرضناها تعطينا في هذا الصدد توجيهات قيمة، وإن كانت في الحق لا تمنحنا حلولاً حقيقية، لأن الحلول التي قد توحي بها إلينا بهذه الطريقة لن تصادف في عقولنا العنصر الذي يكملها ضمناً، والذي تجده تلقائياً في العقل الأمريكي أو في العقل الماركسي.
وغني عن البيان أن حلاً يجعل من عالم الأشياء هيكل البناء الثقافي، لا يمكن تطبيقه في البلاد العربية والإسلامية، حيث لم تملك بعد (عالم الأشياء).
стр. 36
ومن الواضح أيضاً أن مجتمعاً عندما يولد أو عندما ينهض لا يكون لديه (عالم الأشياء)، وبالتالي لا يكون لديه سوى (عالم الأفكار)، يلتمس فيه إخصاب فكره، وبواعث ثقافته؛ أعني: مبادئ التجديد والخلق والإبداع.
من أجل هذه النوعية التاريخية في المشكلة لا يمكن أن تستورد الحلول، كما تستورد من الخارج قضبان الحديد أو المواد الخامة.
تعريف آخر للثقافة:
فلو أننا عدنا إلى التعريفات السابقة، سواء منها ما عبر عن وجهة النظر الغربية أم الماركسية، لم نجد في كل منها على حدة ما يدعو إلى الاعتراض.
فليس نقصها راجعاً إلى خطأ فيها، بل لأن مضمونها لا يمكن أن يعطينا مفتاح المشكلة في الظروف النفسية الزمنية التي تكتنفها في البلاد العربية والإسلامية، على الرغم من أنها -كما قلنا من قبل- مكتملة في فكر أصحابها بواسطة عنصر ضمني تقدمه الحضارة الغربية في جانب، أو الإيديولوجية الماركسية في جانب آخر.
فتعريف (لنتون) الذي يرى الثقافة على أنها مجموعة من الأفكار سليم، ولكنه ناقص من نواح عديدة.
وتعريف (أوجبرن) الذي يرى الثقافة على أنها جملة من الأشياء والأفكار سليم أيضاً، ولكنه ناقص من نواح أخرى.
أما التعاريف الماركسية للثقافة التي تذهب إلى أنها انعكاس للمجتمع، فهي سليمة أيضاً دون أن تكون أكثر إقناعاً، في وطن تقتضي المشكلة فيه حلاً أساسياً، أي حيث لا تكون المشكلة مشكلة فهم وتفسير لواقع اجتماعي معين، بقدر ما هي مشكلة خلق لهذا الواقع الاجتماعي.
стр. 37
ومن هنا كان علينا أن نتصور تعريفاً للثقافة، لا من زاوية نظرية فحسب، بل لابد أن ينضاف إليها وجهة النظر العملية أو التربوية.
وعليه فلو افترضنا أن تعريفاً معيناً توفر له شرط الصحة، ولكنه في ذاته مقتصر على الجانب النظري، لم يكن في رأينا كافياً في بلد لا تساعد ظروفه العامة على تكملة مضمونه بطريقة ضمنية؛ فعندما يضع أمريكي مشكلة الثقافة في إطار نظري، فإن مضمون الثقافة الأمريكية محدد من قبل بحكم الظروف العامة الناتجة عن الحضارة الغربية.
وعندما يذهب ماركسي المذهب نفسه في تعريفها، فإن مضمون الثقافة التي يعرفها مكمل ضمناً بفضل الإيديولوجية الماركسية.
أما عندما يراد تعريف الثقافة تعريفاً نظرياً في بلد ليس فيه ما يكمل هذا التعريف ضمناً، سواء بما توفر لديه من تراث تاريخي أم إيديولوجي، فإن الأمر يصبح مشكلاً إشكالاً يحتاج معه إلى إيضاح.
وبذلك نجد أنفسنا منساقين مع طبيعة المشكلة الخاصة بالبلاد العربية والإسلامية إلى تطبيق منهج آخر، هو المنهج الذي يستخدم في تعريف الشيء المعقد.
والرسم الصناعي يعطينا في صورة رسم بياني فكرة عن تعريف الأشياء المعقدة، فإذا أردنا مثلاً تعريف نقطة (أي صورتها) بطريقة الرسم الصناعي، كان علينا أن نرسم نقطة مماثلة لها؛ فإذا أردنا تعريف خط معين، رسمنا خطاً مماثلاً له على مستوى معين، كما أنه إذا أريد تعريف مسطح هندسي رسم له مسطح على مستوى معين أيضاً؛ وتلك في الواقع أشكال بسيطة يمكن أن يدل على خصائصها جميعاً رسم بياني واحد.
أما إذا ما أريد تعريف شكل أكثر تعقيداً، كأن يكون ذا حجم مثلاً، فإن
стр. 38
الرسم الصناعي يعرف موضوعاً كهذا بصورتين أو بثلاث صور، وربما بأكثر من ذلك تبعاً لدرجة التعقيد؛ فيرسم سطح الموضوع في منظر وارتفاعه في آخر، ثم يرسم تفصيلاً أو أكثر من تفاصيله الداخلية في منظر ثالث، ومن مجموع هذه المناظر يكون الرسم الصناعي (صورة) عن الموضوع يمكن تنفيذها صناعياً؛ فإذا لم يكن لدينا سوى منظر واحد فإن (الصورة) - أي التعريف- لن تكون قابلة للتنفيذ، لا لأنها غير كافية؛ أو بعبارة أدق: إن الصورة لا تكون قابلة للتنفيذ إلا بما يوجد في عقل صائغها من عناصر ضمنية تكملها.
فهذه اعتبارات تجب مراعاتها والاعتماد عليها في المشكلة التي نحن بصددها، فالثقافة (فكرة) ذات وجوه كثيرة ينبغي أن نطبق في تعريفها منهج الشيء العقد الذي لا يمكن أن يدرك في صورة واحدة؛ فليس يكفي أن تكون صورتها لدينا مجموعة من الأفكار، أو مجموعة من الأفكار والأشياء، على الطريقة الأمريكية، كما لا يكفي أن تكون انعكاساً للمجتمع على الطريقة الماركسية.
إنما الواجب أولاً قبل كل شيء أن نحدد السر في تعدد وجوهها، ومن أجل هذا ينبغي أن نحدد الأسباب الذاتية الخاصة التي تدفعنا نحن العرب والمسلمين، في الظروف النفسية الزمنية التي نحياها إلى أن نضع السؤال التالي:
ما هي الثقافة ؟
ولقد سبق أن بينا الفرق الصريح بين طريقة الأمريكي والماركسي والعريي المسلم في وضع هذا السؤال وفي مواجهته، وكيف أن هذا الأخير لا يملك من العناصر الضمنية التي تكمل تعريف الثقافة في عقل سابقيه؛ وهو فرق على قدر كبير من الأهمية، ومن الممكن أن نلحظه في البلاد المتخلفة، حيث يتمثل في نفسية هذه البلاد على أنه سبب من الأسباب الذاتية، التي ترسم موقف الفرد المثقف أمام مشكلة كمشكلة الثقافة؛ وهناك من ناحية أخرى سبب قاطع هو أن
стр. 39
الحياة الاجتماعية في تلك البلاد مغلفة بلفائف من انعدام الفاعلية، موصومة بنقائص من كل نوع.
وتبدو هذه (اللافاعلية) من تلقاء ذاتها لنظر المرء في صورة انعكاس لثقافة معينة، وهي فضلاً عن ذلك تبدو في مظهر مزدوج هو: المظهر النفسي الفردي والمظهر الاجتماعي الجماعي.
فمن الملاحظ أن طالب الطب المسلم الذي يذهب لتلقي علومه في إحدى العواصم الأوربية، يحصل على الدبلوم نفسه الذي يحصل عليه زميله الإنجليزي مثلاً، بل إنه كثيراً ما يتفوق عليه إذا ما كان أكثر استعداداً وذكاء؛ لكنه لا يحصل غالباً على فاعليته، أعني طريقة سلوكه وتصرفه أمام مشكلات الحياة الاجتماعية.
وليس لدينا سوى وجه واحد لتفسير هذا الاختلال، هو أن الفاعلية الاجتماعية لا علاقة لها بمنهج الكلية، وإنما تعتمد بصفة عامة على أسلوب الحياة في مجتمع معين، وعلى السلوك الذي ينتهجه الفرد كيما ينسجم مع هذا الأسلوب، وعليه إذا ما مضينا لمواجهة مشكلة الثقافة، وجدنا أنفسنا نواجه ضمناً مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك الذي ينسجم معها.
ذلك على وجه التحديد هو الذي يفسر ما لم نستطع أن نجده في التعريف الأمريكي الذي لا يحاول تعريف (أسلوب الحياة) لأنه- بالنسبة له- عنصر ضُمِّنته الحضارة الغربية، كما لم نستطع أن نجده في التعريف الماركسي، الذي يعد السلوك بالنسبة له عنصراً منحته له الإيديولوجية الماركسية.
فإذا صحت هذه الاعتبارات فربما أتاحت لنا تفسير تعدد وجوه الثقافة، الذي يجعلنا نتناولها من جانبيها بوصفها شيئاً معقداً، إلى جانب أنها تفسر لنا الفرق الطبيعي بين طريقة مواجهة مشكلة الثقافة في بلد أخذت فيه الثقافة
стр. 40
صورة واقع اجتماعي معين، وآخر لا يعرفها إلا بوصفها مشروعاً، وثالث ما زال المشروع فيه غامضاً.
لكن تعدد وجوه الثقافة لا يساعدنا في تعريفها على أنها (شيء)، بل على أنها علاقة متبادلة، هي العلاقة التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوب الحياة بسلوك الفرد.
فلكي نعرف الثقافة نجد أنفسنا مضطرين إلى أن ننظهر إلى المشكلة في اتجاهين، بل في ثلاثة اتجاهات، حتى يتسنى لنا أن نفهم عناصرها النفسية وعناصرها الاجتماعية، ثم نقر العلاقة الضرورية بين هذه العناصر جميعاً، وأخيراً لكي نصوغ هذه العلاقة صياغة تربوية وافية، تجعل التعريف قابلاً للتنفيذ كأنه (صورة) من صور الرسم الصناعي.
الجانب النفسي والجانب الاجتماعي
حينما عرفنا في الفصل السابق (الثقافة) على أنها علاقة متبادلة لم نحدد بذلك معنى هذا التبادل، لذلك فإن من واجبنا أن نبيِّن كيف يربط هذا التبادل شقين متحدين- وإن كانا منفصلين- في وظيفة محددة: أحد عضويها الفرد، والثاني المجتمع؛ وهي متفقة في الوجود مع عملية (تثقيف).
والفروق الموجودة بين تفسيرات الثقافة المختلفة باختلاف المدارس من جانب، وباختلاف أساتذة المدرسة الواحدة من جانب آخر، هذه الفروق إنما ترجع في جوهرها إلى هذا التبادل، الذي يبتغي كل فرد في نطاقه أن يعطي الأسبقية لأحد الجانبين حسب استعداده وأفكاره؛ فبعض الناس يقدم الجانب النفسي وبالتالي الفردي، معتبرين الثقافة قضية الإنسان؛ وآخرون يقدمون الجانب الاجتماعي ذاهبين إلى أن الثقافة (قضية المجتمع)، إذ هي تمثل في نظرهم صورة اشتراكية بالمعنى التكويني للكلمة.