← Общие книги

Общие книги · id 19298

مشكلة الثقافة

مالك بن نبي

Полный текст (143 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن الواضح أيضاً أن مجتمعاً عندما يولد أو عندما ينهض لا يكون لديه (عالم الأشياء)، وبالتالي لا يكون لديه سوى (عالم الأفكار)، يلتمس فيه إخصاب فكره، وبواعث ثقافته؛ أعني: مبادئ التجديد والخلق والإبداع. من أجل هذه النوعية التاريخية في المشكلة لا يمكن أن تستورد الحلول، كما تستورد من الخارج قضبان الحديد أو المواد الخامة. تعريف آخر للثقافة: فلو أننا عدنا إلى التعريفات السابقة، سواء منها ما عبر عن وجهة النظر الغربية أم الماركسية، لم نجد في كل منها على حدة ما يدعو إلى الاعتراض. فليس نقصها راجعاً إلى خطأ فيها، بل لأن مضمونها لا يمكن أن يعطينا مفتاح المشكلة في الظروف النفسية الزمنية التي تكتنفها في البلاد العربية والإسلامية، على الرغم من أنها -كما قلنا من قبل- مكتملة في فكر أصحابها بواسطة عنصر ضمني تقدمه الحضارة الغربية في جانب، أو الإيديولوجية الماركسية في جانب آخر. فتعريف (لنتون) الذي يرى الثقافة على أنها مجموعة من الأفكار سليم، ولكنه ناقص من نواح عديدة. وتعريف (أوجبرن) الذي يرى الثقافة على أنها جملة من الأشياء والأفكار سليم أيضاً، ولكنه ناقص من نواح أخرى. أما التعاريف الماركسية للثقافة التي تذهب إلى أنها انعكاس للمجتمع، فهي سليمة أيضاً دون أن تكون أكثر إقناعاً، في وطن تقتضي المشكلة فيه حلاً أساسياً، أي حيث لا تكون المشكلة مشكلة فهم وتفسير لواقع اجتماعي معين، بقدر ما هي مشكلة خلق لهذا الواقع الاجتماعي.

стр. 37

ومن هنا كان علينا أن نتصور تعريفاً للثقافة، لا من زاوية نظرية فحسب، بل لابد أن ينضاف إليها وجهة النظر العملية أو التربوية. وعليه فلو افترضنا أن تعريفاً معيناً توفر له شرط الصحة، ولكنه في ذاته مقتصر على الجانب النظري، لم يكن في رأينا كافياً في بلد لا تساعد ظروفه العامة على تكملة مضمونه بطريقة ضمنية؛ فعندما يضع أمريكي مشكلة الثقافة في إطار نظري، فإن مضمون الثقافة الأمريكية محدد من قبل بحكم الظروف العامة الناتجة عن الحضارة الغربية. وعندما يذهب ماركسي المذهب نفسه في تعريفها، فإن مضمون الثقافة التي يعرفها مكمل ضمناً بفضل الإيديولوجية الماركسية. أما عندما يراد تعريف الثقافة تعريفاً نظرياً في بلد ليس فيه ما يكمل هذا التعريف ضمناً، سواء بما توفر لديه من تراث تاريخي أم إيديولوجي، فإن الأمر يصبح مشكلاً إشكالاً يحتاج معه إلى إيضاح. وبذلك نجد أنفسنا منساقين مع طبيعة المشكلة الخاصة بالبلاد العربية والإسلامية إلى تطبيق منهج آخر، هو المنهج الذي يستخدم في تعريف الشيء المعقد. والرسم الصناعي يعطينا في صورة رسم بياني فكرة عن تعريف الأشياء المعقدة، فإذا أردنا مثلاً تعريف نقطة (أي صورتها) بطريقة الرسم الصناعي، كان علينا أن نرسم نقطة مماثلة لها؛ فإذا أردنا تعريف خط معين، رسمنا خطاً مماثلاً له على مستوى معين، كما أنه إذا أريد تعريف مسطح هندسي رسم له مسطح على مستوى معين أيضاً؛ وتلك في الواقع أشكال بسيطة يمكن أن يدل على خصائصها جميعاً رسم بياني واحد. أما إذا ما أريد تعريف شكل أكثر تعقيداً، كأن يكون ذا حجم مثلاً، فإن

стр. 38

الرسم الصناعي يعرف موضوعاً كهذا بصورتين أو بثلاث صور، وربما بأكثر من ذلك تبعاً لدرجة التعقيد؛ فيرسم سطح الموضوع في منظر وارتفاعه في آخر، ثم يرسم تفصيلاً أو أكثر من تفاصيله الداخلية في منظر ثالث، ومن مجموع هذه المناظر يكون الرسم الصناعي (صورة) عن الموضوع يمكن تنفيذها صناعياً؛ فإذا لم يكن لدينا سوى منظر واحد فإن (الصورة) - أي التعريف- لن تكون قابلة للتنفيذ، لا لأنها غير كافية؛ أو بعبارة أدق: إن الصورة لا تكون قابلة للتنفيذ إلا بما يوجد في عقل صائغها من عناصر ضمنية تكملها. فهذه اعتبارات تجب مراعاتها والاعتماد عليها في المشكلة التي نحن بصددها، فالثقافة (فكرة) ذات وجوه كثيرة ينبغي أن نطبق في تعريفها منهج الشيء العقد الذي لا يمكن أن يدرك في صورة واحدة؛ فليس يكفي أن تكون صورتها لدينا مجموعة من الأفكار، أو مجموعة من الأفكار والأشياء، على الطريقة الأمريكية، كما لا يكفي أن تكون انعكاساً للمجتمع على الطريقة الماركسية. إنما الواجب أولاً قبل كل شيء أن نحدد السر في تعدد وجوهها، ومن أجل هذا ينبغي أن نحدد الأسباب الذاتية الخاصة التي تدفعنا نحن العرب والمسلمين، في الظروف النفسية الزمنية التي نحياها إلى أن نضع السؤال التالي: ما هي الثقافة ؟ ولقد سبق أن بينا الفرق الصريح بين طريقة الأمريكي والماركسي والعريي المسلم في وضع هذا السؤال وفي مواجهته، وكيف أن هذا الأخير لا يملك من العناصر الضمنية التي تكمل تعريف الثقافة في عقل سابقيه؛ وهو فرق على قدر كبير من الأهمية، ومن الممكن أن نلحظه في البلاد المتخلفة، حيث يتمثل في نفسية هذه البلاد على أنه سبب من الأسباب الذاتية، التي ترسم موقف الفرد المثقف أمام مشكلة كمشكلة الثقافة؛ وهناك من ناحية أخرى سبب قاطع هو أن

стр. 39

الحياة الاجتماعية في تلك البلاد مغلفة بلفائف من انعدام الفاعلية، موصومة بنقائص من كل نوع. وتبدو هذه (اللافاعلية) من تلقاء ذاتها لنظر المرء في صورة انعكاس لثقافة معينة، وهي فضلاً عن ذلك تبدو في مظهر مزدوج هو: المظهر النفسي الفردي والمظهر الاجتماعي الجماعي. فمن الملاحظ أن طالب الطب المسلم الذي يذهب لتلقي علومه في إحدى العواصم الأوربية، يحصل على الدبلوم نفسه الذي يحصل عليه زميله الإنجليزي مثلاً، بل إنه كثيراً ما يتفوق عليه إذا ما كان أكثر استعداداً وذكاء؛ لكنه لا يحصل غالباً على فاعليته، أعني طريقة سلوكه وتصرفه أمام مشكلات الحياة الاجتماعية. وليس لدينا سوى وجه واحد لتفسير هذا الاختلال، هو أن الفاعلية الاجتماعية لا علاقة لها بمنهج الكلية، وإنما تعتمد بصفة عامة على أسلوب الحياة في مجتمع معين، وعلى السلوك الذي ينتهجه الفرد كيما ينسجم مع هذا الأسلوب، وعليه إذا ما مضينا لمواجهة مشكلة الثقافة، وجدنا أنفسنا نواجه ضمناً مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك الذي ينسجم معها. ذلك على وجه التحديد هو الذي يفسر ما لم نستطع أن نجده في التعريف الأمريكي الذي لا يحاول تعريف (أسلوب الحياة) لأنه- بالنسبة له- عنصر ضُمِّنته الحضارة الغربية، كما لم نستطع أن نجده في التعريف الماركسي، الذي يعد السلوك بالنسبة له عنصراً منحته له الإيديولوجية الماركسية. فإذا صحت هذه الاعتبارات فربما أتاحت لنا تفسير تعدد وجوه الثقافة، الذي يجعلنا نتناولها من جانبيها بوصفها شيئاً معقداً، إلى جانب أنها تفسر لنا الفرق الطبيعي بين طريقة مواجهة مشكلة الثقافة في بلد أخذت فيه الثقافة

стр. 40

صورة واقع اجتماعي معين، وآخر لا يعرفها إلا بوصفها مشروعاً، وثالث ما زال المشروع فيه غامضاً. لكن تعدد وجوه الثقافة لا يساعدنا في تعريفها على أنها (شيء)، بل على أنها علاقة متبادلة، هي العلاقة التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوب الحياة بسلوك الفرد. فلكي نعرف الثقافة نجد أنفسنا مضطرين إلى أن ننظهر إلى المشكلة في اتجاهين، بل في ثلاثة اتجاهات، حتى يتسنى لنا أن نفهم عناصرها النفسية وعناصرها الاجتماعية، ثم نقر العلاقة الضرورية بين هذه العناصر جميعاً، وأخيراً لكي نصوغ هذه العلاقة صياغة تربوية وافية، تجعل التعريف قابلاً للتنفيذ كأنه (صورة) من صور الرسم الصناعي. الجانب النفسي والجانب الاجتماعي حينما عرفنا في الفصل السابق (الثقافة) على أنها علاقة متبادلة لم نحدد بذلك معنى هذا التبادل، لذلك فإن من واجبنا أن نبيِّن كيف يربط هذا التبادل شقين متحدين- وإن كانا منفصلين- في وظيفة محددة: أحد عضويها الفرد، والثاني المجتمع؛ وهي متفقة في الوجود مع عملية (تثقيف). والفروق الموجودة بين تفسيرات الثقافة المختلفة باختلاف المدارس من جانب، وباختلاف أساتذة المدرسة الواحدة من جانب آخر، هذه الفروق إنما ترجع في جوهرها إلى هذا التبادل، الذي يبتغي كل فرد في نطاقه أن يعطي الأسبقية لأحد الجانبين حسب استعداده وأفكاره؛ فبعض الناس يقدم الجانب النفسي وبالتالي الفردي، معتبرين الثقافة قضية الإنسان؛ وآخرون يقدمون الجانب الاجتماعي ذاهبين إلى أن الثقافة (قضية المجتمع)، إذ هي تمثل في نظرهم صورة اشتراكية بالمعنى التكويني للكلمة.

стр. 41

واختلاف هذه الآراء جميعاً ناشئ عن تفسير العلاقة المتبادلة، سواء تقدم في تحديد هذه العلاقة- أي في تحديد الثقافة- جانب الفرد أم جانب المجتمع، جانب الفكرة أم جانب الشيء؛ فإذا ما فصلنا هذه الأمور وقدمنا واحداً من بينها على ما سواه، انتهى بنا المطاف إلى نظريات عرجاء تحجل ولا تستطيع المشي؛ ولقد يحدث أن ينتهي المطاف إلى معارك بين المدارس المختلفة، تحاول فيها النظرية التي تعرج بيمناها أن تزدري قرينتها التي تعرج بيسراها .. وهكذا. إن من العسير أن نصل إلى تمييز موضوعي بين دور الفكرة ودور الشيء في ظاهرة التثقيف، إذ أننا ندرس عامة هذه الظاهرة في مرحلتها الحركية، أي في الحالة التي تكون فيها عناصرها مندمجة في حركة متواصلة، وفي هذه الحالة يصبح من العسير أن نحدد أياً من العناصر كان سبباً في الحركة. فالحكم في هذا الموقف العسير يصحبه دائماً نوع من التطرف والغلو، الذي يظهر في صورة نزعة إقليمية ثقافية. وعلى هذا نستطيع أن نتصور عملية التثقيف في مرحلتين متميزتين: المرحلة الحركية (الديناميكية) والمرحلة الساكنة (الاستاتيكية) التي تسبق المرحلة الديناميكية مباشرة، ولسنا نهتم هنا إلا بتلك المرحلة الأولى. فالفكرة والشيء إذن مرتبطان ومتعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات التي تغير حركة أفقية إلى حركة دائرية: فالذراع هو الفكرة، والعجلة هي الشيء. والذراع هو ولا شك العضو المحرك، ومعلوم أنه لا يستطيع أن يتجاوز ما يطلق عليه (النقط الميتة) في حركته، إذا لم تساعده العجلة على اجتيازها بفضل ما لديها من طاقة مختزنة.

стр. 42

فلا مجال إذن في المرحلة الديناميكية لأن نغض من قيمة الدور الذي يؤديه الشيء في ظاهرة التثقيف. ولكن قد يحدث في هذه المرحلة وبحكم ظروف خاصة أن يقر التاريخ أسبقية معينة، فنرى في هذه الظروف مجتمعاً معيناً يفقد- إلى حين- السيطرة على (عالم أشيائه)، وعلى الرغم من هذا فهو يحتفظ بالقدرة على إنشائه مرة أخرى، كما حدث في ألمانيا عام ١٩٤٥م. وبذلك تكون القدرة الخلاقة هي قوة (الأفكار) إذ أن الحرب لم تستطع أن تهدها، بل أتاحت لألمانيا أن تنهض مرة أخرى بعد اندحار الهتلرية: فها نحن أولاء نرى العجلة تتوقف دون أن تتوقف الحركة. وتتجلى القدرة الخلاقة في الفكرة في التفاصيل ذات الأهمية البسيطة، كما يمكننا أن نلاحظه في هذه الأيام في قربات الباعة الجائلين في شوارع القاهرة، حيث يبيعون (الفوانيس) الملونة لتسلية الأطفال في ليالي رمضان. فمن الواضح أن (الفوانيس) - وهي شيء- قد أوجدها معنى رمضان، أعني فكرة. فلا مجال إذن لأن ننكر دور الشيء في خلق الثقافة، ولكنا لا يمكن بحال أن نُخْضِع له الفكرة، بل ينبغي أن نعترف لها بأسبقية معينة في هذا المجال، وبقدر ما يصعب علينا ملاحظة هذه الأسبقية في المرحلة الديناميكية، في نمو ثقافة معينة وفي حركتها، فإنها تكون ظاهرة في المرحلة الاستاتيكية، أي في بداية تحريك الذراع والعجلة، عندما تبدأ عملية التثقيف. والواقع أن أي مجتمع في بدايته لا يكون قد شاد بعد (عالم أشيائه)، بل كل ما هنالك أن (عالم أفكاره) يبدأ في التكوين، دون أن يشتمل أحياناً إلا على بوادر تفكير إيديولوجي.

стр. 43

ومع ذلك فلكي نزيد في تحديد دور الأفكار في ظاهرة التثقيف، ينبغي أن نحدد في أي الظروف التاريخية والاجتماعية تؤدي دورها؟. إن النشاط الاجتماعي والثقافي لفكرة ما، مرتبط في الواقع ببعض الشروط النفسية الاجتماعية التي بدونها تفقد الفكرة فاعليتها. ففكرة (التقدم) مثلاً قامت بدور رئيسي في تاريخ القرن التاسع عشر، لأن إشعاعها في ثقافة أوروبا كان مؤيداً بفكرتين أخريين عاصرتاها هما: النظرية الوضعية لـ (أوجست كونت)، ونظرية التطور لـ (دارون). وقد وصل هذا الإشعاع العالم الإسلامي في مستهل القرن العشرين، حين نشأت رابطة سياسية في تركيا باسم (الاتحاد والترقي)، كما نشأت نواد أخرى في الجزائر فيما بين ١٩٢٠ - ١٩٣٠م باسم (نادي الترقي). بيد أن هذه الفكرة التي أصيبت بصدمة خلال حرب ١٩١٤ - ١٩١٨، أصابتها ضربة قاتلة خلال الحرب العالمية الثانية، لم يعد لها أدنى وقع في أوروبا. وليس معى هذا أن التقدم في ذاته بوصفه واقعاً قد انعدم في أوروبا، بل معناه أن إشعاعه بوصفه فكرة قوة فقد تأثيره في الثقافة الأوروبية، ففقد من أجل هذا فاعليته الاجتماعية. إذن ففاعلية الفكرة رهن بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان. ويمكن القول عامة: إننا إذا ما عرفنا تاريخ مجتمع معين، فسنجد أنه كما أن لديه مقبرة يستودعها موتاه، فإن لديه مقبرة يستودعها أفكاره الميتة، الأفكار التي لم يعد لها دور اجتماعي. فالفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدراً للثقافة، أعني عنصراً صالحاً

стр. 44

لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية، التي ينطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع؛ وهو مستوى قد يتغير بطريقتين: فهو عندما يرتفع تعرض له في الطريق أفكار ليست من بين القوى الجوهرية التي نتجت عنها الحركة التاريخية، فإذا بهذه الأفكار تتقادم ثم تختفي؛ ففكرة حجر الفلاسفة (١) التي كانت من أكبر دوافع الفكر العلمي خلال العصر الوسيط، هذه الفكرة قد ماتت منذ أعلن (لافوازييه) نتائج أبحاثه الكيميائية. وهو عندما يهبط تنقطع صلة بعض الأفكار بالوسط الاجتماعي ذاته، أعني أنها تنقطع من منابع خلقية وعقلية صدرت عنها، فتكسب هذه الأفكار وجوداً صناعياً غير تاريخي، وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي. ومن أمثلة ذلك أن تراث ابن خلدون قد ظهر في العالم الإسلامي، وهو مع ذلك لم يسهم في تقدمه العقلي أو الاجماعي، لأن هذا التراث في ذلك العصر كان يمثل فكرة لا صلة لها إطلاقاً بالوسط الاجتماعي. ومهما يكن من شيء، فليست الفكرة في تلك المرحلة هي التي تفقد وحدها معناها الثقافي وقدرتها على إبداع الأشياء، بل إن الشيء نفسه يفقد أيضاً مقدرته على إنتاج الأفكار. وخذ مثلاً على ذلك تفاحة (نيوتن) الشهيرة، وتخيل ما كان يمكن أن تؤديه لو أنها بدلاً من أن تقع على رأس ذلك الرياضي الكبير وقعت على رأس جده الذي عاصر عهد جيوم الفاتح؟ إن من المؤكد أنها لم تكن لتخلق فكرة الجاذبية، بل كانت ستكون حينئذ كومة صغيرة من الروث بعد أن يأكلها جد (نيوتن) بكل بساطة.

стр. 45

فقد بان إذن أن الفكرة والشيء لا يكسبان قيمة ثقافية إلا في ظل بعض الشروط. وهما لا يخلقان الثقافة إلا من خلال اهتمام أسمى، بدونه يتجمد (عالم الأفكار) و (عالم الأشياء) حتى كأنه قطع من الآثار في متحف، فيفقد كل فاعلية اجتماعية حقة. ويمكننا أن نفسر هذا الاهتمام الأسمى بالنسبة للفرد على أنه علاقة عضوية تربطه بـ (عالم الأفكار) و (عالم الأشياء). فإذا ما انعدمت هذه العلاقة لم تعد للفرد سيطرة لا على الأفكار ولا على الأشياء، فهو يمر بها دون أن يتصل بكيانها، ويتعلق بظواهر الأشياء دون أن يتعمقها، ويلم بالأفكار بعض إلمام دون أن يتعرف عليها. وهذا الاتصال السطحي لا يؤدي مطلقاً إلى إثارة سؤال، ولا يخلق أبداً مشكلة. لقد استنطق نيوتن التفاحة لأن اهتمامه الأسمى قد تعلق بها، بينما لو حدث ذلك قبل نيوتن بألف عام مثلاً فمن أبسط الأشياء أن تُلتهم التفاحة، لأن الاهتمام الأسمى آنئذ غير موجود في المجتمع الإنجليزي الذي لم يكن قد ولد بعد. وعكس ذلك تماماً ما حدث في المجتمع الإسلامي حتى القرن التاسع عشر، فإن أحداً في ذلك المجتمع لم تكن لديه قدرة ما على استنطاق فكرة ابن خلدون، لأن ذلك المجتمع لم يكن بعد قد أسس نشاطه العقلي والاجتماعي على اهتمام أسمى. ومنذ ذلك العصر كان المسلم ينزلق على سطح الأشياء دون أن يغور خلالها، ويمر بجانب الأفكار دون أن يتعمقها، لأنه لم تعد له علاقة بهذه أو تلك، فلم يعد ينتج عن لقائه بالحياة الاجماعية تلك الصدمة القوية التي تغير أسلوبها كما تغير سلوكه.

стр. 46

ولقد حدد النبي ﷺ هذه العلاقة في صورة أخاذة تخلع على الأفكار وعلى الأشياء قيمتها العقلية، وفاعليتها الاجتماعية حين قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير؛ وكانت منها بقعة أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا؛ وكانت منها طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ» [متفق عليه]. ففي هذا النص تدرج من الأعلى للأدنى في تصوير علاقة الفرد والمجتمع بالعلم، أي بالأفكار والأشياء. وكان النبي ﷺ أراد من هذا التدرج ذي الدرجات الثلاث أن يرمز إلى عصور ثلاثة يمر بها المجتع، يبدأ تاريخه بمرحلة يحدث فيها تقبل الأفكار وإبداعها وتمثلها؛ تليها مرحلة تبلغ فيها الأفكار إلى مجتمعات أخرى؛ ثم تعقب مرحلة يتجمد فيها عالم الأفكار فيصبح ليست لديه أدنى فاعلية اجتماعية. فيمكننا أن نقول: إن المجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكاراً، وأنه كان على عهد ابن رشد يبلّغها إلى أوروبا، وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادراً لا على الخلق ولا على التبليغ. طبيعة العلاقة الثقافية: قلنا من قبل: إن القيمة الثقافية للأفكار وللأشياء تقوم على طبيعة علاقتها بالفرد، وإن (نيوتن) بدلاً من أن يأكل التفاحة قد استخرج معناها، إذ كانت صلته بعالم الأشياء جد مختلفة عما كان لجده في القرن الحادي عشر. هذه الصلة تجسد لنا ما اصطلحنا على تسميته (بالعلاقة المتبادلة) بين سلوك الفرد وأسلوب الحياة في مجتمع معين، فهي الجانب العضوي من هذه العلاقة.

стр. 47

فمن الطبيعي إذن أن نتساءل عن طبيعتها، وعن كيفية تكوينها لدى الفرد؟ فالفرد كما نعلم ينمي كيانه المادي في مجال حيوي ( Biosphère)، يمنحه منذ ميلاده العناصر الضرورية لنموه؛ فكأن هذه العناصر تذوب في بنية الفرد لتنميها، وهو انحلال يحدث بواسطة عمليات الهضم والتمثيل ودوران الدم والتنفس، الى غير ذلك مما نحدث علماء الحياة عن تفاصيله الكثيرة. فلو جاز لنا من الوجهة الحيوية أن نفسر هذه العمليات على أنها تعبير عضوي عن الحياة، فإن هذه بدورها يمكن أن تفسر على أنها صلة بين الفرد وبين الوسط الذي ينمي فيه وجوده المادي، إذ أن هذه العمليات ليست في الواقع سوى أشكال متنوعة لعلاقته بالمجال الحيوي. ولقد يقودنا هذا التصور إلى عالم آخر يستمد منه الفرد ما يحتاجه من عناصر النمو، لالكيانه المادي بل لكيانه النفسي. والثقافة هي التعبير الحسي عن علاقة الفرد بهذا العالم أي بالمجال الروحي Noosphère الذي ينمي فيه وجوده النفسي، فهي نتيجة هذا الاتصال بذلك المناخ. فالفرد إذا ما فقد صلته بالمجال الحيوي قررنا أنه مات موتاً مادياً، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتاً ثقافياً. فالثقافة إذن- إذا ما رددنا الأمور إلى مستوى اجتماعي- هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعاً ميتاً. ولقد لاحظنا حين عقدنا موازنة بين الطبيب الإنجليزي أو الفرنسي وبين زميله المسلم- فيما يتعلق بجانب الفاعلية الاجتماعية- أن الفرق بينهما لا يمكن أن

стр. 48

يعزى إلى منهج الدراسة أو إلى المؤسسة التعليمية، إذ هي واحدة بالنسبة لكليهما؛ فبقي إذن أن يعزى هذا الفرق في السلوك إلى أسباب أعم، تتضح أماراتها عندما نعقد موازنة أخرى، هي هذه المرة بين الطبيب الإنجليزي والراعي الإنجليزي، وستكون هذه الموازنة مفيدة لنا فائدة كاملة لأنها تتيح لنا أن ندرك فكرة (الثقافة) في أعم مظاهرها. فطبيب وراع لا يمكن أن يلتقيا في المكونات الخاصة التي تمليها المهنة، ومع ذلك فإن هنالك تشابهاً عجيباً في سلوكهما الخاص، هذا التشابه من أخص الأمور وأهمها في تحديد ثقافة مجتمع معين، هو يحدد في الواقع أسلوب حياة ذلك المجتمع، كما يحدد سلوك أفراده ومدى ما بينهم من تبادل في هذين الجانبين. فلدى ميلاد المجتمع الإسلامي مثلاً كانت ثقافة هذا المجتمع جد متجانسة، متحدة الطابع عند الخليفة والبدوي البسيط، وذلك يتجلى في موقف عمر ﵁ عندما خطب المسلمين غداة توليه الخلافة، فقال قولته المشهورة: ((أيها الناس: من رأى منكم فيّ أعوجاجاً فليقومه)). وكان الرد على هذه المقولة ما نطق به أحد أولئك البدو البسطاء: ((والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا)). هذا الحوار الفريد كان يطبع بطريقة رائعة أسلوب الحياة في مجتمع، اتحدت فيه حركات الفكر والعواطف ودوافع العمل؛ وفي كلمة واحدة: اتحد فيه شكل السلوك لدى الخليفة والبدوي البسيط. والواقع أن عمر في قولته تلك كان متجهاً صوب المجتمع الإسلامي، وأن الذي أجابه إنما هو ذلك المجتمع على لسان البدوي. وهكذا نرى بطريقة مباشرة العلاقة المتبادلة بين الجانب النفسي والجانب الاجتماعي متجسدة في رجلين، كان موقفهما انعكاساً لأسلوب الحياة من ناحية، وتعبيراً عن سلوك معين خاص بالمسلم في ذلك العصر من ناحية أخرى.

стр. 49

وفي الوقت ذاته يظهر هذا التشابه الحدود الروحية للمجتمع، حين يرسم داخل هذه الحدود معالم ثقافة محددة. فالخليفة المسلم والراعي المسلم يتصفان بسلوك واحد لأن جذور شخصيتهما تغور في أرض واحدة، هي المجال الروحي للثقافة الإسلامية. والطبيب الإنجليزي والطبيب المسلم يختلف سلوكهما لأن جذورهما لا تغوص في الأرض نفسها، على الرغم من أن تكوينهما المهني يتم في إطار منهج فني واحد. فلكل ثقافة وجودها الخاص، الذي تزداد معه قدرتها على التمييز كلما تغير المستوى الاجتماعي لجانبي الموازنة، فلو أننا بدلاً من أن نعقد هذه الموازنة بين طبيبين عقدناها بين طبيب إنجليزي ورجل من عامة المسلمين، فسنجد أن فروق السلوك تزداد بصورة مذهلة، ومن السهل أن نلاحظ ذلك في إحدى دور السينما. لقد شاهدت في إحدى العواصم العربية رواية سينمائية مقتبسة عن إحدى روائع شكسبير (عطيل)، وتأثير هذه الرائعة في المسرح أو في السينما في أوروبا معلوم لنا، وخاصة لحظة وصولها إلى حل عقدتها عندما يقتل البطل صاحبته ثم ينتحر. لقد تركزت المهارة الروائية كما تؤدي بالموقف إلى هذا الحل الذي ادخر له الكاتب الإنجليزي كل موارد عبقريته، ليثير في وجدان المتفرج أعظم قدر من الانفعال، لكن هذه العبقرية أوربية، وهذا المتفرج أيضاً أوربي، فشخصيتهما منطوية على العناصر الذاتية نفسها، لأن جذورها تمتد في أرض واحدة، أمدتهما باستعداد واحد لتقبل المؤثرات. أما جذور المتفرج المسلم فإنها تمتد في أرض أخرى، فذاتيته واستعداده للتقبل والانفعال مختلفان، ولذلك فقد يحدث أن نراه يضحك حيث يؤدي الموقف بالمتفرج الأوربي إلى البكاء.

стр. 50

لست أعدُّ هذا ناشئاً عن نقص في الحساسية، وإلا فكيف لنا لو أننا خصصنا المتفرج الإنجليزي بمزيد من الإحساس بالألم، أن نفسر سلوكه أمام المشكلات الاستعمارية، أعني أمام المأساة التي اشتملت على أكبر قدر من الألم الإنساني خلال التاريخ؟ بل الأمر غير ذلك تماما، فالمتفرج الأوربي عامة يفكر في جو من الحساسية الجمالية، بينما يفكر المتفرج المسلم في جو من الحساسية الأخلاقية؛ ومن أجل هذا لا يمكن أن يتشابه سلوكهما أمام المشهد الواحد. فعندما يقتل عطيل (ديدمونا) وينتحر يبلغ انفعال المتفرج الأوربي أوجه، لأن الدائرة التي يعيشها في تلك اللحظة دائرة جمالية، أليس يرى نهاية مخلوقين جميلين!! بينما يظل انفعال المتفرج المسلم هادئاً في هذا المشهد لأن دائرته أخلاقية، فهو يرى قاتلاً ومنتحراً. ومن الطبيعي ألا يتدخل هذا الفرق في السلوك في صورة حكم موضوعي، بل في صورة ذاتية محض، إنه اللاشعور يتكلم بلغته الخاصة بصورة أو بأخرى، ليس الشعور وليس العقل. الثقافة والمقاييس الذاتية: وهكذا تواجهنا مشكلة التثقيف بوجهها الحقيقي، فنضع قدمنا بحديثنا عن اللاشعور على أرض، تمد فيها الثقافة جذورها في أعماق الفرد وفي ذاتيته. إن مقاييسنا الذاتية التي تتمثل في قولنا (هذا جميل) و (ذاك قبيح) أو (هذا خير) و (ذلك شر)، هذه المقاييس هي التي تحدد سلوكنا الاجتماعي في عمومه، كما تحدد موقفنا أمام المشكلات قبل أن تتدخل عقولنا، إنها تحدد دور

стр. 51

العقل ذاته إلى درجة معينة، وهي مع ذلك درجة كافية تسمح لنا بتمييز فاعليته الاجتماعية في مجتمع معين بالنسبة لمجتمع آخر. إنها تحدد في الواقع المباني الشخصية في الفرد، كما تحدد المباني الاجتماعية، أو ما أطلقنا عليه من قبل (أسلوب الحياة)، أعني: خاصية الثقافة، وهي بهذا نفسه تحدد رقعتها وحدودها. وهذا يفسر لنا الفروق العامة في سلوك طبيبين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، كما يفسر لنا الفروق المنطبعة في أسلوب الحياة في مجتمعين تفصل بينهما حدود ثقافية. حتى لو كانا يتعايشان في مكان واحد، كجالية صينية مثلاً في نيويورك، ومجتمع نيويورك نفسه؛ فتكوين هذه المقاييس يعد إذن أهم أساس في ثقافة المجتمع، والطريقة التي ينقل بها هذا المجتمع إلى كل فرد راعياً أو طبيباً تراث هذه المقاييس الذاتية، في صورة عقائد وتقاليد وأعراف وعادات؛ هذه الطريقة تمثل جانباً جوهرياً في ظاهرة التثقيف. فبدلاً من أن نواجه المشكلة في صورتها الاجتماعية بأن نتساءل: كيف ينقل المجتمع هذا التراث إلى الفرد؟ ينبغي أن نتناولها في صورتها النفسية بأن نتساءل: كيف ينتقي الفرد المقاييس الذاتية التي تحدد انتماءه إلى نمط ثقافة معينة، وبالتالي تحدد سلوكه خليفة كان أو بدوياً، طبيباً أو راعياً؟ الواقع أن الفرد يختارها لا بناء على عملية واعية يجريها عقله وتفكيره، فمثل هذه العملية غير متوقعة لدى الراعي ولا يمكن تصورها عند الطفل، وإنما هو يستنشقها في محيط حياته، وفي مجاله الروحي الذي يحوط وجوده المعنوي، كما يتنسم الأوكسجين في مجاله الحيوي الذي يحوط وجوده المادي. فأشياء الوسط الاجتماعي وأفكاره التي تحوط الفرد، يتمثلها الفرد بواسطة

стр. 52

نوع من التحليل يدمجها في كيانه الروحي، تماماً كما تتجمع عناصر الوسط الحيوي التي تحوطه وتندمج في كيانه المادي بواسطة التنفس والتمثيل. والفرد منذ ولادته غارق في عالم من الأفكار والأشياء التي يعيش معها في حوار دائم، فالمحيط الداخلي الذي ينام الإنسان في ثناياه ويصحو، والصورة التي تجري عليها حياتنا اليومية، تكون في الحقيقة إطارنا الثقافي الذي يخاطب كل تفصيل فيه روحنا بلغة ملغزة؛ ولكن سرعان ما تصبح بعض عباراتنا مفهومة لنا ولمعاصرينا، عندما تفسرها لنا ظروف استثنائية تتصل مرة واحدة بعالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم العناصر، فإذا بها تكشف عن مضمونها تماماً كما كشفت التفاحة لنيوتن عن سر الجاذبية، وكما أوحت نافورات المياه في قصر (الإست Este) إلى عبقرية (ليتز Litz) بمقطوعته الموسيقية الرائعة. فلكل تفصيل لغة لا تدرك قدرتنا العقلية أحيانا معانيها، وهي مع ذلك واضحة لذاتيتنا، فتلك التحفة الصغيرة أمامنا في حجرة النوم أو العمل ليست أبداً خامدة، إن فيها بعض شيء، بعض ما يشبه الروح يدعونا إلى الكلام كما ندعوه. وفي الإطار الثقافي يحدثنا الشيء بما فيه من مادة بلغة موضوعية تهم الكيميائي أو التاجر، كما يتحدث بما انطوى عليه من روح بلغة ذاتية، تؤدي إلى روح الطفل والشاعر والوسيقي والمخترع رسالة ملغزة، قد ينكشف مضمونها في إحدى لحظات فقدان الشعور. وبذلك نستطيع أن نفهم أن (شيئاً) ما قد يموت بصورة ما إذا ما قُطعَ عن وسطه الثقافي المعتاد، إذ أن لغته خارج هذا الإطار تفقد معناها. ولنآخذ مثلاً صاروخاً كونياً يقترب من بعض الكواكب التي تسكنها مخلوقات متخلفة، فمن الواضح أن هذا الصاروخ وهو (شيء) يفقد كل معنى خارج إطاره الثقافي، وقد سبق أن بيَّنا في أي الظروف تموت فكرة معينة بالطريقة نفسها.

стр. 53

وبذلك نفهم ضمنا أهمية الصلة الثقافية، تلك الصلة التي تمنح الأفكار والأشياء قيمتها الذاتية والموضوعية في إطار معين. ومهما يكن من شيء فإن هذه العلاقة التي تتيح لنا أن نتلقى مقاييس ذاتية، تنقل إلينا غالباً كرسائل ملغزة. فإذا حدث أن فسر فردان هذه الرسالة بصورة واحدة مع ما بينهما من فروق اجتماعية، فإن ذلك دليل على أنهما ينتهيان إلى ثقافة واحدة. والشواهد على ذلك سبق إيرادها، فالخليفة والبدوي المسلمان يتصرفان بصورة واحدة إذا ما واجها مشكلة سياسية أخلاقية معينة، لأن كليهما ينتميان إلى الثقافة الإسلامية. والطبيب والراعي الإنجليزيان يتصرفان بصورة واحدة أيضاً أمام حل عقدة عطيل، لأنهما يمثلان نموذجاً ثقافياً آخر. ومن هذا نرى أن ذاتيتنا تؤدي دوراً رئيسيا في تحديد الثقافة وفي رسم خصائصها. لكن إثراء هذه الذاتية لا يقتصر على الأشخاص والأفكار التي تكون المجال الروحي؛ فإن لدينا حواراً آخر مع الطبيعة التي تنقل إلينا رسالتها، مكتوبة بأبجدية ملغزة أيضاً، هي: أبجدية الألوان والأصوات والروائح والحركات والظلال والأضواء والأشكال والصور؛ هذه العناصر الطبيعية ذاتها تتجمع في نفسيتنا ثم تذوب وتهضم في صورة عناصر ثقافية، تندمج في وجودنا الأخلاقي وفي بنائنا الأساسي. فليس من قبيل الصدفة أن تغنى الشعراء وخلد الرسامون شروق الشمس وغروبها، فرسموا خفة حركة وجمال صورة، كما نشدوا ذكاء رائحة ورقة لون.

стр. 54

فكل هذا إذا ما ذاب في كياننا وانسكب في لا شعورنا، تجلى في عقلنا في صورة أفكار عملية، ثم تحول إلى صيغ فنية، إلى تنوع في الأزياء وفي الصناعة، أو سما صُعُداً لدى الموسيقار فألهمه فناً من الموسيقا الآسرة، أو لدى الرسام فمنحه صوراً رائعة، أو لدى الشاعر فأوحى إليه نفحة صوفية. وهذا كله لب الثقافة ودمها وروحها. ***

стр. 55

الفصل الثاني تركيبٌ نفسِيٌّ للثقافَة

стр. 56

تَرَاكيبُ جزئيَّة وَتركيب عام كان اتجاهنا في الفصل السابق إلى التحليل، لمحاولة إبراز العوامل المختلفة التي لها دور ما في تحديد ثقافة معينة، ومن أجل هذا كان عنوان الفصل (تحليل نفسي للثقافة). وربما أفادنا هذا في فهم واقع اجتماعي معين، وفي إدراك معالمه النفسية والاجتماعية. لكنا قد ذكرنا من قبل الفرق الجوهري الكامن في طريقة مواجهة مشكلة الثقافة، تبعاً لدرجة التطور في بلد ما وتبعاً لمرحلته التاريخية، وقلنا: إن العالم العربي الإسلامي يختلف في موقفه من الثقافة عن العالم الغربي وعن العالم الشيوعي، فليست مشكلته منحصرة في محاولة فهم (الثقافة)، وإنما في تحقيقها بصورة عملية. فإذا صح هذا فإن ما قدمناه من تحليل لقضية الثقافة يساعدنا على فهم طبيعة الأشياء. ومع ذلك فينبغي أن نخطو خطوة إلى الأمام في طريق تحقيقها عملياً، على

стр. 57

أن تكون الخطوة الجديدة (تركيباً) لعناصر الثقافة، ولكي نظل في نطاق مصطلحات علماء النفس نقول ينبغي أن تكون (تركيباً نفسياً). ومن زيادة القول أن نقرر أن هذه العملية تتم تلقائياً وبصورة عادية؛ فإذا ما واصل مجتمع معين تطوره الطبيعي، فإنه يؤدي عملية تركيب ثقافته بصورة تلقائية، تنحصر في تنظيم المقومات الثقافية في وحدة متجانسة تمثل ثقافته. وليس هذا منهجاً يقوم على أساسه تنظيم الثقافة وإنما هي ظاهرة. فإذا أمكننا أن ندرك ميكانيكية الظاهرة أمكننا أن نتصور المنهج. فينبغي لكي ننظم العناصر الثقافية في وحدة عضوية، أن نضع خطة تربوية صالحة لتحقيق هذه الوحدة، وبذلك نكون قد تصورنا منهج تحقيق مشروعنا بصورة فنية. لقد بيّنا في ثنايا تحليلنا السابق عدداً من العوامل الثقافية، فتحدثنا عن عالم الأشخاص وعن عالم الأفكار وعن عالم الأشياء وعن عالم العناصر والظواهر الطبيعية؛ بيد أننا قد بينا أن القيمة الثقافية لهذه العوامل المختلفة تخضع دائماً لصلتنا الشخصية بها، فتفاحة (نيوتن) لم تتحول اعتباطاً إلى نظرية في الجاذبية الأرضية، ونافورات الماء في قصر الإست لم تكن لتلهم (ليتز) أروع وأجمل مقطوعاته الموسيقية، لو لم تكن له بهذه العناصر صلة شخصية استثنائية. وإذن فلكي نستحدث تركيب العناصر الثقافية ينبغي أولاً أن يتحقق شرط جوهري، هو أن نخلق وأن نوثق الصلة الضرورية بين الفرد وبين العوالم الأربعة التي أحصيناها. ولعالم الأشخاص في هذا الميدان حق التقدم والسبق، لا من أجل امتياز شخص الإنسان فحسب، بل لأنه يمثل الرصيد الثقافي الذي يزود الفرد منذ ولادته، بالمقاييس الذاتية التي تحدد سلوكه، وتؤكد انتسابه إلى ثقافة معينة.

стр. 58

فالشرط الأول العام لتحقيق مشروع ثقافة هو إذن الصلة بين الأشخاص أولاً. وها هو ذا القرآن يعطينا فكرة عن قيمة هذه الصلة حين وجه خطابه إلى النبي قائلاً: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، [الأنفال ٨/ ٦٣]. فأساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) و (تآليف) لعالم الأشخاص، وهو تأليف يحدث طبقاً لمنهج تربوي يأخذ صورة فلسفية أخلاقية. وإذن فالأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية هي أولى المقومات في الخطة التربوية لأية ثقافة. ولا ريب في أن هذه الفكرة كانت من بين نواحي الاهتمام الموضوعية لرجل دولة كـ (خروشوف)، حين تحدث في المؤتمر الحادي والعشرين عن (مشكلة الإنتاج في جانبها الإنساني)، فلاحظ أنه: ((قبل أن تتكون لدى الأفراد حاجة داخلية إلى أن يعملوا ما وسعهم الجهد، فإن المجتمع لا يمكن أن يعفي نفسه من مهمة تحديد أصول هذا العمل ... )). تلك إذن هي مشكلة الأخلاق تُواجه منذ الآن في المجتمع الماركسي، دون أن يقصدوا إلى التعبير عنها بهذه الصورة، بل دون أن يرمزوا إلى العنصر الديني الذي يعد من مكوناتها. وبحسبنا أن نلاحظ أنهم يواجهوننا على أنها ضرورة ملحة لكل مجتمع يريد أن ينظم نفسه، مهما تحاشوا بسبب مذهبهم أن يدلوا عليها بألفاظها المستقاة في نظرهم من (فلسفة مثالية).

стр. 59

وهكذا نلاحظ بطريقة أو بأخرى (مباشرة أو عن طريق السياسة) أن عالم الأشخاص لا يمكن أن يكون ذا نشاط اجتماعي فعَّال، إلا إذا نظم وتحول إلى (تركيب). والفرد المنعزل- إذا ما أعطينا هذه الكلمة معناها النسبي- لا يمكن أن يستقبل الثقافة، ولا أن يرسل إشعاعها. فإذا ما اتجهنا إلى المجال الاجتماعي، وجدنا أن الأفكار والأشياء لا يمكن أن تتحول إلى عناصر ثقافية إلا إذا تألفت أجزاؤها فأصبحت (تركيباً)، فليس للشيء المنعزل أو الفكرة المنعزلة معنى أبداً. وفي المجال الطبيعي أيضاً لا يمكن أن تتجمع الألوان والأصوات والروائح والحركات والأضواء والظلال .. الخ وأن تتمثلها ذاتيتنا إلا إذا اتخذت صورة (تركيب)، فأصبحت مجموعة من الألوان وطائفة من الأصوات وطاقة من الروائح، وكتلة من الحركات وحزمة من الأضواء والظلال؛ تلك هي التراكيب الجزئية المستمدة مباشرة من الطبيعة، ثم يأتي بعد ذلك دور ذاتيتنا، حين تحولها إلى (تركيب) أكثر تعقيدى كالرسم والموسيقا ... الخ. ومن مجموع هذه التراكيب الجزئية يتألف تركيب عام هو (الثقافة)، ولكن كيف يتسنى لنا بطريقة منهجية أن ننظم كل هذه التراكيب الجزئية المتفاوتة في تعقيدها في تركيب عام؟. هنا تواجهنا مشكلة الثقافة، لا بوصفها دراسة لواقع اجتماعي معين، بل منهجاً للتحقيق؛ وبعبارة أدق: بوصفها منهجاً تربوياً، ولكن الخطوة التي خطوناها تشير لنا إلى الطريق الذي ينبغي أن نتبعه، فإذا ما كشفنا عن التركيب الذي يتم في عالم الأشخاص كما يخلع عليه القيمة الثقافية التي يستحقها، وإذا ما وضعنا هذا التركيب بحكم طبيعته في إطار تربوي قائم على فلسفة

стр. 60

أخلاقية، فإننا نكون في الواقع قد حددنا ضمناً منهجاً، ويبقى علينا أن نتبعه بتنظيم مختلف العناصر الثقافية التي سبق أن حللناها في إطار تربوي مناسب يتفق وطبيعتها. والواقع أن هذه العناصر التي تحللت في ذاتيتنا، وأسهمت في بناء حياتنا الفردية، كما أسهمت في بناء حياة المجتمع باعتبارها مؤثرات في سلوكنا، وعناصر في أسلوب حياة المجتمع الذي نعيش فيه، هذه العناصر تنتمي إلى طوائف معينة. فإذا ما حددنا واحداً من هذه الطوائف طبقاً لطبيعة العناصر التي صنفناها هنا، فربما استطعنا بذلك أن نحدد فصلاً من فصول الثقافة. ومن أجل هذا كانت خطوتنا الأولى أنما نصنف جميع العناصر الثقافية، التي ترجع إلى عالم الأشخاص، في فصل خاص أطلقنا عليه (الفلسفة الأخلاقية) بسبب ما اشتمل عليه من عناصر. فالأخلاق هي التركيب التربوي لكل هذه العناصر، ولذلك كانت فصلاً جوهرياً من فصول الثقافة، نتصوره لا على أنه تاريخ بل على أنه مشروع تاريخ. وكذلك يجب أن يكون موقفنا من بقية العناصر الثقافية، نصنف كل مجموعة في فصل تربوي يتناسب مع طبيعتها. ولكن ينبغي ألا ننسى أن الهدف من هذا التصنيف ليس تعيين فصول خاصة بعلم من العلوم، وإنما هي فصول ثقافة عامة؛ فقد يكون لعنصر من عناصر الطبيعة- كصوت مثلاً- خاصة مزدوجة، فنعامله باعتبارين: شكلاً أو حدثاً؛ فهو من حيث كونه شكلاً ينتمي إلى الجمال أو إلى الفلسفة الجمالية، ولكنه بوصفه حدثاً يعد ظاهرة يتولى دراستها علم خاص هو علم الأصوات، وهو على كلتا الحالين ينتمي إلى الثقافة.

стр. 61

فعنصر الجمال يعد إذن (تركيباً) لطائفة جديدة من العناصر الثقافية، فإذا حدد العنصر الأخلاقي شكل السلوك حدد العنصر الجمالي أسلوب الحياة في المجتمع. لكن أسلوب الحياة لا يحدد بهذه العناصر الثقافية الساكنة فحسب، عناصر الألوان والأصوات والأشكال .. إلخ، بل يشمل فضلاً عن ذلك جانباً، يرجع إلى العناصر الثقافية المتحركة كالحركة والنشاط، تلك التي تحدد إلى درجة ما فاعلية المجتمع. فمن الضروري إذن أن نتصور لهذه الطائفة تركيباً تربوياً آخر نطلق عليه (المنطق العملي). وأخيراً فإن أسلوب حياة المجتمع وفاعليته يقومان في جانبهما الأكبر على عالم الأشياء، الذي هو نتيجة عوامل فنية صناعية مختلفة، فهذا أيضاً جانب الأشياء الذي ينبغي أن نصنفه عنصراً ثقافياً في إطار تربوي مناسب. فالصناعة- أو العنصر الفني- هي إذن فصل آخر ضروري لتصنيف العناصر المتبقية. ولسوف نقدم للقارئ في الفصل التالي ما يحتاجه من إيضاحات لكل من هذه التراكيب الثقافية الجزئية. بيد أننا سنورد بعض الأفكار التي سبق أن وردت في سياق تحليلي، لنعالجها هنا من زاوية تركيبية، وسنرجع خاصة إلى التعريفات الأساسية للثقافة، كما نعالجها هذه المرة في ضوء ما قد يسفر عنه التاريخ والتربية. لكننا منذ الآن نستطيع أن نكون لأنفسنا فكرة واضحه عن التعريف الذي ذكرناه آنفاً للثقافة، من حيث كونها علاقة عضوية بين سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع.

стр. 62

والواقع أن هذه العلاقة تنتج مباشرة من طبيعة الأشياء ذاتها، تلك التي سبق أن صنفناها. وبوسعنا أخيراً أن نلخص الاعتبارات التي تقررت في هذا التصنيف في قولنا: إن الثقافة هي التركيب العام لتراكيب جزئية أربعة هي: الأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والصناعة. توجيه الأفكار (١): مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية هي في جوهرها مشكلة توجيه الأفكار، ولذلك كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه، فهو بصفة عامة قوة في الأساس وتوافق في السير ووحدة في الهدف؛ فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن المصدر نفسه، متجهة إلى الهدف نفسه. فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كلا وقت؛ والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل الكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية. وهذا الجهاز حين يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دوافع دينية؛ وبلغة الاجتماع: الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (المجاعة) ومعنى (الكفاح). وليس يكفي مطلقاً أن ننتج أفكارا، بل يجب أن نوجهها طبقاً لمهمتها الاجتماعية المتحدة التي نريد تحقيقها، وهنا يطالعنا موقفان متعارضان في

стр. 63

الظاهر، ولكنهما مع ذلك نتيجة لوجهة النظر الاجتماعية، ففي البلاد العربية غالباً ما نصادف هذين الموقفين متجسدين في شخصيتين مختلفتين. فهناك من يدعي أداء العمل السياسي مثلاً دون أن يرجع في عمله إلى قاعدة أو فكرة معينة؛ كأن من الممكن أن يكون النشاط فعالاً وفاعله أعمى، هذا (الرجل العملي) غالباً ما يكون سليم القصد، وحينئذ لا يُفسّر موقفه إلا بجهله في المشكلات الإنسانية. لكن قد يحدث أن يعتلي المسرح مقاول ماهر في الدجل السياسي، يكتشف طيبة البسطاء وسرعة انقيادهم، فهو يريد أن يحتفظ بهذا النجم الثمين بأي ثمن، بينما يعلم أنه لن يحتفظ به إلا بنشر الظلام، يؤيده في ذلك خفية الاستعمار الذي يقدر بداهة ثمن ذلك الظلام. وطبيعي أن يفقد النشاط فاعليته إذا ما أدار ظهره عمداً للمقاييس والقواعد، وفي كلمة واحدة: إذا ما أدار ظهره للأفكار، فإذا به يضل في متاهة من الإبهام والغموض والشك، دون أن يدرك أنه قد زاغ عن سواء السبيل. لكن هناك شخصية أخرى تمثل نموذجاً آخر من انعدام الفاعلية: فهي بصفة عامة رجل مخلص وهبته الطبيعة فكراً خصيباً، لكن لديه ذوقاً خالطه الترف العقلي، فهو طروب لا يتخيل الفكرة منوالاً تنسج عليه ضروب النشاط الاجتماعي، بل هي لديه لون من الترف يخلق المسرة، وغرام بالأفكار أشبه بالغرام بجمع التحف والأشياء الثمينة. فلو أنني وصفت هذا الفكر بصورة أستعيرها قلت: إنه ليس مصنعاً تتحول فيه الأفكار إلى أشياء، بل هو مخزن تتكدس فيه الأفكار بعضها فوق بعض. وهكذا نتمثل الوجه الآخر من الانحراف الذي يقع فيه بعض الناس، إن

стр. 64

النشاط هذه المرة يضل في غيوم من الأفكار؛ فيجب أن نطبق في هذا الميدان ما يطبق في الحساب الجبري، ففي هذا النوع من الحساب نلحظ علاقة رياضية بين عدد المقادير المعلومة وعدد المجاهيل. ففي الحالة التي يكون فيها عدد المقادير المعلومة أقل من عدد المجاهيل أو أكثر منه بنسبة معينة، يصبح في المسألة نوع من (الاستحالة) أو (عدم التحديد)، وبذلك لا يمكن حلها. فكذلك الأمر بالنسبة لما نحن بصدده، إذ أن هناك قواعد رياضية للأفكار (١) تؤكد وجود علاقات محددة بين الأفكار وبين ضروب النشاط. فإذا انعدمت هذه العلاقة بزيادة أو نقص، واجهتنا (استحالة) في أدائنا لأي نشاط. وبعبارة أخرى يصاب النشاط بالشلل عندما يدير ظهره للفكرة، كما تصاب الفكرة بالشلل إذا ما انحرفت عن النشاط، لكي تمضي في طريق اللهو والعبث. ونحن لا نستطيع بصفة عامة أن نتخذ عدد الكتب التي تخرجها المطبعة في عام دليلاً على الصحة العقلية في بلد معين، أو أن نعد الورم أمارة على الصحة البدنية، فهناك أورام عقلية وأجسام اجتماعية مريضة مثقلة بالأفكار. ومهما يكن من شيء فإن توجيه الأفكار يقوم على إقرار التوازن الضروري في هذا المجال، حتى لا يبقى هناك فراغ أو تورم. فمفتاح المشكلة يكمن في وضع برنامج لتوجيه الثقافة، توجيهاً يتفق وسمو الغاية التي ننشدها.

стр. 65

توجيه الثقافة: لقد سبق أن حددنا الثقافة بما تحركه من قوى في الفرد وفي المجتمع، وهذا تحديد يجعل منها شيئاً شبيهاً (بحالة) نفسية واجتماعية. لكن من الطبيعي أن تتطور هذه الحالة بتطور المجتمع، أو على الأصح أن يتطور المجتمع تبعاً لهذه الحالة. ولذلك يجب أن نحدد الثقافة في ضوء تصورنا لوضعها التاريخي، أي بوصفها حركة مستمرة (صيرورة)؛ فإن في التاريخ منعطفات هائلة خطيرة يتحتم فيها هذا التعرف، والنهضة في العالم الإسلامي إحدى تلك المنعطفات، والثقافة من الأمور الأساسية التي تتطلب في إلحاح تعريفاً بل تعريفين: الأول: يحددها في ضوء حالتنا الراهنة. والثاني: يحددها في ضوء مصيرنا. فإن جيلنا هذا حد فاصل بين عهدين: عهد الكساد والخمول، وعهد النشاط والحضارة. فنحن قد شرعنا في بناء نهضتنا منذ خمسين عاماً، ذلك هو مكاننا، أي تلك هي اللحظة الخاطفة، التي تسجل نهاية الظلام في ضميرنا ودبيب الحياة في ذلك الضمير؛ فهي اللحظة الفارقة بين عهد الفوضى الجامدة والجمود الفوضوي وعهد التنظيم والتركيب والتوجيه. وحينما يصل التاريخ إلى مثل هذا المنعطف من دورة الحضارة، فإنه يصل إلى المنطقة التي تتصل فيها نهاية عهد ببداية عهد آخر، ويتجاور فيها ماضي الأمة المظلم مع مستقبلها المشرق البسام. وهكذا حين نتحدث عن النهضة نحتاج إلى أن نتصورها من ناحيتين:

стр. 66

١ - تلك التي تتصل بالماضي، أي بخلاصة التدهور، وتشعبها في الأنفس وفي الأشياء. ٢ - تلك التي تتصل بخمائر المصير وجذور المستقبل. هذا التمييز الضروري لا يتصل بمظاهر الترف العقلي لطائفة من الناس، وإنما يهتم بتكييف حالة شعب وتقرير مصيره بما في ذلك وضع السائل، ما دام السؤال موجوداً في النظام الاجتماعي. ومن أول واجباتنا تصفية عاداتنا وتقاليدنا وإطارنا الخلقي والاجتماعي، مما فيه من عوامل قتّالة ورمَمٍ لا فائدة منها، حتى يصفو الجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة. ولن تتأتى هذه التصفية إلا بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع، يبحث عن وضع جديد هو وضع النهضة. ونخلص من ذلك إلى ضرورة تجديد الأوضاع بطريقتين: الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي. والثانية: إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة. ولعل أثر هذه النظرية قد لوحظ في الثقافة الغربية في عهد نهضتنا، حين كان (توماس الأكويني) ينقيها- ولو عن غير قصد منه- لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية، ولم تكن ثورته ضد ابن رشد وضد القديس (أوغسطين)، إلا مظهراً للتجديد السلبي، حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية أو ميراثاً ميتافيزيقياً للكنيسة البيزنطية. وأتى بعده (ديكارت) بالتجديد الإيجابي، الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الطريق الذي بني على المنهج التجريبي، والذي هو في الواقع السبب المباشر لتقدم الحضارة الحديثة تقدمها المادي.

стр. 67

والحضارة الإسلامية نفسها قامت بعملية التجديد هذه من ناحيتها السلبية والإيجابية، إلا أن الحضارة الإسلامية قد جاءت بهذين التجديدين مرة واحدة، وصدرت فيهما عن القرآن الكريم الذي نفى الأفكار الجاهلية البالية، ثم رسم طريق الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية. وهذا العمل نفسه ضروري اليوم للنهضة الإسلامية. ولعله قد أصبح منذ زمن قريب موضع بحث وتأمل، فإن في ريح الإصلاح التي هبت على العالم الإسلامي منذ محمد عبده وتلامذته كـ (بن باديس)، بشائر ذلك التحديد السلبي الذي حاول تحطيم عللنا وعوامل انحطاطنا. ولكن الدوائر الأزهرية والزيتونية لم تعبأ بتلك المحاولة من قبل محمد عبده وتلامذته، ولم تستطع أن تتصور أحياناً النتائج التي تقتضيها الحركة الإصلاحية، وهو أمر يعود بلا شك إلى ما بقي في أنفسنا من وطأة شديدة للانحطاط. وأما التجديد الإيجابي فهو- وإن كان قد وضع لنا مجمله- إلا أنه لا يزال غامضاً غير محدد. فليس المقصود هنا من التجديد الإيجابي وضع منهاج جديد للتفكير، فإن ديكارت قد وضعه بصورة لا نتوهم تغييرها، إلا بانقلاب عملي هائل لا تحتمله الظروف الآن. وإنما المقصود تجديد محتواه من العناصر الجوهرية التي سبق أن صنفناها في أربعة فصول، وهذا التجديد المزدوج للثقافة لا أثر له، إلا إذا زال ذلك الخلط الخطير الشائع في العالم الإسلامي بين ما تفيده كلمتا (ثقافة) و (تعليم). ففي الغرب يعرفون الثقافة: على أنها تراث (الإنسانيات) الإغريقية

стр. 68

اللاتينية، بمعنى أن مشكلتها ذات علاقة وظيفية بالإنسان، (فالثقافة) في رأيهم هي: (فلسفة الإنسان). وفي البلاد الاشتراكية، حيث يطبع تفكير ماركس كل القيم، عرف (يادانوف) الثقافة في تقريره المشهور الذي قدمه منذ عشر سنوات لمؤتمر الحزب الشيوعي في موسكو، على أنها ذات علاقة وظيفية بالجماعة، فالثقافة عنده هي: (فلسفة المجتمع). ونزيد هنا أن هذين التعريفين يعدان من الوجهة التربوية مشتملين على (فكرة عامة) عن الثقافة، دون تحديد لمضونها القابل لأن يدخله التعليم في عقلية الجماعة. وهذا ما نريد أن نحاوله هنا حين نربط ربطاً وثيقاً بين الثقافة والحضارة. وفي ضوء هذا الربط تصبح الثقافة نظرية في السلوك، أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، وبهذا يمكن أن يقاس الفرق الضروري بين الثقافة والتعليم. ولكي نفهم هذا الفرق فلا بأس أن نتصور- من ناحية- فردين مختلفين في الوظيفة وفي الظروف الاجتماعية، ولكنهما ينتميان لمجتمع واحد، كطبيب إنجليزي وراع إنجليزي مثلاً. ومن ناحية أخرى نتصور فردين متحدين في العمل والوظيفة، ولكنهما ينتميان إلى مجتمعين مختلفين في درجة تقدمهما وتطورهما، كطبيب صيني وطبيب إنجليزي؛ فالأولان يتميز سلوكهما إزاء مشكلات الحياة بتماثل معين في الرأي يتجلى فيه ما يسمى (الثقافة الإنجليزية). بينما يختلف سلوك الآخرين أحياناً اختلافاً عجيباً يدل على طابع الثقافة الذي يميز كليهما عن صاحبه، لأنه يميز المجتمع الذي ينتمي إليه.

стр. 69

هذا التماثل في السلوك في الحالة الأولى، والاختلاف في السلوك في الثانية، هما الملاحظتان المسلّم بهما في المشكلة التي أمامنا، وعليه فالتماثل أو الاختلاف في السلوك ناتج عن الثقافة لا عن التعليم. ونحن نريد أن نؤكد هذا، لندرك أن السلوك الاجتماعي للفرد خاضع لأشياء أعم من المعرفة، وأوثق صلة بالشخصية منها بجمع المعلومات، وهذه هي الثقافة. فالثقافة إذن تتعرف بصورة عملية على أنها: ((مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه))؛ فهي على هذا التعريف المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته. وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر. وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان وفلسفة الجماعة، أي مقومات الإنسان ومقومات المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المقومات جميعاً في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات. ***

стр. 70

الحَرفيَّة في الثقافة لقد نتج عن عدم محاولتنا تصفية عاداتنا وحياتنا مما يشوبها من عوامل الانحطاط- كم أشرنا سابقاً- أن ثقافة نهضتنا لم تنتج سوى حرفيين منبثين في أنحاء شعب أميّ. ونحن مدينون بهذا النقص لرجل (القلة) الذي بتر فكرة النهضة فلم ير في مشكلتها سوى حاجاته ومطامعه، دون أن يمس فيها العنصر الرئيسي لا في نفسه، فهو لم ير في الثقافة إلا المظهر التافه، لأنها عنده طريقة ليصبح شخصية بارزة، وإن زاد فعلم يجلب رزقاً. ونتيجة هذا التحريف لمعنى الثقافة متجسدة في ذات ما نسميه: (المتعالم أو المتعاقل). والحقيقة أننا منذ خسين عاماً نعرف مرضاً واحداً يمكن علاجه هو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضاً جديداً مستعصياً هو (التعالم)، وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا أتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن، ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الأطمار البالية، وحامل اللافتات العلمية. فإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها، لأن عقل هذا المريض لم يقتن العلم ليصيره ضميراً فعالاً، بل ليجعله آلة للعيش وسلماً يصعد به منصة البرلمان. وهكذا يصبح العم مسخاً وعملة

стр. 71

زائفة غير قابلة للصرف. وهذا النوع من الجهل أدهى وأمر من الجهل المطلق لأنه جهلٌ حجرته الحروف الأبجدية؛ وجاهل هذا النوع لا يقوم الأشياء بمعانيها، ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، فهي تتساوى إذا ما تساوت حروفها، وكلمة (لا) تساوي عنده (نعم) لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية. وكلام هذا المتعالم ليس (كتهتهة) الصبي فيها (صبيانية) وبراءة، فهو ليس متدرجاً في طريق التعلم كالصبي، وإنما تتمثل في (تهتهته) تلك شيخوخة وداء، فهو الصبي المزمن. فلا بد من إزالة هذا المريض ليصفو الجو للطالب العاقل الجاد. وعليه فإن مشكلة الثقافة لا تخص طبقة دون أخرى، بل تخص مجتمعنا كله بمن فيه المتعلم والصبي الذي لم يبلغ مرحلة التعلم؛ إنها تشمل المجتمع كله من أعلاه إلى أسفله إن بقي علو في مجتمع فقد حاسة العلو، فأصبحت هذه الحاسة عنده: أفقية زاحفة راقدة. إن من أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي، ولذلك يجب أن نحددها عاملاً تاريخياً لكي نفهمها، ثم نظاماً تربوياً تطبيقياً لنشرها بين طبقات المجتمع. معنى الثقافة في التاريخ: لا يمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه. والثقافة- بما تتضمنه من فكرة دينية انتظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها من لدن آدم- لا يسوغ أن تعد علماً يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط

стр. 72

به وإطار يتحرك داخله، فهو يغذي جنين الحضارة في أحشائه، إنها الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياته تبعاً للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بمن في ذلك الحداد والفنان والراعي والعالم والإمام، وهكذا يتركب التاريخ. فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها: من عقلية ابن خلدون، وروحانية الغزالي، أو عقلية (ديكارت) وروحانية (جان دارك)، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ. معنى الثقافة في التربية: فإذا حاولنا أن نحدد الثقافة بمعناها التربوي، فيجب أن نوضح هدفها وما تتطلبه من وسائل التطبيق. فأما الهدف فقد اتضح بما قدمناه في الفصل السابق من أن الثقافة ليست علماً خاصاً لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة، بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي، وخاصة إذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره الناس إلى الرقي والتمدن، فإنها أيضاً ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية. وعلى هدي هذه القاعدة، فإن الثقافة تشتمل في معناها العام على إطار حياة واحدة يجمع بين راعي الغنم والعالم جمعاً توحد معه بينهما مقتضيات مشتركة، وهي تهتم في معناها بكل طبقة من طبقات المجتمع فيها يناسبها من وظيفة تقوم

стр. 73

بها، وما لهذه الوظيفة من شروط خاصة؛ وعلى ذلك فإن الثقافة تتدخل في شؤون الفرد، وفي بناء المجتمع، وتعالج مشكلة القيادة كما تعالج مشكلة الجماهير. وإذا ما أردنا إيضاحاً أشمل لوظيفة الثقافة فلنتمثلها بوظيفة الدم، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد من (البلازما) ليغذي الجسد، والثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع يغذي حضارته، ويحمل أفكار (الصفوة) كما يحمل أفكار (العامة)، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة، والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة. وفي هذا المركب الاجتماعي للثقافة ينحصر برنامجها التربوي كما سنبين فصوله فيما بعد. ***

стр. 74

التوجيه الأخلاقي لسنا نهتم هنا بالأخلاق من الزاوية الفلسفية بل من الناحية الاجتماعية، وليس الأمر هنا أن نشرح مبادئ خلقية، بل أن نحدد (قوة التماسك) الضرورية للأفراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية؛ هذه القوة مرتبطة في أصلها بغريزة (الحياة في جماعة) عند الفرد، ارتباطاً يتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدينة والأمة. والقبائل الموغلة في البداوة تستخدم هذه الغريزة لكي تتجمع، أما المجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة فإنه يستخدم الغريزة نفسها، ولكنه يهديها ويوظفها بروح خلقي سامٍ. هذا الروح الخلقي منحة من السماء إلى الأرض، يأتيها مع نزول الأديان عندما تولد الحضارات، ومهمته في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. [الأنفال ٨/ ٦٣]. ومن العجب أن نجد اتفاقاً له مغزاه ودلالته بين ما توحي به هذه الآية، وبين معنى كلمة (دين، Religion) في أصلها اللاتيني فهي تعني هنالك (الربط والجمع (١)).

стр. 75

وليس من شك في أن نظرات المثقفين إلى المدنية الغربية مؤسسة على غلط منطقي، إذ يحسبون أن التاريخ لا يتطور ولا تتطور معه مظاهر الشيء الواحد الذي يدخل في نطاقه، حتى إنك لتنظر إلى الشيء بعد حين فتحسبه قد تبدل شيئاً آخر، وما هو في الحق إلا الشيء نفسه تنكر لك في مظهره الجديد. وإن شبابنا لينظرون إلى المدنية الغربية في يومها الراهن ويضربون صفحاً عن أمسها الغابر، حين نبتت أولى بذورها وتلونت في تطورها ونموها ألواناً مختلفة، وما فتئت تتلون عبر السنين حتى استوت على لونها الحاضر فحسبناها نباتاً جديداً. ولو أننا تناولنا بالدراسة مشروعاً اجتماعياً كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا، لبدا لنا من أول وهلة أنها جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، ونحكم بأنها مؤسسة نشأت في بادئ أمرها على أسس مدنية (لادينية). بينما لو درسنا تاريخها ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى، لوجدناها ذات أصل مسيحي، فهي تدين بالفضل للقديس (فانسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. غير أن نظرتنا العابرة هذه جعلتنا ننظر إليه وكأن تاريخه قد ابتدأ من يوم أن التفتت أنظارنا إليه فأعرناه بعض اهتمامنا؛ وذلك شأن شبابنا في نظرتهم إلى الأشياء، فإن أكبر مصادر خطئنا في تقدير المدنية الغربية أننا ننظر إلى منتجاتها وكأنها نتيجة علوم وفنون وصناعات، وننسى أن هذه العلوم والفنون والصناعات ما كان لها أن توجد لولا صلات اجتماعية خاصة لا تُتصور هذه الصناعات والفنون بدونها، فهي الأساس الخلقي الذي قام عليه صرح المدنية الغربية في علومه وفنونه، بحيث لو ألغينا ذلك الأساس لسرى الإلغاء على جميع ما نشاهده اليوم من علوم وفنون؛ فلو تناولنا جهاز الراديو مثلاً لرأينا فيه مجهودات علمية وفنية مختلفة دون أن يخطر ببالنا أثر القيم المسيحية في بنائه، بينما هو في الواقع أثر من
следующие страницы →