زائفة غير قابلة للصرف. وهذا النوع من الجهل أدهى وأمر من الجهل المطلق لأنه جهلٌ حجرته الحروف الأبجدية؛ وجاهل هذا النوع لا يقوم الأشياء بمعانيها، ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، فهي تتساوى إذا ما تساوت حروفها، وكلمة (لا) تساوي عنده (نعم) لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية.
وكلام هذا المتعالم ليس (كتهتهة) الصبي فيها (صبيانية) وبراءة، فهو ليس متدرجاً في طريق التعلم كالصبي، وإنما تتمثل في (تهتهته) تلك شيخوخة وداء، فهو الصبي المزمن.
فلا بد من إزالة هذا المريض ليصفو الجو للطالب العاقل الجاد. وعليه فإن مشكلة الثقافة لا تخص طبقة دون أخرى، بل تخص مجتمعنا كله بمن فيه المتعلم والصبي الذي لم يبلغ مرحلة التعلم؛ إنها تشمل المجتمع كله من أعلاه إلى أسفله إن بقي علو في مجتمع فقد حاسة العلو، فأصبحت هذه الحاسة عنده: أفقية زاحفة راقدة.
إن من أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي، ولذلك يجب أن نحددها عاملاً تاريخياً لكي نفهمها، ثم نظاماً تربوياً تطبيقياً لنشرها بين طبقات المجتمع.
معنى الثقافة في التاريخ:
لا يمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه.
والثقافة- بما تتضمنه من فكرة دينية انتظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها من لدن آدم- لا يسوغ أن تعد علماً يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط
стр. 72
به وإطار يتحرك داخله، فهو يغذي جنين الحضارة في أحشائه، إنها الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياته تبعاً للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بمن في ذلك الحداد والفنان والراعي والعالم والإمام، وهكذا يتركب التاريخ.
فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها: من عقلية ابن خلدون، وروحانية الغزالي، أو عقلية (ديكارت) وروحانية (جان دارك)، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ.
معنى الثقافة في التربية:
فإذا حاولنا أن نحدد الثقافة بمعناها التربوي، فيجب أن نوضح هدفها وما تتطلبه من وسائل التطبيق.
فأما الهدف فقد اتضح بما قدمناه في الفصل السابق من أن الثقافة ليست علماً خاصاً لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة، بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي، وخاصة إذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره الناس إلى الرقي والتمدن، فإنها أيضاً ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية.
وعلى هدي هذه القاعدة، فإن الثقافة تشتمل في معناها العام على إطار حياة واحدة يجمع بين راعي الغنم والعالم جمعاً توحد معه بينهما مقتضيات مشتركة، وهي تهتم في معناها بكل طبقة من طبقات المجتمع فيها يناسبها من وظيفة تقوم
стр. 73
بها، وما لهذه الوظيفة من شروط خاصة؛ وعلى ذلك فإن الثقافة تتدخل في شؤون الفرد، وفي بناء المجتمع، وتعالج مشكلة القيادة كما تعالج مشكلة الجماهير.
وإذا ما أردنا إيضاحاً أشمل لوظيفة الثقافة فلنتمثلها بوظيفة الدم، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد من (البلازما) ليغذي الجسد، والثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع يغذي حضارته، ويحمل أفكار (الصفوة) كما يحمل أفكار (العامة)، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة، والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة.
وفي هذا المركب الاجتماعي للثقافة ينحصر برنامجها التربوي كما سنبين فصوله فيما بعد.
***
стр. 74
التوجيه الأخلاقي
لسنا نهتم هنا بالأخلاق من الزاوية الفلسفية بل من الناحية الاجتماعية، وليس الأمر هنا أن نشرح مبادئ خلقية، بل أن نحدد (قوة التماسك) الضرورية للأفراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية؛ هذه القوة مرتبطة في أصلها بغريزة (الحياة في جماعة) عند الفرد، ارتباطاً يتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدينة والأمة. والقبائل الموغلة في البداوة تستخدم هذه الغريزة لكي تتجمع، أما المجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة فإنه يستخدم الغريزة نفسها، ولكنه يهديها ويوظفها بروح خلقي سامٍ.
هذا الروح الخلقي منحة من السماء إلى الأرض، يأتيها مع نزول الأديان عندما تولد الحضارات، ومهمته في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. [الأنفال ٨/ ٦٣].
ومن العجب أن نجد اتفاقاً له مغزاه ودلالته بين ما توحي به هذه الآية، وبين معنى كلمة (دين، Religion) في أصلها اللاتيني فهي تعني هنالك (الربط والجمع (١)).
стр. 75
وليس من شك في أن نظرات المثقفين إلى المدنية الغربية مؤسسة على غلط منطقي، إذ يحسبون أن التاريخ لا يتطور ولا تتطور معه مظاهر الشيء الواحد الذي يدخل في نطاقه، حتى إنك لتنظر إلى الشيء بعد حين فتحسبه قد تبدل شيئاً آخر، وما هو في الحق إلا الشيء نفسه تنكر لك في مظهره الجديد.
وإن شبابنا لينظرون إلى المدنية الغربية في يومها الراهن ويضربون صفحاً عن أمسها الغابر، حين نبتت أولى بذورها وتلونت في تطورها ونموها ألواناً مختلفة، وما فتئت تتلون عبر السنين حتى استوت على لونها الحاضر فحسبناها نباتاً جديداً.
ولو أننا تناولنا بالدراسة مشروعاً اجتماعياً كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا، لبدا لنا من أول وهلة أنها جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، ونحكم بأنها مؤسسة نشأت في بادئ أمرها على أسس مدنية (لادينية). بينما لو درسنا تاريخها ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى، لوجدناها ذات أصل مسيحي، فهي تدين بالفضل للقديس (فانسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين خلال النصف الأول من القرن السابع عشر.
غير أن نظرتنا العابرة هذه جعلتنا ننظر إليه وكأن تاريخه قد ابتدأ من يوم أن التفتت أنظارنا إليه فأعرناه بعض اهتمامنا؛ وذلك شأن شبابنا في نظرتهم إلى الأشياء، فإن أكبر مصادر خطئنا في تقدير المدنية الغربية أننا ننظر إلى منتجاتها وكأنها نتيجة علوم وفنون وصناعات، وننسى أن هذه العلوم والفنون والصناعات ما كان لها أن توجد لولا صلات اجتماعية خاصة لا تُتصور هذه الصناعات والفنون بدونها، فهي الأساس الخلقي الذي قام عليه صرح المدنية الغربية في علومه وفنونه، بحيث لو ألغينا ذلك الأساس لسرى الإلغاء على جميع ما نشاهده اليوم من علوم وفنون؛ فلو تناولنا جهاز الراديو مثلاً لرأينا فيه مجهودات علمية وفنية مختلفة دون أن يخطر ببالنا أثر القيم المسيحية في بنائه، بينما هو في الواقع أثر من
стр. 76
آثار تلك العلاقات الاجتماعية التي وحدت جهوداً مختلفة لـ (هرتز Hertz) الألماني، و (بو بوف Popov) الروسي، و (برانلي Branly) الفرنسي، و (ماركوني Marconi) الإيطالي، و (فليمن Fleming) الأمريكي، فكان الراديو نتيجة هذه الجهود جميعاً.
وهل هذه العلاقات الخاصة في أصلها سوى الرابطة المسيحية التي أنتجت الحضارة الغربية منذ عهد شارلمان؟.
ولسوف نصل في النهاية- إذا ما تتبعنا كل مدني من مظاهر الحضارة الغربية- إلى الروابط الدينية الأولى التي بعثت الحضارة، وهذه حقيقة كل عصر وكل حضارة.
إن روح الإسلام هو الذي خلق من عناصر متفرقة كالأنصار والمهاجرين أول مجتمع إسلامي، حتى كان الرجل في المجتمع الجديد يعرض على أخيه أن ينكحه من يختار من أزواجه بعد أن يطلقها له كي يبني بذلك أسرة.
فقوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام، ولكن أي إسلام؟ الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي.
وقوة التماسك هذه جديرة بأن تؤلف لنا حضارتنا المنشودة، وفي يدها - ضماناً لذلك- تجربة عمرها ألف عام، وحضارة ولدت على أرض قاحلة، وسط البدو رجال الفطرة والصحراء.
التوجيه الجمالي:
لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه.
стр. 77
ولقد دفعت هذه الملاحظة كل من عنوا بالنفس الاجتماعية من علماء الأخلاق أمثال الغزالي إلى دراسة الجمال وتأثيره في الروح الاجتماعبة.
ويمكن أن نلخص أفكارهم في هذا الصدد في أنه لا يمكن تصور الخير منفصلاً عن الجمال.
وترجمة هذا الاعتبار في لغة الاجماع: أن الأفكار هي المنوال الذي تنسج عليه الأعمال، وهي تتولد من الصور المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي فتنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها تفكيره، فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة.
فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل وتوخياً للكريم من العادات.
ولاشك أن للجمال أهمية اجتماعية كبيرة، إذا ما عددناه المنبع الذي تصدر عنه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع.
والواقع أن أزهد الأعمال- في نظرنا- له صلة كبرى بالمجال، فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال، أو تنضح بالقبح، ونحن نرى أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان، وفي عمله وفي السياسة التي يرسمها لنفسه، بل حتى في الحقيبة التي يحمل فيها ملابس سفره.
ولعل من الواضح لكل إنسان أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال، ولو أنه كان موجوداً في ثقافتنا، إذن لسخرناه لحل مشكلات جزئية، تكون في مجموعها جانباً من حياة الإنسان.
стр. 78
ويكفينا للتدليل على ذلك ما نراه مثلاً من شأن ذلك الطفل الذي يلبس الأسمال البالية والثياب القذرة، التي إن شئنا وصفها لقلنا إنها ثياب حيكت من قاذورات وجراثيم، إن مثل هذا الطفل الذي يعيش جسده وسط هذه القاذورات والرقعات غير المتناسبة، يحمل في المجتمع صورة القبح والتعاسة معاً، بينما هو جزء من ملايين السواعد والعقول التي تحرك التاريخ، لكنه لا يحرك شيئاً لأن نفسه قد دفنت في أوساخه، ولن تكفينا عشرات من الخطب السياسية لتغيير ما به من القبح وما يحتويه من الضعة النفسية والبؤس الشنيع.
فهذا الطفل لا يعبر عن فقرنا المسلم به بل عن تفريطنا في حياتنا.
ولنستخدم أبسط معنى للمجال ولننظر من قريب إلى أسمال هذا الطفل، فهي على كونها أسمالاً تحمل أكثر من ذلك جراثيم تقتله مادياً وأدبياً، فليست هذه الأسمال جراباً للوسخ فحسب وإنما هي سجن لنفس الطفل أيضاً.
أما من الوجهة الخلقية فقد أراد الطفل ستر عورته لكن مرقعاته قتلت كرامته، لأن العدالة الشكلية تذهب أحياناً إلى أن (الجبة) تصنع الشيخ.
وليس من شك في أن (مصطفى كمال) حينما فرض القبعة لباساً وطنياً للشعب إنما أراد بذلك تغيير نفس لا تغيير ملبس، إذ أن الملبس يحكم تصرفات الإنسان إلى حد بعيد.
فإذا ما لاحظنا أن مرقعات طفلنا قد أصبحت بما تحمل من أوساخ لا تقيه البرد أو الحر، وجدنا أيضاً أنها لا تستدر في الإنسان عطفاً، بل تثير فيه اشمئزازاً، وذلك بتأثير الصور الشنيعة والرائحة الكريهة والألوان المتنافرة.
وإن دستور الجمال في النفس الإنسانية ليعبر عن هذه المأساة كلها بكلمة واحدة: إنه لمنظر قبيح. إلا أنه لا يقف عند هذا الحد بل يوحي بالحل والمعالجة
стр. 79
الممكنة. ومن المؤكد أننا لن نأتي له بثوب آخر، فنحن نريد أن نخلصه من قبحه في سعة ويسر؛ بأن نأخذ بيده إلى الماء فننزع عنه مرقعاته ونأمره بأن يقوم بغسل واحدة منها ذات لون أقرب إلى الذوق، قطعة تكفي لستر عورته، يغسلها ثم يرتديها بعد أن يغتسل هو أيضا مما به من وسخ، ثم نقتاده إلى حلاق يحلق له رأسه ونتركه بعد ذلك يسير في حاله، بعد أن نعلمه كيف يقصد في مشيته وكيف لا يطأطئ رأسه، بهذا لا يظل كومة متحركة من الأوساخ، بل يصبح طفلاً فقيراً يسعى لقوته تجد فيه صورة للفقر والكرامة لا للقبح والمهانة.
ولا يظنن ظان أننا بإيرادنا هذا المثل نرى أن ذوق الجمال يسعى لحل مشكلات المساكين فحسب، بل أردنا التدليل على تأثيره في المجتمع باختيار نموذج من صميم أوضاعنا الاجتماعية، أما تأثيره فعام يمس كل دقيقة من دقائق الحياة كذوقنا في الموسيقا والملابس والعادات وأساليب الضحك والعطاس، وطريقة تنظيم بيوتنا وتمشيط أولادنا ومسح أحذيتنا وتنظيف أرجلنا.
لقد صدرت بعض الأوامر في مدينة موسكو- نقلتها إلينا الصحافة- تلزم سكانها بأن يرعوا في يقظة نظافة مدينتهم، وإلا فهم مهددون بفرض غرامة تبدأ من خمسة وعشرين إلى مئة روبل على كل من يبصق في الشارع، أو يلقي بأعقاب (السجائر) على الرصيف، أو يعلق ملابسه في الشباك المطل على الشارع، أو يلصق إعلانات على الحوائط، أو من يركب السيارات العامة بملابس العمل المتسخة.
فلو أننا سألنا عمدة موسكو مثلاً عن السبب الذي دعا إلى مثل هذه الأوامر لأجابنا بأنه: النظام ... ، ويجيب طبيب من وجهة نظره بأنه: الصحة .. ، وثالث فنان يذهب إلى أنه: جمال المدينة.
وكل إجابة من هذه الإجابات صادقة بوصفها سلوكاً يمليه وضع خاص،
стр. 80
ولكن جميع هذه الإجابات لا تكون صادقة إلا لأنها تعبر عن سلوك عام يؤدي إلى (الثقافة الشيوعية) التي نتصورها في شكلها الأعم، الذي سميناه في تعريف الثقافة (المحيط) الاجتماعي.
وعليه فإن فكرة المحيط تدخل في كل عمل فردي أو إداري في وسط متحضر، ولكنها تدخل ضمناً فقط- كما رأينا- لا على وجه التحديد، الذي نريد القيام به هنا حين نتحدث عن أحد مقومات الثقافة وهو: الجمال.
والإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظه في أنفسنا، كما ينبغي أن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا، مسحة الجمال التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي.
يجب أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات وفي الروائح وفي الألوان، كما يثيرنا منظر مسرحي سيئ الأداء.
إن الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا، ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه.
المنطق العملي:
لسنا نعني بالمنطق العملي ذلك الشيء الذي دونت أصوله ووضعت قواعده منذ أرسطو، وإنما نعني به كيفية ارتباط العمل بوسائله ومقاصده، وذلك حتى لانستسهل أو نستصعب شيئاً دون مقياس، يستمد معاييره من الوسط الاجتماعي وما يشتمل من إمكانيات؛ وليس من الصعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياساً نظرياً يستخرج به نتائج من مقدمات محددة، غير أنه من النادر جداً أن يعرف المنطق العملي، أي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة.
стр. 81
ونظرة إلى ما حولنا تكفينا لكي نلاحظ أن ضروب نشاطنا غالباً ما تتسم بالشلل وانعدام الفاعلية في الجانب الخاص أو العام.
ففي مدخل أحد مكاتب البريد رأيت مثلاً منظراً عجباً، رأيت رجلاً يحمل مظاريف كثيرة يحاول أن يرتبها، وبديهي أن نحس بحاجته إلى عتبة أو حافة شباك ليتمكن من أداء عمليته على ما يرام، لقد بحث الرجل فعلاً عن عتبة، وظننت أنه لا بد واضع عليها بريده، وضعاً يجعله يتخذ منها نضداً صغيراً أمامه، وشد ما كان عجبي حين وجدته بدلاً من أن يضع عليها بريده يقف عليها بقدميه ثم ينحني واضعاً الخطابات أوطأ من نعليه، في وضع يجعل عمله أشق وأكثر إجهاداً.
فإذا ما انتقلنا الى قطاع آخر نجد مثلاً أن مصلحة الهاتف في بعض البلاد قد أنشأت (الساعة المتكلمة) وتلك فكرة جميلة، ولكن لابد من شروط تجعلها نافعة فعالة، فقد يحتار صوت طفل وهو لطيف، أو صوت امرأة وهو ناعم رقيق، ولكن قد يختار أيضاً صوت رجل، لا لأنه أجمل، بل لأنه أوضح وأكثر تميزاً، فهو يضغط على المقاطع بطريقة أوضح، بينما تصبح تلك المقاطع في فم الطفل أو المرأة أقل وضوحاً بحكم الطبيعة.
لقد اختار المشرفون على ساعتنا المتكلمة صوت امرأة، فإذا بالمرأة تضيف إلى الخطأ الأساسي في الاختيار خطأ شخصياً، فلقد حسبت من الضروري أن تضغط على المقاطع التي تعبر عن الد ... قا ... ئق والثـ ... ـوا ... ني ... ، ولكنها نسيت ما هو أهم من ذلك: أن تضغط على الأرقام!!!.
فهذه أمثلة على انعدام المنطق العملي في جوانب مختلفة من حياتنا.
ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه شيء يكاد يكون معدوماً.
стр. 82
والمسلم يتصرف في أربع وعشرين ساعة كل يوم، فكيف يتصرف فيها؟. وقد يكون له نصيب من العلم أو حظ من المال، فكيف ينفق ماله ويستغل علمه؟
وإذا أراد أن يتعلم علماً أو حرفة، فكيف يستخدم إمكانياته في سبيل الوصول إلى ذلك العلم أو تلك الحرفة؟.
إننا نرى في حياتنا اليومية جانباً كبيراً من (اللافاعلية) في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث وفي المحاولات الهازلة.
وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين الأشياء ووسائلها وبين الأشياء وأهدافها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا وفكرتنا لا تعرف التحقيق، وإن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها.
ولقد يقال: إن المجتمع الإسلامي يعيش طبقاً لمبادئ القرآن، ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول: إنه يتكلم تبعاً لمبادئ القرآن لعدم وجود المنطق العملي في سلوكه الإسلامي.
ونظرة إلى واقعنا لنرى الرجل الأوروبي والرجل المسلم: أيهما ذو نشاط وعزم وحركة دائبة؟.
ليس هو الرجل المسلم بكل أسف، وهو الذي يأمره القرآن- كما يعرف ذلك تماماً- بقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان ٣١/ ١٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان ٣١/ ١٨].
ألم نقل: إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة ولكن منطق العمل والحركة، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً، بل إنه أكثر من ذلك
стр. 83
يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، ويقولون كلاماً منطقياً من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط.
ومن هنا يأتي عمقنا الاجتماعي، فنحن حالمون ينقصنا المنطق العملي، ولننظر إلى الأم التي تريد أن تربي ولدها، فهي إما أن تبلده بمعاملة أم متوحشة، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه، فإذا أبدت إشارة أو أصدرت أمراً شعر الطفل بتفاهة إرادتها فلم يعبأ بها، إذ أن الوهن والسخف يطبعان منطقها حتى في عين الصبي المسكين.
التوجيه الفني أو الصناعة:
لا نعني بالصناعة ذلك المعنى الضيق المقصود من هذا اللفظ بصفة عامة في البلاد الإسلامية، فإن كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم تدخل في مفهوم الصناعة.
والراعي نفسه له صناعته، ومما يدلنا على القيمة الاجماعية لهذه الحرفة المتواضعة الزهيدة، أن لها مدرسة أهلية في فرنسا بمدينة (رامبوليه) إحدى ضواحي باريس، فلو رأينا الراعي الخريج في هذه المدرسة والراعي العربي يقود كل منهما قطيعه لعلمنا أي فرق بينهما؟
ومن المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه؛ وعليه فيجب أن نلاحظ في كل فن هذين الاعتبارين.
وإنا لنرى في هذا الباب ضرورة إنشاء مجلس للتوجيه الفني، ليحل نظرياً وعملياً المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعاً لحاجات البلاد، وقد بدأ الأخذ بهذا الاتجاه في الجمهورية العربية المتحدة (١) الان.
стр. 84
هذا الحل المنطقي لمشكلة التوجيه الفني هو الذي يتيح لرجل الفطرة ورجل القلة (١) (المدينة) أن يَلِجَا معاً باب الحضارة التي بدأت فعلاً، ولكنها واقفة في مفترق الأقدار وفي مهب الأهواء والمبادئ قلقة لا تعرف لنفسها طريقاً.
ولسوف تخيب آمالنا التي عقدناها إذا ما عولنا في قضيتنا على العلم الذي نتعلمه في المدارس الرسمية أو غير الرسمية، أو على ما تعدنا به السياسات الانتخابية؛ وما تعدنا إلا غروراً.
ولقد نعلم أن الحل الوحيد منوط بتكوين الفرد الحامل لرسالته في التاريخ، فقد صار مؤكداً أن التركة الكبرى التي ورثنا عنها جيلاً من (المتعالمين)، وورثنا عنها التنافس على المقاعد الأولى، حتى لجان الإنقاذ في كارثة فلسطين في البلاد الإسلامية؛ كل هذه الفضائح التي يغذيها الاستعمار بكل عناية، لا يمكن أن نضع لها حداً إلا بتحديد الثقافة.
وإن الإمكانيات البسيطة في البلاد الإسلامية لتسمح لنا بأن نحقق هذا التحديد سريعاً، وأن نكون القيادة الفنية التي نحتاج إليها الآن.
стр. 85
الأزمة الثقافية
إننا قدمنا في الفصول السابقة ما رأيناه ضرورياً لإبراز معنى الثقافة بوصفها (جواً) يمتص الفرد تلقائياً عناصره، من ألوان وأصوات وحركات وروائح وأفكار، يتلقاها لا بوصفها (معاني) و (مفاهيم مجردة)، ولكن بوصفها صوراً مألوفة يستأنسها منذ مهده.
ثم بيّنا كيف تذوب هذه العناصر في كيان المجتمع لتطبع أسلوب حياته، وفي كيان الفرد لتطبع سلوكه مع تفاعل مستمر بين هذا الأسلوب وهذا الأسلوب، في صورة التزام مزدوج بين الفرد والمجتمع، التزاماً لا يسمح معه هذا لذاك بأي نشوز في السلوك، ولا ذاك لهذا بأي انحراف في الأسلوب؛ إذ يتدخل في الحالة الأولى ما يسمى بالضغط الاجتماعي، وفي الثانية كل مواقف الفرد التي تعبر عن استنكاره، سواء بما نسميه اليوم النقد أو ما يشير إليه الحديث: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم]
وفي كل هذا العرض إنما تتبعنا الاطّراد الثقافي في طور تكوينه، ولكن ماذا يحدث في الاطّراد العكسي عندما يزول (الجو) الثقافي، ويتعذر تركيب العناصر الثقافية في منهج تربوي، أي عندما تنشأ أزمة ثقافية؟
يجب أن نحدد أولاً هذه العبارة: ماذا نعني بـ (الأزمة الثقافية)؟ إن الجواب عن هذا السؤال يتأتى بطريقة مباشرة، فكلما عمل المجتمع واجبه في السهر على سلوك الأفراد- بدعوى الحرية، أو أية دعوة أخرى- وزال الضغط
стр. 86
الاجتماعي، انطلقت الطاقة الحيوية من قيودها، سواء أكانت هذه القيود مفروضة على أساس ديني أو أساس دستوري، فدمرت كل ما يقوم على تلك الأسس سواء كانت دينية أو علمانية، أي أنها تدمر كل البناء الاجتماعي.
وهذا ما يحدث أيضاً عندما يفقد الفرد، مثلاً لأسباب سياسية، حقه في النقد أو فيما يشير إليه الحديث السابق كواجب تغيير المنكر.
ففي كلتا الحالتين تنشأ أزمة ثقافية مآلها البعيد أفول حضارة، وفي القريب زوال الالتزام بين المجتمع والفرد زوالاً، يعبر عنه في صورته الفلسفية كتاب مثل (اللامنتمي) للإنجليزي (كولين ولسون)، أو في صورته السلوكية عصابات (الهيبيز).
يجب أن نلاحظ هنا أن كل ظاهرة اجتماعية لا تستقر في صورة منشئها، فهي كائن مرتبط بحياة المجتمع، بينها وبين هذه الحياة تفاعل جدلي ينمي نتائجها في المجتمع من حد الصفر إلى نقطة (اللارجوع).
فالأزمة الثقافية تنمو وتنمو معها أيضاً نتائجها، من الحد الذي يمكن تداركه بالتعديل البسيط إلى الحد الذي يصبح فيه التعديل مستحيلاً، أو لا يمكن إلا بثورة ثقافية عارمة تكون في الحقيقة بمثابة انطلاقة جديدة للحياة الاجتماعية من نقطة الصفر.
وبين هذين الطرفين تبرز حقيقة ألا وهي أن ظرفاً واحداً أعني أزمة ثقافية، يخلق أمام مجتمع متقهقر أو جامد استحالة لا يستطيع التغلب عليها فيستسلم- كما يقولون- للواقع، بينما يخلق هذا الظرف نفسه بالنسبة لمجتمع آخر فرصة لدفعة جديدة لحركيته، مثل الدفعة التي أعطاها (ماوتسي تونج) للحياة الصينية تحت اسم (الثورة الثقافية)، لم يكن للشعب الصيني غنى عنها لمواجهة أي واقع يواجهه من أجل تعديله في الاتجاه الذي يراه.
стр. 87
وبين هاتين الحالتين، بين الاستسلام التام لـ (الواقع) وبين الثورة العنيفة على أي (واقع) لا يستساغ، درجات من الخنوع والتقوقع والهروب من المسؤولية، هي بالضبط درجات الأزمة الثقافية التي يتخبط فيها المجتمع، والتي تحاول السلطات السياسية المتورطة أو الانتهازية بكل جهدها إخفاءها أحياناً، لأنها تعودت على ألا تسمي القط قطاً وأن تعيّن الخائن باسمه.
إن هذه الانتهازية وهذه التورطات وهذه (الشطارة) في إخفاء الواقع باسم (الواقعية) كلها من معدن واحد، معدن (الأزمة الثقافية)، المعدن الذي تصاغ منه كل الفاجعات وكل النكسات وكل المحاولات الفاشلة، سواء في الميدان الصناعي أو الزراعي أو الأخلاقي أو السياسي أو العسكري.
فأي إخفاق يسجله مجتمع في إحدى محاولاته إنما هو التعبير الصادق على درجة أزمته الثقافية، أو بعبارة أعم التعبير عن الأزمة التي تمر بها حضارته في تلك المرحلة من تاريخه.
وإننا نستطيع بل يجب علينا لتوضيح الأشياء من الناحية الفنية، الوقوف عند نتائج الأزمة الثقافية أو بعض نتائجها عندما تبلغ حدها الأقصى في حياة الفرد من ناحية وفي حياة المجتمع من أخرى.
إن الأزمة الثقافية تكون في ذروتها بالنسبة إلى الفرد إذا ما قدرنا أنه حرم منذ البداية مما أسميناه (الجو) الثقافي.
فماذا يحصل للفرد في هذه الحالة، أي إذا عزل عن المجتمع عزلاً كاملاً، فلم تتكون لديه أية صلة اجتماعية، حتى صلة الكلام أي تبليغ الآخرين ما نريده بالصوت؟
إن هذه الحالة حدثت في بعض الظروف الشاذة، مثلاً عندما تموت أم بجانب مولودها على حافة طريق، فحتضنه الطبيعة، فتأتي غزالة مثلاً
стр. 88
ترضعه، فينشأ في قطيع غزلان، مثل ذلك الإنسان الذي اكتشف في الأربعينات وشاهدته شوارع دمشق في تلك الفترة.
وهذه الحالة تكررت في صور وأماكن وأزمنة مختلفة، تكرراً كونت معه موضوع دراسة اجتماعية خاصة تحت عنوان ( L'enfant sauvage الطفل المتوحش).
والمهم في هذه الدراسة أنها تكشف عن تدهور (إنسانية) هذا الإنسان البائس حتى من الناحية الفيزيولوجية، إذ يفقد حتى الصلة الجنسية ولا يحاول استعادتها حتى بعد عودته الطارئة لمجتمع البشري.
إنه فقد إنسانيته بكل وضوح، ولكن هل أصبح مع ذلك في مستوى الحيوان؟
لاشك أن التكيف مع شروط الحياة المفروضة عليه جعله يتلقى بعض الدروس من وسطه الحيواني، فأصبح مثلاً يمشي على أربع ويقفز مثل الغزال، ولكن تكيفه لا يتعدى ولا يمكنه أن يتعدى هذا الحد، لأنه لا يستطيع أن يهب له الغريزة التي تهيمن على كل سلوك الحيوان الحقيقي في مواجهة كل ظروف حياته.
ولكن هذا الفرد الذي فقد إنسانيته في حالة نادرة لم يستطع، ولم يكن له أن يكتسب (حيوانية) خالصة، فلو أردنا أن نحدد مكانه في سلم الحياة لاضطررنا أن نضعه دون الحيوان، بينما كل إنسان ولو كان أقبح خلق الله يبقى فوق مستوى الحيوان بكثير.
وهذه أبشع صورة قطعاً للأزمة الثقافية في مستوى الفرد، وليست كما نرى تعبر عن قضية جهل أو علم، لأنها تمس الجوهر الإنساني في الفرد.
стр. 89
أما في مستوى المجتمع الذي يعيش أزمة ثقافية فإننا نستطيع حصر العديد من الملاحظات، ويكفينا لذلك أن نرى بالعين المجردة ما يدور في حياته الاقتصادية والسياسية، ولكن تكفينا ملاحظة واحدة لما فيها من العبرة.
إننا لو وضعنا سلماً للقيم الثقافية، جنباً إلى جنب مع السلم الاجتماعي، لقررنا مبدئياً أن السلمين يتجهان في الاتجاه نفسه من الأسفل إلى الأعلى، أي أن المراكز الاجتماعية تكون تلقائياً موزعة حسب الدرجات الثقافية.
وهذه حقيقة نمارسها في حياة كل مجتمع ولو كان يواجه بعض الأزمة الثقافية، على شرط أنها لم تبلغ درجة (اللارجوع).
أما في المجتمع الذي بلغ هذه الدرجة فإن السلمين ينعكسان، الواحد بالنسبة للآخر انعكاساً تصبح معه القاعدة الشعبية على الأقل بمحافظتها على الأخلاق أثرى ثقافياً من قيادتها.
وهذه فيما أعتقد أشنع صورة للأزمة الثقافية التي لا تحل بمجتمع ما إلا صيرته عاجزاً عن حل مشكلاته داخل حدوده، وعن مواجهة مشكلات الجوار على حدوده، وبصورة أعم لا يستطيع التعايش دون عقد نفسية تعرض شخصيته للتلف أو كرامته للمهانة، بينما أصبح التعايش ضرورة حتمية في عالم تهيمن فيه التكنولوجية التي فرضت على كل مجتمع وجود الآخرين.
стр. 90
الفصل الثالث
تَعَايُش الثَقافات
стр. 91
نظرات في تعايش الثقافات:
كان من نتيجة التحليل الذي قمنا به في الفصل الأول أن وضعنا أمام القارئ حقيقتين جوهريتين هما: الوجود الخاص للثقافة، ونوعية مشكلتها؛ وقلنا حين تناولنا الحقيقة الأولى: إنها ترسم الحدود الجغرافية والإنسانية للثقافة، ولكن ماذا يجري على هذه الحدود؟
لم يكن هذا السؤال ليثير اهتمام أحد سوى رجل دولة عندما يحدث أن تثور أمامه المشكلة في صورة اهتمام سياسي مؤقت، أو مؤرخ ملزم بحكم مهنته أن يحصي كل ما تجري به الأحداث التاريخية، كالمنازعات والاحتكاكات والأخطاء والاختلافات التي تنفجر على حدود ثقافتين، كما يسجل الاتصالات وألوان التبادل التي تمت بينهما في وقت معين.
لكنّ ما يقوم به رجل الدولة ليس سوى عملية سياسية، وما يقوم به المؤرخ ليس سوى الاهتمام بعمل قائمة إحصائية لعصر من العصور، وهذه العملية وتلك القائمة لا تدخلان في رصيد الثقافة إلا من وجهٍ غير مباشر، لأن ذلك هو ما تقتضيه الأشياء لا إرادة الإنسان.
وقد حدث أحياناً أن أحدثت طبيعة الأشياء (تراكيب هامة) على حدود ثقافتين، دون أن يسعى الإنسان إليها ودون أن يريدها.
فهناك مؤرخون يرون أن نهضة أوروبا في القرن السادس عشر، تعد تركيباً حققه الزمن والأحداث على الحدود بين الثقافة الإسلامية والعالم المسيحي؛
стр. 92
والحروب الصليبية على أية حال قد انفجرت على هذه الحدود، ولا ريب أنها نوع من التركيب الذي اتخذ وضعاً معكوساً؛ فللثقافات دارُ أمنها وإقامتها في مواطن حضاراتها، ولكن الأحداث التي تنتج عنها لها ميدانها بصفة عامة في (المنطقة الحرام) على حدودها.
ففي المنطقة الحرام (بالتبت) تم تركيب البوذية على حدود ثقافتين عظيمتين هما ثقافة الصين وثقافة الهند.
لكنا الآن نرى أن الإنسان قد أخذ شيئاً فشيئاً يفرض وجوده في مختلف الميادين، حيث كانت الأمور تجري من قبل في أعنتها.
فتحليل العناصر الإشعاعية كان يتم من قبل تلقائياً على يد الطبيعة، ولكن الإنسان قد أثبت وجوده في هذه السبيل، حين سيطر على هذا التحليل موجهاً إياه وجهة أهداف معينة.
وحين اتجه العالم إلى إنشاء منظمة اليونسكو، كان يهدف إلى السيطرة على عملية من نوع آخر، هي إحداث تكامل بين العناصر الثقافية لتحقيق (تركيب) ثقافة إنسانية على المدى البعيد.
فالمشكلة إذن تخضع لمشيئتنا الآن بصورة غير مباشرة، ولكن يبدو أن الأحداث هي التي تملي أحياناً محاولة الإنسان في هذا الميدان حين تحدد مغزاها.
فالذين ذهبوا إلى (باندونج) في إبريل عام ١٩٥٥م، لم يذهبوا هنالك لكي يضعوا ويحلوا مشكلة ثقافة، ولكن الأحداث ذاتها قد حددت معنى محاولتهم، فإذا بمهمتهم وقد أصبحت تحقيق برنامج ثقافي معين في إطار الاجتماعات الإفريقية الآسيوية، ولست أريد هنا أن أحلل هذا البرنامج، فقد يكون من السهل أن نلاحظ أن حظ الرجال من التأثير كان أقل من حظ الأحداث.
стр. 93
فالضير الإنساني الذي لم يألف العمل على حدود الثقافات، ما زال تسيطر عليه عادات جذبية مزمنة تحمله على أن يرى الأشياء من زاوية ضيقة (١).
بيد أن الأحداث تسير، وتتقدم معها المشكلات نحو حلها على نسق مسرَّعٍ يتفق وسرعة التاريخ.
فنحن مضطرون أحياناً إلى أن نفكر في هذا النقص الذي أصاب الإنسان، فقعد به عن ملاحقة توقيت التاريخ، وأن نفكر في سد هذا النقص.
فمحاولة كمحاولة اليونسكو تبدو كأنما أخذ الإنسان على نفسه أن يسد نقصه من طريقها، ومع ذلك فهي محاولة تتصل في جانبها الأكبر بشطر الإنسانية الذي يعيش على محور طنجة - جاكرتا، فقد وضع هذا المشكلة ليواجهها في باندونج، لكن الأحداث لم تنضج بعد ثمرة غرست شجرتها منذ وقت قريب.
وبوسع القارئ، بعد أن يطالع هنا محاولتنا التي أخلصناها لتركيب الثقافة، أن يجد في هذا العرض بعض الأفكار العامة عن إمكان استحداث تركيب أرحب، بين ثقافتين أو ثلاث، لها حدودها المشتركة على الخريطة، وقد يثور في ذهنه سؤال عن إمكان تعايش هذه الثقافات في صورة مشروع يدرك في مستوى جغرافي سياسي.
فباندونج قد لفتت انتباهنا إلى تعايش كهذا، ربما دون أن تحدد لنا المنهج. ولكن المشكلة على أية حال قد أعدت؛ وقد رأيت من واجبي أن أخصها بفصل مستقل في كتابي (فكرة الإفريقية الآسيوية)، حيث درست إمكان
стр. 94
تركيب ثقافتين هما: الثقافة الإسلامية والثقافة الهندية من أجل تحديد عمل ثقافي على مستوى إفريقي آسيوي.
فليس هن العبث إذن أن نضيف هذا الفصل في دراستنا هذه، كيما نمنح القارئ فرصة مطالعة مشكلة الثقافة من هذا الجانب، وحتى يلم أيضاً بفكرة أوضح عن نشاط ثقافة ما على حدود رقعتها. وبعد أن يقرأ ما قيل عن نوعية الثقافة وعن وجودها الخاص، سيكون في وسعه أن يفهم بسهولة أن كلمة (تركيب) قد استخدمت هنا في معناها الواسع الذي يعني (التعايش)، حتى لا نقع فيما وقع فيه الإمبراطور (أكبر) حين حاول استحداث (تلفيق) قصد به أن يكون (تركيباً).
فكل ما يرجى من الثقافات التي مثِّلَتْ في باندونج، هو أن تتعايش وأن تعمل متعاونة على طول المحور من طنجة إلى جاكرتا.
وسيتضح من الفصل التالي في أي الظروف يمكن أن يتم هذا العمل في رقعة معينة.
تعايش ثقافي على محور طنجة - جاكرتا:
تدلنا الدراسة المنهجية لمؤتمر باندونج على أنَّ المشكلة الجوهرية التي احتوتها روحه- وإن لم تعبر عنها مناقشاته- إنما كانت مصير الإنسان الأفرسيوي. وبعبارة أكثر تحديداً: مصير الشعوب المتخلفة التي تمتد رقعة سكناها على محور جغرافي من طنجة إلى جاكرتا.
لكن الأمر على ما صورناه في غير هذا المكان، يتلخص في ((أن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو تفكير في مشكلة الحضارة (١)))، ولو أردنا محاكاة هذه الجملة
стр. 95
بصورة أخرى- مع اعتبار ما بين الحضارة والثقافة من ربط وثيق- لقلنا: ((إن أي تفكير في مشكلة الحضارة هو في جوهره تفكير في مشكلة الثقافة))، وبذلك تكون الحضارة في جوهرها عبارة عن مجموع من القيم الثقافية المحققة. وإذن فمصير الإنسان رهن دائماً بثقافته.
ومع ذلك فإن (باندونج) حين جمعت عناصر المشكلات العضوية الخاصة بالشعوب الأفرسيوية، قد دفعت المشكلة ضمناً إلى ضوء هو الذي نعالجها فيه هنا، على الرغم من أن تقارير الصحافة قد أكثرت في إلحاحها على الجوانب السياسية في المناقشات.
لكن منظمة اليونسكو لم يَفُتْها أن تخص الجانب الذي يهمنا بتقرير ذكرت فيه أن: ((المؤتمر الأفرسيوي قد أزمع نشر مجموعة من الدراسات عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلدان المشتركة فيه)).
وبقي علينا أن نعرف في أي الظروف يمكن لهذا التبادل في المعلومات أن يكون الأسس الثقافية للفكرة الأفرسيوية، وفي أي الظروف يمكننا عن طريق هذا التبادل أن نحدد طبيعة الثقافة، وأن ننشئ عناصرها من تغيير ظروف (البقاء) لدى الشعوب الأفرسيوية.
حقاً .. إن التبادل ضروري ولكن هل هو كاف؟
وسيكون لدينا في هذا الشأن مقياس متمثل في النموذج الغربي، فعلى محور واشنطن - موسكو حتى طوكيو، نجد أن المشكلات العلمية والعقلية والاجتماعية متحدة من طرف إلى آخر، بل على الرغم من التوتر السياسي بين الطرفين فإن التبادل الثقافي يتم في نطاق علاقة حضارية واحدة، حتى في المجال الذري، كما رأينا منذ مؤتمر جنيف.
стр. 96
فهناك ولاشك علاقة مباشرة بين هذا التبادل وبين المنظر السائد من واشنطن إلى موسكو، وبالتالي بين الظروف الإنسانية على هذا المحور.
ولكن إذا كان هذا التبادل حين يتم في إطار معين وفي طرف ما يعد سبباً محتماً قاطعاً، فإنه في جانب آخر أثر محتوم؛ فمن الأهمية بمكان أن نحتاط لأنفسنا حتى لا تُخفي عنا (ظاهرة سطحية Epiphénomène) ظاهرة جوهرية.
فعندما يذهب باليه الأوبرا في باريس إلى موسكو، أو عندما يأتي باليه الأوبرا من موسكو ليقدم بعض التمثيليات على المسرح الباريسي، فإن الذي يهمنا أن نستخلص لبناء فكرة (الأفرسيوية) ليس مجرد تبادل الفرق الراقصة، بل هو أن كلاً من هذه الفرق قد وجد خلال رحلاته جمهوره مع اختلاف بسيط في الألوان، كما وجد الجو نفسه والانفعال الجمالي نفسه. فمن المؤكد أن تطوافه لا بد أن يقوي هذه الوحدة في الإطار الفني، وأن يقوي (الروابط الثقافية) حسب التعبير الدبلوماسي، كما أن الفن ذاته يجد خلال هذا التبادل إلهاماً جديداً ودوافع جديدة.
وهكذا يتوافق السبب وأثره في نتيجة كلية تصدر عن الواقع الذي سبق وجوده، أي إطار الحضارة المشتركة. وواضح جداً أن الباليه الروسي لم يكن ليجد في (فاس) مثلاً جمهوره، ولا ذلك الصدى نفسه.
فالتبادل يصبح تقريباً غير ذي فائدة أو موضوع، عندما يخرج عن إطاره الذي يمنحه قيمته الاجماعية ومغزاه الثقافي.
وإذن فتحديد التبادل الفعال الذي نتصوره ليساعد على تكوين ثقافة معينة، يجب أن يبدأ من هذه النظرة العامة عن (المحيط) الثقافي، فالثقافة هي أولاً (محيط) معين يتحرك في حدوده الإنسان، فيغذي إلهامه ويكيف مدى صلاحيته للتأثير عن طريق التبادل؛ والثقافة (جو) من الألوان
стр. 97
والأنغام، والعادات والتقاليد والأشكال والأوزان والحركات، التي تطبع على حياة الإنسان اتجاهاً وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره، ويلهم عبقريته، ويغذي طاقاته الخلاقة؛ إنها الرباط العضوي بين الإنسان والإطار الذي يحوطه.
لقد خضعت الثورة الصينية لمنطق طبيعي عندما قصدت من فورها إلى تعديل الإطار التقليدي، فمن أجل الإنسان ينبغي أن تغير وسطه الثقافي بإنشاء (محيط) جديد.
ولقد انتقدوا الثورة الصينية في أنها غيرت (الإنسان) إلى (نملة زرقاء)، حين فرضت على الشعب الصيني لباسأ أزرق؛ والواقع أنه يجب أن نغير أحد طرفي التشبيه كيما نكون محقين، لأن وجه الشبه ليس بين (الإنسان) وبين (النملة الزرقاء) بل هو بين (النملة الزرقاء) و (الدودة البائسة) التي كانت تدب في أقذارها وأسمالها في غرز الأفيون، هنالك حيث كان يجتمع الباحثون عن النسيان وعن الغرائب والعجائب.
فالنملة الزرقاء إذن ليست هدفاً، وإنما هي دليل على أن زمن الدودة الصغيرة قد وَلّى، وأن الصيني لن يلبث أن يصل إلى مستوى (الإنسان) إن كان لم يبلغه بعد، وفي هذه القرينة يعد ظهور (النملة الزرقاء) أمارة ثورة ثقافية، من شأنها أن تحدث تغيير المحيط الذي كانت تدب فيه الدودة الصينية، وهو الذي يشكل في الواقع هذه الدودة حتى تصل إلى الكمال.
فإطلاق هذا اللقب على الإنسان الصيني إنما يصف المأساة النفسية التي يعانيها مطلقوه تجاه الثورة الصينية، أكثر من أن يكون تعبيراً عن الحقيقة الموضوعية في هذه الثورة، ويخيل إلينا أن الأوربي في هذا الموقف يعبر عن خيبة أمله، حين عبر بلغة عالم الجمال الذي يأسى، لأنه يرى تلك الريشة الصلبة العنيفة أحياناً في يد (ماوتسي تونج)، ترسم وجه الصين الجديدة على تلك
стр. 98
اللوحة العتيقة المهيبة، وقد كان يهوى- وهو الأوربي المغرم بغرائب المشاهدات- أن يرى الملامح النبيلة على وجه الصين القديمة، وبذا نفهم حدة الانفعال عنده، وصيحاته التي تدوي: ياللبربرية. ولكنا نتساءل إذا ما كان يريد أن يتحدث بوصفه كاتباً مولعاً بالجمال أو مؤرخاً اجتماعياً؟
ومهما يكن من شيء فإن مشكلة الثقافة توضع بالنسبة للفكرة الأفرسيوية، في الخطوط نفسها التي وضعت فيها بالصين، في المستوى الأساسي، بقصد إحداث التغيير ابتداء من إطار جديد.
وفي هذا المستوى تقوم مشكلة الثقافة على تحديد يشمل أساساً الناحيتين الحيوية والتربوية، فالثقافة في مهمتها التاريخية تقوم بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم بالنسبة للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن، كما تكون جهاز مقاومته الذاتية.
والثقافة تنقل أفكار الجمهور الشعبية، وأفكار القادة الفنية، وهذان العنصران هما اللذان يغذيان عبقرية الحضارة، فهي تدين لهما بدفعتها وبمقدرتها الخلاقة. ولكن من أين يأتي جوهر هذين العنصرين؟
تلكم هي المشكلة التربوية التي نواجهها، فكل واقع اجتماعي هو في أصله قيمة ثقافية خرجت إلى حيز التنفيذ، فجوهر الأول هو جوهر الأخرى ضرورة. ولو أننا حللنا واقعاً اجتماعياً، أعني نشاطاً محساً، فسنجد فيه في وضعه الراهن، أو في اطّراد تطوره عناصر أساسية أربعة هي كما بينا في الفصول السابقة: المنهج الأخلاقي والذوق الجمالي والصناعة والمنطق العملي؛ فكل واقع اجتماعي أو ناتج حضارة هو في جوهره مركب من هذه العناصر الأربعة، وبالتالي فإن مشكلة الثقافة الأفرسيوية هي من الناحية التربوية مشكلة هذا التركيب، والفكرة الآسيوية تتمثل عند انطلاقها في صورة هيكل مكوَّن من القوى الأخلاقية
стр. 99
والعقلية، ومن الطاقات الاجماعية والاقتصادية والسياسية، وهي في غايتها باعتبارها حضارة يجب أن تتمثل تركيب هذه القوى جميعاً.
فالتماسك الداخلي الذي أودعته باندونج بين هذه الطاقات، قد استمدَّ من مبدأ فكري مشترك يكمن أساساً في النزعة المعادية للاستعمار لدى الشعوب الأفرسيوية .. ولكن التطور الذي يجب أن يخلف وراءه مرحلة الاستعمار، سيتجاوز حتماً نزعة العداوة للاستعمار أيضاً، وبالتالى فإن فكرة الأفرسيوية يجب أن تؤسس منهجها الأخلاقي على مبدأ إيجابي أكثر من ذلك، على ألا يكون في جوهره دينياً، حتى لا نخلع على الفكرة صفة (الكتلة) الدينية.
فإذا ما حاولنا المزاوجة في أساس هذه الفكرة بين الإسلام والهندوسية، فإن الأمر لن يكون محاولة للتلفيق والاصطناع، بل لابد من ميثاق أخلاقي بينهما ليتخذا وجهة دولية واحدة، وليس في هذا تجديد للمحاولة العابثة التي قام بها الإمبراطور (أكبر) الذي أراد في القرن السادس عشر أن يؤسس إمبراطوريته في الهند على أساس تلفيق وحدة إسلامية هندوسية.
إن الأديان لا يمكن أن تتنازل كيما تستغل وسائل لمثل هذه الغايات، ولو أننا أردنا درساً من الماضي فإن تاريخ الغرب يعطينا اياه، فلقد قامت الحضارة الغربية في بدايتها على هيكل أخلاقي مسيحي، أتاح لها التماسك والوثبة الضرورية لازدهارها؛ لكن تطورها قد غير هذا الأساس العقيدي شيئاً فشيئاً، إلى أن صار هيكلاً مختلطاً يتمثل فيه التفكير الكاثوليكي والبروتستانتي، وما يسمى بالتفكير الحر والتفكير اليهودي، وعليه فلا مجال لأن نبحث عن التماسك والتوافق في تلفيق ديني مصطنع.
ولقد كانت نزعة معاداة الاستعمار كافيذ في مبدئها لتكون وسيلة لإحداث التماسك بين العناصر الممثلة في باندونج، لكنها فضلاً عن أنها ستنتهي بفعل
стр. 100
التطور فإن من الواجب أن نمر بها سريعاً، فلقد كان الدبلوماسي الهندي (بانيكار) يعتقد أنها ضرورية دون شك باعتبارها (وحدة أساسية) تجعل منها باندونج نقطة انطلاق للفكرة الآفرسيوية، بيد أنه كان يعتقد أيضاً أنها غير كافية، إذ كان ينظر في الوقت نفسه إلى هذا الاجتماع على أنه ((اجتماع لعناصر غير متوافقة)). فمن الواضح أن مبدأ كهذا لا يكفي على الرغم من تأثيره المؤقت، أليس هو الذي ألهم الشعوب المستعمرة خلال فترة تحريرها تضحيات نبيلة وأعمالاً نزيهة؟
وهو الذي ألهمها أخيراً تلك الملحمة العظمى، ملحمة (الساتيا جراها) أو طريق الحقيقة الذي حرر الهند؟
لكن هذه المرحلة الحماسية حين تمر فإن نزعة معاداة الاستعمار لا تصلح أن تكون دافعاً سامياً، يحرك حضارة ويعطيها مثلها الأعلى ووثبتها الضرورية. وفضلاً عن ذلك فإن هذه النزعة إذا ما صفي مضمونها من (المشاعر الإيجابية) عبر الزمن، فقد لا تدع فيها هذه التصفية سوى (مشاعر سلبية)، تقوم على حقد الشعوب التي قاست ظلم طغاتها، بينما القضية ليست أن ننتزع العالم من موجة احتقار الكبار لنسلمه إلى حقد الصغار، ومن المطمئن في هذا السبيل أن قادة الثقافة الآفرسيوية يدركون ذلك جيداً، وهذا أحد كبارهم مولانا (أبو الكلام آزاد) قد تفضل فأعطانا شخصياً الدليل، حين أكد لنا فخامته: ((إن مسؤولية التربية خطيرة، إذ ينبغي ألا تدع الحقد يتأصل في قلوب الجيل الجديد في الهند وعقولهم تحت ستار النزعة المعادية اللاستعمار)). ونحن نعتقد أن مهمة كهذه لا تخص المسؤولين عن توجيه الثقافة في وطن غاندي فحسب، بل تشمل جميع الأوطان الأفرسيوية، فهي تحدد لهذه الشعوب دونما لبس أو غموض طريق التحرر الداخلي، الذي يجب أن يكمل عملية التحرر السياسي والقومي بعملية التحرر الذاتي، أي في الإطار النفسي والأخلاقي، فإن الاستعمار لم يؤتر على
стр. 101
الرجل المستعمر في مفهومه السياسي، أي في علاقاته الاجتماعية فحسب، بل لقد أثر عليه في أعماقه وفي تكويناته الأساسية، حتى لقد وصل الى روحه وإلى ضميره في صورة حالات ذُهان، وحالات حرمان تشل عنده كل جهد خلاق، ولاسيما، في إفريقية الشمالية.
ومن المؤالم أن نرى الرجل المستعمر يقف دائماً في كتاباته موقف متهم أو متهَم، فإن هذا الموقف السلبي يسيء إلى (ذات) تكبت دائماً نقائصها، فلا تدعها تتفتح للحياة الجديدة.
فمشكلة التحرر يجب أن توضع إذن في الإطار النفسي، وسنكون قد صفينا هذه الحالات الذُهانية وصنوف الحرمان- بعض التصفية على الأقل- إذا ما خلّصنا الرجل الأفرسيوي من المشاعر السلبية التي أصابته بها نزعته المعادية للاستعمار، وأصابه بها حقده عليه.
وتبرز أهمية هذه المهمة النفسية في مشكلة الثقافة الأفرسيوية كلما ظهرت المهام الاجتماعية الضرورية إثر تحقق المطالب القومية، وكما أصبحت المقتضيات الإنسانية الدولية أكثر إلحاحاً.
إن مشكلة السلام والحرب تتطلب قرارات واضحة وصريحة، أما نزعة الحقد فهي عمياء، وهي بذلك لن تشجع بعض المساعي التي ينبغي أن تكون نزيهة لكي تكون فعالة.
فالثقافة الأفرسيوية لا يمكنها لأسباب مختلفة أن تجد إلهامها الجوهري في مجرد نزعة معادية للاستعمار، تختفي باختفاء سببها وهو: الاستعمار، فيجب أن تبحث عن روحها الأخلاقي في مجموع من القيم الروحية والتاريخية التي تُقرّها الشعوب الأفرسيوية بوصفها نوعاً من التراث، يشبه ما قدمته الإنسانيات الإغريقية اللاتينية إلى الغرب فوجد فيه دليل الطريق وزادها، والمصدر الذي
стр. 102
غذى عبقريته، ابتداء من (فيدياس Phîdias) حتى (ميشيل آنج Michel Ange) كما وجد فيه مقياس تنظيمه العقلي من أرسطو إلى ديكارت.
(والتراث) الأفرسيوي يمكن أن يجد عناصره أولاً في المركبات النفسية التي أدت دوراً في الصراع من أجل التحرر، وهي مشتركة بين جميع الشعوب التي خاضت هذا الصراع، ثم إنه سيجدها في الاتجاه الذي يختط للفكرة الأفرسيوية وجهتها الخاصة بها في العالم، وجهة المصير المشترك بين الشعوب السائرة تحت لواء خطر الحرب.
وإذا كان إلهام الثقافة الكلاسيكية في عصر النهضة الأوروبية قد اتجه بخاصة نحو الجمال وفلسفته أكثر من اتجاهه إلى أي شيء آخر، فإن الثقافة الأفرسيوية ملزمة بسبب مأساة هذا القرن العشرين، بأن تتجه أولاً نحو الأخلاق وفلسفتها لتحديد مثلها الأعلى، ثم نحو الصناعة لخلق وسائلها إلى هذا المثل الأعلى. فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور طنجة - جاكرتا، وإنقاذه من حتمية الحرب على محور واشنطن - موسكو، هما بالنسبة لنا الضرورتان المحددتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه، ومشكلة اتجاهه، وهذه الضرورة المزدوجة تسيطر بصورة طبيعية على تحديد ثقافته، وبالتالي تسيطر على تحديد منهجه الأخلاقي.
وستجد الفكرة الأفرسيوية- بمقتضى ازدواجها الروحي- مبدأها الثاني في فكرة (عدم العنف)، ذلك المبدأ الذي نعرف دوره المنقذ في تحرير الهند، والذي لا زال يلهم حتى يومنا الحوار الدولي، بوصفه قانوناً لا يقبل الانفكاك عن المحاولات الإنسانية في الميدان السياسي.
لكنا لا يمكننا أن نضم هذه الملحمة إلى الفكرة الأفرسيوية دون أن ندخل فيها في الوقت ذاته بطلها الأسطوري: (غاندي)، ذلك الوجه المحاط بهالة من نور الشهداء، الوجه الذي يتجلى في أروع صفحة من تاريخ عصرنا، ويزيد في
стр. 103
روعته أن الفصل الأول في مجموعة مواقفه فصل رمزي، نرى فيه المهاتما يدخل الميدان السياسي لأول مرة في صحبة رجل مسلم، هو (حاجي حبيب) الذي أيده مادياً وأدبياً منذ المؤتمر الأول الذي أعلن فيه المهاتما خطته (طريق الحقيقة Satyagraha) في ١١ من أيلول (سبتمبر) ١٩٠٦ بمسرح امبريال في (جوهانسبرج) بجنوب إفريقية.
هذا الرمز لا يقتصر في تأثيره على الناحية السياسية، بل يتعداها إلى نطاق الروح، وحسبنا أن نعرف كم كان غاندي يميل إلى أن يغذي فكره من جميع منابع الغذاء الروحي، كالقرآن والإنجيل و (التهاجافاد- جيتا: كتاب الديانة الهندوسية).
إن المتاحف في آسيا وإفريقية غنية بالوجوه الجليلة، وبالأسماء والمُثُل، لكي نستمد منها عناصر أخلاقية نحتاج إليها في بنائنا لتراث أفرسيوي، وسيكون غاندي ولا ريب في أحد الأبهاء الفخمة التي تحتوي صور الرجال العظماء.
وكما أن الثقافة تتحدد بعناصرها المستمدة من الروح الأخلاقي فإنها تتحدد أيضاً بالجمال، وإذا كانت الثقافة قبل كل شيء (محيطاً)، فمن الواضح أن العنصر الجمالي يؤدي فيها دوراً رئيسياً، إذ أن القدرة الخلاقة مرتبطة دائماً بالانفعال الجمالي، بل إن مقدرة الفرد على التأثير مرتبطة أيضاً ببعض المقاييس الجمالية، ومن المعلوم مثلاً في ميدان التجارة والصناعة أن ((الصنف الرديء لا يباع)).
على أن القيمة الجمالية يجب أن ينظر إليها خاصة من الوجهة التربوية، فهي تسهم في خلق نموذج إنشائي متميز يهب الحياة نسقاً معيناً، واتجاهاً ثابتاً في التاريخ بفضل ما وهب من أذواق وتناسب جمالي.
ومن المؤكد أن تتغير (الدودة الصينية) الجرباء ذات الأطمار إلى (نملة
стр. 104
زرقاء)، ذلك التغيير الخارجي البسيط قد زود الحياة في الصين بمثير فعال وبدافع إنشائي، ووضع أساساً للتربية الشعبية، وأبدع ذوقاً رفيعاً وحركة جديدة خلاقة للقيم الاجماعية.
ومهما يكن من شيء فإن الكنوز الفنية في إفريقية وآسيا تشهد بوجود ثروة، تستطيع الفكرة الأفرسيوية أن تجد فيها دائماً عناصر جوهرية لخلق هذا الجزء المهم من تراثها.
إن الثقافة الأفرسيوية في هذا العصر الحاضر، العصر الذي يخضع فيه التطور الإنساني في اتجاهه وفي سعته للعوامل الصناعية، ولاعتبارات المقدرة الإنتاجية، لا يمكن لها أن تحدد معالمها ما لم تأخذ في اعتبارها بعض العوامل الديناميكية، الصالحة لتشجيع النمو المادي لشعوب إفريقية وآسيا، والإسراع بحركته.
وخطط المشروعات القومية التي رأت النور في السنوات الأخيرة في بلادنا، تشعرنا عملياً بالحاجات التي تطابق في صورة طبيعية الفصول التي تتركب منها الثقافة، فالصناعة أو المنهج الفني والمنطق العملي فصلان من هذه الفصول الهامة ((حيث يتجاوب المنطق العملي مع القدرة الإنتاجية في الناحية الاقتصادية، وحيث يرسمان خطة للعمل والنشاط في السلوك الفردي)).
وللصناعة والمنطق العملي علاقة مباشرة بالمشكلات العضوية التي بحثها مؤتمر باندونج، والتي يجب أن يحلها كل بلد أفرسيوي لمصلحته الخاصة، ولهذين العنصرين تأثير مباشر عاجل على حظ الإنسان الأفرسيوي وعلى الإطار الذي يحوطه.
ويأتي دور العامل الصناعي عندما يضع بلد ما تخطيطاً لمشروع قومي، وبذا يتم إدخاله في برنامج تربوي بصورة آلية نوعاً ما، إذ هي ضرورة تفرض نفسها على المشروعات الحكومية من جهة، وعلى المحاولات الخاصة من جهة
стр. 105
أخرى، وهكذا يتلاقى احتياج دولة إلى الفنيين ورغبة الأفراد في أن يؤدوا وظائف معينة في مجال الفن الصناعي، يتلاقيان كاملاً في الضرورة العضوية نفسها.
ويتقرر المنطق العملي بالصورة نفسها بصفته حاجة عاجلة لثقافة (نهضة) تريد أن تحدث تغييراً في (المحيط) حيث تتشكل عبقرية الحضارة، وحيث يتطور الإنسان، فالمنطق العملي يكيف صورة النشاط وأسلوبه ونسقه وجميع أشكاله الديناميكية.
وعلى محور واشنطن - موسكو توجد ديناميكية خاصة تختلف عن ديناميكية محور طنجة - جاكرتا، والفرق منحصر في أن الثرثرة تكثر كلما قل النشاط والحركة، إذ حيثما يسود الكلام تبطئ الحركة، ومن أجل هذا وجدنا أن منظمي مؤتمر (باندونج) قد حددوا زمن الكلام بخمس عشرة دقيقة لكل متكلم، كان هذا ولاشك كيما يحولوا بينه وبين أن يغرق في لجة من الجعجعة وثرثرة اللسان.
وبهذا أنقذت الحكمة مقدرة المؤتمر على التأثير من طوفان الكلام الذي قد لا يدع مجالاً للعمل الإيجابي. وجدير بالذكر أن نعلم أن (شواين لاي) قد برهن على تقديره لهذا المبدأ حين صاغ كلمته في أقل من ربع ساعة وهو يتحدث باسم ست مئة مليون من البشر.
حقاً .. إن الكلمة لمن روح القدس. ولكن من الضروري أن يقر في أذهاننا التمييز بين الكلمة المقدسة الفعالة وبين الثرثرة والهذر، فهناك أناس ليست الكلمة بالنسبة إليهم سوى أداة تؤدي العدم، فهي عندهم مجرد صورة بيانية خلابة ترف في الهواء، أو مجرد كمية من المداد على صفحة من الورق.
لكن الواجب يفرض علينا أن نرعى واقعاً جلياً وجوهرياً، هو أن ميزانية
стр. 106
التاريخ ليست رصيداً من الكلام بل كتلاً من النشاط المادي ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه. وهذه الميزانية المكونة من صنوف النشاط الإيجابي هي في الحقيقة ميزانيات من القيم الثقافية تقوم على فصول الثقافة الأربعة: منهجها الأخلاقي، وفلسفتها الجمالية، وفنها الصناعي، ومنطقها العملي.
إننا حين عالجنا مشكلة الثقافة كنا نهدف إلى تبيان ضرورة التوجيه في الحياة الفكرية، تاركين جانباً المناقشة التي ستقرر إذا ما كان هذا الاتجاه يجب أن ينبع من ظروف الدولة طبقاً لاحتياجات البلاد، أي طبقاً لمنهج يفرض سيطرة التوجيه الجامعي، أو أن يصدر عن المنافع الشخصية والأذواق الفردية، أعني: عن التعليم الحر المنطلق، فمهما تكن الصورة التي نضع فيها المشكلة فمن الأهمية بمكان أن تحدد البلدان المتخلفة ثقافتها لتتدارك تأخرها، وتؤدي دورها في العالم بصورة فعالة.
ولكل بلد أن يحل هذه المشكلة بطرقه الخاصة، فكلّ الطرق تؤدي إلى هدف واحد ولكن بتوقيت مختلف. فالواجب أن نتجنب الطرق الطويلة، طرق الاعتباط والاستهواء، الطرق التي سلكتها الحضارات التي كان أمامها ما يكفيها من القرون ومن آلاف السنين؛ وبلغة التربية: يجب أن نطبق الطرق التي توجه الذكاء في اتجاه الحضارة، والتي تجعل تكوينها طبقاً للتطورات الضرورية في نطاق هذه الحضارة، فإذا ما صيغت المشكلة في تعبيرات هذه اللغة وجدناها تتجاوز بذلك النطاق القومي، لتقوم على أساس وضع (سياسة للثقافة)، تبعاً لتعبير الجمعية العامة الخامسة لمؤتمر الثقافة الأوروبية الذي انعقد في بروكسل في تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٥٥، أي أن المشكلة تتطلب في هذا الاتجاه (مؤتمراً للثقافة الأفرسيوية)، وربما عبّر البيان النهائي لمؤتمر باندونج عن هذه الضرورة تحت عنوان (التعاون الثقافي).
стр. 107
الفصل الرابع
الثَقافة في اتّجاهِ العَالَميَّة
стр. 108
تناولنا مشكلة الثقافة فيما سبق بالنسبة لعناصرها الداخلية، أعني تلك التي تتصل بوجود مجتمع معين؛ كما تناولناها بالنسبة لمشكلاتها الاتصالية، وهي التي تتصل بتعايش مجتمعين أو أكثر، متشابهين في النموذج، كنموذج إفريقي آسيوي مثلاً، وهي مشكلات تنتج على حدودها نتيجة لاتصالهما وتواجههما.
وهذا يحدد- كما سبق أن عرضنا- مجالين متميزين، ينبغي على الثقافة أن تواجه في كل منهما مشكلات ذات طبيعة معينة.
فهي في أحدهما يجب أن تسجل أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك أفراده، وهي في الآخر ينبغي أن تخلق إمكانيات اتصال وتعاون بين المجتمعات المختلفة.
ومع ذلك فإن نشاط الثقافة في المجال الأول يتم بصورة عادية، لأن يقظة الضمير أمام المشكلات الداخلية أو العضوية تتم هي الأخرى بصورة تلقائية.
أما يقظة الضمير أمام مشكلات الاتصال فقد ظلت غائمة زمناً طويلاً، ولذلك كان نشاط ثقافة معينة على حدودها أقل ظهوراً ولا يعطي ثمرة إلا في بعض الظروف التاريخية، وأحياناً تكون هذه الثمرات سلبية، أشبه بذلك التلفيق غير المنتظر الذي حاول الإمبراطور (أكبر) أن يحققه بالهند في القرن السادس عشر، بين الثقافة الإسلامية والثقافة البرهمية.
ومع ذلك فإن التطور الذي أعقب الحربين العالميتين قد أبرز كثيراً هذه الطائفة من المشكلات، كما تشهد بذلك محاولات كبرى، كمحاولة باندونج، حيث حاول المؤتمرون أن يضعوا لها حلولاً مناسبة.
стр. 109
لكن الحربين العالميتين قد عجلتا في الواقع هذا التطور، فأعطتا تلك المشكلات معنى أبعد مدى، حين أنشأت بصورة ما مجالاً ثالثاً، هو المجال الذي يتحتم فيه على كل ثقافة أدركت حقيقة مشكلاتها الداخلية والاتصالية، أن تدرك حقيقة مشكلات أخرى على مستوى عالمي.
ويبدو لنا أن منظمة اليونسكو لم تُنشأ إلا من أجل مواجهة هذا النوع من المشكلات، مهما شاب تفكيرها أحياناً جاذبية انطوائية تحول بينها وبين أن ترى الأشياء في هذا المستوى، وعلى ذلك نستطيع أن نحدد ثقافة معينة في حدود توقعها العالمي.
والصفحات التالية تعالج مشكلة الثقافة في ضوء هذا التوقع.
لقد استوحيت فكرة الكتابة في هذا الموضوع من الدعوة التي وجهتها إلي اللجنة التحضيرية لمؤتمر الكتاب الأفريقيين الذي انعقد بروما، حين دعتني إلى توجيه بلاغ إلى المؤتمر عن (الثقافة الإفريقية).
والتأملات التي تسجل في موضوع كهذا لا تهم- فيما يبدو لي- الرجل المثقف في إفريقية السوداء وحده، فسواء مضينا في الشوط على محور واشنطن - موسكو، أم على محور طنجة - جاكرتا، فإن مشكلات الساعة الحاسمة واحدة هنا وهناك، فإن تكامل النوع الإنساني وسلامه قد أصبحا أهم ما يهم نفسية القرن العشرين واجتماعه وسياسته إلى حد ما.
ونتيجة لهذا اتحدت المهمات الأساسية التي يتحمل عبئها الجيل الحالي في آسيا وفي إفريقية وفي أوروبا وفي أمريكا.
فالمثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي.
стр. 110
هذا التغيير الذي أصاب المستوى لا يتوقف مطلقاً على ظروف مادية كما يحسب الناس غالباً في بلادنا، بل إنه يقوم على شروط أخلاقية، فهو يتم أولاً في الأفكار قبل أن يتم في نطاق الأشياء.
فغاندي لم يكن يتصرف في صاروخ كوني، أعني في (شيء) ذي مستوى عالمي، وإنما كان يملك ضميراً تراحب حتى وسع العالم.
ولقد خول له هذا الضمير قدراً من العالمية أكثر مما تخوله (الأقمار الصناعية) لأصحابها اليوم، فإذا بالهند التي ورثت عن غاندي مبدأ (عدم العنف)، قد أصبحت بفضل هذه الفكرة البسيطة أمة في الطليعة بالنسبة لمجموع المشكلات التي تثيرها قضية السلام.
فهيبة الأمة قد تكفلها لها أحياناً الأفكار، إذا ما تناغمت هذه الأفكار مع المرحلة التي تجتازها الإنسانية.
ولقد يحدث أن يخطئ الفتى المسلم في تقديره للمشكلات والأشياء، فهو غالباً ما يخطئ عندما يعتقد أن الذي ينقصه في وضعه الراهن إنما هو الصاروخ، أو على الأقل البندقية التي يؤدي بها كما يتوهم واجبه العاجل.
فضميره هنا قد أصيب بانحراف، لأنه يحسب حساب حضوره الفذ وسط عالم يشعر بأنه لا مكان له فيه، ولكنه يفسر أصل دائه تفسيراً خاطئاً حتى يعزوه إلى نقص (أشياء) كثيرة في حياته، على حين أن ما ينقصه إنما هو (الأفكار).
وسنظل نكرر ونلح في تكرارنا أن أزمة العالم الإسلامي منذ زمن طويل لم تكن أزمة في الوسائل، وإنما في الأفكار، وما لم يدرك هذا العالم تلك الحقيقة إدراكاً واضحاً، فسيظل داء الشبيبة العربية الإسلامية عضالاً، بسبب تخلفها عن ركب العالم المتقدم.