وهو خلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء الذين قالوا ((إن الإيمان قول وتصديق)) ، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان كما هو المشهور عن الإمام أبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان وأتباعهما – وهم الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء أو مرجئة الكوفة أو مرجئة العراق.
فقد ظن بعض العلماء أن النزاع بين جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، اختلاف صوري لفظي، كما ذكره شارح الطحاوية فيها، وقبله أبو حامد الغزالي (١) ، وهذا القول فيه وجه حق سيأتي إن شاء الله.
في حين يرى البعض أن الاختلاف حقيقي وليس لفظياً كما قال به الألوسي محمود وعبيد الله المباركفوري (٢) وغيرهما، وهذا أيضاً له وجهه.
* وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف ههنا فجمع بين القولين فجعله نزاعاً لفظياً في كثير من مسائله، وحقيقاً مؤثراً في بعض منها.
قال ﵀ في شرح الأصفهانية: ((.. وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يُعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة)) (٣) .
وحصر هذا النزاع في موطن آخر بكونه من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد فقال في الإيمان: ((.. إنه لم يكفر أحد من السلف مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظيٌّ، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب)) اهـ (٤) .
стр. 37
وقال في الإيمان الأوسط: ((فصل: ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعاً كثيراً منه لفظيٌّ، وكثير منه معنوي. فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء..)) اهـ (١) .
هذا وقد حدد الشيخ جوانب النزاع اللفظي بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في بعض الصور لما قال في كتابه الإيمان:
((ومما ينبغي أن يُعرف؛ أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي. وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة:
- على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة.
-ويقولون أيضاَ: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة.
-والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار.
فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول ﷺ ، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يُخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء)) اهـ (٢) .
ولذا فإنك تجد كتب الفقه عند مرجئة الفقهاء مليئة بتقرير الأحكام العملية وترتيب الجزاءات عليها، وهذا مما يستصحب كون النزاع معهم لفظياً؛ إذ لو كان العمل غير واجب لما قرَّروه هذا التقرير في كتب فروعهم، التي هي من أخصب المذاهب الفقهية بسطاً لتلك المسائل.
стр. 38
ولكن من نظر إلى بعض المسائل المترتبة على الخلاف مع مرجئة الفقهاء:
-مسائل زيادة الإيمان ونقصانه.
-واستواء الناس في أصل الإيمان.
-وتحريم الاستثناء في الإيمان مطلقاً، كما تقول مرجئة الفقهاء، يكون الخلاف والحالة هذه حقيقياً (١) .
فصح من ذلك أن التحقيق في الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء، منه ما هو خلاف لفظي وصوري كالاختلاف في الأعمال ودخولها في مسمى الإيمان إذ الجميع يوجبها، ويترتب الوعيد على تاركها ويجعله مستحقاً للعقاب، مع القول بعدم تخليد أصحاب الذنوب في النار وتحقق الوعيد المجمل فيهم.
ومن نظر إلى المسائل الأخرى وما تنتظم فيها ويترتب عليها من البدع يقرُّ بحقيقة الخلاف.. والله أعلم.
هذا وثمة مسائل أخرى مهمة لها ارتباط وثيق بمسألة الإيمان.
١-كمسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
٢-ومسألة الخلاف في مرتكب الكبيرة.
٣-ومسألة الاستثناء في الإيمان.
- تناولتها في التعليق على الكتاب بما أغنى عن إعادتها وتكرارها هنا.
* * *
الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم
الحمد لله، هذا البحث في الحقيقة هو نتيجة البحث في الإيمان من حيث مسماه وتعريفه، وأركانه وزيادته ونقصانه، بل وعلاقته بالإسلام في حالي الاجتماع والافتراق.
وبين يدي ذلك أمهد بتمهيد إجمالي حول معنى الإيمان عند أهل السنة ومخالفيهم كما وصف شيخ الإسلام ابن تيمية قولهم في الإيمان في ((العقيدة الواسطية)) بأنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
* فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بمعصيته وطاعة الشيطان.
* أما الإيمان عند الوعيدية من الخوارج الحرورية والمعتزلة: فهو قول وعمل واعتقاد لا يزيد ولا ينقص، بل هو كلٌّ إذا زال بعضه زال جميعه.
стр. 39
ولذا فالخوارج يكفِّرون بالذنب في الدنيا، ويخلدون صاحبه في النار في الآخرة. والمعتزلة لا يجعلون مؤمناً في الدنيا؛ بل إنه في منزلة بين المنزلتين، فهو خرج من الإيمان ولما يدخل إلى الكفر، لكنهم يخلدونه في الآخرة في النار، موافقين في الحكم الأخروي الخوارج.
* أما الطرف الآخر فهم المرجئة، وهو على مراتب في انحرافهم في الإيمان والكفر.
١-فغلاتهم، وهم الجهمية، فالإيمان عندهم هو معرفة الله، وبالتالي الكفر هو: الجهل بالله؛ فيكون إبليس وفرعون ونحوهم مؤمنون، وهذا أقبح المذاهب في الإيمان، وهم المرجئة المحضة الخالصة.
٢-والأشاعرة والمتكلمون، الإيمان عندهم هو تصديق القلب. فيكون الكفر هو التكذيب ومازاد عليه كالجحود.
٣-والكرّامية فالإيمان عندهم: قول اللسان. والكفر عندئذ بعدمه!
٤-وأخف طوائف المرجئة: مرجئة الفقهاء، أو مرجئة العراق وهم من قالوا إن الإيمان: قول اللسان وتصديق القلب فقط. فخطؤهم في إخراج العمل من الإيمان.
وبين المذهبين الأخيرين قول أبي منصور الماتريدي، وهو رواية عن أبي حنيفة أن قول اللسان ركن زائد، ليس بأصلي، والأصلي اعتقاد القلب فقط!
فلابد لك- أيها القارئ- من فهم قول أهل السنة وقول مخالفيهم حقاً لتحذره وتسلم منه قولاً وعملاً وقصداً.
أهمية الموضوع:
стр. 40
١-وأهمية البحث في موضوع الكفر وبيانه تكمن في وجوب الحذر منه والبعد عنه، فهو علامة شقاوة العبد في الدنيا والآخرة. وهو أيضاً أعظم الذنوب والآثام وأشدها خطراً وأعظمها وقعاً وأثراً وهو أخوف ما يخافه ويحذره المؤمنون، وفي ذلك نصوص من الوحيين كثيرة جداً منها قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخِاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥] . وفي سورة النساء يقول : ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالآً بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦] . ويقول سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨] .
٢-ومن أهمية موضوع الكفر أن عاقبته في الآخرة خلود صاحبه في النار، ودوام عذاب جهنم عليه فيها أبداً، حيث نصَّ الله على ذلك الخلود المؤبد لهم في عذابه في ثلاثة مواضع من كتابه المنزل:
* أولها في آخر سورة النساء، حيث قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً * ِإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ١٦٧-١٦٩] .
стр. 41
* وثانيهما في آخر سورة الأحزاب يقول سبحانه: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً * إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرَا * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لاَّيَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَنَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٣-٦٥] .
* وثالثها وفي آخر سورة الجن ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ الآية. وحديث الخلود لأهل الجنة بالجنة، ولأهل النار فيها بذبح الكبش في صورة الموت، حديث مشهور معروف.
مع ما رتب الله على الكفر من العذاب الشديد والسعير السرمدي، وسخطه وعقوبته ما يضيق هذا الموضع عن بسطه وتعداد أنواعه المذكورة في كلامه تعالى القرآن.
*ويدل عليه قوله سبحانه في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] .
٣- ومن أهمية هذا الموضوع؛ موضوع الكفر أنه قسيمُ الإيمان في مسألة الأسماء والأحكام في اسم العبد في الدنيا هل هو مؤمن أو كافر؟ ثم حكم ذلك المترتب عليه في الآخرة أمن أهل الجنة؟ أم من أهل النار؟.
ولو لم يكن من أهمية البحث هذا إلا بيان جلالة هذه المسألة: مسألة الأسماء والأحكام، لكفى بذلك، وحسبك به!
وقد لفت علماء الإسلام في تصانيفهم ومؤلفاتهم الانتباه إلى موضوع الإيمان والرد على المرجئة من جهة، والرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة من جهة أخرى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الكيلانية:١٢/٤٦٨) ضمن الفتاوى في معرض بيانه لموضوع الكفر والتكفير وعلاقته بالهدى، وأسبابه ودواعيه، ومنهج المبتدعة فيه.
стр. 42
((فصل: إذا تبين ذلك فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا؛ فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان..)) .
وبنحو هذا ما لخصه الحافظ ابن رجب في شرحه لحديث جبرائيل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان حيث يقول:
((وهذه المسائل: أعني مسائل الأسماء والإيمان، والكفر والنفاق، مسائل عظيمة جداً؛ فإن الله علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار.
والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرج الخوارج عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأقوالهم.
ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين.
ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان.
وقد صنف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسائل تصانيف متعددة..)) اهـ.
هذا طرف مهم من أهمية موضوع الكفر والإيمان، والتبصر فيهما وتعلم مسائلهما وإدراك ذلك إدراكاَ جيداً، مع الحذر الشديد من الانزلاق في مهاوي التكفير والتبديع والتفسيق، أو الحكم على المعَيَّن بكمال إيمان، أو جنة أو نارٍ إلا من شهد له النص الشريف من الوحيين بذلك، فهذه قاعدة أصيلة من قواعد أهل السنة والجماعة؛ بل ومن أصول عقائدهم.
* * *
الكفر ومعناه:
بعد تبين أهمية معرفة الكفر وتأكده على المسلم الحريص على نجاته وسلامة دينه وعاقبته، اعلم- رحمك الله- أن الكفر له في أصل معناه عدة معانٍ.
стр. 43
-منها الستر والتغطية، ومنه سُمي الزُّرَّاع كفاراً لأنهم يغطون البذر في الأرض، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الحديد:٢٠] .
-ومنه الجحود والرد كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] . وكذا جحود النعم في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلاَتَكَفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] .
-ومنه التبرؤ والبراءة، كما ذكر الله ذلك عن الكافرين بعضهم مع بعض يوم القيامة في قوله من سورة العنكبوت: ﴿ثُمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾
أما المعنى الشرعي الاصطلاحي للكفر فهو في موارد نصوص الوحيين الكثيرة التي تجعل الكفر في عدم الإيمان أو عدم التوحيد أو الوقوع في الشرك والردة..
فالإيمان والكفر متى حصل أحدهما حصولاً كاملاً انتفى الآخر. أما إذا وقع أحدهما ناقصاً اشترك معه الآخر في هذا النقص.
ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ وهو من هو في علمه وفهمه وترسمه منهج السلف الصالح – اعتنى بهذه المسألة العقدية عناية واضحة في تصانيفه، فإني أنقل لك بعض كلامه هاهنا:
١-فقال في قاعدة في الفتاوى (٢٠/٨٦) : ((الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم.
-ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يجعلون الإيمان قولاً وعملاً بالباطن والظاهر.
-وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب كقول الجهمية وأكثر الأشعرية.
-أو إقرار اللسان كقول الكرامية.
-أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية.
стр. 44
فإن هؤلاء مع أهل الحديث وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وعامة الصوفية وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة وغير متكلمي السنة من المعتزلة والخوارج وغيرهم، متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة فهو كافر، سواء كان مكذبا أو مرتاباً أو معرضاً أو مستكبراً أو متردداً أو غير ذلك)) اهـ.
فبيَّن الشيخ أن الكفر يكون بالاعتقاد أو بعدمه، فلم ينحصر بالتكذيب، بل وأيضاً هو في الارتياب أو الإعراض أو الاستكبار أو التردد.
٣-ويقول تلميذه ابن القيم في كتاب الصلاة (٥٣) : (( ... فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر)) اهـ.
٤-ويقول شيخ الإسلام ﵀ في ((درء التعارض)) في معرض رده على المتكلمين في أصول التكفير عندهم (١/٢٤٢) :
(( ... فإنه ليس في الشرع أن من خالف مالا يعلم إلا بالعقل يكفر، وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم..)) اهـ.
فهنا الكفر يكون بالتكذيب تارة ويكون بغيره تارات، وليس الكفر محصوراً ومقيداً بالتكذيب، فإن الامتناع عن متابعة الرسول يكون كفراً حتى لو لم يصاحبه تكذيب، فإن فرعون يعلم صدق موسى في رسالته كما ذكر الله عنهم بقوله عنهم في سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
وفي سورة الإسراء يقول الله عن موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلآءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ .
стр. 45
وكذا اليهود وأهل الكتاب يعلمون صدق الرسول ﷺ : بل ويعرفونه أشد من معرفتهم لأبنائهم، كما يقول في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَءَاتَيْنَاهمُ الْكِتَابَ يَعْرِفونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
فالكفر يكون بالتكذيب والجحود ويكون بغيره من الإعراض والشك والاستكبار....)) اهـ.
٥-ويقول – ﵀ في أول ((الكيلانية)) من مجموع الفتاوى ١٢/٣٣٥:
(( ... فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب؛ بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسداً أو كبراً أو اتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة.
وإن كان الكافر المكذب أعظم كفراً، وكذلك الجاحد المكذب حسداً مع استيقان صدق الرسل، والسور المكية كلها خطاب مع هؤلاء)) .
* * *
قواعد مهمة في معرفة أنواع الكفر:
وهذه القاعدة في أصلها جنس تشمل عدة قواعد وضوابط لا بد من معرفتها قبل ذكر أنواع الكفر بالقلب والقول والعمل.
حيث يترتب على فهم هذه القواعد والضوابط فهم موضوع الكفر والتكفير عند أهل السنة والجماعة، واطراد قواعدهم وأصولهم فيه وعدم اضطرابها. وهذه القواعد والضوابط هي كالتالي:
١-الكفر اصطلاح وحكم شرعي محضٌ مرده إلى الله في كتابه، وإلى رسوله ﷺ في سنته الصحيحة الثابتة عنه، وليس مبناه على الهوى والتشهي وسوء الظن أو فاسد الفهم.
فمن كفَّرهم الله أو كفَّرهم رسوله ﷺ عيناً أو جنساً أو وصفاً وجب وتعَّين تكفيرهم، وما لا فلا، وليس لأحد ابتداء تكفيرهم دون مستند شرعي صحيح وصريح.
-فممن كُفِّر في النص الشريف وحياً على سبيل التعيين: إبليس وفرعون.
-وممن كُفِّر جنساً: المشركون واليهود والنصارى والمجوس ونحوهم.
стр. 46
-وممن كُفِّر وصفاً: المستهزئ بالله أو بآياته أو برسوله، والمحكِّم لغير ما أنزل الله، والساحر والكاهن ومدعي علم الغيب ونحوهم.
٢- أن الكفر كالإيمان له شعب كثيرة، فكما صحَّ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان)) .
وفي لفظ في البخاري: ((الإيمان بضع وستون شعبة)) الحديث، وهو في مسلم أيضا.
وكذلك الكفر له شعب وأنواع كثيرة، ضابطها ما سُميَّ شرعاً في الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله كفراً، دون تسمية غيرهما.
ولذا يقرر ابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة ص (٥٣-٥٤) :
((فصل: معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك، فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما، خلفه الآخر. ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء، والتوكل، والخشية من الله، والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب.
стр. 47
وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية: شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوال الإيمان. وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر الإتيان بكلمة الكفر اختياراً، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل.
وههنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب،. وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب، لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.
стр. 48
وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد، أطاعت الجوارح، وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد التصديق، كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيِّنه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعة، والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق، وإن سمي تصديقاً، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته)) اهـ.
* ملاحظة وتنبيه:
ولما كان الكفر شعباً كثيرة، فإن هذه الشعب متفاوتة، الكفر فيها درجات، فمنها الكفر الأكبر كسب الله ورسوله ودينه، ومنها الكفر الأصغر؛ كسب المسلم وقتله والنياحة، كما أن الكفر الأكبر، شعبه متفاوتة أيضاً تفاوتاً واضحاً، وكل من نوعي الكفر الأكبر والأصغر على مراتب بعضها أشد من بعض، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى (٢٠/٨٧) : ((واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض، فالكافر المكذب أعظم جرماً من الكافر غير المكذب؛ فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به، وبين التكذيب المنهي عنه، ومن كفر وكذَّب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه، أعظم ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب، ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان أعظم جرماً)) اهـ.
٣-أن الكفر نوعان: كفر أكبر مخرج عن الملة، ومحبط للعمل، وموجب للخلود في النار، ولا يُغفر لصاحبه، وينفى عن صاحبه اسم الإيمان أصلاً وكمالاً، كالسحر وسب الله أو رسوله أو دينه أو كتابه أو الإعراض عن دين الله..!!
стр. 49
وكفر أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط العمل ولا يوجب الخلود في النار، وهو تحت مشيئة الله في مغفرته، ولا ينافي أصل الإيمان، بل ينافي كماله الواجب، وهو حكم الكبائر من الذنوب، كالنياحة على الميت، والطعن في الأنساب، وقتال المسلم..الخ.
-كما أن الشرك والظلم والفسق والنفاق نوعان أكبر وأصغر.
وهذا الأمر مشهور معروف بين العلماء قد تواردوا عليه، ولا أظن ذا علم ينكره، أو يتطرق إليه شك فيه.
ومضى في النقل السابق عن ابن القيم في كتابه (الصلاة) مايؤيده.
٤-أنه هناك علاقة بين الكفر الأكبر والشرك الأكبر، وهي علاقة عموم وخصوص، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً.
فالذبح لغير الله والنذر له والخوف منه خوف عبادة؛ شرك مع الله في تلك العبادات، وهو كفر أكبر مخرج عن الملة، ومناقض للإيمان.
أما سب الله ورسوله ودينه أو الاستخفاف بشرعه أو بالمصحف ونحو ذلك فهو كفر مخرج عن الملة، ولا يعد شركاً في الاصطلاح.
وكذلك الإعراض أو الاستكبار أو الشك والارتياب فهو كفر أكبر ولا يُسمى شركاً.
٥-أن الكفر ورد في موارده المعتبرة في نصوص الوحيين الشريفين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يرد على صورتين:
١-مُعرَّفاً بالألف واللام، فالمراد به الكفر المعهود أو المستغرق في الكفر، وهو المخرج من الملة.
٢-ويأتي منكراً غير مُعرَّف لا بالألف واللام، ولا بالإضافة والتخصيص.
فلا يعد بالصورة الثانية كفراً أكبر؛ بل الأصل فيه أنه كفر أصغر لا يخرج من الملة.
ومثل الفرق بين تلك الصورتين للفظة الكفر، كذلك هناك فرق بين الاسم المطلق للكفر، وبين مطلق اسم الكفر، كما قلنا سابقاً، والمطلب العاشر في الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان.
وهذا المعنى هو ما قرَّره الشيخ أبو العباس ابن تيمية في كتابه ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (١/٢٣٧-٢٣٨) حيث يقول:
стр. 50
((وروى مسلم في صحيحه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : ((اثنتان في الناس هما بهم كفر)) .
أي هاتان الخصلتان هم كفر قائم بالناس، ففي الخصلتين كفر، حيث كانتا من أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام من شعبة من شعب الكفر يصير كافراً الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقة الكفر.
كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً، حتى يقوم من أصل الإيمان وفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله ﷺ : ((ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة)) . وبين كفر مُنكرٍ في الإثبات.
وفرق أيضاً بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر، أو مؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما في قوله: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)) .
فقوله: ((يضرب بعضكم رقاب بعض)) تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يُسمون كفاراً تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر، ومؤمن.
كما أن قوله تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ دَافقٍ﴾ سمى المني ماء تسمية مقيدة، ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال: ﴿فلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ..)) .
٦-أن أهل السنة والجماعة يعظمون لفظ التكفير جداً، ويجعلونه حقاً لله ولرسوله ﷺ فقط، فلا يجوز ولا يسوغ عندهم تكفير أحدٍ إلا من كفره الله أو كفره رسوله.
ولذا يقول الطحاوي في عقيدته المشهورة المتداولة: ((ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله)) .
وكذا قرره ابن تيمية في عقيدته: الواسطية المتلقاه بالقبول، حيث يقول:
((فصل، ومن أصل أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
стр. 51
وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي..)) إلى آخر الفصل.
وإنما أهل البدع والأهواء هم الذين شعارهم تكفير من خالفهم فضلاً عن لمزهم وتعييرهم، ولذا يقول- ﵀-في ((الكيلانية)) ١٢/٤٦٦:
((وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.
فصل: وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبني على أصل لابد من التنبيه عليه، فإنه بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطراباً كثيراً في تكفير أهل البدع والأهواء كما اضطربوا قديماً وحديثاً في سلب الإيمان عن أهل الفجور والكبائر.
وصار كثير من أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية ويعتقدون اعتقاداً هو ضلال يرونه هو الحق، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، فيصير فيهم شوب قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق- ولعل أكثر هؤلاء المكفرين يُكفِّر بـ ((المقالة)) التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها.
وبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذماً مطلقاً، لا يفرقون فيه بين ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة.
أو يقرُّون الجميع على مناهجهم المختلفة، كما يُقرَّ العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة)) أهـ.
стр. 52
والمقصود أن المبتدعة على تنوع مشاربهم وتباين أصولهم ومناهجهم يروج عندهم تكفير مخالفيهم عند أدنى مخالفة.
في حين يتحرج أهل السنة والجماعة من تكفير المخالف حرجا شديداً، لأن التكفير حكم شرعي، وهو حق لله ولرسوله ﷺ ، وهو خطيرٌ في الآثم ديناً وعاقبة، ولذا فهم لا يؤاخذون بلوازم الأقوال في التكفير حتى يكون الكفر صريحاً لا لبس فيه، كما لا يعولون في التكفير على الظنون والأوهام والأهواء، وإنما المُعوَّل عليه عندهم الأمر البواح الذي لهم فيه من الله سلطان وحجة ظاهرة وبرهان.
٧-أن أهل السنة الجماعة يفرقون بين الكفر المطلق والكفر المُعيَّن بالكفر الأكبر مطلقاً على غير معنيين، ولهم شروط وضوابط وتورَّع وديانة في إيقاعه على المعينين، فإنهم يرون كفر المعين يقع عليه بنفسه، وأهم هذه الشروط في إيقاع الكفر الأكبر عليه بلوغ الحجة عليه، واندفاع الشبهة عنه، وممن اعتنى بهذه المسألة تفصيلاً أئمة الدعوة النجدية من الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأبناؤه وتلاميذهم، فإنهم أجلوها وحقَّقُوها تحقيقاً لا تكاد تجده عند غيرهم، ويضيق المقام- في الواقع –عن تتبع كلامهم وجمعه هنا فالحمد لله.
وههنا أمر مهم لابد من التفطن له وهو أن ثمة فرقاً بين مراحل ثلاث في الكفر المخرج عن الملة والموجب للردة، وهي:
١-تعيين أن هذا الجرم من الكفر الأكبر، بالدلائل الشرعية.
٢-ثم مرحلة تكفير المعيَّن المواقع لهذا الجرم؛ باجتماع الشروط فيه وانتفاء الموانع عنه، وهو مناط بالقضاة الشرعيين أصالة.
٣-ثم مرحلة ثالثة بعدم القطع له بعد الموت بالخلود في النار، مع إجراء أحكام الكفر عليه في أحكام الدنيا، والله أعلم.
* * *
فهرس المحتوى
الموضوع: الصفحة
تقريظات كبار العلماء ... ... ... ... ... ... ٣
стр. 53
المقدمة ... ... ... ... ٦
المطلب الأول: مقدمة بأهمية المسألة ١٠
المطلب الثاني: مسألة تعريف الإيمان ومسماه ١٢
المطلب الثالث: الأصل الجامع للنزاع في المسألة ١٤
المطلب الرابع: بيان فساد أقوال الطوائف إجمالاً ١٦
المطلب الخامس: معنى الإيمان لغة ٢١
المطلب السادس: العلاقة بين الإيمان والإسلام ٢٣
المطلب السابع: زيادة الإيمان ونقصانه ٢٧
- والأدلة عليه من القرآن ٢٨
- والأدلة عليه من السنة ٣١
- والأدلة عليه من الآثار السلفية ٣٣
- أسباب زيادة الإيمان ٣٥
المطلب الثامن: المخالفون في زيادة الإيمان ونقصانه ٣٦
المطلب التاسع: تحقيق المروي عن مالك وغيره في نقصانه ٣٧
المطلب العاشر: مسألة الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان ٣٩
المطلب الحادي عشر: حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء ٤٠
المطلب الثاني عشر: الكفر عند أهل السنة ومخالفيهم ٤٣
- أهمية الموضوع ٤٤
- الكفر ومعناه ٤٧
- قواعد مهمة في أنواع الكفر ٥٠
فهرس المحتوى ٥٧