← Акыда

Акыда · id 1929

مسألة الإيمان دراسة تأصيلية

علي بن عبد العزيز الشبل

Полный текст (53 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مسألة الإيمان دراسة تأصيلية تأليف علي بن عبد العزيز بن علي الشبل عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه والمسلمين تقريظ أصحاب الفضيلة الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان

стр. 2

تقريظ بقلم فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فقد اطلعت على الكتاب الذي ألفه الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل في موضوع حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل واعتقاد كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للمرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، فسهَّلوا للناس طريق المعاصي والمخالفات، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه أهل السنة والجماعة، ولهذه الفرقة الضالة من يروج مذهبها اليوم من المتعالمين. فكان لا بد من بيان ضلالتهم لئلا يغتر بهم من يخفى عليه أمرهم، ويحسن الظن بهم. فوجدته فيما كتبه الشيخ علي وفقه الله، وافياً في الموضوع، فجزاه الله خيراً ونفع بما كتب وبين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، كتبه صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في ٢٢/٢/١٤٢٢هـ

стр. 3

تقريظ بقلم فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:فقد منَّ الله عليَّ بتكرم أخي فضيلة الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل بإطلاعي على مسودة الكتاب القيم ((مسألة الإيمان)) واستعراض آراء علماء العقيدة، وما حصل لمجموعة من الفرق المنتسبة للإسلام من خلل وزلل وانحراف في الاعتقاد في مسألة الإيمان، مع اختلاف بعضهم عن بعض في مقتضيات الإيمان، وأن القول الحق، والاعتقاد المتفق مع أصول الاعتقاد ودلائله وكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، أن الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقد استعرض فضيلة الشيخ علي أقوال هذه الفرق المنحرفة في الاعتقاد وأصل الإيمان، وردَّ عليهم رداً شافياً سنده في الرد كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ تمسكاً بقوله ﷺ : ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة رسوله)) . واستدلاله في رده على ما ذكره المحققون من علماء السلف قديماً وحديثاً ومنه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب - رحمهم الله تعالى - وغيرهم من أهل العلم وسلامة الاعتقاد. فجزى الله المؤلف خير جزاء وأتمه، وجعل هذا الكتاب من الحسنات المثقلة للميزان، وعلماً ينتفع به مؤلفه في حياته الدنيا بالدعاء له للانتفاع به، وفي الآخرة مما يتصل به عمله بعد انقطاعه، أطال الله عمره في طاعته وخدمة دينه. قال هذا وكتبه عضو هيئة كبار العلماء عبد الله بن سليمان المنيع والله المستعان في ١٣/٣/١٤٢٢هـ

стр. 4

تقريظ بقلم فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن قضية الإيمان من أكبر القضايا وأعظمها بل هي أعظمها إذ عليها مدار السعادة والشقاء، فمن هدي إليها، وشرح صدره بها، ورزق فهمها والعمل بها فقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن حرمها حرم الخير كله؛ فإنه يتمتع في هذه الحياة قليلاً ثم مصيره إلى عذاب الله الذي لا ينقطع. وهذه الرسالة للشيخ علي بن عبد العزيز الشبل وفقنا الله وإياه للخير والعمل به - فيها إيضاح مسألة الإيمان، وبيان مذهب أهل السنة فيها، وقد قرأتها فألفيتها مفيدة وجديرة بالإشاعة ليعم الانتفاع بها. أسأل الله - تعالى - لنا ولجامعها التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. قاله عبد الله بن محمد الغنيمان

стр. 5

المقدمة الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد: فإن مباحث العقيدة من أهم ما يعتني به المؤمن دراسة وتفهماً، علماً وعملاً؛ لأن العقيدة أهم المهمات وهي أساس الديانة، وقاعدة الملة المتينة، لذا اهتمت بها كتب الله المنزلة، ورسله المرسلة إلى عباده. وعلى العقيدة شُيدت مباني الشريعة، وقامت سوق الجنة والنار. ولهذا وغيره صار علم العقيدة والإيمان والتوحيد أشرف العلوم وأزكاها، وأعظمها أثراً. وأضحت مسائل العقيدة المبحوثة لها هذه الأهمية، وتداعى لها ذلك الشرف، وتأكد لها عظيم القدر. هذا وإن من جليل مباحث العقيدة المحتفى بها عند أهل السنة والجماعة- السالكين جادة منهج السلف الصالح من لدن النبي ﷺ فأصحابه الكرام ﵃، فتابعيهم، ثم من تبعهم بإحسان وعلم وهدى - مباحثُ الإيمان، المناطة بأحكام أهله دنيا وأخرى، والمُعبَّر عنها عند العلماء بمسائل الأسماء والأحكام. وهذه المسألة بما اشتملت عليه من تضاعيف المباحث من أجل مسائل العقيدة، وأول أصول العقيدة افتراقاً في بابها قديماً وحديثاً؛ ولذا اعتنى بها العلماء في تصانيفهم ولا سيما من أئمة السنة، فإن علماء السلف الصالح أول ما قذعوا به الجهمية من ضلالاتهم هذه المسألة: مسألة الإيمان، يدركه من طالع كتب السنة والأثر! ولما رأيت توافر الدواعي - في زمننا- إلى توضيح هذا الموضوع وتجلية مذهب السلف الصالح: أهل السنة فيه، رأيت المشاركة بهذه الورقيات التأصيلية للمسألة: مسألة الإيمان (١) . موصياً - ومؤكداً في الوصية - بلزوم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والتفقه بفقه السلف الصالح، ورد الإشكال إلى أهل العلم المعتبرين ليحلوه ويوضِّحوه ويبينوه كما في آيتي النحل والأنبياء: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] .

стр. 6

((مسألة الإيمان دراسة تأصيلية)) وقد اشتمل على عدة مطالب رئيسة هي: ١.المطلب الأول: مقدمة بأهمية المسألة. ٢.المطلب الثاني ... : مسألة تعريف الإيمان ومسماه. ٣.المطلب الثالث: الأصل الجامع للنزاع في المسألة. ٤.المطلب الرابع: بيان فساد أقوال الطوائف إجمالاً. ٥.المطلب الخامس: معنى الإيمان لغة. ٦.المطلب السادس: العلاقة بين الإسلام والإيمان. ٧.المطلب السابع: زيادة الإيمان ونقصانه، والأدلة عليه، وأسباب زيادته ونقصانه. ٨.المطلب الثامن: المخالفون في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه. ٩.المطلب التاسع: تحقيق المروي عن الإمام مالك في نقصان الإيمان. ١٠.المطلب العاشر: مسألة الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان. ١١.المطلب الحادي عشر: حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء. ١٢.المطلب الثاني عشر ... : الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم ويشمل: ... ... أ- مقدمة في أهمية الموضوع. ... ب- الكفر ومعناه. ... ج- قواعد مهمة في معرفة أنواع الكفر. ولما كان موضوع البحث بهذه الأهمية، عرضته على جمع من كبار العلماء ذوي الخبرة والاختصاص: ١-سماحة مفتي عام المملكة: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ. ٢- فضيلة الشيخ: د. صالح بن فوزان الفوزان. ٣- فضيلة الشيخ: عبد الرحمن الناصر البراك. ٤- فضيلة الشيخ: عبد الله بن سليمان بن منيع. ٥- فضيلة الشيخ: عبد الله بن محمد الغنيمان. وغيرهم. جزى الله الجميع من نعمائه، وعوالي جنانه، وحرمنا وإياهم سخطه وعذابه ونيرانه. ... ثم إني قد رضيت من مهرها بدعوة خاصة بظهر الغيب إن وافقت قبولاً واستحساناً، أو صادفت كفؤاً كريماً، أو تدبرها عاقل حصيف. فالحق من توفيق ربي وهدايته، ولقارئه غُنمه، وعلى مُعلقه غُرمه، والله يعامله ويجازيه بالحسنى وبعد: فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَاناَ لِهَذاَ وَماَ كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَاناَ اللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّناَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] . وأسأله سبحانه أن يعلي بها الدرجات، ويمحو بها السيئات، ويبدلها لنا حسنات، ويحقق بها الزلفى لديه بالمسرات. ويلفح علينا بها النفحات، ويغفر لنا ولمشايخنا ووالدينا وإخواننا المسلمين والمسلمات، برحمة وإحسان مولانا مبدع البريات. ﴿إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِماَ يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] . والله أعلم. اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً. ... ... ... ... ... ... كتبه الفقير إلى مولاه الأجل ... ... ... ... ... ... علي بن عبد العزيز بن علي الشبل ... ... ... ... ... الرياض ١١٤١٥- ص. ب: ٦٣١٢٨ ... ... ... ... ... ... ... فاكس ٢٤١٧٤٣٨

стр. 7

أهمية مسألة الإيمان ... مسألة الإيمان من مسائل العقيدة الجليلة التي وقع الاختلاف فيها، والافتراق عليها قديماً في المسلمين؛ بل لا يبتعد إذا قيل إنها أول مسائل الاختلاف في هذه الأمة التي وقع النزاع فيها بين طوائفها، فخالف فيها المبتدعة الأمة الإسلامية! ومن ثم ترتب عليها اختلافات أُخر في مسائل وثيقة الصلة بمسألة الإيمان. ومسائل الإيمان يُعبِّر عنها العلماء بمسألة ((الأسماء والأحكام)) ، بمعنى: اسم العبد في الدنيا هو هل مؤمن أو كافر أو ناقص الإيمان..؟ وحكمه في الآخرة أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، أم ممن يدخل النار ثم يخرج منها ويُخلد في الجنة؟ ولأهمية هذه المسائل ضمَّنها أهل السنة والجماعة في مباحث العقيدة الكبار (١) وقال الحافظ ابن رجب مبيناً أهمية هذه المسألة: ((وهذه المسائل، أعني مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جداً)) . فإن الله علَّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار. والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكُلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحَّلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين. ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان. وقد صنَّف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنَّف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، وأبو بكر أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، - رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف)) .اهـ. (٢) . وهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة- ولاسيما في أصول الدين وباب السنة-، إلا اتسعت اتساعهً كبيراً شبراً فباعاً فميلاً.. وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها. ولا يبتدع مبتدع من أهل الأهواء بدعة في هذا الباب إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، حتى يكون الحق عند من يجده وسطاً بن البدعتين، وهذا تلاحظه في:

стр. 8

-بدعة الخوارج الوعيدية ومن تبعهم في مسائل الإيمان، ومقابلة المرجئة بطوائفها لهم ببدعتهم، والحق وسط بينهما! -وفي باب الصفات ببدعة الممثلة المشبهة، ومقابلة المعطلة لهم. -وفي باب القدر والإرادة بين بدعة القدرية نفاة القدر، وماقابلها من بدعة الجبرية الغلاة في إثباته. -وفي باب الصحابة والإمامة بين بدعة الخوارج النواصب وما قابلهم من بدعة الروافض. والحق في كل هو الوسط بين تلك البدع! ومسائل الإيمان من ذلك، وقد اندرج تحتها عدة مسائل ومباحث بعضها يكون غرة عن بعض. وأستعين الله بعرض بعض من مسائله المهمة، فبالله التوفيق، ومنه العون والتسديد، وهو حسبي ونعم الوكيل. مسألة تعريف الإيمان ومسماه: وهذه المسألة هي الأساس الذي ينبني عليه الخلاف وثمراته في مسائل الإيمان. واختُلف فيما يقع عليه اسم الإيمان، وما يُراد به اختلافاً كثيراً (١) ، أعرض هاهنا لمجمل الأقوال في المسألة التي لها شهرة، وينبني عليها فهم أهلها واعتقادهم بالمراد بالإيمان. ١ـ قول عامة أهل السنة وأهل الحديث: ... أن الإيمان إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان. ٢ـ قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة: ... أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، والعمل شرط في الإيمان يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه. فهم وافقوا أهل السنة في مسمى الإيمان لفظاً، وخالفوهم في حقيقته ومعناه، فجعلوا الإيمان يزول بزوال العمل مطلقاً من غير تفصيل في نوع العمل؟! ٣ـ قول المرجئة، وهم في هذه المسألة طوائف كثيرة أشهرهم:

стр. 9

أـ المرجئة المحضة وهم الجهمية ومن وافقهم من القدرية وغيرهم: والإيمان عندهم هو المعرفة بالله، والكفر الجهل به، وفساد هذا القول بيِّن ظاهر جداً. ب ـ قول جمهور الأشاعرة: ... ... بأن لإيمان هو تصديق القلب فقط. ... ... وربما جنح متكلموهم فيه إلى قول الجهمية بأنه معرفة القلب. ج- المرجئة الكرَّامية وهو قول ابن كلاب والرقاشي؛ بأن الإيمان تصديق القلب، أما الإقرار باللسان فحسب. ومن لوازمه الباطلة اعتبار المنافقين مؤمنين؟! د- قول الماتريدية ورواية عن أبي حنيفة: بأن الإيمان تصديق القلب، أما الإقرار باللسان فركن زائد فيه ليس بأصلي، حيث يسقط بالإكراه ونحوه. هـ-قول مرجئة الفقهاء، هو قول الشمرية والنجارية والغيلانية من طوائف المرجئة، بأن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان. الأصل الجامع للنزاع في المسألة: هذا وقد استقرأ الشيخ أبو العباس ابن تيمية هذا الأصل الجامع للنزاع في الإيمان من خلال سبره لأقوال الطوائف في الإيمان وتمحيصه لحقائقها، وهو المطلع على أقوال أهل المقالات اطلاعاً لم يُعرف له نظير. وهذه الأصول هي في الواقع قواعد قعَّدها –﵀ في مواقف تلك الطوائف من دلائل الوحي في مسألة الإيمان، وأجوبتهم عليها. وهي: * الأصل الأول: قال ﵀ في الإيمان الأوسط: ((وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه.

стр. 10

فلم يقولوا بذهاب بعض وبقاء بعض، كما قال النبي ﷺ : ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان)) .اهـ (١) . * الأصل الثاني: ما ضمَّنه شرحه للأصفهانية حيث قال: ((وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مُستحقاً للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم. بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها..)) اهـ (٢) . وهذا هو معنى أن يجتمع في العبد: إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية.. وهو الحق الذي دلت عليه نصوص الإيمان من الكتاب والسنة. * الأصل الثالث: ما ذكره العلماء- ﵏ من طريقة أهل البدع في تلقي النصوص والشريفة ((الوحي)) سواء كانوا من الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، أو من المرجئة على تنوع مراتبهم وأصنافهم، فهم لا يجمعون بين نصوص الوعد والوعيد؛ بل إنهم – في استدلالهم، ينفردون فيهما بما يؤيد مذاهبهم. أ-فالوعيدية يستدلون بنصوص الوعيد، ويهملون نصوص الوعد، أو لا يجمعونها مع نصوص الوعيد في التلقي والاستدلال. ب-وكذلك المرجئة يعوّلون على نصوص الوعد، دون اعتبار للنصوص الواردة في الوعيد، وجمعها في التلقي والاستدلال مع نصوص الوعد. فكلاهما آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. أما أهل السنة والجماعة فآمنوا بالكتاب كله، وعولَّوا على النصوص جميعها، فنظروا إلى نصوص الوعيد مع نصوص الوعد، فلم يضطربوا ولم يفرقوا بين المتماثلات وإنما كانوا الأمة الوسط، وأسعد الفريقين بالمذهب الحق. * الأصل الرابع:

стр. 11

أن الإيمان وكذا الكفر، كل منهما خصالٌ وشعبٌ عديدة، ومراتب متعددة، فمن الإيمان شعب إذا زالت زال الإيمان كله كالصدق في الحديث والحياء. وكذلك الكفر منه شعب إذا وقعت وقع الكفر الأكبر كالاستهزاء والسب لله ولدينه ولرسوله، ومنه شعب إذا وقعت لم يقع الكفر الأكبر المخرج عن الملة، كسب المسلم وقتاله والنياحة وغير ذلك، وإنما يكون مقترفها واقعاً في الكفر الأصغر، وهو الكفر العملي، وهو لا يخرج من الملة (١) . * * * بيان فساد أقوال الطوائف إجمالاً: ... وهي الأقوال التي خالفت قول عامة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، إذ التفصيل ليس هذا مقامه، ولا لمثلي بيانه. لأنه يعتمد على عرض شبه كلٍ على حده، وتناولها بالبيان والجواب، وقد أفلح فيه الشيخ ابن تيمية في كتابيه الإيمان الكبير والأوسط، بما أظنه لو تأمله مريد الحق بعمدته لاكتفى به! ونقد الأقوال إجمالاً يسلمني من مناهج المتكلمين في عرضهم المجرد لمقالات الطوائف دون تعقيب أو توضيح للصواب من ضده. فأما قول الوعيدية: فقد خالف إجماع الصحابة، وخالف النصوص في الوحيين الشريفين؛ التي دلت على نفع الشفاعة لأصحاب الكبائر وإخراج الموحدين من النار، وعدم خلودهم فيها. أ- من نحو قوله ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن أنس وجابر بن عبد الله ﵃.

стр. 12

ب- وقوله ﷺ : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) متفق عليه من حديث أنس ﵁) (١) . ج- كيف وقد وعد سبحانه أن يغفر لمن شاء ممن لم يشرك به شيئاً كما في آيتي النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ماَدُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُُ﴾ [النساء:٤٨] . د-وأيضا الهدي النبوي في أصحاب المعاصي والكبائر الذين اقترفوها في عهده ﷺ حيث لم يُنقل عنه ﷺ أنه أمرهم بتجديد إيمانهم أو الدخول في الدين من جديد، لو كانوا فارقوه كما يقول هؤلاء؟ هـ-أن هؤلاء محجوجون بأنه ليس أحد إلا ويخطئ أو يترك أمراً واجباً عليه من أوامر الدين ونواهيه، فيلزم على قولهم أنه لم يبق على الإيمان أحد. لأن الإيمان بهذا القيد عندهم، وهو كل لا يتجزأ ليس إلا الإيمان المطلق؟ ومن يدعيه؟! وقول المرجئة المحضة بيِّنُ الفسادِ، لما يلزمه من اللوازم القبيحة الباطلة: أ- فإن أبا لهب وأبا جهل يعرفان ربهما ويوحِّدانه في الربوبية ولا يجهلانه ومع هذا فهما من أهل النار ولا شك. وكذا عامة من لم يؤمن بالرسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمجوس ونحوهم. ب- أن أبا طالب عم النبي ﷺ شهد بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً وكان عارفاً بربه، غير جاهل به، وهو كافر من أهل النار. وكذا أبوه عبد المطلب!

стр. 13

ج- ومن لوازم قولهم الفاسد أن فرعون الجاحد لربوبية الله ظاهراً مؤمن كامل الإيمان لأنه عارف بالله في قلبه غير جاهل به، لقول أصدق القائلين سبحانه في آخر سورة الإسراء ﴿قاَلََ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَضَآئَّرَ وَإِنِّى لأَظَنُّكَ يَا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] ، وقوله في أول سورة النمل ﴿وَجَحَدُوا بِهاَ وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كاَنَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] . د- كما أن من أقبح لوازمه أن إبليس – أعاذنا الله منه- عند هؤلاء الجهمية مؤمن بالله، لأنه عارف له بقلبه غير جاهل به. هـ- ومن لوازم قولهم أنه لا يكفر إلا الجاهل بربه، والحقيقة أنه لا أجهل من جهم وأضرابه بربهم حيث جعل لله الوجود المطلق، وعطَّله من جميع الصفات، ومن كان كذلك فلا يعرف إلا في الذهن فقط ولا وجود له في الخارج. فمن أجهل بربه منه؟ سبحان الله وتعالى عما يصفون! ٣- من لوازم بطلان مذهب الكرَّامية وأضرابهم بأن الإيمان هو النطق باللسان فقط! أ- فإن المنافقين الذين كفَّرهم الله وكذَّبهم وجعلهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. فقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ المْناَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ً﴾ [النساء:١٤٥] . وفي أول سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١-٣] .

стр. 14

وكذا كل من أبطن في قلبه كفراً أو ناقضاً من نواقض الدين يكون عندهم مؤمناً مادام مُقراً بلسانه (١) . ب- بل من جمع بين الكفر الاعتقادي والعملي أو النفاق الاعتقادي والعملي أو كلها يكون مؤمناً ما بقي مقراً بالإيمان باللسان! ج- كما يلزم من ذلك- عندهم- أن من لا يستطيع النطق بلسانه لخرس أو عجز من خوف أو نحوه لا يكون مؤمناً ولو كان قلبه وعمله مطمئناً بالإيمان. د- مناقضة هذا القول لقوله تعالى في آخر النحل: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ ولَهُمْ عَذاَبٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُم اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْياَ عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهًُمْ فِى الأَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٦-١٠٩] . ٤- قول جمهور الأشاعرة والماتريدين ونحوهم بأن الإيمان هو تصديق القلب) قول فاسد؛ لعدة اعتبارات منها:

стр. 15

أ-ما ورد تسميته إيمان من الأعمال والأقوال في النصوص الشرعية، كقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿إِنَّماَ يُؤْمِنُ بِئَايَتِناَ الَّذِّينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] . وفي سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونُ الَّذِينَءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدَوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفًسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] . وقوله عن المؤمنين والمنافقين في التوبة: ﴿لاَ يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٤-٤٥] . ولما رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال ((من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا)) (١) . فنصَّ على أن الإتيان بهذه الأعمال من الإيمان، ويُعلم أن تركها نقص في الإيمان ونفيٌّ لكماله الواجب، وصاحبها مستحق للبراءة منه (٢) . مع وجود التصديق عندهما في قلبيهما.

стр. 16

كما روى مسلم أيضاً في حديث أنواع المجاهدة أن النبي ﷺ قال: ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) . فسمَّى النبي ﷺ عمل القلب واللسان والجوارح إيماناً. ب-يلزم عليه أن كل من لم ينطق بالشهادتين وهو مَصَّدق بقلبه بصدق الرسول وصحة دينه فهو مؤمن: كأبي طالب وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ... مع الاتفاق على كفرهم، وأنهم من أهل النار خالدين فيها. ج-كما يلزم عليه من الباطل أن من صدَّق بقلبه بالله ورسله.. ثم لم يصلِّ، ولم يصم، ولم يحج، أو لم يزكِّ سواءً جاحداً أو متعمداً من غير جحود.. أنه المؤمن الكامل؛ لبقاء التصديق بقلبه. د-وكذلك يلزم عليه أن من صدق بقلبه ثم أتى ناقضاً من نواقض الإسلام من السحر أو الشرك أو الاستهزاء بالدين.. أنه مؤمن، لبقاء أصل التصديق بالله في قلبه وهذه من أفسد اللوازم على قولهم. ٥- أما قول مرجئة الفقهاء وأمثالهم فيستدل عليهم بفساد قولهم: أ-بالأدلة الدالة على دخول الأعمال في الإيمان وهي كثيرة جداً مضى طرف منها. ب-يلزم عليه أيضاَ أن من ترك فرضاً أو واجباً في الدين من الأعمال أنه لا يخرج عن الإيمان، كمن امتنع عن الزكاة عمداً، وهو ما أجمع الصحابة ﵃ على قتالهم، كما فعلوا مع المرتدين من العرب. وهم عند هؤلاء معهم التصديق والإقرار؟! ج-كذلك من أقرَّ بلسانه وصدَّق بقلبه، لكن فعل ناقضاً كذبح لغير الله، أو سجود أو سحر، أنه مؤمن ليس بكافر؟ د-كذلك يُردُّ عليهم بالنصوص التي نفت الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر – وهي النصوص التي يستدل بها الوعيدية على خروج هؤلاء من الإيمان مثل:

стр. 17

قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف فيرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) الحديث متفق عليه عن أبي هريرة (١) ﵁. وأمثاله من نصوص نفي الإيمان ((الكامل)) عن بعض الأعمال من الكبائر كالغلول، وامتهان الجار، وإهانة الكبير.. ... هـ-ثبوت التصديق للجوارح في قوله ﷺ : ((إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدركٌ ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويَصَّدق ذلك الفرج ويكذبه)) متفق عليه من حديث أبي هريرة وهذا لفظ مسلم (٢) . معنى الإيمان لغة: ذهب كثير من المتكلمين وغيرهم؛ بل هو العُمدة عند جماهير المرجئة أن الإيمان في مفهوم اللغة العربية هو مجرد التصديق، استدلالاً بقوله تعالى في أول سورة يوسف: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّناَ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] . * الصواب: أن معنى الإيمان في اللغة ليس مرادفاً للتصديق، بل التصديق وزيادة، من الإقرار والإذعان والتسليم ونحوها، لعدة اعتبارات. أن معنى الآية في الحقيقة: ما أنت بمُقرٌّ لنا ولا تطمئن إلى قولنا ولا تثق به ولا تتأكد منه ولو كناَّ صادقين، فإنهم لو كانوا كذلك فصدقهم، لكنه لم يتأكد ولم يطمئن إلى قولهم. وهذه بلاغة في اللغة.

стр. 18

أن لفظة الإيمان يقابلها الكفر، وهو ليس التكذيب فقط بل قدر زائد عليه، وإنما الكذب يقابل لفظة التصديق. فلما كان الكفر في اللغة ليس مقصوراً على التكذيب، فكذلك ما يقابل الكفر وهو الإيمان لا يقابل التصديق، وليس مقصوراً عليه. أن لفظ الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار المشاهدة وغيرها، وإنما يُستعمل في الأمور الغائبة مما يدخلها الريب والشك، فإذا أقر بها المستمع قيل آمن، بخلاف التصديق، فإنه يتناول الإخبار عن الغائب والشاهد، وإخوة يوسف أخبروا أباهم عن غائب غير مشاهد فصح أن الإيمان أخص من التصديق. أن لفظ الإيمان تكرر في الكتاب والسنة كثيراًَ جداً، وهو أصل الدين الذي لا بد لكل مسلم من معرفته، فلابد أن يؤخذ معناه من جميع موارده التي ورد فيها في الوحيين لا من آية واحدة؛ الاحتمالُ مُتطرق إلى دلالتها! أن الإيمان مخالف للتصديق في الاستعمال اللغوي وفي المعنى: فأما اللغة فقد مضت في الجواب الثالث؛ فالاستعمال اللغوي للإيمان يُتعدى فيه إلى المُخبِر باللام وإلى المُخبَر عنه بالباء كقوله تعالى: ﴿فَئَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ . أما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن وهو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قرَّ يَقُر، وهو قريب من آمن يأمن. وأما الصدق فهو عدم الكذب، ولا يلزم أن يوافقه طمأنينة إلا إذا كان المُخبر الصادق يُطمئن إلى خبره وحاله.

стр. 19

أن لفظ الإيمان يتعدى إلى غيره باللام دائماً نحو قوله تعالى: ﴿فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] ، وقول فرعون في الشعراء: ﴿ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [الشعراء:٤٩﴾ ، وقوله تعالى في يونس: ﴿فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣] ، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧] . وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] ، وآيات عديدة. أما لفظ التصديق وصدق ليصدق فإنه يتعدى بنفسه نحو: قوله تعالى في الصافات: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِناَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَْ﴾ [الصافات:١٠٥] . وفي أولها: ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] . وفي سورة الزمر: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] فكلها بمقابل الكذب. لو فرضنا أن معنى الإيمان لغة التصديق، لوجب أن لا يختص بالقلب فقط بل يكون تصديقاً باللسان، وتصديقاً بالجوارح كما في حديث أبي هريرة ﵁ السابق ((العينان تزنيان..)) الحديث. كذلك لو قلنا: إن الإيمان أصله التصديق، فإنه تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والصوم إمساك مخصوص يتبيَّن بالمعنى الشرعي حيث يكون للتصديق لوازم شرعية دخلت في مسماه (١) . * * * العلاقة بين الإسلام والإيمان: أي هل الإسلام هو الإيمان؟ وهل الإيمان هو الإسلام؟ أو غيره. فهذا مما افترقت فيه الطوائف، كافتراقهم في مسمى الإيمان.

стр. 20

فقالت الوعيدية: إن الإسلام هو الإيمان والعكس صحيح (١) . وقيل: الإسلام هو الكلمة أي كلمة التوحيد بالشهادتين. والإيمان هو العمل. وهذان القولان لهما وجه صحيح يتضح عند التحقيق في معناهما. وذهب الأشاعرة إلى أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام، بأن كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا (٢) . وهذا القول فيه حق وباطل يتضح إن شاء الله. والقول الصواب الذي عليه أهل التحقيق القول بالتفصيل، وهو إجمالاً: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا. ومعناه: * أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في نص واحد من كتاب أو سنة فإن لكل واحد منهما معنىّ يختص به. فالإسلام: الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان والصلاة.. والإيمان: الأعمال الباطنة من الاعتقادات كالتوكل والخوف والمحبة والرغبة والرهبة... وغيرها. وقد دل على هذا دلائل كثيرة منها اكتفاءً واختصاراً: قوله تعالي في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قَولَوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِىقُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فاجتمعا في نص واحد، ونفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام؛ فدل على افتراقهما أنهم مسلمون لكن لم يبلغوا أن يكونوا مؤمنين. -وحديث جبريل ﵇ المشهور وفيه ذَكَر الإسلامَ: بالأركان الخمسة، والإيمان: بالأصول الستة. فإنهما اجتمعا في نص واحد، أجاب النبي ﷺ لكلٍ بمعنى غير الآخر؛ فدل على افتراقهما.

стр. 21

وأركان الإسلام الخمسة أعمال ظاهرة، وأصول الإيمان الستة أعمال باطنة، ولا بد منهما جميعاً. -وحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((أعطى رسول الله ﷺ رهطاً وسعد جالسٌ، فترك رجلاً هو أعجبهم إليَّ، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. فقال: ((أو مسلماً)) مالك عن فلان، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: مثل ذلك وأجابني بمثله، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد ﷺ ثم قال: ((يا سعد إني لأُعطي الرجل، وغيره أحب إليَّ منه، خشية أن يكبه الله في النار)) متفق عليه واللفظ للبخاري (١) . ووجه الدلالة كما في دلالة آية الحجرات، بتفريقه ﷺ بين المؤمن والمسلم في نص واحد، مما يدل أن لكل منهما معنى يختص به. -ويدل على هذا الفرق الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره: ((ثنا بهز بن حكيم ثنا علي بن مسعدة ثنا قتادة عن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: ((الإسلام علانية والإيمان في القلب)) ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: ((التقوى ههنا، التقوى ههنا)) (٢)

стр. 22

ومن هنا قال الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم: ((قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقَّق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام، كما قال ﷺ ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح بالأعمال. وليس كل مسلم مؤمناً، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحقيقاً تاماً، مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلماً، وليس بمؤمن الإيمان التام)) اهـ (١) . *ومعنى افتراقهما: أن يأتي أحدهما في نص دون الآخر، فعندئذٍ يكون أحدهما بمعنى الآخر، فالإسلام هو الإيمان والعكس صحيح. ولهذا أدلة كثيرة في الوحيين: -منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأَخِرَةَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . -وفي أولها قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران:١٩] . فاقتضينا أن الدين عند الله الإيمان، ومن يبتغ غير الإيمان ديناً فلن يقبل منه. -ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين في آيات كثيرة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فإن الخطاب أيضاَ متوجه للذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مما يدل على تناول أحدهما الآخر عند الانفراد. -وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)) متفق عليه واللفظ للبخاري (٢) وفي لفظ آخر لهما ((الإيمان بضع وسبعون)) .

стр. 23

فإن الإيمان هنا متناول للإسلام لاشتماله على الصلاة والصيام والحج والزكاة. -ولما في الصحيحين – واللفظ للبخاري- من حديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه إليه ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) (١) . -وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)) رواه البخاري (٢) . ففى كلا الحديثين المسلم يشمل المؤمن، مما يدل على أنهما بمعنى واحد عند الاجتماع. -ومن أصرح الأدلة من السنة على كون افتراقهما يُصِّيرُ معناهما واحداً حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة؟ فقال ﷺ : ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: ((تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس)) الحديث (٣) .

стр. 24

فإن النبي ﷺ أخبرهم في الحديث – في هذا الحال المهم، والسؤال الأهم – عن الإيمان بأركان الإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد، مما يفيد أن أحدهما يغني عن الآخر عند الإفتراق. وفي الباب أحاديث غير هذه كثيرة جداً تدل على هذا المقصد، وفيما نقلت الكفاية إن شاء الله (١) . * * * زيادة الإيمان ونقصانه: والبحث فيهما فرع عما سبق من أصل الاختلاف في الإيمان من كونه شيئاً واحداً لا يتجزأ بأن يذهب بعضه وكذا باجتماع الثواب والعقاب، والحسنة والسيئة في العبد الواحد. فإن الحق الواجب اعتقاده والإيمان به، أن الإيمان يزيد بالإخلاص والطاعات والمسارعة إلى رضوان الله، وتقديم مرضاته وتتبع محابَّه حتى يَستكمل الإيمان في العبد. وكذا عكسه بأن الإيمان ينقص ويقل كلما ارتكب العبد المحرمات واقترف المنهيات، وفرغ قلبه من تحقيق معاني الألوهية ومعاني أسماء الله وصفاته، وأمره وشرعه حتى يزول الإيمان بالكلية، فتستحكم الشهوات والشبهات عليه؛ فيكون القلب عندئذ أسودَ لا بياض فيه. يدل على ذلك الأدلة الشرعية والواقع المشاهد. وذلك أن المؤمن المتقي لله، إنما يتقيه ويؤمن به لقوة الوازع الديني في قلبه. والعاصي – وهو فاعل الذنب الصغير-، والفاسق – وهو فاعل الكبيرة – لا يعصي ربه إلا بعد ضعف وازع الدين في قلبه! ومن فضل الله علينا وعلى الناس تكامل دلالة الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، والآثار السلفية عن الصحابة ومن بعدهم في تأكيد هذه المسألة، وهذا طرف من ذلك. الأدلة من القرآن على زيادة الإيمان ونقصانه: فمن ذلك:

стр. 25

قوله تعالى في أول الأنفال: ﴿إِنَمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] . وقوله سبحانه في أواخر آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . وفي آخر التوبة: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيماَنًا فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يًسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥] . فالمؤمنون يزدادون إيماناً بنزول القرآن والمنافقون يزدادون كفراً ورجساً وينقص إيمانهم إن كان بقي منه شيء قبل نزوله! وفي سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] . وفي أول الفتح: ﴿هُوُ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيماَنًا مَّعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح:٤] . وفي سورة المدثر: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَءَامَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] . وكما يزيد الإيمان – كما رأينا فيما مضى من نصوص، فإنه يزيد بزيادة أفراده كالخشوع كما في آية السجدة من الإسراء: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩] .

стр. 26

وزيادة الهدى والهداية كما في قوله في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّّذِينَ اهْتَدَوْا هدًى﴾ [مريم:٧٦] . وفي سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] . وقوله عن الفتية أصحاب الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٣] . فما زاد شيء إلا نقص، بدليل كونه قبل الزيادة أنقص منه بعدها. وكما أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤] . ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيِرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨] . وقوله في الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياَنًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠] . وفي آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثًمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران:٩٠] . وفي النساء: ﴿إِنَ الَّذِينَءَامَنُوا ثُمَّ كّفَرُوا﴾ [النساء:١٣٧] . فكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته. أيضاً مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض. كما قال سبحانه عن الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبيِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥] .

стр. 27

وفي البقرة: ﴿تَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسْ﴾ [البقرة:٢٥٣] . وفي الإسراء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١] . وفاضل سبحانه بين الصحابة في آية الحديد: ﴿لاَيَسْتَوْي مْنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاَتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذينَ أَنفَقَوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] . وفاضل بين المجاهدين وغيرهم في سورة النساء: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَعْفِرَةً وَرَحْمَةَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:٩٥-٩٦] . ومن ذلك قوله: ﴿الَّذِينَءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةَ عِندَ اللهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠] . وفاضل بين درجات العلماء أهل الإيمان بقوله في سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] .

стр. 28

ومايز سبحانه بين أهل الطاعة والمعصية بقوله في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] ، وفي سورة الواقعة ذكر أصحاب اليمين، ثم أصحاب الشمال، ثم السابقين. وكل هذه المفاضلات للتمايز في زيادة الإيمان الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه: فهي أيضاً متنوعة: ١-فمنها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) وهذا لفظ مسلم. فنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر، مما دل على نقص الإيمان بفعلها. وهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته، ومن ثمَّ نقصانه! ٢-ومنها ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان باباً في تفاضل أهل الإيمان بالأعمال وذكر فيه: حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان..)) الحديث متفق عليه. مما يدل على أنه أنقص المؤمنين إيماناً، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لاستحق أهله كلهم الجنة، وبدرجات متساوية! ٣-وحديث أبي سعيد ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: ((بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)) متفق عليه. ورؤيا الأنبياء حق، فدل على زيادة الإيمان في أقوام، ونقصانه في آخرين.

стр. 29

٤-حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي هريرة ﵃، أن النبي ﷺ قال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى؟ قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها)) وهذا لفظ البخاري (١) . فهو وإن كان النقص ليس من فعلهن، لكن من صلى وصام كان أكمل إيماناً منهن بهذا الاعتبار لصلاته وصيامه، وتأمل الترجمة التي تحت الحديث عند مسلم! ٥-حديث ابن مسعود ﵁ – عند مسلم في المجاهدة –وفيه: ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) . ويفسره ويبين مدلوله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم (٢) . فدل على أن الإيمان لا يزال يضعف بتخلف تلك المراتب وهو النقصان، وتحصيلها هو زيادته.

стр. 30

٦-ومثله حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)) (١) . ٧-ومثله حديث أبي هريرة وغيره ﵃ مرفوعاً: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً)) رواه أحمد وأهل السنن. * * * الآثار السلفية عن الصحابة ومن بعدهم في زيادة الإيمان ونقصانه: وهي كثيرة جداً ضمَّنها الأئمة في مصنفاتهم في الإيمان فمن ذلك: ١-أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ربما يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيماناً. ٢-وكان معاذ يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. أي نزدد إيماناً، لم يعن أنه كان غير مؤمن قبلها! ٣-وعن أبي الدرداء ﵁ قال: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم: أيزداد هو أم ينقص؟ ٤-وأما ابن مسعود ﵁ فكان يقول في دعائه: ((اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً)) . ٥-وعبد الله بن رواحة ﵁ كان يأخذ بيد نفر من أصحابه فيقول: ((تعالوا فلنؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ولنزدد إيماناً، تعالوا نذكر الله بطاعته لعل الله يذكرنا بمغفرته)) .

стр. 31

٦-وقال عمير بن حبيب الخطمي وغيره من الصحابة: ((الإيمان يزيد وينقص، فقيل له وما زيادته ونقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه)) (١) . وعنهم في الباب كثير، وعمَّن بعدهم أكثر. ٧-ولذا روى اللالكائي بسند صحيح عن الإمام البخاري أنه قال: ((لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان: قول وعمل ويزيد وينقص)) اهـ (٢) . ولذا نقل ابن عبد البر – في التمهيد – الإجماعَ على ذلك فقال: ((أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية. والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان)) اهـ (٣) . والمقصود تكاثر القول عن الأوائل في تحقيق زيادة الإيمان ونقصانه وهي من الكثرة بمكان. وهذه المسألة أعني مسألة زيادة الإيمان ونقصانه أظهر المسائل التي تبين آثار الاختلاف في الإيمان، وهي المحك الذي يفترق عليه حقيقة قول أهل السنة والجماعة مع مخالفيهم في مسائل الإيمان التي هي بالأسماء والأحكام. أسباب زيادة الإيمان ونقصانه: وهي الأسباب التي إذا حصلها العبد وسعى في طلبها وفعلها تقرباً إلى الله زاد إيمانه بذلك، وإن كان على ضدها نقص، ومنها:

стр. 32

١-التقرب إلى الله والتعرف إليه بتحقيق التوحيد بألوهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى. فإنه ولا شك كلما ازداد بها تحقيقاً ازداد إيماناً. ٢-فعل الفرائض والنوافل والإحسان فيها، والإصابة في صفاتها، والمكاثرة والمسارعة والمداومة في ذلك. ٣-ترك المعاصي والمنهيات تقرباً إلى الله وابتغاء وجهه سبحانه. ٤-النظر والاعتبار في آيات الله الشرعية، ومنها العلم، وآياته الكونية المورث للعلم والعمل، ولين القلب. ٥-الإقبال على الدار الآخرة والسعي لها، والزهد في الدنيا والإعراض عن زخرفها بملاحظة ما أعده الله لعباده الصالحين المستكملين للإيمان، وما أعده لإرضائهم. ٦-التزام السنة النبوية والعض عليها بالنواجذ، ولو مع قلة المعاون علماً وفهماً وعملاً ودعوة. ٧-كثرة سؤال الله والتضرع إليه بالثبات على دينه، حسن العاقبة وسؤاله الهداية وحسن العمل وقبوله والاستزادة من الخير، والانطراح بين يديه لاسيما في الأوقات الفاضلة المستجابة. المخالفون في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه: وهم طوائف، ولربما توحد قولهم في هذه المسألة لكن اختلفت بينهم حقيقته، ومنهم: ١-المرجئة فقالوا الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واعتبروا زيادته في الآيات والأحاديث تجدد أمثاله (١) . ٢-الوعيدية من الخوارج والمعتزلة: فقالوا الإيمان يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتبعض فنقصه ذهابه كله. أما تجويزهم زيادته فمن جهة اختلاف الناس في وجوب التكاليف في وقت وحال دون أخرى (٢) .

стр. 33

والحق كما سبق أن الإيمان يزيد بالطاعات حتى يكتمل، وينقص بالمعاصي والذنوب حتى يزول بالمكفر منها. * والمروي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه: وعن غيره من الفقهاء من أتباع التابعين، فإن الإمام مالك في رواية عنه أنه لم يوافق في إطلاق النقصان على الإيمان. فإنه في رواية محمد بن القاسم عنه توقف في النقصان ولم يقل به.. ووافقه على ذلك جماعة من الفقهاء، لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن ولم يجدوا ذكر النقص. وبعض السلف ﵏ عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل، فقال: أقول الإيمان يتفاضل ويتفاوت. ويروى هذا عن عبد الله بن المبارك (١) ، كما يروى عنه موافقة الجمهور من السلف بالقول بزيادته ونقصانه كما حكاه عنه النووي (٢) . هذا وقد وجّه العلماء وأجابوا عن قول الإمام مالك السابق في التوقف بالنقصان بعدة أجوبة منها: ١-أن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به. وهذا جواب قاله الشيخ ابن تيمية عن مالك ومن وافقه ﵏. ٢-توقف مالك بالنقصان لئلا يكون شكاً مخرجاً عن اسم الإيمان. ٣-أو لئلا يتأول القول بالنقصان على قول الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون بها عن الإيمان. وهذان الجوابان حكاهما النووي في شرحه لمسلم. ٤-ربما كان قوله ذلك قديماً، رجح عنه بعد ذلك ولاسيما بعد تأمله لحال المرجئة وبدعتهم، لما عُرف عنه بعدُ من ردِّه عليهم، وإنكاره عليهم كما أنكر على حماد بن أبي حنيفة وغيره منهم.

стр. 34

٥-وربما هو وَهْمٌ من ناقليه، لما يعرض للمدرس في درسه من التوقف في مسائل، لا لعدم الجواب فيها عنده، وإنما لزيادة تأمل فيها ونظر وبحث، أو لعارض يعرض له في خاطره يسترسل معه.. ونحو ذلك. * والقول الراجح عن مالك في ذلك: وعلى كل حال فإن الاحتمالات متطرقة للرواية التي توقف فيها مالك عن القول بنقصان الإيمان، وهي رواية محمد بن القاسم. كيف وقد روى جمهور أصحابه روايات أخرى صرح فيها الإمام مالك بزيادة الإيمان ونقصانه، كما في رواية عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وعبد الله بن وهب، ومعمر بن عيسى، وعبد الله بن نافع (١) . فعلى هذه الروايات الكثيرة عنه العمل، وهي موافقه لما يرد على الأولى من الاحتمال والتأويل؛ لما فيها من ثبوت النقصان في الإيمان عنه ﵀. قال شيخ الإسلام في الأوسط: ((... وهذه إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه، كقول سائرهم (يعني الأئمة) : أنه يزيد وينقص)) اهـ (٢) . * * * مسألة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان: وهي أصل آخر إليه يرجع الاختلاف في هذه المسألة، أعني مسألة الإيمان. فإن من لم يفرق بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان لم يتصور اجتماع الثواب والعقاب، والطاعة والمعصية، والحسنة والسيئة، والسنة والبدعة في الشخص الواحد.

стр. 35

وفي هذا يقول الشيخ ابن تيمية في ((العقيدة الواسطية)) عن أهل السنة والجماعة: ((ولا يسلبون الفاسق المليَّ اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مَّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كاَنَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مَّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] . وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إَنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذاَ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذاَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا﴾ [الأنفال:٢] . وقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) . ويقولون: ((هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرة. فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم)) اهـ. فإن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، الذى تناول فعل المأمور واجتناب المحذور والمحظور. أما مطلق الإيمان، فهذا يشمل الإيمان الكامل، والإيمان الناقص الذي صاحَبَه ذنبٌ كَبُرَ أو صَغُر دون الكفر أو الشرك النافي لأصل الإيمان، فهو الحد الأدنى من الإيمان، وهو القدر الذي يخلص به من الكفر. فمطلق الإيمان، هو ما بقى فيه أصل الإيمان، وثبت لصاحبه اسم الإيمان، وصح نسبة الإيمان إليه ولو لم يكمله. * * * حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء:

стр. 36

وهو خلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء الذين قالوا ((إن الإيمان قول وتصديق)) ، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان كما هو المشهور عن الإمام أبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان وأتباعهما – وهم الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء أو مرجئة الكوفة أو مرجئة العراق. فقد ظن بعض العلماء أن النزاع بين جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، اختلاف صوري لفظي، كما ذكره شارح الطحاوية فيها، وقبله أبو حامد الغزالي (١) ، وهذا القول فيه وجه حق سيأتي إن شاء الله. في حين يرى البعض أن الاختلاف حقيقي وليس لفظياً كما قال به الألوسي محمود وعبيد الله المباركفوري (٢) وغيرهما، وهذا أيضاً له وجهه. * وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف ههنا فجمع بين القولين فجعله نزاعاً لفظياً في كثير من مسائله، وحقيقاً مؤثراً في بعض منها. قال ﵀ في شرح الأصفهانية: ((.. وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يُعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة)) (٣) . وحصر هذا النزاع في موطن آخر بكونه من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد فقال في الإيمان: ((.. إنه لم يكفر أحد من السلف مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظيٌّ، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب)) اهـ (٤) .

стр. 37

وقال في الإيمان الأوسط: ((فصل: ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعاً كثيراً منه لفظيٌّ، وكثير منه معنوي. فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء..)) اهـ (١) . هذا وقد حدد الشيخ جوانب النزاع اللفظي بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في بعض الصور لما قال في كتابه الإيمان: ((ومما ينبغي أن يُعرف؛ أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي. وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة: - على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. -ويقولون أيضاَ: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة. -والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار. فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول ﷺ ، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يُخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء)) اهـ (٢) . ولذا فإنك تجد كتب الفقه عند مرجئة الفقهاء مليئة بتقرير الأحكام العملية وترتيب الجزاءات عليها، وهذا مما يستصحب كون النزاع معهم لفظياً؛ إذ لو كان العمل غير واجب لما قرَّروه هذا التقرير في كتب فروعهم، التي هي من أخصب المذاهب الفقهية بسطاً لتلك المسائل.

стр. 38

ولكن من نظر إلى بعض المسائل المترتبة على الخلاف مع مرجئة الفقهاء: -مسائل زيادة الإيمان ونقصانه. -واستواء الناس في أصل الإيمان. -وتحريم الاستثناء في الإيمان مطلقاً، كما تقول مرجئة الفقهاء، يكون الخلاف والحالة هذه حقيقياً (١) . فصح من ذلك أن التحقيق في الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء، منه ما هو خلاف لفظي وصوري كالاختلاف في الأعمال ودخولها في مسمى الإيمان إذ الجميع يوجبها، ويترتب الوعيد على تاركها ويجعله مستحقاً للعقاب، مع القول بعدم تخليد أصحاب الذنوب في النار وتحقق الوعيد المجمل فيهم. ومن نظر إلى المسائل الأخرى وما تنتظم فيها ويترتب عليها من البدع يقرُّ بحقيقة الخلاف.. والله أعلم. هذا وثمة مسائل أخرى مهمة لها ارتباط وثيق بمسألة الإيمان. ١-كمسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان. ٢-ومسألة الخلاف في مرتكب الكبيرة. ٣-ومسألة الاستثناء في الإيمان. - تناولتها في التعليق على الكتاب بما أغنى عن إعادتها وتكرارها هنا. * * * الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم الحمد لله، هذا البحث في الحقيقة هو نتيجة البحث في الإيمان من حيث مسماه وتعريفه، وأركانه وزيادته ونقصانه، بل وعلاقته بالإسلام في حالي الاجتماع والافتراق. وبين يدي ذلك أمهد بتمهيد إجمالي حول معنى الإيمان عند أهل السنة ومخالفيهم كما وصف شيخ الإسلام ابن تيمية قولهم في الإيمان في ((العقيدة الواسطية)) بأنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. * فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بمعصيته وطاعة الشيطان. * أما الإيمان عند الوعيدية من الخوارج الحرورية والمعتزلة: فهو قول وعمل واعتقاد لا يزيد ولا ينقص، بل هو كلٌّ إذا زال بعضه زال جميعه.

стр. 39

ولذا فالخوارج يكفِّرون بالذنب في الدنيا، ويخلدون صاحبه في النار في الآخرة. والمعتزلة لا يجعلون مؤمناً في الدنيا؛ بل إنه في منزلة بين المنزلتين، فهو خرج من الإيمان ولما يدخل إلى الكفر، لكنهم يخلدونه في الآخرة في النار، موافقين في الحكم الأخروي الخوارج. * أما الطرف الآخر فهم المرجئة، وهو على مراتب في انحرافهم في الإيمان والكفر. ١-فغلاتهم، وهم الجهمية، فالإيمان عندهم هو معرفة الله، وبالتالي الكفر هو: الجهل بالله؛ فيكون إبليس وفرعون ونحوهم مؤمنون، وهذا أقبح المذاهب في الإيمان، وهم المرجئة المحضة الخالصة. ٢-والأشاعرة والمتكلمون، الإيمان عندهم هو تصديق القلب. فيكون الكفر هو التكذيب ومازاد عليه كالجحود. ٣-والكرّامية فالإيمان عندهم: قول اللسان. والكفر عندئذ بعدمه! ٤-وأخف طوائف المرجئة: مرجئة الفقهاء، أو مرجئة العراق وهم من قالوا إن الإيمان: قول اللسان وتصديق القلب فقط. فخطؤهم في إخراج العمل من الإيمان. وبين المذهبين الأخيرين قول أبي منصور الماتريدي، وهو رواية عن أبي حنيفة أن قول اللسان ركن زائد، ليس بأصلي، والأصلي اعتقاد القلب فقط! فلابد لك- أيها القارئ- من فهم قول أهل السنة وقول مخالفيهم حقاً لتحذره وتسلم منه قولاً وعملاً وقصداً. أهمية الموضوع:

стр. 40

١-وأهمية البحث في موضوع الكفر وبيانه تكمن في وجوب الحذر منه والبعد عنه، فهو علامة شقاوة العبد في الدنيا والآخرة. وهو أيضاً أعظم الذنوب والآثام وأشدها خطراً وأعظمها وقعاً وأثراً وهو أخوف ما يخافه ويحذره المؤمنون، وفي ذلك نصوص من الوحيين كثيرة جداً منها قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخِاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥] . وفي سورة النساء يقول : ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالآً بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦] . ويقول سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨] . ٢-ومن أهمية موضوع الكفر أن عاقبته في الآخرة خلود صاحبه في النار، ودوام عذاب جهنم عليه فيها أبداً، حيث نصَّ الله على ذلك الخلود المؤبد لهم في عذابه في ثلاثة مواضع من كتابه المنزل: * أولها في آخر سورة النساء، حيث قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً * ِإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ [النساء: ١٦٧-١٦٩] .
следующие страницы →