- تعالى- من الأشاعرة لم يقولوا به اتّباعًا للنص- كما هي طريقة الراسخين في العلم- بل قالوا به لعجْزالعقل- زَعَمُوا- عن تأويله، فصار المقياس عند القوم: "وما آتاكُمُ العقلُ فخُذوه... "! وكذبوا في تأسيسهم، وتناقضوا في تأصيلهم:
١ - أمّا الكذب في التأسيس:
فلِأنّ العقلَ الصحيح لا يُناقض النصَّ الصحيح؛ وإنّما تقع المناقضة حينما تُعارَض النصوص بالعقول التي يجرّها الهوى، ويُصادَم الوحي بالمناهج الأرضية المحْدَثة تحتَ دعوى التنزيه والتقديس، وهُنا يصدُق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
٢ - وأمّا التناقض في التأصيل:
فيقال: إذا أثبتّم صفة الوجه لله- تعالى- بدعوى أنه لا يمكن للعقل تأويلُها على غير ظاهرها، فكذا يقال في سائر الصفات، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات، وأمّا أن تُثبتوا الشيء وتَنْفُوا نَظيرَه فهذا هو عينُ التناقض.
* وأما الرد على القائلين: إنّ الوجه هو الذات:
وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا: إذْ لا خُصوصَ للوجه في البقاء وعدمِ الهلاك. (١)
* فالردُّ أن يقال:
الاستدلال بهذه الآية على أن الوجه هو الذات استدلالٌ مردود؛ لأنه لو لم يكن لله- تعالى- وجهٌ على الحقيقة لَما جازَ استعمالُ هذا اللفظ في معنى الذات.
стр. 1122
يقول محمد خليل هرَّاس:
"اللفظ الموضوع لمعنًى لا يمكن أن يستعمل في معنًى آخرَ إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه". (١)
* والتوجيه الثاني للآية:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أُريدَ به وجهُه؛ ذلك لأن سياق الآية يدل على ذلك: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾، كأنه يقول: لا تَدْعُ مع الله إلهًا آخرَ فتُشركَ به؛ لأنّ عملك وإشراكك هالكٌ- أي: ضائعٌ سُدًى- إلا ما أخلصتَه لوجه الله، فإنه يَبقى؛ لأن العمل الصالح له ثوابٌ باقٍ لا يَفنى في جنات النعيم. (٢)
*ثم يقال:
تَزعُمون أنّ إثبات الوجه يَلزم منه المُشابَهة والتجسيم وما شابَهَ ذلك؛ وعليهِ فقدْ فسّرتُمُ النصوص الواردة في ذلك بأن الوجه هو الذات، فيقال جَرْيًا على تأصيلكم: إنّ إثبات الذات لله- يَلزم منه مشابهةُ الخالق للمخلوق، فإنْ قلتم: ذاتُه ليست كذات البشر، قيل:
يَلزمكم كذلك أن تثبتوا لله- تعالى- وجهًا ليس كوجْه البشر، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات.
فالقول بنفي الصفات عن الذات هو- في الحقيقة- فرارٌ ممّا يمكن تصوُّره إلى ما يَستحيل تصوُّره عقلًا وشرعًا.
*ثم يقال:
قولكم بإثبات الذات لله- دونَ إثبات الصفات- التي منها: الوجهُ- هو قولٌ في حقيقته يعود عليكم بالبُطلان؛ فالقول بالذات المجرَّدة عن الصفات هو فرْضٌ ذِهني تجريدي لا حقيقةَ له، فإنّ الذات المجرَّدة عن الصفات لا حقيقة لها، ونفْي الصفات يستلزم نفيَ الذات.
فإن قيل:
استعمال الوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وَجْهُ هذا الثوبِ
стр. 1123
جَيِّدٌ: أيْ ذاتُهُ جيِّدةٌ... (١)
فالجواب:
قال ابن القيم:
"يقال لهذا المعطِّل المشبِّه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مُبطلٌ لقولك؛ فإنّ وجْه الحائط: أحدُ جانبَيه، فهو مقابلٌ لدُبُرِهِ، وكَمِثْلِ هذا:
وَجْهُ الكعبة ودُبُرُها، فهو وجهٌ حقيقةً ولكنه بحسب المضاف إليه، فلمّا كان المضاف إليه بناءً كان وجهُهُ مِن جنسه، وكذلك وجْهُ الثوب: أحدُ جانبيه، وهو من جنسه، وكذلك وجهُ النهار: أوّلُه، ولا يقال لجميع النهار. والوجه في اللغة: مستقبلُ كل شيء؛ لأنه أولُ ما يُواجهُ منه، ووجْه الرأي والأمْر: ما يَظْهَرُ أنّه صوابُهُ، وهو في كل محلٍّ بحسب ما يضاف إليه، فإنْ أضيف إلى زمنٍ كان الوجهُ زمنًا، وإن أضيف إلى حيَوانٍ كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] كان وجهُهُ- تعالى- كذلك". (٢)
والقاعدة هنا:
" اتفاق الأسماء لا يَلزم منه اتفاقُ الحقائق والمسمَّيات ".
وأمّا قولُهم: إنّ الوجه هو الثواب- فهو مردودٌ بما يلي:
أولًا: أنه مخالف لظاهر اللفظ؛ فإنّ ظاهر اللفظ أنه وجهٌ لله تعالى وصفةٌ له، وليس هو الثوابَ.
ثانيًا: أنه مخالف لإجماع السلف الذي أثبت الوجه لله- تعالى- على الحقيقة، فلم يقل أحد من الصحابة أو التابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ: إنّ الوجه هو الثواب.
ثالثًا: قد وصف الله- تعالى- وجهَهُ بصفات، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهل يوصف الثواب- وهو مخلوق- بهذه الصفات
стр. 1124
العظيمة؟! وكذلك قوله- ﷺ في حديث الباب: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهل يقال في الثواب: إنّ له نورًا يحرق ما انتهى إليه بصرُ الله- تعالى- من الخلْق؟!
رابعًا: قد ورد في الآثار تعوُّذُ النبي- ﷺ بوجه الله تعالى، ومِثلُ هذا لا يكون إلا بالله- تعالى- وبصفاته.
قال الدارمي:
"أفَيجوزُ- أيُّها المُعارِضُ- أنْ يُتأوَّلَ هذا: "أعوذ بثوابك والأعمالِ التي يُبتغى بها وجهُك وبوجْهِ القِبلة"؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجهِ شيءٍ غير وجه الله تعالى، وبكلماته، لا يستعاذ بوجه مخلوق". (١)
خامسًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقول فِي دُعَائِهِ: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، والشَّوْقَ إلَى لِقائِكَ»، ولم يكن لِيسألَ لذةَ النظر إلى الثواب، ولا يُعرف تسمية ذلك وجهًا لغةً ولا شرعًا ولا عُرْفًا. (٢)
* فإن قيل:
قد أَطْبَقَ علماءُ التفسير على أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أي: رجاءَ ثوابِ الله تعالى،
فالرد أن يقال:
لا يَمتنعُ لغةً أن يُطلَقَ الوجه ويراد به الثواب، ولكنّ هذا لا يمنع أن نُثبت لله- تعالى- صفة الوجه على الحقيقة، وذلك للأدلة الأخرى التي لا تحتمل أيَّ تأويلٍ أو صرْفٍ للّفظ عن ظاهره.
وفارِقٌ بين أن نأتيَ موضعًا من مواضع الصفات فنفسّرَه بحسب السياق مع إثبات أصل الصفة من المواضع الأخرى، وبينَ أن نَعْمِدَ إلى هذا الموضع فنتأخّذَه ذَريعةً لنفي الصفة عن الله تعالى.
* ومن اللوازم الباطلة لإنكار صفة الوجه: إنكار رؤيته سبحانه في الآخرة.
стр. 1125
وهذا اللازم الباطل إنما هو من شُؤْمِ مخالَفة السُّنن، فالبدَع تنادي أخَواتِها؛ فإنّ لازِمَ إنكارِ وجْه الله- إنكارُ أصلٍ آخرَ من أصول أهل السنة، والذي هو رؤية وجه الله- تعالى- في الآخرة.
قال ابن القيم:
"أن الصحابة- ﵃ والتابعين وجميعَ أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرَون وجه ربهم في الجنة... فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن لِلنَّظر عندَه حقيقةٌ، ولا سِيَّما إذا أَنكرَ الوجه والعلوّ؛ فيعودُ النظرُ عنده إلى خيالٍ مجرَّدٍ". (١)
* وهنا سؤال:
هل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] من آيات الصفات؟
*والجواب:
إن هذه الآية واحدةٌ ممّا شغَّب به أهلُ البدع في زعْمهم أنّ السلف يؤوّلون آياتِ الصفات، وجعلوا ذلك ذريعة للخوض بالباطل في تعطيل الصفات الإلهية التي ثبتت لله- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال أبو العباس ابنُ تيمية:
"أمّا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فالمراد بالوجه هنا: القِبلة، أيْ قِبلةُ الله؛ لدلالة السياق على ذلك، فإنّ "أينَ" ظرفُ مكان، و"تُوَلُّوا" معناه: تَستقبلوا؛ فهذه الآية ليست من آيات الصفات، وهذا من المواضع التي قد يقع فيها الغلَط، فيُستدل بالآية على الصفة وهي لا تدل عليها، فالدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يَحُفُّ به من القرائن اللفظيّة والحاليّة؛ ولذلك لا يصح أن يُستدل بمثل هذه الآية على صحة التأويل؛ لأن المعنى هنا دلّ السياقُ عليه،
стр. 1126
وليست هذه الآية من آيات الصفات أصلًا حتى يُستدل بها على صحة التأويل". (١)
* وهنا إشكال:
قد أورد البخاري قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ثم قال: "إِلَّا مُلْكَهُ"، فهل في هذا مخالَفة لقول أهل السنة؟
* والجواب أن يقال:
مما لا شك فيه: أن البخاري ممن يُثبت صفة الوجه لله- ﵎ على الحقيقة، ويدل على ذلك: أنه قد أورد هذه الآية مبوِّبًا لها في صحيحه في كتاب التوحيد- الذي هو مَظِنّة التنصيص على الأمور الاعتقادية- ثم أتبعَها بالحديث «أعوذُ بوجْهكَ».
وأمّا قوله "إلّا مُلكَه" فقد أورده في كتاب التفسير، وذلك عند تفسير سورة القَصص، ومعلومٌ أنه يريد بذلك أنّ هذا مِن تفسيرها الذي تُفسَّرُ به، والذي هو قول أئمّة اللغة والسلف في التفسير.
وهذا منهج يقوم على: تفسير معاني الآيات بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، والمَعرفةِ بأساليب اللغة العربية، وليس ما ذهب إليه المتكلمون، وهو صرفُ اللفظ عن ظاهره إلى معنًى آخر مع عدم إثبات الصفة.
كما أن تأويل الوجه بالمُلك قد ذكره غيرُ واحد من السلف، كما نقله شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في الفتاوى عن طاووس بن كيسانَ، فالبخاري ناقلٌ عن إمام من أئمة السلف، وهذه طريقته.
تَمَّ بحمد الله