فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ ". (١)
قال ابن حجر:
والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسَّد، أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن. (٢)
* لذا يقال هنا:
غاية ما تشبَّث به النفاة في هذا الباب إنما هو مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم، من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كلٌ ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدَّعي على العقل ما يطابق هواه. (٣)
* تنبيهان:
١ - الأول:
غاية ما ورد في صفة الميزان هو ما سبق ذكره، من كونه ذا كفَّتين ولسان، على ما ورد به النص والإجماع، ولا يزاد على ذلك من تفصيلات لم يأتِ بها نص صحيح، كالقول بأنه مخلوق من درة بيضاء، وما شابه ذلك.
قال صديق حسن خان:
وأما ماهية جرمه -أي الميزان - من أي الجوهر، وأنه موجود الآن، أو سيوجد فنمسك عن تعيينه. (٤)
٢ - الثاني:
ما ورد من أدلة في إثبات كفَّتي الميزان، مثل أثر سلمان -رضى الله عنه- وغيره رد على ابن حزم الذي أثبت ميزاناً أقرب ما يكون إلى أصول أهل التفويض، حيث قال:
لم يأتِ عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولا ندري كيف تلك الموازين،
стр. 1087
وأما من قال بما لا يدري أن ذلك الميزان ذو كفتين فإنما قاله قياساً على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسه!! (١)
٢ - الفائدة الثانية: ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:
القول الأول: الذي يوزن هو الشخص نفسه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. (٢)
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مِمَّ تَضْحَكُونَ؟
قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ". (٣)
* الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال:
وهو قول جمهور المفسرين، وقال به ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما. (٤)
стр. 1088
ويدل عليه ما يلي:
١ - ظاهر قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)) (القارعة: ٦)
٢ - حديث الباب: وفيه أن البطاقة التي كتب فيه شهادة أنه " لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله" قد ثقلت في الميزان.
قال مرعي الحنبلي:
نثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال، وعلى هذا فكيف يثقل وزن هذه الصحف؟ فهل العبرة في الوزن تفاوت أجرام الصحف، أو بالكتابة التي فيها؟
وعلى كلا التقديرين، فمشكل بحديث البطاقة، فسبحان العالم بكل شيء. (١)
* والراجح -والله أعلم- أن الذي يوزن هو الصحائف والأعمال نفسها والأشخاص، وأما أدلة وزن الصحائف والمرء نفسه فقد ذكرناها، وأما أدلة وزن الأعمال نفسها فنذكر منها:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول اللهِ ﷺ :
«كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ». (٢)
٢ - وروى أَبو الدَّرْدَاءِ-﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن ". (٣)
٣ - وعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ". (٤)
стр. 1089
*وهنا سؤال يطرح نفسه:
ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم ؟
* والجواب على ذلك من وجوه:
١ - الأول:
ظهور سنة الابتلاء في باب الغيبيات، فيعلم من يؤمن بالميزان، رغم كونه لم يره، ممن هو منه في شك. فقد سقط في هذا الاختبار فئام من العقلانيين والمتكلمين الذين اتخذوا منهج التعطيل والتحريف سبيلاً دون التسليم والإثبات، فبئس للظالمين بدلاً.
٢ - الثاني:
أن يزداد المرء يقيناً أن الله -تعالى- لم يظلمه شيئاً، وذلك حين يبصر الإنسان أعماله التى أقر بها توضع في كفَّة الميزان، وهذا المعنى هو ما سطرَّه قوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)) (الأنبياء: ٤٧)
قال الطبري:
فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله -تعالى- عن الميزان، وخبر رسوله ﷺ عنه وِجْهَته، وقال: أوَ بالله -تعالى-حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده؟
قيل له:
وزن ذلك نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) [سورة الجاثية: ٢٨ - ٢٩] الآية.
فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. (١)
стр. 1090
قال أبو العز الحنفي:
ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة، كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقّال والفوَّال!!
وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله -تعالى- لهم يوم القيامة وزناً.
ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه؟! (١)
* أقول:
ومهما تبارى العلماء في بيان الحِكَم التي من أجلها تنصب الموازين يوم القيامة، فغاية أقوالهم هي اجتهادات بنيت على إعمال النظر، فهي تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى الحكمة الإلهية من نصب الموازين في علم الله عزوجل، (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)، عَلِمها من عَلِمها وجهلها من جهلها، مع اليقين الجازم أنه الله -تعالى- لا يفعل إلا لحكمة "سبحانك ربنا وسعت كل شيء حكمة وعلماً".
* ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: " أحكام الموازنة يوم القيامة":
وهنا نذكر مسألتين: " الأولى: تعيين أصحاب الأعراف، الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر "
١ - أما المسألة الأولى: تعيين أصحاب الأعراف:
فقد ورد في تعيينهم أقوال كثيرة، تقرب من أربعة وعشرين قولاً، نذكر من أهمها ما يلي: (٢)
стр. 1091
١ - القول الأول: هم مساكين أهل الجنة:
وينسب هذا القول لابن مسعود وكعب الأحبار، وذكره ابن وهب عن ابن عباس ﵁.
وقد روى الطبري عن ابن عباس-﵂ قال:
"الأعراف"، سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له: "الحياة"، فأُلقوا فيه، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال:
تمنَّوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمَّون "مساكين الجنة ". (١)
* ولكن يردُّ هذا الوجه:
أن سنده لم يثبت مرفوعاً ولا موقوفاً، بل أخرجه أصحاب التفاسير بسند صحيح من قول عبد الله بن الحارث، وهو تابعي لا يعوّل عليه في مثل هذه المسائل الغيبية.
كما أن أهل الجنة ليس فيهم مساكين، بل الذي ثبت على خلاف ذلك، فقد قال تعالى عن أهل الجنة من قولهم (الحمدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)) (فاطر: ٣٤ - ٣٥)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ». (٢)
٢ - القول الثاني:
أنهم الشهداء، وهذا القول عزاه الشوكاني إلى القشيري. (٣)
٣ - القول الثالث:
أنهم قوم كانوا قد قُتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا،
стр. 1092
فتعاَدل عقوقهم واستشهادهم، قاله شرحبيل بن سعد؛ لما روى أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ، -عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ؟ فَقَالَ:
" قَوْمٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمْ عُصَاةٌ لِآبَائِهِمْ، فَمَنَعَتْهُمُ الشَّهَادَةُ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ، ومَنَعَتْهُمُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى سُوَرٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى تَذُوبَ شُحُومُهُمْ وتَذْبُلَ لُحُومُهُمْ، حَتَّى يَفْرُغَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ تَغَمَّدَهُمْ بِرَحْمَةِ مِنْهُ، فَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ ". (١)
* ولكن هنا يقال:
أما القول الثاني فلا دليل عليه، وأما القول الثالث فالحديث الوارد فيه لا يصح.
٤ - القول الرابع:
أنهم رجال من ملائكة موكَّلون بهذا السور الذي بين الجنة والنار، يميِّزون بين المؤمنين والكافرين قبل إدخالهم الجنة والنار.
وهذا القول قال به أبو مجلز لاحق بن حميد، وقد صحح ابن كثير صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز. (٢)
*ويجاب عن ذلك من وجوه:
١ - الوجه الأول: ما نص عليه ابن كثير بقوله:
" وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق ". (٣)
وإنما عدَّه غريباً عنه لتسميته الملائكة رجالاً، وهم لا يوصفون بذكورة ولا
стр. 1093
أنوثة، ولقد نعى الله -تعالى- على المشركين الذين زعموا أن الملائكة إناثاً، فقد قال تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)) (الزحرف: ١٩)
٢ - الوجه الثاني:
إخباره تعالى عن أصحاب الأعراف أنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له، ولا عذاب يومئذٍ على ملَك. (١)
٤ - القول الخامس:
أنهم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجُعلوا هناك إلى أن يقضي الله -تعالى- فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.
ويعزى هذا القول إلى ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس رضى الله عنهم، وقال به الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير وابن القيم، وهو قول جمهور العلماء. (٢)
قال حُذَيْفَةَ ﵁:
" أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ، قَالَ: «قُومُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". (٣)
وقال ابن عباس ﵁:
أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم. (٤)
قال ابن كثير:
اختلفت عبارات المفسِّرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها
стр. 1094
قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود ﵃، وغير واحد من السلف والخلف، ﵏. (١)
قال ابن القيم:
الثابت عن الصحابة ﵃ هو القول بأن أصحاب الأعراف هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله-تعالى- ومراده منه. (٢)
*وأما القول الخامس:
فإن غاية ما فيه هو أقوال موقوفة، وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين، والثانى هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ -ما لم نعلم أنه قاله. * ومما يُضعف هذا القول أنّ من توسَّط في العلم والعمل ليس لهم أي ميّزة حتّى يهنّئ ويسلّم على أصحاب الجنة، ويندّد ويوبّخ أصحاب النار، والعلم عند الله.
*والراجح - والله أعلم - أن أمر تعيين أصحاب الأعراف من الصعوبة بمكان؛ ذلك أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة صفتهم على سبيل التحديد، وعليه فلم يثبت في الباب ما يكون قاطعاً للنزاع والخلاف.
وأما استنباطات العلماء، فهي تفتقر إلى دليل صحيح، بغض النظر عن كون تلك الأقوال المنسوبة إلى قائليها تصح نسبتها إليهم أم لا.
وإذا علم هذا فإنه لم يبق لنا من مستند إلا ما جاء في القرآن، فنثبت ما أثبته في حقهم ولا نتعداه، فإن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا مجال للجزم برأي فيها دون نص ثابت عن رسول الله ﷺ . (٣)
стр. 1095
قال القرطبي:
نقف عن التعيين؛ لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. (١)
*ومعلوم أن قاعدة شيح المفسِّرين الإمام الطبري أنه إذا اختلف في تفسير آية وللصحابة ﵃ فيها قول ولمن بعدهم قول، فإنه يؤخذ بمذهب الصحابة ﵃، إلا أنه لما ذكر تفسيرهم لأهل الأعراف فقد توقَّف فيهم، وهذا موجبه أنه لم يصح عند ابن جرير شيء من هذه الروايات عن الصحابة ﵃.
*أضف إلى ذلك أن الذي في الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، ولكنَّ الإيمان بالشئ المجمل لا يستلزم العلم به مفصَّلاً، بل مرد ذلك إلى عدل الله -تعالى- ورحمته وحكمته. ... * المسألة الثانية: حكم من مات على الشرك الأصغر:
اختلف العلماء فيمن مات على الشرك الأصغر دون توبة منه:
هل يكون هذا الشرك الأصغر داخلاً تحت المشيئة الواردة في قوله تعالى (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فيكون مثله في ذلك كمثل من مات مصرَّاً على كبيرة من الكبائر مثلاً؟
أم يقال أن الشرك الأصغر داخل تحت قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ)، فلابد وأن يدخل في الموازنة، وإن كان مآل صاحبه إلى الجنة، وبهذا يفترق عن الشرك الأكبر.
فالكل متفق على أنَّ صاحب الشرك الأصغر لا يُخلَّد في النار، وإنما موطن النزاع:
هل هو تحت المشيئة، فيقال قد يُغفر له فلا يدخل النار أصلاً، أم أنه لا بد وأن يُعاقب صاحبه جزماً؟
قولان لأهل العلم:
١ - القول الأول:
أن من مات على الشرك الأصغر دون توبة منه لا يكون داخلاً تحت المشيئة، بل لابد وأن يدخل في الموازنة.
ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
стр. 1096
لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: ٤٨)
وجه الاستدلال من الآية:
أن قوله: "لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ":
(يُشركَ) فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، فأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، هذا المصدر إن قدَّرناه نكرة صار (إشراكاً به)، كانت هذه النكرة في سياق النفي المتقدِّم في قوله ﴿لا يغفر﴾، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما هو مقرر في بابه من علم الأصول، فيكون تقدير الكلام: " إن الله لا يغفر أيّ إشراكٍ به "، فيدخل الشرك الأصغر في هذا العموم، وعليه يستحق صاحبه العذاب، فلا تشمله المشيئة التي في آخر الآية.
قالوا:
فهذا يدل على أن الشرك الذي نفت الآية مغفرته هو الشرك الأكبر والأصغر، لكن مع الفرق في المآل، فصاحب الشرك الأكبر مخلَّد في النار، وأما صاحب الشرك الأصغر فهو داخلٌ في الموازنة، ثم مآله إلى الجنة.
*ومعنى الموازنة:
١ - أن من غلبت حسانته على سيئاته فإنه لا يعذَّب على الشرك الأصغر، بل ينقص من حسناته بقدر ما يمحى به هذا الشرك فيدخل الجنة، وهذا لا بد فيه من حسنات عظام حتى ترجح حسانته على سيئاته، والتي فيها شرك أصغر.
٢ - وأما إن غلبت سيئاته، والتي فيها الشرك الأصغر، ولم تفِ الحسنات لتكفير هذا الشرك الأصغر، فلا بد أن يعذَّب على هذا الشرك، ثم يكون مآله إلى الجنة خالداً فيها، بعد وقوع التطهير له بالعذاب، فالجنة لا تدخلها إلا النفس المؤمنة الطاهرة من شوائب الشرك كما جاء في الخبر. والله اعلم.
* ومن أدلة السنة:
١ - ما رواه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟، فَقَالَ:
" مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا
стр. 1097
دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ". (١)
ووجه الدلالة ظاهر في قوله ﷺ : " منْ مات يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا":
فهي من أعم العمومات، وهي نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق؛ أي أنَّ مطلق الشرك يوجب دخول النار، فيدخل فيه الأصغر.
٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
... «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». (٢)
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأعظم الذنوب عند الله -تعالى- الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي. (٣)
ويقول بعبارة أصرح من السابقة:
" وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك -أي الأصغر- يموت مسلماً، لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة ". (٤)
٢ - القول الثاني:
أن صاحب الشرك الأصغر يدخل تحت المشيئة؛ ويكون تأويل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) (النساء: ٤٨)، أن قوله "أن يشرك": المكوّن من أن والفعل المضارع، فتقوم هي والفعل الوارد بعدها مقام المصدر من حيث المعنى، ويقدَّر معرفةً (الإشراك به)، فينصرف لفظ الإشراك إلى الشرك المعهود ذكره في القرآن وهو الأكبر فتكون (ال) للعهد
стр. 1098
الذكري، وعليه يكون الشرك الذي نص عليه في الآية بأنه لا يُغفر هو الشرك الأكبر، ويبقى الشرك الأصغر داخلاً تحت عموم المشيئة.
* يؤيده:
أننا وجدنا بالاستقراء أنّ الشرك الوارد في أكثر النصوص عند الإطلاق يراد بالشرك فيها الشرك الأكبر، دون الأصغر، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)) (الزمر: ٦٥)، وقال تعالى (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: ٧٢)
فهذه مواطن لا يراد بها الشرك الأصغر بالإجماع؛ لأن حبوط العمل وتحريم دخول الجنة إنما يكون لمن مات على الشرك الأكبر.
* يؤيده:
أنّا وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في كثير من الأحكام؛ منها:
١ - أنّ الشرك الأكبر يُخرج من الملة، أمّا الشرك الأصغر فلا يخرج من الملة.
٢ - أنّ الشرك الأكبر موجِب للخلود في النار لمن مات عليه، أمّا الشرك الأصغر فليس موجباً للخلود في النار لمن مات عليه، حتى لو دخل النار فإنه يُخرَج منها.
٣ - أنّ الشرك الأكبر لا يدخل تحت الموازنة، فمن مات على الشرك الأكبر فليس له عمل صالح حتى يدخل تحت الموازنة، بخلاف الشرك الأصغر فإنه يدخل تحت الموازنة بالاتفاق، حتى الذين يقولون إنه لا يُغفر ولا يدخل تحت المشيئة يقولون يوضَع في الميزان.
*إذن وجدنا أنّ الشرك الأصغر يخالف الشرك الأكبر في أكثر أحكامه، ولم تبق إلا هذه المسألة، وهي مسألة محتمِلة بالنسبة للآية؛ فلأن تُلحَق ببقية المسائل أولى من أن تلحق بالشرك الأكبر في
مسألة واحدة.
*وهذا هو الراجح، والله أعلم، ويجاب عن أدلة القول الأول من وجوه:
١ - الوجه الأول:
أنَّ آيتي (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) وردتا في سياق الكلام
стр. 1099
على أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، وهؤلاء شركهم أكبر، فناسب أن يكون الحديث في عدم المغفرة عن الشرك الأكبر، لا الأصغر.
٢ - الوجه الثاني:
لو تنزَّلنا أن قوله تعالى (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) دالٌ على عموم نوعيّ الشرك، فهذا من العام الذي أريد به الخصوص، فيكون المراد بهذا العموم خصوص الشرك الأكبر دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر، فإنه داخل تحت المشيئة.
* وأما الجواب على ما استدلوا به من قوله ﷺ :
"من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار "
فيقال: لا يلزم منه الجزم بدخول صاحب الشرك الأصغر النار، وإلا للزم مثله في قوله ﷺ :
"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ". (١)
فوعيد الله -تعالى- بإدخال النار أقواماً هو من حيث العموم لا الأعيان؛ والله -تعالى- يُنجز وعده، وأما وعيده فإنْ شاء أنجزه، وإنْ شاء تركه.
* ثم يقال:
ومما يرجّح دخول الشرك الأصغر تحت المشيئة أن يصدر من خواص الأمة؛ إذ لا يسلم منه غالبًا إلاَّ من عصمه الله تعالى، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لذا فالقول بعدم دخوله تحت المشيئة مما يوقع عموم الأمة في الحرج الشديد.
* ثم يقال:
إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكر تفصيلاً آخر، فقد قال:
والشرك نوعان: أكبر وأصغر: فمَنْ خلص منهما وجبت له الجنة، ومَنْ مات على الشرك الأكبر وجبت له النار، ومَنْ خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة، ومَنْ خلص من الشرك الأكبر ولكن كبُرَ شركه
стр. 1100
الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار.
فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر، أو كان كثيراً أصغر؛ فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر - الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات - فصاحبه ناجٍ، ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة. (١)
فواضح من كلامه -رحمه الله تعالى- أنَّ الشرك الأصغر منه الكثير الذي إنْ رجحت به السيئات دخل صاحبه النار، وإن كان يسيراً وكانت حسنة التوحيد بإخلاص وصدق وعبودية ورجحت حسناته دخل الجنة؛ فالمغفرة وعدمها مبنية على رجحان الحسنات أو السيئات، ويؤثر في ذلك كثرة الشرك الأصغر أو قلته.
ويقول ابن القيم:
فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلَّظة ونجاسة مُخَفَّفَة، فالمغلَّظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى، فإن الله -تعالى- لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء. (٢)
وقال: "الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ". (٣)
* تنبيه مهم:
المسألة وإن كانت خلافية بين أهل السنة، فإن هذا يوجب الخوف من الشرك على جميع أقسامه، كبيره وصغيره، فيخشى المرء أن يقع في الشرك الأصغر من حيث لا يدري، كيسير الرياء والحلف بغير الله، إن لم يقصد قائله تعظيم غير الله -تعالى- كتعظيم الله تعالى، أو تعليق التمائم، وقول الرجل "ما شاء الله وشئتَ"، وكذلك نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية، وغير ذلك. (٤)
стр. 1101
وإذا كان الخليل الأول الذي هدَّم الأصنام على روؤس أصحابها يخشى الفتنة على نفسه فيدعو ربه قائلاً ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فمن يأمن الفتنة بعد إبراهيم ﵇؟!
* وختاماً: فقد طاشت السجلات:
ترى يا صاحب البطاقة حدِّثنا: أيُ إخلاصٍ هذا الذي وافيتَ به ربك عزوجل، أي يقينٍ، أي صدقٍ في شهادتك حتى تطيح بهذه السجلات الذي بلغت تسعة وتسعين سجلاًّ، مائة إلا واحداً؟!
ما الذي وقرَّ في قلبك حتى يرجح عند ربك؟!
فكم من أناس وافوا ربهم بالشهادة، ولكنَّ سيئاتهم قد رجحت فدخلوا النار، حتى أدركتهم شفاعة الشافعين.
قال أبو العباس ابن تيمية عن صاحب البطاقة:
فهذه حال من قالها -أي الشهادتين- بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم، كما ترجَّح قول صاحب البطاقة. (١)
وقال ﵀:
فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتاً عظيماً، ومثل هذا الحديث الذي في حديث: المرأة البغيّ التي سقت كلباً فغفر الله -تعالى- لها؛ فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة. (٢)
قال ابن رجب:
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه،
стр. 1102
أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيماً وإجلالًا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات. (١)
تم بحمد الله.
стр. 1103
الحديث الأربعون
مِسك الخِتام بشرح حديث
«إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ»
стр. 1104
* نَصّ حديث الباب:
عَنْ أَبِي مُوسَى- ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:
«إِنَّ اللهَ- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ- وَفِي رِوَايَةٍ: «النَّارُ» - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (١٧٩) كتاب الإيمان، باب في قوله- ﵇:
«إن الله لا ينام»، وفي قوله: «حجابه النور».
* أهمّ الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
١ - الفائدة الأولى:
قوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ...»:
فذكرَ صفة من الصفات التي ينزَّه اللهُ ﵎ عنها، وهي النوم، فهو سبحانه منزَّه عن ذلك؛ لكمال حياته وقيّوميّته، كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالنوم مُحالٌ عليه- تعالى-؛ لأن النوم موتٌ، كما قال تعالى:
... ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁ قَالَ:
"كَانَ النَّبِيُّ- ﷺ إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ". (١)
стр. 1105
وصفات النقص المنفية عن الله- مِثل النوم والوَلَد واللُّغوب والظلم ونحو ذلك- لِأهل السنة فيها قاعدة معروفة، هي أن: "نفْي صفات النقص عن الله - تعالى- لا يكون كمالًا إلا مع إثبات كمال الضِّدّ"، فالنفي المَحْض ـ الذي لا يتضمن معنىً ثبوتيًّا ـ ليس مدحًا، فقد يُنفى الظلم- مثلًاـ عن الشخص لا لعدله، وإنما لعجزه وضعفه عن فِعله.
*ومن النظائر التي تدل على هذا المعنى، الذي هو نفْي النقص عن الله -تعالى- مع إثبات كمال الضد:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
٢ - قوله- ﷺ يرفعُه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا». (١)
فقوله- تعالى-: «وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» بعد إخباره عن تحريم الظلم على نفسه قد أظهر أنه- تعالى- إنما تركَ إيقاع الظلم وتقديرَه ليس لعجزه عنه سبحانه، بل لِما في الظلم من القُبْح والسوء.
* وكذلك قوله ﷺ في حديث الباب:
«ولَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» بعد نفيه للنوم عنه سبحانه- دلَّ أنه لا يفعله؛ لكمال حياته وقيّوميّته؛ فهو متضمِّن لنفي النقص، الذي هو النوم، مع إثبات كمال الضد، وهو كمال الحياة والقَيّوميّة.
والرب- ﵎ حيٌّ حياةً كاملةً لم يسبقها عَدَمٌ، ولا يعتريها نقصٌ، ولا يَعقُبها فَناءٌ؛ حياةً أزَليةً أبَديةً، أيْ لا يزال حيًّا، ثم هي حياةٌ أيضًا كاملةٌ لا يعتريها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.
стр. 1106
فهو سبحانه الحي القيّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، وهاتان الصفتان ذاتيتان لله سبحانه، وثابتتان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
*من أدلة القرآن:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،
وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
*ومن أدلة السنة:
عَنْ أَبِي يَسَارٍ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ" غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». (١)
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
"كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ". (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"فَنَفْيُ أخذ السِّنة والنوم له- مستلزمٌ لكمال حياته وقيوميته؛ فإنَّ النوم ينافي القيومية، والنوم أخو الموت؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون". (٣)
قال حافظ الحكمي:
"فالله- لا ينام؛ فإن ذلك نقْص في حياته وقيوميته؛ ولهذا أَرْدَفَ هذين الاسمين بنفْي السِّنة والنوم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا
стр. 1107
تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،
أي: لا تَغلِبه سِنة- وهو الوَسَن والنُّعاس- ولا نومٌ، ونفْيُهُ من باب أولى لأنه أقوى من السِّنة، بل هو قائمٌ على كل نفس بما كسبتْ، شهيد على كل شيء، ولا يَغيب عنه شيء، ولا تَخفى عليه خافيةٌ". (١)
* وقَوله ﷺ : «وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ...»:
فقوله: «لا ينبغي» هذه تقال عند الاستحالة والتبعيد، ونظير ذلك:
ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]،
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
* الفائدة الثانية:
قوله ﷺ : «يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ»:
والمعنى: أنه سبحانه يخفض المِيزان ويرفعه. وسُمِّي الميزان قِسْطًا؛ لأن القسطَ العدلُ، وبالميزان يقع العدل.
والمراد أن الله - تعالى- يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، وما يوزن من أرزاقهم النازلة.
وقيل: المراد بالقسطِ الرزقُ الذي هو قسط كل مخلوق، يخفضه فيُقتره، ويرفعه فيوسعه، والله أعلم. (٢)
* وأما قوله ﷺ : «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ...»:
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]،
وهذا ما ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ،
стр. 1108
فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ:
تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». (١)
* الفائدة الثالثة:
قوله ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ- وَفِي رِوَايَة: «النَّارُ» - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»:
وقوله ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ...»:
قد ورد ذكر الحجاب في عِدّة نصوصٍ، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]،
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (٢)
وعن صُهَيْبٍ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ:
أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ- ». (٣)
* وقوله ﷺ في حديث الباب: «سُبُحَاتُ وَجْهِهِ»:
بضم السين والباء: جمع "سُبُحة" بضمّهما أيضًا، وهي النور والجَلال، وما في معناها من نُعوت الكمال والبهاء والكبرياء، وكل هذا من صفات وجه الله تعالى.
والمعنى: أن هذا الحجاب الذي هو النور أو النار- وهو حجاب حقيقي- هو
стр. 1109
الذي يحُول بين جلال وجه الله- تعالى- وبهائه ونُوره وبين خلْقه، فلو كشف هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه- ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبَصَرُهُ ينتهي إلى جميعِ مَنْ خَلَقَ.
قال ابن القيم:
"فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السُّبُحات لَاحترقَ العالَمُ العُلْوي والسُّفْلي، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟! ". (١)
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
"لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ- ﷺ فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟»
فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
«مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سِتْرٌ». (٢)
قال ابن عمر ﵄:
"احتجَبَ الله مِن خَلْقه بأربعٍ: بنارٍ، وظُلمةٍ، ونورٍ، وظُلمةٍ". (٣)
قال الدارمي:
"إنما نقول: احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته وسلطانه، ولو قدَّر كشْفها لأحرق نورُ الرب وجلاؤه كلَّ ما أدركه بصرُه، وبصرُه مُدرِك كلّ شيء، كما أنه حين تجلَّى لذلك الجبل خاصّةً مِن بين الجبال، ولو تجلَّى لجميع جبال الأرض لصارت كلها دَكًّا كما صار جبل موسى، ولو تجلَّى لموسى كما تجلَّى للجبل جعَلَه دَكًّا، وإنما خرَّ موسى صَعِقًا مِمّا هاله من الجبل؛ مِمّا رأى مِن صوته حين دُكَّ فصار في الأرض". (٤)
* فرع:
يَظهر مما سبق أن أهل السنة قالوا بظاهر النص، فأثبتوا الحجاب الذي يحُول بين
стр. 1110
نور وجه الله- تعالى- وبين خلْقه.
وقد خالف في ذلك دُعاةُ التنزيه، فقالوا:
١ - إن الله يَسْتحيلُ عليه أن يحيط به حجاب؛ إذ يَلزم منه أن يكون مقدَّرًا محصورًا، فيحتاج إلى مقدِّر ومخصِّص، ويَلزم منه حُدوثُه!!
٢ - وإن الحجاب ليس على حقيقته، بل المراد أن الله - تعالى- لا يَخلق في العينِ الرؤيةَ له سبحانه.
٣ - وإن المراد بالحجاب المنصوصِ عليه في الآثار حجابٌ معنوي، وليس حجابًا حسّيًّا. (١)
*فالجواب الإجمالي أن يقال:
لا شك في بُطلان هذه المَزاعم؛ فالحجاب الذي ورد في حديث الباب هو من الغيبيات التي لا مَجال لنفيها بناءً على مقدِّمات باطلة، ودعاوَى ساقطةٍ.
فكم جَنَتْ حَبائلُ التنزيه المزعوم على نصوص الوحي، فأوْدت بها في غَيابات التعطيل!
فأهل السنة عَمِلوا بالآثار، فأثبتوا ما جاءت به النصوص، وأمّا النفاة فقد ضاقت فُهومُهم ولم يرفعوا لها رأسًا، فشَتّانَ بينَ أفهامٍ تاهت في بئرٍ معطَّلة، وأخرى تَحيا في قَصْرٍ مَشيد.
*ومن حيث التفصيلُ يقال: إن الحجاب يأتى في اللغة على معنيينِ:
١ - حجاب معنوي:
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
فالحجاب ها هُنا حجاب معنوي مستور عن الأعيُن،
стр. 1111
ساتر للنبي ﷺ فلا ينظرون إليه.
وكما حكى الله -تعالى- عن المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، أيْ: حاجبٌ وحاجزٌ، لا يصل كلامك إلينا ولا نستمع إليه ولا نفْقهه.
٢ - حجاب حِسّي:
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والحجاب الذي احتجب الله- تعالى- به عن خلْقه هو حجاب حسي حقيقي، والذي جعلَنا نَحمله على ذلك أمورٌ:
الأول:
أنه ثبت في الحديث قوله: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ- » (١)، وكشْف الشيء: إزالته ورفْعه، وهذا لا يوصف به المعدوم؛ فإنه لا يُزال ولا يُرفع، وإنما الذي يُزال ويُرفع: الموجود.
الثاني:
قوله ﷺ في حديث الباب: «حِجَابُهُ النُّورُ»، وَفِي رِوَايَة: «النَّارُ»؛ فذِكر رواية «النارُ» قد دل على أنه حجاب حسّي حقيقي.
الثالث:
قول النبي ﷺ لمّا سُئل: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ نُورًا» (٢)، والمراد بالنور الذي رآه النبي ﷺ ليلة المِعراج هو نور الحجاب، فلو كان هذا الحجاب معنويًّا- كما يدَّعي النُّفاة- لَما كان له نُورٌ يُرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"فقول القائل: "فهم محجوبون عنه بحجاب يَخلُقه
стр. 1112
فيهم، وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم" كلام باطل، وفي الحديث الصحيح: «حجابه النور»، وفي الرواية الأخرى: «النارُ»، ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمَّى نورًا ولا نارًا، لا حقيقةً ولا مجازًا". (١)
٤ - الفائدة الرابعة:
قوله ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ...»:
وهذا الحجاب الذي هو نور- وفي رواية: نار- هو حجاب بين العباد وربهم، يحول بينهم وبين رؤية الله ، وأمّا العكسُ فغيرُ مُرادٍ قطعًا؛ فإن الله- ﵎ لا يَحجُبه شيء عن رؤية خلقه، ومن المعلوم أنّ بصر الله- تعالى - لا يحجُبه شيء، ولا يُمكن أن يستتر عن بصره شيءٌ، وأمّا هو سبحانه فقد احتجب عن خلقه بالنور وبالكبرياء، وبما شاء من الحُجُب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"قال النبي ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ- أَو: النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهي حُجُب تَحْجُبُ العباد عن الإدراك، وأمّا حجْبها لله عن أن يَرى ويُدرِك فهذا لا يقوله مسلمٌ؛ فإنّ الله لا يخفى عليه مثقالُ ذرّةٍ في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دَبيب النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة السوداء، ولكن يَحجُبُ أن تصل أنوارُه إلى مخلوقاته؛ كما قال ﷺ :
«لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»،
فالبصر يدرك الخلْقَ كلهم، وأمّا السُّبُحات فهي محجوبة بحجابه النُّور
أوالنار". (٢)
٥ - الفائدة الخامسة:
حديث الباب أحد الأدلة على نفْي رؤية الخلق لله- تعالى- في الدنيا حالَ اليَقَظة:
فقوله ﷺ : «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ...» قد أظهر العلة من عدم حدوث هذه الرؤية البصَرية في الحياة الدنيا، وهي كونُ البَشَر لا يُطيقون ذلك.
стр. 1113
قال القرطبي:
"ومعنى الكلام: أن الله - تعالى - لو كشف عن خلْقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لَما أطاقوا رؤيته وَلَهَلَكُوا؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
ويفيد أنّ تركيبَ الخلق وضعْفَهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم الله- تعالى- للبقاء وقوّاهم حَمَلُوا ذلك". (١)
فالرؤية عند أهل السنة لا تكون في الدنيا ولا في البَرْزخ، وإنما هي يومَ القيامة بقوةٍ يجعلها الله- جلّ وعلا- في أعيُن المؤمنين.
* وأمّا أدلة عدم وقوع رؤية الله- تعالى- بالبصر في الدنيا:
فمن القرآن:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
فلو كانت رؤيته- ممكِنة لَحَصلتْ لِلكَلِيمِ موسى ﵇، وهو الذي اصطفاه الله - تعالى- على الناس برسالاته وبكلامه.
* ومن السنة: عن عَبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ- ﵄ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ- حَتَّى يَمُوتَ». (٢)
* والإجماع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاقِ سلف الأمة أنه لا يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا بِعَينه". (٣)
стр. 1114
* يؤيده:
لو كانت رؤيته تعالى في الدنيا ممكنة لَحصلتْ لِخير الخلق أجمعينَ، محمدٍ ﷺ ؛ فقد سُئل: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ، أَنَّى أَرَاهُ»، وفي رواية: «رَأَيْتُ نُورًا». (١)
فالمعنى:
أن الذي حالَ بين النبي ﷺ ورؤيةِ وجه الله تعالى هو ذلك النور العظيم، وهو نور الحجاب، وهو نورٌ مخلوقٌ، وهو المراد في قوله ﷺ : «رَأَيْتُ نُورًا»، وليس المراد هنا أن هذا النورَ هو نورُ وجه الله تعالى، ولو كان هذا الحجاب هو النور الذي هو صِفَتُهُ سبحانه لَكانَ النبيُّ- ﷺ قد رأى ربه.
فهذا كله صريح في نفي الرؤية البصرية، إنما كانت رؤيته لربه ليلةَ المعراج رؤيةً قلبية، والله أعلم.
* ومما يؤيد عدمَ الرؤية البصرية ليلةَ المعراج:
١ - أنّ قوله ﷺ : «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ- حَتَّى يَمُوتَ» (٢) يشمل النبيَّ- ﷺ وغيرَه.
٢ - لو كانت رؤية النبي ﷺ لربه -تعالى- ليلةَ المعراج رؤيةً بصرية لَما سكتَ الشرعُ عن ذِكرها بالتنصيص؛ فهي- لا شكَّ- مَنْقَبةٌ عظيمة لا يَسكتُ الشرع عن التصريح بمثلها.
٣ - قال ابْنُ عَبَّاسٍ- ﵄:
قَالَ تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: "رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ"، وفي رواية قَالَ: "رَآهُ بِقَلْبِهِ". (٣)
стр. 1115
وقال- ﵄:
"أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ- ﵇، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى- ﵇، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ- ﷺ ؟ ". (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وأمّا الرؤية فالذي ثبتَ في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، وعائشة أنكرت الرؤية؛ فمن الناس من جمعَ بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد.
والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلَقة ومقيَّدة بالفؤاد؛ تارةً يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد".
ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.
وكذلك الإمام أحمد تارةً يُطْلِق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد:
إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه؛ لكنّ طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلَق ففهِموا منه رؤية العين، كما سمع بعضُ الناس مطلق كلام ابن عباس ففهِم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبتَ ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ؛ كما في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ- ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال:
«نورٌ، أنَّى أراهُ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَرَاهُ نَفْسَهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ قوله:
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وَلَوْ كَانَ رَآهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى. (٢)
قال ابن حجَر بعد ذكر الخلاف في رؤية النبي لربه ليلةَ المعراج:
"فيمكن الجمع بين
стр. 1116
إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يُحملَ نفيُها على رؤية البصر، وإثباتُه على رؤية القلب". (١)
* وقوله ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»:
قد تضمنت هذه العبارة نوعين من النور:
١ - الأول:
النور الذي هو صفة وجه الله- تعالى-، والوارد في قوله- ﷺ : «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ...».
٢ - الثاني:
النور المخلوق، وهو نور الحجاب، وهو المراد في قوله ﷺ ليلةَ المِعراج: «رأيتُ نُورًا».
٦ - الفائدة السادسة:
من الأسماء الحسنى الثابتة لله- تعالى-: اسم النور؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
قال الطبري:
"هادي مَن في السماوات والأرض، فَهُمْ بنوره إلى الحق يهتدون، وبهُداهُ مِن حَيْرة الضلالة يعتصمون". (٢)
قال السِّعْدي:
"النور: نور السموات والأرض، الذي نوَّر قلوبَ العارفين بمعرفته والإيمانِ به، ونوَّرَ أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض بالأنوار التي وضَعها". (٣)
وعن ابْن عَبَّاسٍ- ﵄ قَالَ:
"كَانَ النَّبِيُّ- ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ
стр. 1117
وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ... ". (١)
قال ابن القيم:
"النور: جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقّتْه الأمّة بالقَبول، وأثبتوه في أسمائه الحسنى، ولم ينكره أحدٌ من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة". (٢)
٧ - الفائدة السابعة:
إثبات صفة الوجه لله:
و"الوجه" معناه في اللغة معلوم، لكنّ كيفيته مجهولة، لا نعلم كيفَ وجْه الله ، لكننا نؤمن بأنّ له وجهًا، وردَ في الشرعِ وصْفُه بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والنور العظيم.
فمن أدلة القرآن:
قال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،
وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
قال ابن العثيمين:
"وقوله "ذُو" صفةٌ لـ "وَجْهُ"، والدليل: الرفعُ، ولو كانت صفةً للرَّبِّ لَقالَ: "ذِي الجِلالِ"، كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، فلمّا قال: ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ علِمنا أنه وصفٌ للوجه". (٣)
*ومن أدلة السنة:
-عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ:
«أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَيْسَرُ». (٤)
стр. 1118
وقَوله ﷺ : «أعوذ بوجهك» فيه إثبات الوجه لله ؛ فقد ورد ذكره في مقام الاستعاذة به، والاستعاذة لا تكون بمخلوق.
-وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ : «إِنَّ اللهَ- تعالى- أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا- ﵇ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فقال منها: ... وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ». (١)
-وعن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ- ﵁ قال:
"كَانَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ يَدْعُو فيقولُ: اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ". (٢)
* الإجماع:
قال ابن خُزيمة:
"فنحن وجميعُ علمائنا مِن أهل الحجاز وتهامةَ واليمَن والعراق والشام ومصرَ مذهبُنا: أنّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نُقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدّق ذلك بقلوبنا، مِن غيرِ أن نشبِّه وجهَ خالقنا بوجهِ أحدٍ من المخلوقين. عزَّ ربُّنا عن أن يُشْبِهَ المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مَقالة المعطّلينَ". (٣)
قال أبو الحسَن الأشعري:
"فمن سألَنا فقال: أتقولون: إنّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل له: نقول ذلك، خِلافًا لِما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ". (٤)
стр. 1119
* المخالفون في هذا الباب:
صفة "الوجْه" من صفات الذات الثابتة لله تعالى بنصوص الكتاب والسنة، ودلالتُها عليها في غاية الصراحة والوضوح، ولذلك لم يجد بعضُ المؤوِّلة سبيلًا إلى تأويلها:
*فالمعتزلة:
قالوا: وجْه الله هو ذاته، لا غير.
ومنهم من يثبت الوجه توسُّعًا، وليس على سبيل إضافة صفة إلى موصوف. (١)
قال القاضي عبد الجبّار:
"وقد يُذكر الوجْه ويراد به ذات الله، وقد يقول القائل لغيره، وقد سألَه حاجةً: أُحِبُّ أن تفعل ذلك لوجه الله، أيْ تقرُّبًا إلى الله". (٢)
*وأما الأشاعرة- وهم من رُوَّاد منهج التأويل-:
فقد خالفوا إمامهم أبا الحسن الأشعريَّ، فعطَّلوا صفة الوجه، وحرَّفوا نصوصها بأنواع من التأويلات، مع أن بعضهم يُصرِّح بأنّه لا سبيل إلى تأويل هذه الصفة، كما يقول ابن فُورَك الذي تصدَّى لتأويل أحاديث الصفات على مقتضَى العقل، يقول عن صفة الوجه:
"اعلمْ أنّ إطلاق وصْف الله بأنّ له وجهًا- قد وردَ به نصّ الكتاب والسنة، وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا من جهة النقل... وذهب أصحابنا إلى أن الله- ذو وجهٍ، وأن الوجه صفة من الصفات القائمة به". (٣)
وكذلك قد نقلَ شيخ الإسلام ابن تيمية عن القاضي الباقلّاني إثباتَه لصفة الوجه على الحقيقة، قال شيخ الإسلام:
"وقال القاضي أبو بكرٍ الباقلّانيُّ، وهو أفضل المتكلمين
стр. 1120
المنتسبين إلى الأشعريّ، في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال:
فما الدليل على أنّ لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فأثبتَ لنفسه وجهًا ويدًا.
فإن قال: فلمَ أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحةً إذ كنتم لا تَعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحةً؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذ لم نعقل حيًّا عالِمًا قادرًا إلا جِسمًا أن نَقضيَ نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه". (١)
في حين أنه قد ذهب جماعة آخرون من أئمة الأشاعرة إلى صرْف هذه النصوص عن دلالتها بتأويلها عن ظاهر معناها، كما فعل البَغدادي والآمِدِيّ اللّذينِ أوَّلا الوجهَ بالذات. (٢)
*الرد على المخالف:
لا شكَّ في أن منهج التأويل منهج ضالّ، وذلك لجنايته على العقيدة الإسلامية الصحيحة التي نهَجها أئمة السلف الذين أثبتوا ما أثبته الله- تعالى- لنفسه وأثبته له رسوله- ﷺ ، فأثبتوا صفة الوجه صفةً لله- تعالى- على ما يليق بجلاله وعظمته، ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
* أمّا الفريق الأول من الأشاعرة الذين أثبتوا لله - تعالى- الوجه:
فانظرْ كيف يتلاعبُ فسادُ المنهج بأصحابه! حيث ترى أنّ من أثبت الوجه لله
стр. 1121
- تعالى- من الأشاعرة لم يقولوا به اتّباعًا للنص- كما هي طريقة الراسخين في العلم- بل قالوا به لعجْزالعقل- زَعَمُوا- عن تأويله، فصار المقياس عند القوم: "وما آتاكُمُ العقلُ فخُذوه... "! وكذبوا في تأسيسهم، وتناقضوا في تأصيلهم:
١ - أمّا الكذب في التأسيس:
فلِأنّ العقلَ الصحيح لا يُناقض النصَّ الصحيح؛ وإنّما تقع المناقضة حينما تُعارَض النصوص بالعقول التي يجرّها الهوى، ويُصادَم الوحي بالمناهج الأرضية المحْدَثة تحتَ دعوى التنزيه والتقديس، وهُنا يصدُق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
٢ - وأمّا التناقض في التأصيل:
فيقال: إذا أثبتّم صفة الوجه لله- تعالى- بدعوى أنه لا يمكن للعقل تأويلُها على غير ظاهرها، فكذا يقال في سائر الصفات، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات، وأمّا أن تُثبتوا الشيء وتَنْفُوا نَظيرَه فهذا هو عينُ التناقض.
* وأما الرد على القائلين: إنّ الوجه هو الذات:
وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا: إذْ لا خُصوصَ للوجه في البقاء وعدمِ الهلاك. (١)
* فالردُّ أن يقال:
الاستدلال بهذه الآية على أن الوجه هو الذات استدلالٌ مردود؛ لأنه لو لم يكن لله- تعالى- وجهٌ على الحقيقة لَما جازَ استعمالُ هذا اللفظ في معنى الذات.
стр. 1122
يقول محمد خليل هرَّاس:
"اللفظ الموضوع لمعنًى لا يمكن أن يستعمل في معنًى آخرَ إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه". (١)
* والتوجيه الثاني للآية:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أُريدَ به وجهُه؛ ذلك لأن سياق الآية يدل على ذلك: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾، كأنه يقول: لا تَدْعُ مع الله إلهًا آخرَ فتُشركَ به؛ لأنّ عملك وإشراكك هالكٌ- أي: ضائعٌ سُدًى- إلا ما أخلصتَه لوجه الله، فإنه يَبقى؛ لأن العمل الصالح له ثوابٌ باقٍ لا يَفنى في جنات النعيم. (٢)
*ثم يقال:
تَزعُمون أنّ إثبات الوجه يَلزم منه المُشابَهة والتجسيم وما شابَهَ ذلك؛ وعليهِ فقدْ فسّرتُمُ النصوص الواردة في ذلك بأن الوجه هو الذات، فيقال جَرْيًا على تأصيلكم: إنّ إثبات الذات لله- يَلزم منه مشابهةُ الخالق للمخلوق، فإنْ قلتم: ذاتُه ليست كذات البشر، قيل:
يَلزمكم كذلك أن تثبتوا لله- تعالى- وجهًا ليس كوجْه البشر، فالقول في بعض الصفات كالقول في سائر الصفات.
فالقول بنفي الصفات عن الذات هو- في الحقيقة- فرارٌ ممّا يمكن تصوُّره إلى ما يَستحيل تصوُّره عقلًا وشرعًا.
*ثم يقال:
قولكم بإثبات الذات لله- دونَ إثبات الصفات- التي منها: الوجهُ- هو قولٌ في حقيقته يعود عليكم بالبُطلان؛ فالقول بالذات المجرَّدة عن الصفات هو فرْضٌ ذِهني تجريدي لا حقيقةَ له، فإنّ الذات المجرَّدة عن الصفات لا حقيقة لها، ونفْي الصفات يستلزم نفيَ الذات.
فإن قيل:
استعمال الوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وَجْهُ هذا الثوبِ
стр. 1123
جَيِّدٌ: أيْ ذاتُهُ جيِّدةٌ... (١)
فالجواب:
قال ابن القيم:
"يقال لهذا المعطِّل المشبِّه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مُبطلٌ لقولك؛ فإنّ وجْه الحائط: أحدُ جانبَيه، فهو مقابلٌ لدُبُرِهِ، وكَمِثْلِ هذا:
وَجْهُ الكعبة ودُبُرُها، فهو وجهٌ حقيقةً ولكنه بحسب المضاف إليه، فلمّا كان المضاف إليه بناءً كان وجهُهُ مِن جنسه، وكذلك وجْهُ الثوب: أحدُ جانبيه، وهو من جنسه، وكذلك وجهُ النهار: أوّلُه، ولا يقال لجميع النهار. والوجه في اللغة: مستقبلُ كل شيء؛ لأنه أولُ ما يُواجهُ منه، ووجْه الرأي والأمْر: ما يَظْهَرُ أنّه صوابُهُ، وهو في كل محلٍّ بحسب ما يضاف إليه، فإنْ أضيف إلى زمنٍ كان الوجهُ زمنًا، وإن أضيف إلى حيَوانٍ كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] كان وجهُهُ- تعالى- كذلك". (٢)
والقاعدة هنا:
" اتفاق الأسماء لا يَلزم منه اتفاقُ الحقائق والمسمَّيات ".
وأمّا قولُهم: إنّ الوجه هو الثواب- فهو مردودٌ بما يلي:
أولًا: أنه مخالف لظاهر اللفظ؛ فإنّ ظاهر اللفظ أنه وجهٌ لله تعالى وصفةٌ له، وليس هو الثوابَ.
ثانيًا: أنه مخالف لإجماع السلف الذي أثبت الوجه لله- تعالى- على الحقيقة، فلم يقل أحد من الصحابة أو التابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ: إنّ الوجه هو الثواب.
ثالثًا: قد وصف الله- تعالى- وجهَهُ بصفات، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهل يوصف الثواب- وهو مخلوق- بهذه الصفات
стр. 1124
العظيمة؟! وكذلك قوله- ﷺ في حديث الباب: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهل يقال في الثواب: إنّ له نورًا يحرق ما انتهى إليه بصرُ الله- تعالى- من الخلْق؟!
رابعًا: قد ورد في الآثار تعوُّذُ النبي- ﷺ بوجه الله تعالى، ومِثلُ هذا لا يكون إلا بالله- تعالى- وبصفاته.
قال الدارمي:
"أفَيجوزُ- أيُّها المُعارِضُ- أنْ يُتأوَّلَ هذا: "أعوذ بثوابك والأعمالِ التي يُبتغى بها وجهُك وبوجْهِ القِبلة"؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجهِ شيءٍ غير وجه الله تعالى، وبكلماته، لا يستعاذ بوجه مخلوق". (١)
خامسًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقول فِي دُعَائِهِ: «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، والشَّوْقَ إلَى لِقائِكَ»، ولم يكن لِيسألَ لذةَ النظر إلى الثواب، ولا يُعرف تسمية ذلك وجهًا لغةً ولا شرعًا ولا عُرْفًا. (٢)
* فإن قيل:
قد أَطْبَقَ علماءُ التفسير على أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أي: رجاءَ ثوابِ الله تعالى،
فالرد أن يقال:
لا يَمتنعُ لغةً أن يُطلَقَ الوجه ويراد به الثواب، ولكنّ هذا لا يمنع أن نُثبت لله- تعالى- صفة الوجه على الحقيقة، وذلك للأدلة الأخرى التي لا تحتمل أيَّ تأويلٍ أو صرْفٍ للّفظ عن ظاهره.
وفارِقٌ بين أن نأتيَ موضعًا من مواضع الصفات فنفسّرَه بحسب السياق مع إثبات أصل الصفة من المواضع الأخرى، وبينَ أن نَعْمِدَ إلى هذا الموضع فنتأخّذَه ذَريعةً لنفي الصفة عن الله تعالى.
* ومن اللوازم الباطلة لإنكار صفة الوجه: إنكار رؤيته سبحانه في الآخرة.
стр. 1125
وهذا اللازم الباطل إنما هو من شُؤْمِ مخالَفة السُّنن، فالبدَع تنادي أخَواتِها؛ فإنّ لازِمَ إنكارِ وجْه الله- إنكارُ أصلٍ آخرَ من أصول أهل السنة، والذي هو رؤية وجه الله- تعالى- في الآخرة.
قال ابن القيم:
"أن الصحابة- ﵃ والتابعين وجميعَ أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرَون وجه ربهم في الجنة... فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن لِلنَّظر عندَه حقيقةٌ، ولا سِيَّما إذا أَنكرَ الوجه والعلوّ؛ فيعودُ النظرُ عنده إلى خيالٍ مجرَّدٍ". (١)
* وهنا سؤال:
هل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] من آيات الصفات؟
*والجواب:
إن هذه الآية واحدةٌ ممّا شغَّب به أهلُ البدع في زعْمهم أنّ السلف يؤوّلون آياتِ الصفات، وجعلوا ذلك ذريعة للخوض بالباطل في تعطيل الصفات الإلهية التي ثبتت لله- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال أبو العباس ابنُ تيمية:
"أمّا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فالمراد بالوجه هنا: القِبلة، أيْ قِبلةُ الله؛ لدلالة السياق على ذلك، فإنّ "أينَ" ظرفُ مكان، و"تُوَلُّوا" معناه: تَستقبلوا؛ فهذه الآية ليست من آيات الصفات، وهذا من المواضع التي قد يقع فيها الغلَط، فيُستدل بالآية على الصفة وهي لا تدل عليها، فالدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يَحُفُّ به من القرائن اللفظيّة والحاليّة؛ ولذلك لا يصح أن يُستدل بمثل هذه الآية على صحة التأويل؛ لأن المعنى هنا دلّ السياقُ عليه،