بالقمر، لكن دُونَ مماثَلةٍ.
فتبيَّنَ أنه: لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثِلاً له من كل وجهٍ، ولا يلزم أن يكون على مَثيل صورة القمر.
** وقال شيخ الإسلام في ردِّه على الرازيّ في تأويله للحديث:
"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاعٌ في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مُستفيضٌ من طُرُقٍ متعدِّدة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك، وهو أيضاً مذكور فيما عندَ أهل الكِتابَيْنِ، حتى ظهرَ الجهميةُ، فزعموا نسبة الهاء لآدم ﵇ تنزيهاً لله عن صفة الصورة". (١)
* لما سئل الإمام أحمد عن حديث الصورة، وهل الهاء تعود إلى غير الله ؟
قال: "مَن قال ذلك فهو جهميّ، وأيُّ صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟! ". (٢)
**قال ابن قُتيبة: "والذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجبَ من اليدينِ والأصابعِ والعينِ، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها، ووقعت الوَحْشةُ من هذه لأنها لم تأتِ في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيّةٍ ولا حَدٍّ". (٣)
تنبيه:
قد ذهب الجهمية والمعتزِلة إلى نفي الصورة عن الله بدعوى نفْي المماثَلة والمشابَهة بين الله -تعالى- وخلْقه...
قال القاضي عبد الجبار -وهو يعرِّض بأهل السنة-:
"ثم حَدَثَ قومٌ من المشبِّهة
стр. 142
زعموا أن الله -تعالى- على صورة الإنسان، ورَوَوْا فيه خبراً، وهو «إنّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته»، ولو كان الله -تعالى- على صورةِ آدمَ لَما صَحَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ". (١)
*ونَفْيُهم هذا بيِّنُ البُطْلانِ مِن وُجوهٍ:
١ - الأول:
من ينظر في كتب الأئمة التي ألّفوها لبيان صفات الله يجدُ أن أكثرَهم أوردَ فيها أحاديث الصورة:
فقد أوردها ابن أبي عاصم في [السّنّة]، والآجريّ في [الشريعة]، واللالَكائيّ في [شرح اعتقاد أهل السنة]، والدارَقُطني في [الصفات]، وعبد الله ابن الإمام أحمد في [السّنّة].
ولا معنى لإيرادهم هذه الأحاديث إلا إثباتهم لمدلولها، وهو:
(١) أن الله -تعالى- يوصف بأن له صورةً ليست كالصُّوَر.
(٢) وأن آدم ﵇ خُلق على صورة الرحمن ؛ إذ ليس في هذه الأحاديث مما يتعلق بصفات الله إلا هذين المدلولينِ، وهم أئمة ناقدون بصيرون متبوعون، فلو كان لهم فيها رأيٌ أو قول يخالف مدلولها أو شكٌّ في صحتها لَبيَّنُوه. (٢)
٢ - الثاني:
وأما قولهم: "ولو كان الله -تعالى- على صورة آدم-﵇ لعارض ذلك قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] "
فالرد عليه أن يقال:
إنكم لم تعرفوا من الإثبات إلا ما كان لازمه التشبيه والتمثيل، فنظرتم لأدلة الصفات نظرةً قاصرةً، وأما أهل السنة فهم أسعد الناس بالأخذ عن الله -تعالى- وعن رسوله ﷺ ، فقد أعملوا أدلة الصفات، فأثبتوها لله تعالى، وأعملوا أدلة التنزيه، فجعلوا الصفات الإلهية ثابتة لله -تعالى- على ما يليق به، فلا سَمِيَّ له، ولا كُفُؤَ له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
стр. 143
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ثم إنكم ترمون غيركم بما هم في حِلٍّ منه؛ فإن أهل السنة إذْ يثبتون الصورة لله ما كيّفُوها بكيفٍ، ولا شبَّهوها بغيرٍ؛ لأن مثل هذه الفروع التي هي التشبيه والتكييف إنما تُبنى على أصل لم يتحقق وجودُه، وهو رؤية الله تعالى.
*فرع:
هناك رواية صحيحة تَحْسِمُ هذا النزاع، رواية يرويها ابن أبي عاصمٍ في كتاب [السّنّة]، ورواها الحاكم، ورواها الآجري في [الشريعة]، هذه الرواية: «إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ». (١)
стр. 144
*تنبيه مهم:
ما يُروى عن الإمام مالك ﵀ من كراهته التحديثَ بأحاديث الصورة، فالجواب عليه مِن وُجوهٍ:
١ - أن الإسناد إليه في ذلك فيه مَقالٌ، فهو مرويّ عن مِقدامِ بنِ داودَ، وقد تكلم بعض الأئمة في هذا الراوي.
٢ - أن الإمام مالكاً لم يَبْلُغْه حديثُ الصورة.
قال الذهبيّ: "أنكر الإمام ذلك؛ لأنه لم يثبُت عندَه ولا اتّصلَ به، فهو معذورٌ". (١)
٣ - أنّ الإمام مالك -على تقدير أنه ثَبَتَ عنه النهي عن التحديث بحديث الصورة- لعلَّه كان يخشى أن يكون في التحديث بذلك فتنةٌ لبعض الناس، فيشبّهوا اللهَ بخلقه، أو يتأولوا الحديثَ بما يوافق أقوال الجهمية.
وهذا الذي رجحه ابن عبد البَرّ، حيث قال: "وإنما كَرِهَ ذلك مالكٌ خشيةَ الخوض في التشبيه بكيفٍ هاهُنا". (٢)
وقد قال ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما أنتَ بمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنةً". (٣)
قال ابن قُدامةَ:
"ومِن أجْل ذلك فقد صحَّ عن عمرَ بن الخطاب ﵁ أنْ عاقَبَ صبيغ العراقيّ لأجْل سؤاله عن المتشابه".
وقد قيل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، إنّا لَقِينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهُمَّ أَمْكِنِّي منه. قال: فبَيْنَما عُمَرُ ﵁ ذاتَ يوم يغدي الناس إذْ جاءه عليه ثياب وعِمامة، فتغدى حتى إذا فَرَغَ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً *
стр. 145
فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾
[الذاريات: ١ - ٢]، فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه، فحَسَرَ عن ذراعيه، فلم يَزَلْ يَجلِده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفسي بيده، لو وجدتك محلوقاً لَضربتُ رأسك، أَلْبِسوه ثيابَه، واحْمِلُوه على قتب، ثم أَخْرِجوه حتّى تَقْدُموا به بلادَه، ثُمَّ لْيَقُمْ خطيبٌ، ثمَّ لْيَقُلْ:
إنّ صبيغاً طلبَ العلمَ فأخطأَ، فلم يَزَلْ وضيعاً في قومه حتى هَلَكَ وكان سيّدَ قومِه. وهو ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه مالك. (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"الشيء قد يُمنع سماعُه لبعض الجُهّال وإنْ كان متفَقاً عليه بين علماء المسلمين". (٢)
** ولكنّ القول ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وأما إنْ قيل: إنّ مالكاً كرِه التحدُّثَ بذلك مُطلَقاً فَهَذَا مَرْدُودٌ على مَن قالَه؛ فقدْ حدَّثَ بهذه الأحاديثِ مَن هم أجلُّ مِن مالكٍ عند نفسه وعند المسلمين، كعبد الله بن عمرَ، وأبي هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبي رَباحٍ، وقد حدَّثَ بها نظراؤه، كسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، وابن عُيينة؛ والثوريُّ أعلمُ من مالكٍ بالحديث، وأحفظه له". (٣)
*فرع: معنى الصورة:
الصورة في اللغة: الشكل، والهيئة، والحقيقة، والصفة، فكل موجود لا بد أن يكون له صورة.
قال ابن الأَثير: "الصُّورة تَرِد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى مَعْنَى: حقيقة
стр. 146
الشيء وهيئته، وعلى معنى: صفته". (١)
فأهل السنة قد أثبتوا صفة الصورة لله على ظاهرها، وقالوا بمعناها على مقتضاها في لغة العرب، فالصورة في اللغة غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وإنما لم يتعرَّضِ السَّلَفُ للكلام عن الكيف لأنّ الكَيْف مجهولٌ.
** أما ما نُقل عن بعض الأئمة من القول بتفويض معنى الصورة -كالنووي، والذهبي (٢) - فهو خلاف ما ثبت عن جماهير السلف: فالصورة ليست حروفاً لا يُعلم معانيها كما يقال -مثلاً -في الحروف المقطَّعة "الم" أو "عسق"، بل الصورة في اللغة معلومة.
وأما المفوِّضة فقد جعلوا الصفات -ومنها صفةُ الصورة- من حيث المعنى: كالحروف المقطَّعة.
*وقد نصَّ الإمام الآجريّ على صحيح قول جماهير السلف في صفة الصورة، فقال:
"هذه من السُّنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تُستقبل بالتسليم والتصديق وترْك النظر، كما قال مَن تقدَّمَ من أئمة المسلمين". اهـ. (٣)
стр. 147
وهنا سؤال: إذا كان هذا هو القول الراجح، فما تأويل الحديث؟
*والجواب:
أن الله -تعالى- خلق آدم ﵇ على صورته، أي: على صورة الله ، ولكن ليست الصورة كالصورة، فلله -تعالى- صورة، وله وجه، وله يد، وله عين... ، والله خلق آدم على صورته، ولكن ليست اليد كاليد، وليست العين كالعين، وليس الوجه كالوجه، والقاعدة هنا أنّ التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمَّى.
*ومثاله:
أنني حينما أقول للإنسان يد، وللفيل يد، فهل استلزم من تساوي الاسم وقوع التساوي في المسمَّى؟!
، وحينما أقول: " أمسكت بيد أخي"، فهذا لا يشبه بوجه قولى "أمسكت بيد الإبريق"، فهذه مخلوقات تشابهت بينها الأسماء دون الدلالات، فكيف بالفارق بين الخالق والمخلوق؟!!
* وكذلك مُطلَق المشابَهة لا يستلزم المشابَهة المطلَقة، فوجود مشابَهة بين الله -تعالى- وعباده في
الأسماء لا يستلزم المشابَهة المطلَقة الكاملة فى ذات المسمَّى، فقوله ﷺ :
«خلقَ اللهُ آدمَ على صورته» يقتضي نوعاً من المشابهة، ولا يقتضي تماثلاً في حقيقة ولا قدْر، ومن المعلوم أنّ الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوُت العظيم بين جنس ذاتيهما وقدر ذاتيهما.
** قال ابن عباس ﵄:
" لا يُشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء"، وفي رواية: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماءُ". (١)
وهذا مصداقاً لقوله تعالى عن أهل الجنة (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) (البقرة: ٢٥)﴾، يعني في اللون والمرأى وليس يشبه في الطعم.
فإذا كانت المشابهة بين ما في الدنيا وما في الجنة لا تكون إلا في الأسماء فحسْب،
стр. 148
وهي مخلوقات مِن خلْق الله ؛ فما بالُكَ في الفارق بين الخالق والمخلوق؟!
فالذين يفرّون من حديث الصورة لم يعرفوا مِن إثبات الصفات إلا ما كان لازِمُه التشبيه، ففرُّوا من الإثبات، فوقعوا في التعطيل!
وفي قوله ﷺ : " أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ " (١)، هل معنى ذلك أنهم يدخلون في صورة القمر، لا رؤوس لهم، ولا عيون، ولا مَلامِح؟!
- ٣ ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
إثبات الصورة لله :
وهي صفة ذاتية خبرية لله ، وقد ثبتت بالسنة والإجماع، ومن أدلة ثبوتها:
١ - حديث الباب، وذلك على ما ذكرْنا ورجّحنا أنَّ الهاء تعود إلى الله ، وذلك في قوله ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ»، وما ذكرناه من صحة رواية «على صُورةِ الرَّحْمَنِ».
٢ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ ...» (٢).
قال أبو يَعْلَى: "قوله ﷺ : «رأيتُ ربِّي في أحسنِ صُورةٍ»، هذا فيه جواز إطلاق الصورة على الله تعالى". (٣)
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هَلْ نَرَى ربَّنا يَوْمَ القيامةِ؟ فقال ﵊: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟»، قالوا: لا يا رسول الله... ... ... وفيه:
«يَجْمَعُ الله الناسَ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَن كان
стр. 149
يعبدُ شيئاً فلْيَتَّبِعْهُ، فيَتَّبِعُ مَن كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويتّبعُ مَن كانَ يعبدُ القمرَ القمرَ، ويتّبعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتَبقى هذه الأُمَّة فيها مُنافِقوها، فيأتِيهِمُ اللهُ ﵎ في صُورةٍ غيرِ صورتِه التي يَعْرِفونَ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: نعوذُ بالله منكَ، هذا مَكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عَرَفناه، فيأتِيهِمُ الله - تعالى - في صورته التي يعرفون، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: أنت ربُّنا، فيتّبعونه». (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ "الصورة" في الحديث: كسائر ما وردَ من الأسماء والصفات التي قد يسمَّى المخلوقُ بها على وجه التقييد، وإذا أُطْلِقَتْ على الله اختصّت به، مثل: العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خَلْقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك". (٢)
** قال أبو محمدٍ ابنُ قُتيبةَ:
"والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصُّورة ليست بأعجبَ من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشةُ من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفية ولا حدٍّ". (٣)
* فرع:
وهنا مسألة من الأهمية بمكان:
إن مخالفة إمام من أئمة أهل السنة لجماهير العلماء في إثبات صفةٍ ما: لا يُعَدُّ قَدْحاً في ذلك الإمام، ولا يُخرجه عن كونه من أئمة أهل السنة والجماعة، وإلا فلو أنّ كل عالِمٍ توقَّفَ فيه العلماءُ لِزلّة لَما سَلِمَ لنا عالِم... لذا لا بد هنا من التفريق بين إمام من أئمة السنة نَفَى صفةً عن الله باجتهادٍ قد أَدَّى به إلى ذلكَ لِكَوْنِه رأى هذا الدليلَ بعينه ليس صريحاً في إثبات تلك الصفة، مع كونه متفقاً مع أهل السنة في إثبات سائر الصفات لله ، وبينَ مَن جعلَ نفْي
стр. 150
الصفات كُلِّيَّةً أصلاً يَرْكَنُ إليه، ويطعن -أيضاً- فيمن أثبتَ الصفاتِ الإلهيّةَ، ويَرميه بالتجسيم والتشبيه! (١)
... وتطبيق ذلك:
ما نص عليه العلماء من مخالفة الإمام ابن خُزيمة في تأويله لحديث الصورة تأويلاً قد خالف فيه جماهيرَ السلف لاجتهادٍ منه في ذلك، مع كونه موافقاً لجماهير السلف في أصل إثبات الصفات الإلهية (٢) ...
فقد نص الإمام أحمد ﵀ لَمّا سُئل عن حديث الصورة ومَن يقول فيه:
إن الله خلق آدم على صورته: أي: على صورة آدم، أو على صورة المضروب، أو نحو ذلك؛ قال الإمام أحمد: "هذا قول الجهمية".
стр. 151
ومع هذا فإن إمام الأئمة ابنَ خزيمة ﵀ عَرَضَ له هذا القول، ولم يكن تجهُّماً من ابن خزيمة، ولا يجوز أن يسمى جهمياً، ولا أن يقال: إنّ حُكمه حُكم الجهمية، ولا أن يقال: إنه يُذم بما ذم السلفُ به الجهميةَ... إلى أمثال ذلك.
وإنْ كان قول ابن خزيمة ﵀ ليس من أقوال أهل السنة وإنما دخلَ عليه من أقوال أهل البدع، فإنّ أهل السنة قولُهم في هذا معروف محفوظ. ** وقد اعتذر له الإمام الذهبيّ، فقال: "ولابنِ خزيمةَ عظمةٌ في النفوس، وجلالةٌ في القلوب؛ لِعلمه ودينه واتباعه السنةَ. وكتابه في (التوحيد) مجلَّد كبير، وقد تأوَّلَ في ذلك حديثَ الصورة؛ فلْيَعْذُر مَن تأوَّلَ بعضَ الصفات، وأما السلفُ فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفوَّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله.
ولو أنّ كل مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتّباع الحق- أهدرناه وبدَّعناه، لَقَلَّ مَن يسلَم من الأئمة معنا. رَحِمَ الله الجميع بِمَنِّهِ وكَرَمه! ". (١)
** وقد نقل شيخ الإسلام عن الحافظ أبي موسى المديني فيما جَمَعَه من مناقب الإمام الملقَّب بقِوام السّنّة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التَّيْمِيّ، صاحب كتاب [الترغيب والترهيب]، قال:
"سمعته يقول:
"أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذُ عنه فحسْب.
قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلَّ مِن إمامٍ إلا وله زَلّةٌ، فإذا تُرك ذلك الإمامُ لأجل زَلّته تُرك الكثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعلَ". اهـ. (٢)
قال الشاطبيّ:
"زلة العالم لا يصح اعتمادها، ولا الأخذُ بها تقليداً له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالَفة للشرع، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبُها إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّعَ عليه بها، ولا يُنتقصُ من أجْلها، أو يُعتقدُ فيه الإقدام على المخالفة بَحْتاً؛ فإنّ
стр. 152
هذا كله خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُه في الدِّين". (١)
** قلت:
... مَن أراد شيخاً بلا زَلّة فلا يزال عِلْمُه إلى قِلّة...
* ثم يقال:
وهل يُجْزَمُ بأنّ الإمام ابن خُزيمةَ ﵀ ينفي أصل صفة الصورة عن الله ؟ بل غاية ما في المسألة: أنه رأى أن نَصّاً بعينه ليس دالّاً على إثباتها، مع كون صفة الصورة ثابتة بالأدلة الأخرى.
* ولو تنزلنا وقلنا إنه لا يقول بأصل ثبوتها، فقد أثبتَ ﵀ سائر صفات الرب على طريقة السلف.
وبهذا يتبين لنا أصلٌ من الأهمية بمكان، ألا وهو أن ما وقع من اختلاف بين السلف في مسائل الاعتقاد -على قلّته- إنما هو اختلاف في التطبيق، وليس اختلافاً في التأصيل (٢)، بمعنى: أنهم مع اتفاقهم على أصل إثبات الصفات لله تعالى، قد يختلفون في نصٍّ ما هل هو من نصوص الصفات أم لا.
* الفائدة الأخيرة:
في حديث الباب دلالة واضحة على إبطال نظرية (دَارْوِن) Darwin " " التي نصّت على مسألة تطور الجنس البشري، وأن الإنسان أصله قِرْد.
وهي نظرية كاذبة خاطئة، قد لَفَظَها كثيرٌ من الجامعات في الخارج... فما نصَّتْ عليه هو كلام منكر وباطل، ومخالف لكتاب الله ، ولسُنة رسوله ﵊، ولإجماع سلف الأمة.
وقد اشتَهَرَ هذا القول عن المدعوّ دَارْوِنْ، وهو كاذب فيما قال، بلْ أصلُ الإنسان
стр. 153
هو أصل الإنسان على حاله المعروفة، ليس أصله قرداً، بل أصل الإنسان: آدم ﵇ الذي خلقه الله من تراب كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]،
وقال النَّبِيُّ ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ» (١)
فهو مخلوق من التراب، خلقَه الله -تعالى- على صورته، طوله ستون ذراعاً في السماء، ثم لم يَزَلِ الخلق ينقصُ حتى الآن.
فهو مخلوق على هذه الصفة التي نشاهدها، فأولاده كأبيهم، مخلوقون على خِلقة أبيهم، وليسوا على شكل القِرَدة، بل القِرَدةُ أمّة مستقلة لها خِلْقتها ونشأتها وخصائصها.
قال الشيخ أحمد شاكر:
آيات القرآن الصريحة المتكاثرة، والأحاديث الصحيحة المتواترة كلها قاطعة الدلالة على أن الله -تعالى- خلق آدم على صورته وهيئته التي توارثها عنه أبناؤه إلى اليوم، والتي يتوارثها من سيكون من نسله إلى قيام الساعة.
وهي أدلة صريحة لا تحتمل تأويلاً، ولا تقبل جدلاً في دلالتها.
فمن عجب أن يأتي من ينتسبون إلى الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، فيقبلوا نظرية التطور الإفرنجية، التي يقول داروين وأتباعه وأشباهه يقبلونها ويسلِّمون بها، ويؤمنون إيمانهم بالقطعي من الدين، بل أشد وأوثق.
ثم يتأولون الدلائل القطعية الثبوت والدلالة، من الكتاب والسنة، فيحرفونها عن مواضعها، كما فعل اليهود في دينهم من قبل، ثم لا يستحون أن ينكروا الأحاديث المتواترة المعنى في ذلك.
ثم يدور كلامهم وأدبهم وعلومهم على حساب هذه النظرية التي لم تثبت قط، والتي لا تقوم أمام النقد، والتي تتهافت تهافتاً شديداً.
ثم يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون، ويسمون أنفسهم علماء وهم مقلدون! تعالى الله عمَّا يفترون. (٢)
стр. 154
-ويقول محمد الغزالي:
ومع أن النظرية منقوضة من جوانب كثيرة، ومع أن هناك من علماء الأحياء من رفضها جملة وتفصيلًا، فإن أعداداً من الناس لا تزال تروج لها، بل إن هذه النظرية لا تزال تدرس في بلادنا وكانها حقيقة علمية! والسبب في ذلك أن سدنة المذاهب وسماسرة الإلحاد الزاحف من الشرق والغرب يريدون إقناعنا بأننا من الأرض وحدها تخلقنا، وأن الروح الذي نسمو به ونسود بقية الأحياء لم يجئ من الله!
فهم لا يعترفون به!
إنه ظاهرة أرضية بحتة!
إن آدم اكتسب مكانته وكرامته بعد أن نفخ الله -تعالى- فيه من روحه بهذه النفخة العلوية أضحي كائناً جديراً بأن تسجد له الملائكة.
ولولا هذه النفخة لكنت نوعاً من الأنواع التي تحدث داروين عنها، ولكنت من أسرة متفاوتة الأفراد من زواحف وسباع ومن طيور وأنعام!! (١)
** وعليه فالأظهرُ -والله أعلم- أنّ من قال بهذه النظرية الكاذبة -بعد علمه بما جاء به الشرعُ- يكون كافراً؛ لأنه مكذِّب لله -تعالى -ورسوله صلى اله عليه وسلم، مكذِّب للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
** ويؤيِّده:
لو كان الأمر كما قال صاحب تلك النظرية لَما جعل الله -تعالى- مَسْخَ مَن تحايَلَ على شرعِهِ عقوبةً رادعةً، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
تم بحمد الله
стр. 155
الحديث السادس: المنهاج في شرح حديث الاحتجاج
стр. 156
* نَصُّ حديث الباب::
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،
قَالَ مُوسَى:
أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ،
فَقَالَ آدَمُ:
أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيّاً، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَاماً، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»،
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
... تخريح الحديث:
رواه البخاري (٦٦١٤) بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ، ومسلم (٢٦٥٢) بَابُ: حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى ﵉. واللفظ لمسلمٍ.
* الفوائد المهمة في حديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: كيفية وقوع المناظرة بين آدم وموسى ﵉:
في مطلع الحديث يقول النبي ﷺ :
«احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا...»، وقد يقع سؤال يتبادر إلى الذهن، وهو:
كيف وقعت هذه المناظرة بين موسى وآدم
стр. 157
-﵉؟
** نقول أوّلاً: هذا السؤال في كيفية وقوع المناظرة لا بد أن يسبقه أمر مهم، وهو أننا نسلّم بما جاء عن الله على مراد الله، ونسلّم بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ ، وذلك على طريقة الراسخين في العلم، قال - تَعالَى -: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، بلا خوضٍ في الغيب.
** ثانياً: اختلف العلماء في كيفية وقوع هذه المناظرة على أوجُهٍ:
* الوجه الأول:
قيل: إن هذه المناظرة وقعت بين رُوحَيْهِما في السماء:
وقال بذلك: أبو الحسن القابسي، وابن عبد البَرّ.
وهذا لا يَبعُد، خاصّةً أنه ورد في رواية مسلم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا...»، وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله: "بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَىُ عِنْدَ اللَّهِ»، وبناءً على هذا الوجه يكون ذلك من الأمور البَرْزَخِيّة التي تَؤول كيفيّتُها إلى الله - تَعالَى -؛ فإن الحياة البرزخية لا تَجري عليها سُنن الحياة الدنيوية.
* وقد وقع للنبي ﷺ نظير لذلك في حادثة الإسراء والمعراج، فقد صلى النبي ﷺ بالأنبياء. (١)
* الوجه الثاني:
قيل: يُحتمل أنَّ ذلك كان في حياة موسى ﵇ وأنه سأل ربَّه أن يُريَه آدمَ ﵇، فاستجاب الله -تعالى- له ذلك، فوقعت بينهما تلك المناظرة.
стр. 158
ومما يُستدل به لذلك: الرواية الصحيحة التي رواها أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ». (١)
** التوجيه الثالث:
إنَّ هذه المناظرة على الحقيقة؛ إمضاءً للحديث على ظاهره، كما رجّحه النووي والقرطبي، وذكرَ ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ. (٢)
لكن نقول ما قاله ابنُ حَجَر:
"وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثُبوته عن خبر الصادق وإنْ لم يُطَّلَعْ على كيفيّة الحال، وليس هو بأوّلِ ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نَقِفْ على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحِيَلُ في كشف المُشكِلات لم يَبْقَ إلا التسليمُ". (٣)
وقال ابن عبد البر:
"مِثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يُوقَفُ فيه على التحقيق؛ لأنّا لم نُؤْتَ مِن جِنس هذا العلمِ إلا قَليلاً". (٤)
* الفائدة الثانية:
في قول موسى-﵇ لآدم-﵇: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إلَى الْأَرْضِ».
стр. 159
*وهنا سؤال مهم:
*هل هذا اللوم الذي وقع من موسى لآدمَ ﵉ كان لوماً على أصل المعصية -التي هي الأكل من الشجرة المحرمة-، أم أنه لامه على ما ترتَّبَ على المعصية -الذي هو مصيبة الخروج من الجنة-؟
والجواب:
أن الذي عليه جمهور العلماء، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح:
أن اللوم من موسى لآدم ﵉ لم يكن على أصل المعصية، وإنما لامه على ما ترتب على تلك المعصية، وهو مصيبة الخروج من الجنة، ومما يؤيِّد ذلك: جملةٌ من الوجوه:
*الوجه الأول:
تتبُّع روايات الحديث في الصحيحينِ وغيرهما يؤكِّد ذلك:
ففي رواية البخاري: يقول موسى لآدمَ ﵉: «أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ...»،
وكذلك في رواية الصحيحينِ: «أَنْتَ أَبُونا خَيَّبْتَنا، وَأَخْرَجْتَنا مِنَ الْجَنَّةِ»، ولم يقُل مثلاً: "عصيتَ ربَّك، فأخرجتَنا من الجَنّةِ... "،
وكذلك في رواية أخرى عند البخاري: «أَنْتَ آدَمُ أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنّةِ»،
وفي رواية عند مسلم: «قالَ: يا آدَمُ، أَغْوَيْتَ النّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنّةِ»،
وفي رواية أخرى عند مسلم: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ».
*فمن مجموع هذه الروايات ترى أن هذا اللوم الذي توجَّهَ من موسى لآدم ﵉ كان ينصبُّ على مصيبة الخروج من الجنة.
*الوجه الثاني:
قول آدم ﵇: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ؟!»،
ووجه الدلالة: أن آدم ﵇ في رده على موسى ﵇ احتجَّ بقدَر الله ﵎، فلو كان اللوم من موسى لآدم ﵉ على ذات المعصية لَكانَ لازمُ ذلك: أن آدم ﵇ يحتجُّ بالقدر على فعله للمعصية؛ وهذا من البُطْلان بمكانٍ، فإنَّ آحادَ بَنِيهِ من المؤمنينَ لا يحتجّون بالقدر على المعصية، فكيف يَصدُر هذا من
стр. 160
آدم ﵇، وهو النبي المكلَّم؟!! (١)
* قال ابن عبد البَرِّ:
"أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحدٍ أن يجعل القدَر حُجّة إذا أتى ما نهاه الله عنه، فيقول: أتلومني على أن قتلتُ وقد سَبَقَ في علم الله أنْ أَقْتُلَ؟!
فهذا ما لا يسوغ لأحد أن يجعله حجة لنفسه! والأمّة مجتمِعةٌ على أنه جائزٌ لومُ مَن أتى ما يُلام عليه من معاصي ربِّه، كما أنهم مُجمعون على حمْد مَن أطاع ربَّه، وأتى مِن الأمور المحمودة ما يُحمد عليه". (٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وموسى-﵇ قال لآدم ﵇: «لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، فلامَهُ على المصيبة التي حَصَلَتْ بسبب فعله، لا لأجْل كونِها ذَنْباً؛ ولِهذا احتجَّ آدم عليه بالقدر. وأمّا كونُه لأجْل الذنْب كما يَظُنُّه كثيرٌ من الناس فَلَيْسَ بمُرادٍ بالحديث، فإنَّ آدم-﵇ كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومُ التائب باتّفاقِ الناسِ، ولأن آدم ﵇ احتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمينَ وسائر أهل المِلَلِ وسائر العُقلاء". (٣)
** الوجه الثالث:
إنه مما يؤكد أن آدم ﵇ لم يحتج بالقدر على فعله للمعصية:
أن هذا خلافُ ما ذكرَه القرآن، فإن آدم ﵇ قد اعترف بعِصْيانه، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يقل مثلاً: "ربِّ أنتَ قدَّرتَ عليَّ ذلك".
** فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعصية جائزاً ونافعاً لَاحتجَّ به آدمُ ﵇ عند
стр. 161
ربه، فهذا المقامُ كان الأَوْلَى له أن يفعله أَمامَ مُعاتَبةِ موسى له.
وهذا من باب التنزُّل.
** نعمْ، كانت المعصية بقدر الله - تَعالَى -، لا شك في ذلك، قال - تَعالَى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال - تَعالَى -: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصّافّات: ٩٦]؛ ولكنْ كان ذلك أيضاً بإرادة آدم ﵇ ومشيئتِه، قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
* فلمّا تاب آدم ﵇ من معصيته واستغفرَ ربَّه وأنابَ، دلَّ ذلك أنه ﵇ ما احتجَّ بالقدر على المعصية، بَلِ احتج بالقدر على مصيبة الخروج من الجنة، فقال: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟».
* لذا نقول: إن آدم ﵇ لم يحتجَّ بالقدر على الذنب، وإنما احتج به على المصيبة، وهذا هو اعتقاد أهل السّنّة، فإنَّ القدَر إنّما يُحتجُّ به على المصائب، ولا يُحتجُّ به على الذنوب والمَعايب.
فالمؤمن مأمورٌ أن يَرْجِعَ إلى القدر عند المصائب، لا عند الذنوب والمعايب، فيصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعايب، كما قال - تَعالَى -:
... ﴿فَاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فالمرء يدور حاله بين الصبرِ حالَ المصائبِ، والاستغفارِ حالَ المَعايبِ. (١)
** ومِثل هذا يُسْتَقَى من قول رَسُولِ اللهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: "قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ"؛ فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». (٢)
وتأمَّلْ في قوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ»،
وهذه هي طريقة المُهْتدينَ، على خلاف طريقة الضّالّينَ الذين
стр. 162
قَلَبُوا الآية؛ لِذا تراهم يحتجّون بالقدر في حال المعايب، يقولون: هذا بقدَر الله!.
وهنا كلام بديع لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول:
"وأمّا آدم ﵇ فإنه قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فمَنِ استغفرَ وتاب كان آدميّاً سعيداً، ومَن أصرَّ واحتجَّ بالقدر كان إبليسيّاً شقيّاً؛ وقد قال - تَعالَى - لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ". (١)
* العبد بين المقدور والمأمور:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وجِماعُ ذلك: أنّهُ لا بُدَّ له في الأمر مِن أصلينِ:
ففي " الأمر ":
عليه الاجتهاد في الامتثال علماً وعملاً، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعدّيهِ الحدودَ؛ ولِهذا كان من المشروع أن يَختمَ جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي ﷺ إذا انصرفَ مِن صلاته استغفرَ ثلاثاً، وقد قال الله - تَعالَى -: ﴿... وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، فقاموا بالليل، وختموه بالاستغفار، وآخرُ سورةٍ نزلت: قولُ الله - تَعالَى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، وفي الصحيح: أنه كان ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآنَ.
وأما في " القدَر ":
فعَلَيْهِ أن يستعين بالله في فعل ما أُمر به، ويتوكلَ عليه، ويدعوَه، ويَرْغَبَ إليه، ويَستعيذَ به، ويكونَ مُفتقراً إليه في طلب الخير وترْك الشر؛ وعليه أن يصبر على المقدور، ويَعْلَمَ أنّ ما أصابَهُ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخطأَهُ لم يكُن لِيُصِيبَهُ؛ وإذا آذاه الناسُ عَلِمَ أنّ ذلك مقدَّرٌ عليه. وقد جَمَعَ الله -سبحانه- بينَ هذينِ الأصلينِ في مواضعَ، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
стр. 163
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] " ا. هـ (١)
** نعود فنقول:
إنَّ آدم ﵇ أعلمُ بالله -تعالى- مِن أن يحتجَّ بالقدر على المعصية؛ فليست هذه طريقةَ المؤمنينَ، فَضْلاً عن النبيّينَ! فالاحتجاج بالقدر على المعصية إنما هي طريقة المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا...﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وهي طريقة إبليسَ، كَبيرِهِمُ الذي علَّمَهم الشركَ، إبليس الذي احتج بالقدر على كِبْرِهِ وغِوايَتِهِ، فـ ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
والاحتجاجُ بالقدر على المعصية: طريقة الجَبْريّة، تِلْكَ الفِرْقةِ الضّالّة، التي جعلت القدَر ذَريعةً للخَوْضِ في الكفر والفُسوق والعِصْيان. (٢)
* الوجه الرابع:
لو كان هذا اللوم من موسى لآدم ﵉ على المعصية، فأجابَ آدمُ -مَثَلاً-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ...» لَكانَ لموسى الحجة على آدم ﵉، ولَقالَ موسى: يا آدمُ، أتحْتجُّ بالقدر على المعصية؟! لكنْ لمّا انقطعَ موسى ﵇ عن لومه، دلَّ ذلك أن: الحُجة كانت لآدم ﵇، وهذا الذي نصَّ
стр. 164
عليه الحديثُ في قول النَّبِيِّ ﷺ : «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثاً.
* الوجه الخامس:
أنَّ بابينِ عظيمينِ يمنعانِ أن يكون لوم موسى لآدم ﵉ لوماً على ذات المعصية: باب الأدب، وباب العلم...
أمّا باب الأدب:
فإنّ موسى ﵇ آدَبُ مِنْ أنْ يُعَيِّرَ أباه آدمَ ﵇ على معصية قد تاب منها بالفِعْل، فمِثْلُ هذا لا يقع من التلميذ لشيخه؛ فكيفَ بموسى الكَلِيمِ أنْ يلوم أباه على معصيةٍ فَعَلَها، وقد تابَ منها بالفِعْلِ؟!
ولهذا لم يقُل له موسى ﵇: لماذا أكلتَ من الشجرة؟ وإنما قال له: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟» (١).
وهذا اللفظ قد رُوي في بعض طرق الحديث، وإنْ لم يكن في جميعها؛ فهو مبيِّنٌ لِما وقعت عليه المَلامة. (٢)
** أمّا باب العلم:
فإنّ موسى ﵇ أعلمُ بالله من أن يلوم آدم ﵇ على معصية قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فأدبُ موسى ﵇ وعلمُه يَمنعانِهِ من أن يفعل ذلك!
*ولو أنّ آدم ﵇ فَهِمَ أنّ اللوم هو على الذنب لَقالَ -مثلاً-: يا موسى، وأيُّ مَلامةٍ عليَّ وأنا قد تُبْتُ بالفِعْلِ؟!
فلمّا احتجَّ بالكتابة لا بالتوبة، دلَّ ذلك على المراد.
* وعَلَيْهِ فلا وَجْهَ لِأَنْ يُلامَ آدمُ ﵇ لا شرعاً، ولا قدَراً:
لا شرعاً: لأنه قد تاب من ذنبه،
ولا قدَراً: لأنّ خروجه من الجنة كان بقدَر الله ﵎.
ثم يقال:
ولو أنَّ موسى لَامَ آدم ﵉ على الذنْب لَأجابَهُ: إنني
стр. 165
أذنبتُ فتُبْتُ، فتابَ اللهُ عليَّ، ولَقالَ له: وأنت يا موسى أيضاً قتلتَ نَفْساً، وألقيتَ الألواح... إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة، فحَجَّهُ آدمُ بالقدَر. (١)
* ولكن أَنَّى لموسى ﵇ أن يلوم أباه آدم ﵇ على أمرٍ وهو نفسُه لم يَسْلَمْ؛ فقد قَتَلَ نفساً لم يؤمرْ بقتلها، وسألَ اللهَ -تعالى- أن يغفرَ له ذلك، فقال - تَعالَى -: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
قال أبو العَبّاسِ ابنُ تيمية:
"وذلك أنّ موسى لم يكن عَتبُه لآدم لأجْل الذنب؛ فإنّ آدم قد كان تابَ منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكنْ لأجْل المصيبة التي لَحِقَتْهُمْ مِن ذلك. وهُمْ مأمورونَ أن يَنظُروا إلى القدَر في المصائب، وأن يستغفروا مِن المَعايب، كما قال - تَعالَى -: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] ".
** ويقول ﵀:
"الصَّوابُ في قصة آدم وموسى: أنّ موسى لم يَلُمْ آدمَ إلّا مِن جِهَةِ المُصيبة التي أصابته وذُرِّيَّتَهُ بما فَعَلَ، لا لأجْل أنّ تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ؛ ولِهذا قال:
«لِماذا أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟»، لم يقل: لماذا خالفتَ الأمر؟ ولماذا عصيتَ؟
والناس مأمورون -عندَ المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم- بالتسليم للقدر، وشُهودِ الربوبية؛ كما قال - تَعالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال ابن مسعود أو غيرُه: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيَعلمُ أنّها مِن عند الله، فيَرضى ويسلِّمُ". (٢)
وهذا هو الراجح في هذه المسألة، والله أعلمُ.
* هناك جواب لابن القيِّم قال فيه:
"وقد يتوجَّهُ جوابٌ آخرُ، وهو أنّ الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في مَوْضِعٍ، ويضرّ في موضعٍ:
فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعِه والتوبةِ منه وتَرك مُعاوَدته كما فعلَ آدمُ، فيكون في ذِكر
стр. 166
القدَر إذْ ذاكَ من التوحيد ومعرفة أسماء الرَّبِّ وصفاته...
وأمّا الموضعُ الذي يضرُّ الاحتجاج به ففي: الحال، والمستقبَل؛ بأنْ يَرتكب فعلاً محرَّماً، أو يتركَ واجباً، فيلومَه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلَ بالاحتجاج به حَقّاً، ويَرتكبَ باطلاً، كما احتجَّ به المُصرّون على شركهم وعبادتهم غيرَ الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]،
... ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] ... فإذا لامه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدَر الله! " ا. هـ (١)
* ومفاد كلام ابن القيّم:
مشروعيّةُ الاحتجاج بالقدر للتّائب مِن ذنبه، ولنا أن نستأنس في هذا المقام بما ورد في قوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ فقوله تَعالَى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...﴾ وقد بُنِيَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه- فيه إشارةٌ إلى أنّ ما وقعوا فيه مِن تخلُّفهم عن رسول الله ﷺ وقد تابوا ونَدِموا على ذلك قد وقعَ بقدر الله ؛ ولِذا فمِنْ عظيم لُطفه ورحمته بهم لم يَقُلْ - تَعالَى -:
"وعلى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تخلَّفوا... "، فتَبقى الآيةُ مُوجِعةً لقلوبهم ومؤلمة لأسماعهم.
*ومن فوائد حديث الباب:
** فائدة في قول النبي ﷺ في ختام الحديث: «فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى» ...
... وقد عمدَ أهلُ التحريف وسَعَوْا إلى تحريف هذه اللفظة تحريفاً لفظيّاً، ومعنوياً:
** أولاً: التحريف اللفظيّ:
وأصلُ مَن فتحَ هذا البابَ هم اليهود، فلقد أخذوا بنصيبٍ وافرٍ من هذه الصفة لمّا أُمِروا أن يقولوا: "حِطَّة"، فقالوا: "حِنْطَة"، فقد قال الله تَعالَى
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ
стр. 167
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩]
* وهذا ما فعلَه محرِّفةُ هذه الأمّة في أدلة الشرع التي تخالف أهواءهم، وعلى الطريق السَّقيم نفسِه سارَ أهلُ التحريف من المعتزِلة القدَريّة، فحرَّفوا آياتِ الكتاب وأحاديثَ النبي ﷺ ؛ وذلك لِلهوى، ولنُصْرة بِدَعهم، وذلك
لأنّ نَصَّ الحديث يخالف أصول مذهبهم في نَفْيهم للقدر. (١)
* لِذا حرَّفوا قول الله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، كما
روى ذلك أصحاب السِّيَر هذه القصّة التي وقعت لعمرو بنِ عبيدٍ، أحد كِبار المعتزِلة، فقد قَالَ لأبي عمرو ابن العلاء أحد القُرّاء السبعة المعروفين المشهورين: أريد أن تقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ بنَصْبِ اسم الله؛ وذلك ليكون موسى هو المتكلم، وليس الله، قال أبو عمرو:
هَبْ أنّي قرأتُ هذه الآية كما تقول، فكيف تصنعُ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ...﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فبُهِتَ المُعتزليُّ. (٢)
*وكذلك مما يُنقل عن المعتزلة في هذا الباب:
تحريفهم لقوله - تَعالَى -: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤]، وقالوا: إنه من الكَلْم (بسكون اللام)، أي: الجَرْح، ويكون المعنى: جَرَحَ اللهُ موسى بأَظافِرِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ.
والذي حملَهم على ذلك هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله؛ فوقعوا في التحريف. (٣)
قال المتنبِّي:
وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً... وآفتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
стр. 168
* ومن هذا الباب:
ما فعلوه في حديث الاحتجاج، فقد ضبط رواة الحديث من أهل السّنّة لفظةَ "فحَجَّ آدمُ موسى" برفْع لفظة "آدمُ"؛ لأنه هو الفاعل الذي له الحُجّة، فقد غلب آدمُ موسى ﵇ بالحجة، وظَهَرَ عليه بها.
أما المعتزلة القدرية -المنكرون للقدر- فقد حرَّفوا لفظ حديث الباب؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وذلك في قول آدم ﵇:
«أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً»؛ وبِناءً عليه قد عمدوا إلى تحريف الحديث.
* أمّا قولهم بتحريف الحديث فقالوا في ضبط هذه الكلمة: "فحَجَّ آدمَ موسى" بنصْب "آدم"؛ فتكون الحُجّة لموسى!
** وجواب ذلك أنْ:
نأتيَكم بقاصمة الظهر فيما رواه أحمدُ وابنُ بَطّةَ وعبد الرّزّاق وابنُ أبي شَيبةَ بسندٍ صحيحٍ كالشَّمْسِ عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ الَّذِي أَدْخَلْتَ ذُرِّيَّتَكَ النَّارَ؟ فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ، فَهَلْ وَجَدْتَ أَنِّي أَهْبِطُ؟ قَالَ: نَعَمْ»،
قَالَ: «فَحَجَّهُ آدَمُ». (١)
... لذلك قال أحمدُ بن ثابتٍ الطَّرقيّ:
سَمِعْتُ ابنَ الخاضبة يقولُ: كان مسعود بن ناصر السَّجْزِيّ قَدَريّاً، وسمعته يقرأُ: «فحَجَّ آدمَ مُوسَى» بالنصْب،
فقال الحافظ ابن
стр. 169
حَجَرٍ رَدّاً على مسعود السَّجزيّ:
"هو محجوج بالاتفاق قَبْلَهُ على أنّ "آدم" بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمدُ من رواية الزُّهْريّ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هُريرةَ بلفظِ: «فحَجَّهُ آدَمُ»، وهذا يرفعُ الإشكالَ؛ فإنّ رُواته أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزُّهْرِيُّ مِن كبار الفقهاء الحُفّاظ؛ فروايتُه هي المعتمَدةُ في ذلك". (١)
قال النووي:
"قول النبي ﷺ : «فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» هكذا الروايةُ في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلينَ والرُّواةِ والشُّرّاحِ وأهلِ الغَريب، بِرَفْعِ "آدَمَ"، وهو فاعلٌ، أي: غَلَبَهُ بالحُجّة وظَهَرَ عليه بها". (٢)
* ثانياً: التحريف المعنويّ:
وهو تحريف المعنى، مع بقاء اللفظ على ما هو عليه،
والمقصود به: صرْف اللفظ عن ظاهره وما يَفهمه كلُّ عربيٍّ من معناه،
وهو الذي يسميه بعض المتأخرين بالتأويل، وهو أكثرُ خَفاءً من النوع الأول.
وباب التأويل الفاسد وغير المستساغ بابٌ عريضٌ دخلَ منه الزَّنادِقَةُ لِهَدْمِ الإسلام! حيثُ حرَّفوا النصوص، وصَرَفُوهاعن مَعانيها الحقيقية، وحَمَّلُوها من المعاني ما يشتهون، فسَمَّوا التَّحريفَ "تأويلاً"؛ تزييناً له وزَخْرفةً، لِيُقْبَلَ منهم!
وهذه طريقة إبليسَ الذي حرَّفَ اللفظ عن موضعه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمَّى شجرةَ التحريم "شجرة الخُلْد"!
وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله - تَعالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
والعِبرة بالحقائق والمعاني، وليست بالألفاظ والتراكيب والمَباني، فكَمْ مِن باطلٍ أُقِيمَ على دليلٍ مُزَخْرَفٍ عُورِضَ به دليلُ الحَقِّ... !
стр. 170
* ومن أمثلة هذا التحريف:
١ - تأويل المبتدِعة لآيات الصفات، كتفسيرهم صِفةَ (الغَضَب) بإرادة الانتقام، وتفسيرهم (الرحمة) بإرادة الإنعام، وقولِهم: إنّ المُراد بـ (اليَدَيْنِ) النِّعْمة، أو القُدْرة... وغير ذلك.
** ومن هذا الباب ولجَ المُحَرِّفةُ إلى تحريف حديث الباب:
فلمّا عَجزوا عن التحريف اللفظيّ للرِّواية الصحيحة الصريحة جاءُوا إلى التحريف المعنويّ، فقالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدمَ ﵇ لَيْسَ لأنّ الحقَّ كان معه، وإنما كانت له الحُجّةُ لِأُمورٍ:
١ - أنَّ آدم ﵇ كان هو (الأَبَ)، وموسى ﵇ في مَقام (الابن)، فكيف للابن أن يَغلب أباه في الحُجّة؟!
** الرد على ذلك:
فهذا كلام باطل، فإنَّ الحق يؤخذ مِن كل مَن جاء به، ولو كان كافراً؛ فالله ﵎ ذَكَرَ الحق الذي جاءت به اليهود وجاءت به النصارى، قال - تَعالَى -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، وكذلك قول الله - تَعالَى -: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، فاللهُ قَبِلَ قولَهم إنّ آباءهم قاموا بذلك، ورَدَّ قولَهم إنّ الله -تعالى- أمرَهم بها؛ بَلْ إنّ النبيّ ﷺ قد قَبِلَ الحقَّ مِن الدَّجّالِ في حديث الجسّاسة في صحيح مسلم، حيث قال الدجالُ: "أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ"، وكذلك حديث تعليم آية (الكُرْسِيّ) عندَ النوم، ذَكَرَهُ الشيطانُ للصّاحبِ الجَليلِ أَبي هُريرةَ ﵁، وأقرَّه الرسولُ ﷺ .
*وعليه نقولُ:
إنّ قولكم "إنّ الحُجّة إنما كانت لآدم ﵇ لأنه هو الأب، وموسى ﵇ هو الابن، وليس للابن أن يَحجَّ أباه" هذا كلام باطل... أَلَمْ يَكُنْ إبراهيمُ ﵇ هو الابن، وكانت له الحُجّة على أبيه (آزَرَ)؟!
*قال ابن القَيِّم:
"وهذا الكلامُ لا محصّلَ فيه البَتّةَ؛ فإنّ حجة الله يجب المَصيرُ
стр. 171
إليها، مع الأب كانت، أو الابنِ، أو العَبْدِ، أو السَّيِّدِ، ولو حَجَّ الرجلُ أباه بحقٍّ وَجَبَ المَصيرُ إلى الحجة". (١)
٢ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:
إنّ الحجة إنما كانت لآدم ﵇ لأنَّ هذه المناظَرة كانت في دارٍ لا تكليفَ فيها، أي: لم تكن في الدنيا!
وهذا باطلٌ من وجهينِ:
الوجه الأول: انظروا في جواب آدم ﵇، هل قال مثلاً: "يا موسى، أنتَ قد لُمْتَنِي في غير دار التكليف"؟
والجواب: لا، فلم يتعرّض لذلك، بل استدلَّ بالقدر.
فهل أنتم أعلمُ بالاستدلال الصحيح من آدمَ ﵇؟
* الوجه الثاني:
لو تنزَّلْنا معكم، فإنّ المَلامةَ في غير دار التكليف لا تمتنعُ، فالله يلوم المشركينَ يومَ القيامة، بل إنّ أمّة محمد ﷺ تلومُ الأُمَمَ الأخرى التي كَفَرَتْ في عَرَصات القيامة؛ ولَيستْ هي بِدارِ تكليفٍ!
٣ - كذلك قالوا في تحريفهم المعنويّ:
إنّ الحجة كانت لآدم ﵇ لأنّ ذَنبه كان في شريعته، واللوم من موسى ﵇ ليس له وِجْهةٌ؛ لاختلافِ الشرائعِ بَيْنَهما، فليس لموسى أن يلوم غيرَه على شيءٍ ليس من شريعته!
* والجواب:
وهذا كلام باطل؛ فإنّ أمّة محمد ﷺ تلوم الأممَ السابقة على ذنوبها في عَرَصات القيامة.
* وخِتاماً:
قالوا: إنّ الحجة إنما كانت لآدم ﵇ لأنّه قد وَصَلَ إلى درجة (اليقين)، وهي درجة عالية من العلم، والمَرْءُ إذا وَصَلَ إليها استوت عندَه المعصيةُ والطاعةُ.
** الجواب:
وهذه طريقة الصُّوفِيّةِ الغُلَاةِ الّذينَ يُسقطون التكاليف عن المَرْءِ إذا
стр. 172
وَصَلَ إلى مَرْحَلَة (اليقين)؛ مستدِلِّينَ بقوله - تَعالَى -: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وكلامُهم هذا بَيِّنُ البُطْلانِ، وإلّا فَلَوِ استَوَتِ الطاعةُ والمعصيةُ في حقِّ آدمَ ﵇ فلِمَ أخرجَهُ ربُّه من الجنة، وقال عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، ولِمَ قال له ولزوجه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾؟! (١)
* بَيْنَ التحريفِ والمُغالاةِ:
كما أنّ المعتزلة القدرية من أصحاب التحريف قد سَلَكوا مَسْلَكَ ردِّ حديث الباب، وذلك لأنهم يَنْفُونَ القَدَرَ، تأتي على الجانب الآخَرِ فِرْقةُ (الجَبْرِيّة) ...
فتراهم يَطيرون فَرَحاً بحديث الباب؛ فَهْماً منهم أنّ الحجة كانت لآدم
﵇، ليس لأنه احتجَّ بالقدر على المصيبة -كما عليه أهلُ السنة-، بل لأنّ آدم ﵇ احتج بالقدر على المعصية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله، فلا إرادةَ له فيها، ولا مشيئة!
* ففي الرد عليهم نقولُ:
أولاً:
إن آدم ﵇ فعلَ ما فعلَ بإرادته، نعمْ، كان الأمرُ بقدر الله، ولكنْ كان لآدم ﵇ إرادةٌ ومشيئةٌ، والدليل في روايةٍ عند مسلم، وفيها: «قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ؟»؛ فثَبَتَ بذلكَ الأمرانِ:
أ) كتابة القدر.
ب) الإرادة والمشيئة لآدمَ ﵇.
* قال ابنُ المُلَقّنِ:
"وأمّا قولُ الجَهْميّة: إنّ الله - تَعالَى - أجبرَ العباد على أفعالهم، وهم مكرَهون على الطاعة والمعصية، واحتجّوا بقول آدمَ: «أتلومُني...» إلى آخره- فلا
стр. 173
حُجّةَ لَهُمْ فيه أيضاً؛ لأنّ الموجود بالاعتبار والمشاهَدة خلافُ قولِهم، وذلك أنّ العباد لا يأتون الذنوبَ إلا مُشْتَهِينَ لها، راغبينَ فيها، والإجبارُ عند أهل اللغة: هو اضطرار المَرْءِ إلى الفعل، وإدخالُه فيه، غيرَ راغبٍ فيه، ولا مُحِبٍّ له، كالمسحوبِ على وجهه، والمُرْتَعِشِ من الحُمَّى والفالِجِ". (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"إنَّ القَدَرَ ليس حُجَّةً لأحدٍ على اللهِ، ولا على خَلْقِهِ؛ ولو جازَ لأحدٍ أن يحتجَّ بالقَدَر على ما يفعلُه من السيِّئات لَمْ يُعاقَبِ الظّالِمُ، ولَمْ يُقْتَلِ المُشْرِكُ، ولَمْ يُقَمْ حَدٌّ، ولَمْ يُكَفَّ أَحَدٌ عن ظُلْمِ أحدٍ، وهذا من الفساد في الدين والدنيا المَعلومِ ضَرُورةً". (٢)
ثانياً:
إننا لا نسلِّم لَكُمْ أنّ احتجاج آدم ﵇ احتجاجٌ بالقدر على المعصية، وإنما كان احتجاجه على المصيبة التي ترتَّبَ عليها إخراجُ آدمَ ﵇ وذريتِه من الجنة، كما سبقَ ذِكرُه مفصَّلاً.
** ولو تنزّلْنا معكم أنّ آدم-﵇ قد احتج بالقدر على المعصية، فهو قد تاب من ذلك، وأنابَ؛ ولِلعاصي أن يحتجَّ بالقدر إذا تاب من معصيته، كما تَبَنَّى ذلك ابنُ القَيِّمِ. (٣)
* ومما سبق يتبيّنُ أنّ الفِرقتينِ قد تَنازَعُوا الحديثَ بينَ الجُفُوِّ والغُلُوِّ:
أ) أمّا الجبرية:
فجعلوا الحديثَ حجةً لهم على الاحتجاج بالقدر على فعل
стр. 174
المعاصي، وجعلوا قولَ آدم ﵇: «كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ» أي: أجبرَني عليه.
ب) أمّا القدرية:
فحرَّفوا الحديث تحريفاً لفظيّاً ومعنويّاً؛ لِيجعلوا الحجةَ لموسى ﵇ في نَفْيِ القَدَرِ السابق.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وهذا الحديثُ ضَلَّتْ فيه طائفتانِ: طائفةٌ كذَّبتْ له لمّا ظَنُّوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عَمَّنْ عصى اللَّهَ لأجْل القدر، وطائفةٌ شرٌّ مِن هؤلاءِ جعلوه حجةً". (١)
** فرعٌ:
من مسالك أهل البِدَع في رد حديث الباب: الطَّعْنُ في سَنَده:
* قال البركانيّ للجبّائِيّ المُعتزليّ: ما تقولُ في حديثِ أَبي الزِّنادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُريرةَ عن النبي ﷺ : «لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلا خالَتِها»؟ فقال الجبائي: هو صحيح. قال: فبهذا الإسناد نقل حديث «حَجَّ آدَمُ مُوسَى»، فقال الجبائي: هذا الخبر باطل، فقال البركاني:
"حديثانِ بإسنادٍ واحدٍ، صَحَّحْتَ أَحَدَهُما، وأَبْطَلْتَ الآخَرَ؟! " (٢)
** والقول بتضعيف الحديث قول مردود باطل...
فهذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ بألفاظ مختلفة، وطرق متكاثِرة، وهو في عُلْيا درجات الصحة، وقد اتفق الإمامانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ على إخراجه في صحيحَيْهِما،
стр. 175
كما أقرَّ بصحّته واحتجَّ به أهلُ العلم قاطبةً.
يقول الحافظ ابنُ عبد البَرِّ:
"هذا الحديث -عند جماعة أهل العلم بالحديث- صحيحٌ من جهة الإسناد، وكلُّهم يرويه ويُقِرُّ بصحّته، ويحتجُّ به أهل الحديث والفقه -وهم أهلُ السّنّة- في إثبات قِدَمِ علمِ الله ذِكرُه-".
وقد نصَّ بعضُ أهل العلم على تواتُره عن أبي هريرة ﵁، وأنّه لا يردُّه ولا يعترض عليه إلا مبتدعٌ معانِدٌ... يقول الحافظ ابن كَثيرٍ ﵀:
"ومَن كذَّبَ بهذا الحديث فمُعاندٌ؛ لأنّه متواتِرٌ عن أبى هريرة ﵁، وناهِيكَ به عَدالةً وحِفْظاً وإتقاناً". (١)
- قال ابن القيِّم:
"هذا حديث صحيح متّفَقٌ على صحته، لَمْ تَزَلِ الأمّة تتلقّاه بالقَبُول مِن عَهْدِ نبيِّها قَرْناً بعدَ قَرْنٍ، وتُقابِلُهُ بالتصديق والتسليم، ورواه أهلُ الحديث في كُتبهم، وشَهِدوا به على رسول الله ﷺ أنّه قالَهُ؛ فما لِأَجْهَلِ الناسِ بالسّنّةِ وهذا الشَّأْنِ؟! ولَمْ يَزَلْ أهلُ الكلامِ الباطلِ المذمومِ مُوكَّلينَ بِرَدِّ أحاديثِ رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدَهم الباطلةَ وعقائدَهم الفاسدةَ! ". (٢)
* وقد ذكرَ ابن منده حديثَ الاحتجاج هذا من عدة روايات وطرق، ثم قال:
"وهذه الأحاديث صِحاحٌ ثابتةٌ، لا مَدْفَعَ لها، ولِهذا الحديثِ طرقٌ عن أبي هريرةَ، منها: أبو سَلَمةَ، ومحمدُ بنُ سِيرينُ، والأَعرجُ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، وغيرُهم". (٣)
وختاماً:
قد جاء في الحديث: أنّ آدم قال لموسى ﵉: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟» ...
وهنا الإشكال:
فالذي ثبتَ في الصحيح: أنّ الله - تعالى - قدَّرَ مقاديرَ الخَلائقِ قبلَ أن
стр. 176
يخلق السماوات والأرض بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وهُنا في حديث الباب يقول آدمُ ﵇: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟» ... فكيف الردُّ على هذا الإشكال؟؟؟
ردَّ العلماء بعدة أجوبةٍ:
الأول:
أنّ هذه المُدّة -التي هي (أربعون سنة) - إنما كانت بَيْنَ أنْ خُلِقَ آدمُ ﵇-من الطين وبين أن نُفِخَ الرُّوحُ فيه.
الثاني:
أنّ هذه المدة يُقصَدُ بها: ما كُتِبَ في التوراة مِن أنّ آدمَ سيُخْرَجُ من الجنة، كما وردَ في الرواية: «فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَاماً».
فإنْ قِيلَ: ما معنى تحديد (أربعين سنةً) في المكتوب، وفي الحديث: «إنَّ اللهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»؟
* فالجواب:
أنّ المعلوماتِ كلَّها قد أحاطَ بها العِلمُ القَديمُ قبلَ وُجودِ مخلوقٍ، ولكنَّه كتبَها في زمانٍ؛ فجائزٌ أنْ يكونَ كَتَبَ خطيئةَ آدمَ قبلَ أنْ يخلقَه بأربعينَ عاماً، وجائزٌ أن تكون الإشارة إلى مُدّةِ لُبْثِهِ طِيناً، فإنّه بَقِيَ أربعينَ سنةً طِيناً، فكأنه يقول: "كتبَ عليَّ قبلَ أنْ أَعْصِيَ منذُ سوَّاني طِيناً قبلَ أنْ ينفخَ فيَّ الرُّوح". (١)
وصلى الله وسلَّمَ على نبينا محمد، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ
تمَّ بحمد الله
стр. 177
الحديث السابع: بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل
стр. 178
بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل
نص الحديث:
عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»،
وفي رواية: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».
... تخريج الحديث، وبيان فضله:
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥)، ومسلم في صحيحه - كتاب الإِيمان (٢٨)، وأحمدُ في المسنَد (٢٢٦٧٥)، وابنُ مَنْدَه في كتاب الإيمان (٤٤، ٤٠٥)، والنسائيُّ في سُننه الكبرى (١٠٩٠٤).
قال النووي:
"هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمعُ -أو مِن أجمعِ- الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه ﷺ جمعَ فيه ما يُخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعُدهم، فاختصرَ ﷺ في هذه الأحرُفِ على ما يباين به جميعهم". (١)
* شرح حديث الباب:
يقول النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
стр. 179
وَرَسُولُهُ...».
وهنا فوائدُ:
الفائدة الأولى: دليل شهادة أن لا إله إلا الله:
من القرآن:
قال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]،
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،
* ومن السنة:
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (١)
*الفائدة الثانية:
في معنى شهادة أن لا إله إلا الله:
أيْ: لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ، فكلُّ معبود سِوى الله -تعالى- هو معبود باطل، فمعنى "لا إله إلا الله": نفْي العبادة عمَّن سِوى الله، وإثباتُها لله ، أيْ: إبطال عبادة كل ما سوى الله، وإثباتُ العبادة لله، فآلهة المشركين قد سمَّاها الله -تعالى- آلهة:
قال -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، لكنها آلهة معبودة بغير حق، فهي باطلة؛ بل قال -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فأطلقَ على الهوى اسم "إله"، ولكنها بلا شك آلهة كاذبة خاطئة.
لذلك فإنّ تفسير كلمة التوحيد بأن يقال: "لا إله موجود إلا الله" هو تفسير باطل؛ لأن هذا يَلزمُ منه أنّ كل معبود في الوجود هو الله!
فقوله "لا إله": هذا إبطال لجميع المعبودات مِن دون الله ، وإنكار لها،
وقوله "إلا اللهُ": هذا إثباتٌ للعبادة لله -تعالى- وحدَه لا شريك له.
قال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
стр. 180
وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. (١)
**الفائدة الثالثة:
مقتضى كلمة "لا إله إلا الله":
المقصود الأعظم من هذه الكلمة إنما هو: تحقيق معناها في القلب، مع النطق بها باللسان، والقيام بمقتضاها بالجوارح.
ولا أدلَّ على ذلك مِنْ: إجماع السلف على أنّ مَن نطقَ الشهادة ولم يعتقدْ معناها ولم يعملْ بمقتضاها، فإنه لا يكون مسلماً، ويُقاتَلُ على ذلك، حتّى يعملَ بما دلَّت عليه من النفي والإثبات.
*قال عبد الرحمن بن حسن:
فقوله ﷺ «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ...» أيْ:
مَن تكلّمَ بها عارفاً لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً؛ فلا بد في الشهادتينِ من العلم واليقين والعملِ بمدلولهما، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]؛
أمّا النطق بها مِن غير معرفة لمعناها ولا يقينٍ ولا عملٍ بما تقتضيه -مِن: البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل (قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح) - فغيرُ نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدلّ على هذا، وهو قوله: «مَنْ شَهِدَ»؛ إذْ كيفَ يَشهدُ وهو لا يَعلمُ، ومجرَّدُ النطقِ بالشيء لا يسمَّى شَهادةً به". (٢)
* الفائدة الرابعة:
"لا إله إلا الله" مركَّبة من: نفي، وإثبات، وهما رُكْنا شهادة التوحيد، فقوله "لا إله" فيه نفي استحقاق العبادة عمَّن سوى الله، وقولُه "إلا الله" فيه إثبات العبادة لله -تعالى- وحده لا شريك له.
** وتحقيق كلمة التوحيد إنما يُبنى على النفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد؛ فالنفي المَحْضُ ليس بتوحيدٍ، وكذلك الإثبات دُونَ نفيٍ لا يمنع المشارَكةَ، فلا يكون