وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى -ثَلاثاً-» (١)
٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
«إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ». (٢)
٣) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئاً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ". (٣)
٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٤).
٥) وعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ». (٥)
... مراتب الإيمان بالقدر:
١ - المرتبةُ الأولى: العِلْمُ:
وهو علم الله الأَزَلِيُّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبقَ به علمُ الله أَزَلاً، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالِماً به أزلاً، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠].
وذلك يقتضي الإيمانَ بعلم الله المُحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والمُمْكِنات والمستحيلات، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو
стр. 107
كان كيف يكون، وأنه عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملون قبلَ أن يخلقهم، وعلمَ أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في
جميع حركاتهم وسَكَناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَن هو منهم من أهل الجنة ومَن هو منهم من أهل النار، مِن قَبْلِ أن يخلقهم، ومِن قبل أن يخلق الجنة والنار، عَلِمَ دقّ ذلك وجَليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسِرَّه وعلانيته، ومبدأه ومُنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي
هو صِفَتُه ومقتضَى اسمِه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...﴾ [الحشر: ٢٢]. (١)
وقد اتَّفَقَ على الإيمان بالعلم السابق الرُّسُلُ عليهم الصلاة والسلام من أوّلِهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومَن تَبِعهم من الأمّة، ولم يخالِفْ إلا مَجُوسُ الأمّة، غُلاةُ القَدَريّة. (٢)
** أقسام علم الله:
(الله يعلم ما كان، وما هو كائن، ويعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون)
والله تعالى يعلم ما كان من الأمور التي مَضَتْ منذُ بَدْءِ الخَلْق والآجال، ويعلم ما هو كائن، قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ويعلم ما سيكون، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]
والله -تعالى- يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، بمعنى: أن الله -تعالى- يعلم الأمور التي ما قدَّرَها، لو وقعتْ فكيف سيكون حال وقوعها.
стр. 108
* قال ابن كثير:
"أخبر الله -تعالى- بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة". (١)
** ومن السّنّة::
عن أبي هُريرةَ أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن أولاد المشركين، فقال:
«الله أعلمُ بما كانوا عاملينَ» (٢).
* قال النووي:
"وفي قوله ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين» بيانٌ لمذهب أهل الحق أنّ الله عَلِمَ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وقد سبق بيان نظائره من القرآن والحديث". (٣)
... إشكال والرد عليه:
قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وأمثال هذه الآيات مُشْكِلة في الفهم؛ لِأنَّ ظاهرها قد يفهم منه تجدُّد علم الله بعد وقوع الفعل؟
* والرد على ذلك مِن وجهينِ:
١ - الأول هو ردٌ إجمالي، فنقول:
إنَّ غُلاة القدرية قد تعلَّقوا بمثل هذه الآيات في زعمهم أنّ علم الله -تعالى- بأفعال العباد مستأنَف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد
стр. 109
وقوعه؛ فهؤلاء كَفَرةٌ بلا شكٍّ لإنكارهم ما دلَّ الكتابُ والسنة عليه دلالةً قطعيةً، وأجمعَ المسلمون على أزلية علم الله.
فمثل هذه الآيات إنما هي من المتشابه الذي يُرَدُّ إلى المُحْكَم من الأدلة التي دلت أنّ علم
الله -تعالى- واسع وشامل لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذا عموم
لا يقبل أي تخصيص.
* ثانياً، وهو ردٌ تفصيلي:
قال ابن عثيمين: "إن المراد بالعلم في هذه الآيات شيئانِ:
أ) الأول:
علم رؤيةٍ وظُهورٍ ومُشاهَدةٍ، أي: لِنَرَى، ومعلومٌ أنّ عِلم ما سيكون ليس كعلم ما كان؛
لأن علم الله -تعالى- بالشيء قبل وقوعه: علمٌ بأنه سيقع، ولكنْ بعدَ وقوعه:
علمٌ بأنه وَقَعَ.
ب) الثاني:
أن المراد بالعلم إنما هو: الذي يترتب عليه الجزاء، أي: لِنَعْلَمَ عِلماً يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ...﴾ [محمد: ٣١].
قَبْلَ أن يبتليَنا قد علمَ مَن هو المطيع ومَن هو العاصي؛ ولكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاءُ ولا الثوابُ". (١)
* قال القُرطبي:
"قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يُجازيهم بأعمالهم، لا بعلمه القديم عليهم، فتأويلُه: "حتّى نَعْلَمَ المجاهدينَ عِلْمَ شَهادةٍ"، لِأنّهم إذا أُمِرُوا بالعمل يَشْهَدُ منهم ما عَمِلوا؛ فالجزاء بالثواب والعقاب يقعُ عَلَى علم الشهادة، "ونبلوَ أخباركم": نختبرها ونُظهرها". ا. هـ (٢)
стр. 110
*قال الشنقيطي:
"قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ...﴾ [البقرة: ١٤٣]، ظاهرُ هذه الآية قد يَتَوَهَّمُ منه الجاهلُ أنه -تعالى- يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يَعْلَمُهُ، عن ذلك علوّاً كبيراً، بل هو -تعالى- عالمٌ بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله -جل وعلا-: ﴿... وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
فقوله: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ بعد قوله: ﴿ليبتلي﴾ دليلٌ قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به، سبحانه، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً; لأن العليم بذات الصدورغنيٌّ عن الاختبار". (١)
* المرتبة الثانية: الكتابة:
وهو الإيمان بأن الله -تعالى- كتبَ كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات والأقوال والأفعال، والحَرَكات والسَّكَنات، والرطب واليابس مكتوبٌ.
ودليل ذلك من القرآن:
قال الله -تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال سبحانه:
... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠]، والمراد بالكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها: إثبات العلم، وإثبات الكتابة.
وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وهو اللوح المحفوظ.
وَقَدْ قَالَ تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:
стр. 111
٣٤] (١)، وقال سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
*ودليل ذلك من السّنّة:
١) حديث الباب، وفيه قال الرَّسُول ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٢) وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ-رضى الله عنهما - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
" كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " (٢).
* قال النووي:
"قال العلماء: المُراد: تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو
стр. 112
غيرِه، لا أَصْلِ التقدير؛ فإنّ ذلك أزليٌّ لا أَوَّلَ له". (١)
قال ابن القيم:
"وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أنّ كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أُمِّ الكتاب". (٢)
** وهنا سؤال: هل هذه المرتبة من مراتب القدر -التي هى الكتابة- تَقْبَلُ التغيير؟
الجواب:
أما المكتوب في أُمّ الكتاب -وهو اللوح المحفوظ- فهذا لا تتغير الكتابة الموجودة فيه،
وأما الكتابة التي هي في أيدي الملائكة من الصُّحُف فإنّ الله -تعالى- يمحو منها ما يشاء ويُثْبِتُ، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والمراد بأم الكتابِ: اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ لا يتغير شيء مما كُتِبَ فيه، وأما ما في الصحف التي مع الملائكة فهذه التي يقع فيها المَحْوُ والتغيير.
والملائكة يكتبون ما يؤمرون به من آجالٍ وأرزاقٍ، كما ورد في قوله ﷺ :
«إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ،
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (٣)؛ فالمحو والإثبات بالنسبة لِما في علم المَلَك؛ وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله -تعالى- فلا مَحْوَ فيه البَتَّةَ، ويقال له: القَضاء المُبْرَمُ، ويقال للأوّل: القضاء المُعَلَّق. (٤)
... وعليه فالقضاءُ نوعانِ:
١) قضاءٌ مُبْرَمٌ:
وهو القدر الأزليّ، وهو لا يتغير، كما قال -تعالى-: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
стр. 113
لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال الرسول ﷺ لأُمّ حَبيبةَ ﵂: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئاً قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئاً عَنْ حِلِّهِ» (١).
قال النوويّ:
"إن الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تتغير عمّا قدَّره الله -تعالى- وعَلِمَه في الأزل، فيَستحيلُ زيادتُها ونَقْصُها -حقيقةً- عن ذلك". (٢)
٢) قضاء معلَّق:
وهو الذي في الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، فإنه يقال: اكْتُبوا عُمُرَ فُلانٍ إنْ لم يتصدَّقْ: كذا، وإنْ تصدَّقَ فهو كذا، وفي عِلم الله وقدره الأزليّ أنه سيتصدق أو لا يتصدق.
فهذا النوع من القدر يَنفع فيه الدعاء والصدقة؛ لأنه معلَّق عليهما، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩]؛ وهو معنى قوله ﷺ :
««لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ». (٣)
قال أبو العباس ابن تيمية:
" ما كتبه الله -تعالى- وأعلمَ به الملائكةَ فهذا يَزيدُ ويَنْقُصُ بِحَسَبِ الأسباب، فإنّ الله يأمر الملائكة أن تكتب للعبد رزقاً، وإنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زاده الله على ذلك، كما ثبتَ في الصحيح عن النبي- ﷺ -أنه قال:
... «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فلْيصلْ رحمه»
وكذلك عُمُرُ داودَ زاد ستّينَ سنةً، فجعله الله -تعالى- مئةً بعدَ أن كان أربعين، رواه الترمذي وغيره-، ومن هذا الباب: قول عُمرَ:
"اللهم إنْ كتبْتَني شقيّاً فامْحُنِي واكْتُبْنِي سعيداً، فإنّك تمحو ما تشاء وتُثْبِتُ" ". (١)
٣ - المرتبة الثالثة: المشيئةُ:
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر هي المشيئة، المشيئة النافذة، أي: الماضية التي لا رادَّ لها. مِنْ: نَفَذَ السَّهْمُ نُفُوذاً إذا خَرَقَ الرَّمِيّة، فهي نافذة.
فهذه المرتبة هي إثبات نُفوذ قدرته ومشيئته وشمول قُدرته، وهي الإيمان بأنّ ما شاء الله: كانَ، وما لم يشأ: لم يَكُنْ، فما في السماوات وما في الأرض من حركةٍ ولا سكون إلا بمشيئة الله، ولا يكون في مُلْكِه ما لا يُريدُ البَتَّةَ.
** وهذه المرتبة ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، وأجمع عليها سلف الأمة:
قال -تعالى-:
стр. 116
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، وقال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال اللهُ : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
*ومن السنة:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ ". (١)
ومذهب أهل السنة والجماعة:
أن الله مُرِيدٌ لجميع أعمال العباد خَيْرِها وشَرِّها، ولم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً...﴾ [هود: ١١٨]، ولو شاء ألّا يُعْصَى لَما خَلَقَ إبليسَ؛ فكُفْر الكافرينَ، وإيمان المؤمنينَ بقضائه وقدرِه وإرادتِه ومشيئتِه، أراد كلَّ ذلك، وشاءه، وقَضاهُ. (٢)
وأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ في هذه المرتبة بين الجبرية الغُلاة في إثبات مشيئة الرب، والقدَرية النُّفاة لمشيئته .
فإنَّ أهل السنة والجماعة أثبتوا للرَّبِّ مشيئةً عامَّة، وأثبتوا للعبد مشيئةً، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله تعالى، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فلا يقع في مُلك الله ما لَم يشأْه الله -تعالى-. وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مُسَيَّرٌ أو مُخيَّر؟
فلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاقٍ، ولا مُخيَّرٌ بإطلاقٍ، بل يُقال:
إنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسبٌ له، يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصُل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلْقه وإيجاده.
стр. 117
وبيان ذلك في قَول الرسول ﷺ :
«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] الآيَةَ. (١)
وكلُّ ما يحصلُ من هداية وضلال: هو بمشيئة الله وإرادته، قال -تعالى-: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]
وقد بيَّن الله -عزوجل- للعباد طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولاً يُميِّزون بها بين النافع والضارّ، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكَه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسانٌ، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكَه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عَدْلٌ من الله سبحانه، قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]، أي: طريقَي الخير والشرِّ.
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [الكهف: ١٧].
٤ - المَرْتَبة الرابعة: الخَلْقُ:
وهى مرتبة ثابته بالقرآن والسنة وإجماع الأمة:
قال -تعالى-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى ﴿... أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] (٢)، وقال -تعالى-: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
وَصَنْعَتَهُ " (١)
وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ -كان يقول: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليها ومولاها...» (٢)،
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها...»؛ فالفاعل هو الله -تعالى-، فهوالذي يُطلب منه ذلك.
قال أبو العباس ابن تيميةَ:
"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن الله خالقُ كلِّ شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يُضل من يشاء، ويَهدي من يشاء... " (٣).
... وهُنا إشكال في قوله -تعالى-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فهل مِن خالقٍ مع الله؟
*والجواب أن يقال:
أنّ الخلق يطلق على فِعل الرب، ويُطلَق كذلك على فعل العبد، فأما إطلاق الخلق في فعل الله - تعالى - فعلى معنيين:
١ - المعنى الأول: خلقٌ هو إيجاد من العدم:
وهذا لا يكون إلا لله - تعالى- وحده، وهذا ما ورد في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقال -تعالى- بعد ذكره لخلق السماوات والجبال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (لقمان: ١١)، وقوله في الحديث القدسي:
... «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً». (٤)
٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو ٢ - خلق خلق إيجادلعدم:
:
٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو تحويل الشيء من صورة إلى صورة:
فيكون إطلاق لفظ "الخلق" هنا بمعنى الصنع والتقدير، فالعرب تسمِّي كل صانع خالقاً: وهذا المعنى
стр. 120
يقع في فعل الله تعالى، ويقع في فعل العبد، ولكنَّ الفرق كبير.
كما في قول زهير بن أبي سلمى:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ... وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي.
والمعنى: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.
وكذلك يقع معنى "الخلق " على المعنى الثاني في فعل العبد، كما في قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً...﴾ [العنكبوت: ١٧]، أَي تقدرونه وتهيئونه، فسمّى نَحْتَهم للأصنام "خَلقاً".
كذلك ما قد وردَ من فعل عيسي ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ [آل عمران: ٤٩]
فسمَّى فعله حين حوَّل الطين إلى هيئة الطير سمَّاه خلقاً.
* ومن السنة:
ما ورد في قوله ﷺ :
«إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِيَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». (١)
ومعلوم أنَّ المصوِّر لم يوجِد شيئاً من العدم، إنما حوَّلَ الطينَ أو الحَجَرَ إلى صورة إنسان أو طير.
وعلى هذا المعنى الثاني يُحمل قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فيكون المعنى المراد: " تبارك الله أحسن المقدِّرين ".
ومما يؤيد ذلك:
أن الله تعالى إنما ذكر قوله عزوجل (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) (المؤمنون: ١٤)، وقوله عزوجل (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)) (المرسلات: ٢٣)، بعد ذكره لمراحل خلق الإنسان في الموضعين، فتامل.
قال مجاهد في قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال:
" يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين ". (٢)
قال القرطبي:
"يقال لمن صنعَ شيئاً: خَلَقَهُ، ولا تُنفى اللفظة عَنِ البَشَرِ في معنى
стр. 121
الصُّنْع؛ وإنما هي منفيّة بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. (١)
قال ابن الجوزي:
الخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير،
فهذا المراد في قوله: " أَحْسَنُ الْخالِقِينَ "، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله -تعالى- خير المصوِّرين والمقدِّرين، وقال الأخفش: الخالقون ها هنا هم الصانعون، فاللهخير الخالقين". (٢)
* المُنازِعونَ في مَراتِب القدر:
أولاً القدرية:
فرقة القدرية هي أولُ من نازعَ في هذه القضية العَقَدِيّة، حيث قامت أصولُهم على نفي خلق الله لأفعال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية، وأن الله -تعالى- لم يقدِّرْها ولم يشأْها ولم يخلُقْها، ويزعمون أن الله -تعالى- أمرَ ونهى وهو لا يعلم مَن يطيعه ولا مَن يعصيه، وأن الأمر أُنُفٌ، أي: مستأنَف، أي: لم يَسْبِقْ به قَدَرٌ ولا عِلمٌ من الله -تعالى-، وإنما يَعلمه بعد وقوعه.
** والقدرية قسمان: غلاة، ومتوسِّطونَ:
أ) الغلاة المتقدِّمون:
أنكروا المرتبتين الأُولَيَيْنِ (علم الله، وكتابته)، وهذا القول هو أولُ ما حدثَ في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهرَ ذلك بالبَصْرَةِ معبد الجهنيّ، وأخذَ عنه هذا المذهبَ غيلان الدمشقيّ؛ فردَّ عليه بقية الصحابة، كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم ﵃.
وهؤلاء الغلاة المتقدِّمون الذين أنكروا علم الله وكتابته لأفعال العباد هم الذين كفَّرَهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد، وقال فيهم الإمام الشافعي:
"ناظِروا القدريةَ بالعلم، فإنْ أقرُّوا به خُصِموا، وإنْ أنكرُوه كفروا"، وقال مثلَه عمرُ بن عبد العَزيز. (٣)
стр. 122
وقد انعقدَ الإجماع على تكفير مَن جَحَدَ أن الله - تعالى - عالمٌ، أو غيرَ ذلك من صفاته الذاتية.
قال أبو بكر، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون، استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وفي رواية قال: " إذا جحد كفر". (١)
قال ابن القيم:
وسلف القدرية كانوا ينكرون العلم، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم. (٢)
ب) المتأخرون:
آمنوا بمرتبتَي العلم والكتابة، ولكن جَحَدوا عُموم المَرتبتينِ الأُخْرَيَيْنِ، فأقروا علم الله المتقدِّمَ، وكتابتَه السابقةَ، وأنكروا عموم المشيئة والخَلْق؛ فخالَفُوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مَقْدُورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جِهة الاستقلال، وقالوا بعموم مشيئة الله وخلقه، إلا في باب أفعال العباد؛ فقالوا:
إن الله على ما يشاء قدير، ولَمّا كانت أفعال العباد ليست مِمّا شاءه الله - تعالى - كانت لَيْسَتْ داخلةً تَحْتَ قُدرته.
وهذا المذهب- مع كونه مذهباً باطلاً أيضاً- هو أخفُّ من المذهب الأول.
عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (٣)
стр. 123
وهؤلاء هم مَن قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية:
هؤلاء فهُم مبتدعون ضالّون، لكنهم ليسُوا بمنزلةِ أولئكَ؛ وفي هؤلاء خلقٌ كثير من العلماء والعُبّاد كُتِبَ عنهم العلمُ، وأخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم؛ لكن مَن كان داعية إليه لم يُخْرِجوا له". (١)
* الرد على القدرية:
اعلمْ أولاً أن أصل الخلط والسقط عند القدرية إنما هو في: عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ فلا شك أن الله -تعالى- يُبغض الكُفر والفُسوق والعِصْيان، ولكنه قدَّر وجود هذه الأشياء لحِكَمٍ بليغة، وذلك وفْق إرادته الكونية، لا الشرعية؛ ولو أنهم فهِموا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لَنَجَوْا مِن تلك الفتنة!
*أولاً: الإرادة الكونية:
هي مُرادِفةٌ للمشيئة، وهذه الإرادة تَسْتلزم وقوعَ المُراد، ولا يَلزم أن يكون مرادها محبوباً لله مُرْضِياً له، بل قد يكون مكروهاً مسخوطاً له، ككُفر الكافرين، ومعاصي العاصين، ووجود المفسدين، وقد يكون معناها محبوباً مُرضياً لله -تعالى-، كوجود إيمان المؤمنين،، وطاعات الطائعين، ووجود رسل الله وعباده المخلصينَ.
الثانية: الإرادة الشرعية:
وهي إرادة دينية يحبها الله تعالى، ويَرضاها لعباده، وهي غير لازمة التحقُّق.
стр. 124
فبفهْمِ هاتين الإرادتين يدرك الإنسان أنّ كلّاً من الخير والشر بِيَدِ الله -تعالى-، وهو من تقديره : فالإرادة الشرعية هي المتضمِّنة للمَحَبّة والرِّضا، والإرادة الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.
** فإرادة الله للشيء قد تقتضي محبّتَه له، وقد لا تقتضي ذلك:
قال تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فهذا الذي أضله الله -تعالى- لم يكن سبحانه محبً لإضلاله، ولكنه أضله لحكمته السابقة فيه، وأضله على علمه السابق فيه أنه لا يصلح معه إلا هذا الذي قدَّره عليه.
*وتأملْ قول الله تعالى ﴿... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالله - تعالى- لا يحب وقوع الاختلاف والاقتتال، ولكنه شاءه ، وقدَّر وقوعه، فهو سبحانه يفعلُ ما يريد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا بأمره وتقديره. (١)
... فإن سألوا:
فكيف تستقيم الحكمة في تعذيب المكلَّفينَ على ذنوبهم، على القول إنّ الله - تعالى- خلقَها فيهم؛ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعلُه وخالقُه فيهم؟ (٢)
стр. 125
** فالجواب من وجوه:
١) الأول: إنه -تعالى- إنما يعذبهم على ما أحدثوه من ذنوب وكان بمشيئتهم وقدرتهم، وكونُه -تعالى- خالقاً أفعالَهم لا يمنع أن تكون أفعالهم مضافةً إليهم على الحقيقة؛ فلا تعارُض بين الأمرينِ إلا عند مَن ضاق أُفقُهُ.
٢) الثاني:
إنّ ما يُبتلَى به العبد من الذنوب، وإنْ كانت خَلقاً لله -تعالى- فهي عقوبة للعبد على ذنوبٍ قبلها، و ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، فالذنب يُكسب الذنب، ومِن عقاب السيئة: السيئةُ بعدها، فالذنوب يُورِث بعضُها بعضاً، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
ثانياً: الجبرية:
الجَبْرِيَّة: هم أتباع الجَهْم بن صَفوانَ، ويرجع سبب التسمية بذلك إلى أنهم قالوا: إنّ العبد مُجْبَر على أفعاله، ولا اختيار له، ولا إرادة، ولا مشيئة، وإن الفاعل الحقيقي هو الله -تعالى-، وإن الله سبحانه أجبرَ العِبادَ على الإيمان أو الكفر.
فالعبد عندهم مسيَّر، لا خِيارَ له أبداً؛ فهو كالرِّيشة في مَهَبِّ الرِّيح، وعلى هذا فإنه يكفيه في مسألة الحساب والجزاء أن يؤمن بالله -تعالى- بقلبه فحسْب مَهْما فعلَ من الكفر والمعاصي، حتى الشِّرك. تعالى الله عمّا يقولون! فمن أشركَ بالله عندهم ما دام عارفاً بالله فهو مؤمن!
فهؤلاء هم الجَبْريَّة الغلاة؛ لأنهم يرون أنه ما دام الفعل كله لله -تعالى-، فلا حسابَ على العباد إلا بما يتعلق بالمعرفة في القلب؛ فمن عرَفَ اللهَ سبحانه نجا، ومن أنكرَ اللهَ هَلَكَ، والمَرْءُ وإن كان عاصياً لله فهو مُطيعٌ لإرادته. (١)
стр. 126
ومذهب الجَبريَّة مِن أخبثِ المذاهبِ وأَبْطَلِها؛ لأنه يجعل الله -تعالى- ظالماً لعباده. نعوذ بالله من الخذلان!
*ومن شبهات الجَبريَّة:
الأولى: استدلالهم بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
على أن الفعل ليس للإنسان، وإنما هو لله تعالى؛ لأن الله -تعالى- هو الذي رمى!
**وقد رد أهل السنة عن هذه الشبهة:
بأنّ المعنى: ما أَصَبْتَ الهدف، ولكن الله -تعالى-هو الذي وفَّقَ لإصابته؛ فأنت الذي رمَيتَ، والله -تعالى- هو الذي وفَّقَ للإصابة، بدليل: أنه -تعالى- أثبتَ لرسوله ﷺ ذاتَ الفعل، وأضافه له، فقال: "إذ رميتَ) "
٢ - الثانية:
قالوا: إنَّ العمل ليس سبباً في دخول الجنة؛ وذلك لما روى أَبِو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أن رَسُول اللهِ ﷺ قال:
«قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (١)
الرد على هذه الشبهة:
قد بيَّن الله -تعالى- أن الأعمال الصالحة أسبابٌ لدخول الجنة، كما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال -تعالى-: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)) (الحاقة: ٢٤)
*وأما الحديث: (وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ):
فهو يبين أن دخولهم الجنة ليس بمجرد العمل، والمعنى:
لن يدخل أحدكم الجنة عوضاً عن عمله، فيستحق الجنة، كما يستحق الأجير أجره، بل الدخول برحمة الله تعالى، فالباء المنفية في الحديث في قوله ﷺ : "بعمله": هى باء العِوض والمقابلة.
وأما الباء المثبتة قوله سبحانه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ فهى باء
стр. 127
السببية: يعني: أن دخلوكم للجنة بسبب ما كنتم تعملون.
فيكون دخول الجنة برحمة الله تعالى، ولكن للفوز برحمة الله -تعالى- سبب رئيس ألا
وهو العمل الصالح، فمن جاء بالسبب نال الرحمة، ومن لم يأتِ بالسبب لم ينل الرحمة، وبذلك تتفق النصوص ولا تختلف.
-قال ابن القيم:
توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمناً وعوضاً لها، رداً على القدرية، والمعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فهذه باء السببية. (١)
** ومن الرد على الجَبريَّة أيضاً:
قوله تعالى ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله تعالى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقول رسول الله ﷺ :
«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»
والأدلة كثيرة على أن فعل العبد صادرٌ باختياره، لكن هذا الاختيار تابع لمشيئة الله تعالى؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
... أمّا الدليل الواقعي:
فإنّ كل إنسان يفعل الأفعال وهو لا يشعُر أنّ أحداً يُجبره عليها، فيحضر إلى الدرس باختياره، ويغيب عن الدرس باختياره؛ ولهذا إذا وقعَ الفعل من غير اختيار لم يُنسَبْ إلى العبد، بل يُرفع عنه إثْمُه أو ثوابه.
* الثالثة:
احتجاجهم بالقدر على المعاصي:
стр. 128
*والجواب:
قال النووي:
"إنْ قيل: فالعاصي منا لو قال: هذه المعصية قدَّرَها الله عليَّ، لم يَسقُطْ عنه اللوم والعقوبة بذلك، وإن كان صادقاً فيما قاله؛ فالجواب: أن هذا العاصي باقٍ في دار التكليف، جارٍ
عليه أحكام المكلَّفينَ من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومه وعقوبته زجرٌ له ولغيره عن مِثل هذا الفعل، وهو مُحتاجٌ إلى الزجر ما لم يمُتْ". (١)
... قال ابن العثيمين:
"أفعال العباد كلها من طاعات ومعاصٍ كلها مخلوقة لله، ولكن ليس ذلك حُجَّةً للعاصي على فعل المعصية؛ وذلك لأدلة كثيرة، منها:
(١) أن الله أضاف عمل العبد إليه، وجعلَه كسباً له، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولو لم يكن له اختيارٌ في الفعل وقدرةٌ عليه ما نُسِبَ إليه.
(٢) أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلِّفْه إلا ما يستطيعُ؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولو كان مُجبَراً على العمل لَما كان مستطيعاً الفعلَ أو الكَفَّ؛ لأن المُجبَر لا يستطيع التخلُّص.
(٣) أن كل واحد يعلَم الفرق بين العمل الاختياري والعمل الإجباري، وأنّ الأول يستطيع التخلُّص منه.
(٤) أن العاصي قبلَ أن يُقْدِمَ على المعصية لا يدري ما قُدر له، وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك؛ فكيف يسلك الطريق الخطأ ويَحتجُّ بالقدَر المجهول؟ أليس مِن الأَحْرَى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قُدِّر لي؟!
(٥) أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطْع الحُجَّة، قال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولو كان القدر حُجَّة للعاصي لَما انقطعتْ بإرسال الرسل؛ ونعلم أن الله ما أمرَ
стр. 129
ولا نهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر على معصية، ولا اضطرَّه إلى ترك طاعةٍ؛ قال الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴿[غافر: ١٧]؛ فدلَّ ذلك على أن للعبد فعلاً وكسباً، يُجزَى على حَسَنِه بالثواب، وعلى سَيِّئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره. (١)
* ثالثاً: قول الأَشاعرة:
وهؤلاء أيضاً ممن خالفوا أهل السنة في هذا الباب، حيث قالوا بما يُعرف بنَظَرِيّة (الكَسْب)، وقالوا: إن العبد فاعلٌ بالاختيار، وهو يَفعلُ حقيقةً بقدرةٍ، لكنّ قدرته غيرُ مؤثِّرة.
فوافقَ الأشاعرةُ أهلَ السنة في إثبات خلْق اللهِ أفعالَ العباد الاختياريةَ والاضطراريةَ، إلّا أنهم نسبوا فعل الإنسان الاختياريَّ إليه كَسْباً لا خَلْقاً، وعرّفوا الكسْب -كما قال شارح [أُمّ البَراهين] (ص ٤٥) -: "الكسْب: مقارَنةُ القدرةِ الحادثةِ للفعل مِن غيرِ تأثيرٍ".
فبذلك أرادوا الفرار من قول الجبرية، فقالوا بالكسب، وهو إثبات اختيار وقدرة حادثة للعبد.
стр. 130
كما أنهم أرادوا الفرار من قول المعتزلة، فقالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل، فلا يوجَد تأثير للأسباب في مسبَّباتها.
ويقول السنوسي:
"وكما أن القدرة الحادثة لا أثر لها أصلاً في فعل من الأفعال، كذلك لا أثرَ للنار في شيء من الإحراق، بل أجرى الله العادة بإيجاد تلك الأمور عندها، لا بها؛ وقِسْ على هذا ما يوجد من القطع عند السِّكِّينِ، والألمِ عند الجوع، والشبع عند الطعام". (١)
وقد خصَّص الرازي فصلاً طويلاً في [المطالب العالية] (٩/ ٤٧) لبيان عدم تأثير قدرة العبد.
*وإنْ تعجبْ فعجبٌ قولُهم:
فقد نقلَ السنوسي عن ابن دهاق في [شرح الإرشاد (ص/١٤٨)] أنّ مِن أصناف الشرك:
اعتقادَ تأثيرِ السبب في مُسبَّبه، كاعتقاد أن النار تُحرق، والطعامَ يُشبع!!
*الرد على الأشاعرة:
١ - تفسيرالأشاعرة للكسْب بالاقتران:
باطلٌ فى أصله؛ فالكسب في اللغة هو الطلب والجمْع.
وكذلك في القرآن، كقوله -تعالى-: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]؛ إذ استُعمل في فعل كلٍّ من الصالحات والسيئات.
٢ - كما أن فرارهم من قول المعتزلة أوقعَهم في الجبر المتوسط؛ وهذا ما دفعَ التفتازاني في (شرح المقاصد ٤/ ٢٦٣) إلى أن يقول: "فالإنسان: مضطرٌّ في صورة المُختار".
ونصَّ على مِثله السنوسي بقوله: "والحقُّ أنّ العبد مجبورٌ في قالب مُختار". (٢)
стр. 131
وقال الرازيّ بعد أن أورد إشكالات على نظرية الكسب:
"وعند هذا التحقيق يَظهر أنّ الكسب اسمٌ بلا مُسمًّى". (١)
وهذا حقيقة قولهم؛ إذ يَلزم من مقارَنة القدرة الحادثة للفعل القول بتكليف العاجز؛ لأن هذه المقارنة لا تؤثر أصلاً؛ إذ إنّ إثبات الأشاعرة مقارنة القدرة الحادثة للفعل ليس بشيءٍ،
ولا طائلَ تحتَه، إذْ لا مَزِيّةَ مِن إثباتها ما لم تؤثر في الفعل أصلاً.
ويقول السنوسي: "ويسمَّى العبد عند خلق الله -تعالى- فيه هذه القدرةَ المقارنةَ للفعل: مختاراً". (٢)
فيتضح من كلامه: أن الكسب يُطلق على خلق القدرة في العبد؛ وعليه فهو اختيار لا معنى له.
لذلك أثبتَ شيخ الإسلام ابن تيمية في غيرما موضعٍ: أنّ مسألة الكسب عند الأشاعرة لا حقيقة لها؛ إذْ ما دام العبد ليس بفاعلٍ ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، فالزعم بأنه كاسبٌ، وتسميةُ فعله كسباً: لا حقيقة له.
٣ - قولهم هذا خلافُ الشرعِ، والمشاهَدةِ، ويَلزم عليه لوازمُ باطلةٌ، وحقيقته رجوعٌ إلى قول الجبرية، ويَلزم عليه ما لَزمَ على قول الجبرية، حتى اعتبر الجُوينيّ القولَ إنّ قدرة العبد غير مؤثرة -وهو مذهب أصحابه الأشاعرة- تكذيباً للرسل، وإلغاءً لأوامر الشرع.
ونقل الشهرستانيّ عنه أن "إثبات قدرة لا أثر لها بوجهٍ، فهو كنفْي القدرة أصلاً". (٣)
٤ - قولهم بالكسب على هذا النحو مخالف لقول جماهير أهل السنة، فمذهب سلف الأمة وأئمتها وجمهور أهل السنة المثبِتينَ للقدر من جميع الطوائف أنهم
стр. 132
يقولون: إن العبد فاعلٌ لفعله حقيقةً، وإنّ له قدرةً حقيقيةً واستطاعة حقيقية (١).
**كما أنه يلزم عليه لوازم فاسدة كثيرة تفتح باباً للإلحاد والكفر بهذا الدين، منها:
١ - أنه لو كان العبد غير فاعل على الحقيقة واللهُ هو الفاعل حقيقةً، لَلَزِمَ أن يكون المصلي الصائم العابد هو اللهَ، وأن يكون الزاني السارق القاتل هو الله! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
٢ - ولو كان العبد غير فاعل على الحقيقة، لَكانَ تعذيبه على المعاصي: ظلماً وجُوراً، ولكان إثابته على الطاعات: عبثاً.
٣ - لو كان العبد غير فاعل حقيقةً لَما كان لإرسال الرسل وإنزال الكتب والتبشير والإنذار مَعنًى؛ إذْ لا طائعَ ولا عاصيَ على الحقيقة!
وكيف يكون العبد فاعلاً مختاراً، ثم يقال: إنه فاعلٌ مجازاً؟ فما وقع فعلٌ منه أصلاً!
وأيُّ محذورٍ في أن يقال: إن العبد: فاعلٌ حقيقة، والله: خالِقه وخالق قدرته وإرادته؟! فلا خالقَ إلا اللهُ، وخالق السبب التامّ: خالقٌ للمسبَّب.
ثمّ إن هذا القول الباطل يَعلم بُطْلانه كلُّ عاقلٍ بالمشاهَدة، فنحن نرى زيداً من الناس يأكل ويشرب ويَنكِح؛ فمَن الذي يفعل ذلك حقيقةً؟! أو: ليس له فاعل حقيقة؟!
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
وهذا القائل لو جاء زيدٌ هذا فضربَه وشَتَمَه وهَتَكَ عِرضه- هل يلومه على فعله، أم يَعذِرُه لأنه ليس فاعلاً حقيقةً؟!
قال أبو العباس ابن تيمية:
"والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، والمصلي والصائم. وللعِبادِ القدرةُ على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
стр. 133
وهذه الدرجة من القَدَر يكذِّب بها عامّةُ القدرية الذين سمَّاهم النبي ﷺ : مَجُوسَ هذه الأمّة". (١)
... وختاماً نقول:
إن باب القدر باب من الخطورة بمكانٍ، فَلَكَمْ زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ.
وصدقَ ابن القيم ﵀ إذ يقول:
"القدر بحرٌ محيطٌ لا ساحلَ له، وقد سلك الناس في هذا الباب في كلّ وادٍ، وخاضت فيه الفرَق على تبايُنها واختلافها، وصنَّفت فيه الطوائفُ على تنوُّع أصنافها، وكلٌّ قد اختار لنفسه مذهباً لا يعتقد الصواب في سِواه،، وكلهم -إلا من اهتدى بالوحي- عن طريق الصواب مصدود، وباب الهُدى في وجهه مسدود، قد قَمَّشَ علماً غير طائل، وارتوى من ماء آجِن "، قد طاف على أبواب المذاهب، ففاز بأخسِّ الآراء والمَطالب". (٢)
أقول:
فعلى العبد إنْ قَصُرَ فَهمه عن إدراك حقيقة القدر من كتاب الله والسنة وما سطَّره الراسخون من الأئمة، فعليه أنْ يقف على هذه الأصول الأربعة، فإنها -إن شاء الله- تُلَمْلِمُ له شَتاتَ ذهنِه، وتُرشده لما قدَّره الله -تعالى- بحكمته وإذنه.
... وهذه الأصول هي: (كمال المِلْكية / كمال العَدْل / كمال الحِكمة / كمال الاصطفاء).
١) الأصل الأول: (كمال الملكية):
قال -تعالى-: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال اللَّه -تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ...﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال النبي ﷺ :
«مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ -إذَا أَصابَهُ هَمٌّ أَوْ حَزَنٌ-: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ. أَسْأَلُكَ
стр. 134
بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ...» (١)،
هو مَلِكُ الناس حقّاً، وكلهم عبيده ومماليكه، فالمُلك مُلكه، والخَلق عبيده، وهو ربُّهم، ونَواصِيهِمْ بيده، يُصرِّفُ أمور عباده كما يحبّ، ويقلّبهم كما يشاء، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله -تعالى- لا يُسأل عما يفعل؛ لِكمال مِلكيته وحكمته وعدله.
إنّ الخلْق لا يَرْضَى الواحد منهم أن يراجعه أحدٌ إذا تصرف فيما يَملكه؛ فكيف بمالِكِ المُلك؟!
٢) الأصل الثانى: كمال العدل:
قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩]،
وقال النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ:
«يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلَا تَظَالَمُوا...» (٢)،
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟
فَيَقُول: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ:
إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ "، قَالَ:
«فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (٣).
**فالله -تعالى- الذي وَسِعَتْ قدرتُه كل شيء قد حرَّم الظلم على نفسه؛ وذلك لكمال عدله
، فما مِن جزاءٍ قضاه الله -تعالى- على عبد من عباده في الحال أو المَآل إلا
стр. 135
وعَدْلُ الله -تعالى- ظاهرٌ بَيِّنٌ فيه، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً...﴾ [الأنعام: ١١٥]،
ومن شكَّ وارتاب في ذلك فإنَّ هذا ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
قال ابن كثير:
"ثم قال -تعالى-: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، أي: ونطقَ الكونُ أجمعُه -ناطقُه وبَهيمُه- لله رب العالمين بالحمد في حُكمه وعدْله؛ ولهذا لم يُسنِدِ القول إلى قائلٍ، بل أطلقَه؛ فدلَّ على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له بالحمد. (١)
قال ابن القيّم:
" ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فحذَفَ فاعلَ القول لأنّه غيرُ معيَّنٍ، بل كلُّ أحدٍ يحمَده على ذلك الحكم الذي حكم فيه، فيحمده أهل السماوات وأهل الأرض، والأبرار والفجّار، والإنس والجن، حتى أهل النار. قال الحسن أو غيره: "لقد دخلوا النار وإنّ حَمْدَه لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلاً". (٢)
... ألا ترى أنهم ما حَمِدوا ربهم إلا لمَّا رأوا آثار عدْله فيهم؟!
٣) الأصل الثالث: كمال الحكمة:
فلله -تعالى- الحجة البالغة، وله الحكمة الكاملة، ذكرَ - تعالى - حكمته فيما يزيد عن ثمانين موضعاً من كتابه باسمه وصفته.
فهو (الحكيم) الذي يضع الأشياءَ مَواضِعَها، ويُنزلها منازلَها اللائقة بها في خلْقه وأمره، وهو ذو حكمة في قَسْمه وحُكمه، في هدايته وإضلاله لخلقه.
الله أعلم حيث يجعل هدايته، هو الحكيم في أحكامه القدَرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية، ومَن أحسنُ من الله حكمةً وحكماً؟!!
هدى هذا بقدَره، ولِعلمه أنّ قلبه أرض طيبة تَقبل الهدى وتتنتفع به، وأضلَّ ذاك بقدره، ولعلمه أنّ قلبه أرض خبيثة لا تقبل الهدى، فـ ﴿أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]،
خذلَه عن مَحَجَّة الطريق
стр. 136
وسبيل الرشاد في سابق علمه على علمٍ منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية! (١).
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]؛ فكذلك القلوب لمّا خاطبَها نداءُ الإيمان وافى محلّاً محباً في قلب المؤمن، ووافى محلاً سِباخاً في قلب الكافر.
٤) الأصل الرابع: كمال الاصطفاء:
احمدْ ربك أن عافاك وهداك واصطفاك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. واستشعرْ فضله عليك: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨].
﴿قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. قال -تعالى- في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ...» (٢).
فاللهم ربَّنا لك الحمد عددَ خلْقِك، ورِضا نفْسِك، وزِنةَ عرشِك، ومِدادَ كلماتِك، اللهم لولا فضلك علينا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزِلَنْ سكينةً علينا، وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقَيْنا. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ...﴾ [الأعراف: ٤٣]، فاللهم أتْمِمْ نعمتك علينا حتى نسمعَ ما أخبر به رب العزة ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تعملون﴾ [الأعراف: ٤٣].
................................................... ،،،،،،،
**تم بحمد الله...
стр. 137
الحديث الخامس: السنة المأثورة في شرح حديث الصورة
стр. 138
** نص. الحديث:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
... «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ، وَطُولُهُ: سِتُّونَ ذِرَاعاً، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: "وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».
تخريج الحديث: أخرجه البخاري: كتاب الاستئذان، باب: بَدْء السلام (٦٢٢٧)، ومسلم:
كتاب الجنة، باب: يدخل الجنة أقوامٌ أفئدتُهم مِثْلُ أفئدة الطير برقم (٢٨٤١).
*وقفات مع فوائد حديث الباب:
١ - الفائدة الأولى:
قول النبي ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ»:
اختلف العلماء في مَرْجِعِ الهاء في قوله «صُورَتِهِ»، هل الهاء تعود إلى الله ، أم تعود إلى آدم ﵇؟
١)) القول الأول:
يُروى عن الإمام مالك أنه كان ينهى عن التحديث بهذا الحديث، وكان ينكر على من يحدّث به، وينهى عن التحدُّث بها. (١)
стр. 139
٢)) القول الثاني:
أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو آدم ﵇.
ويدل على ذلك السِّياق؛ فهو من المقيِّدات والمرجِّحات، ففي الحديث:
«خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَطُولُهُ: سِتُّونَ ذِرَاعاً»، فالجملة الثانية قد بُنيت على الأولى، والمعنى: أن آدم ﵇ له ميزة عن سائر الخلْق؛ فسائرُ الخلقِ يجري عليهم قولُه تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [سورة المؤمنون: ١٢ - ١٤]
أما آدم ﵇ فقد خلقه الله - تعالى - على صورته التي هو عليها، ستون ذراعاً، فلم يمرْ بأطوار الخلق التي مرَّ بها سائر الخلق مِن بعدِه، كما قال تعالى عنه ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]. (١)
стр. 140
٣)) القول الثالث:
قالوا: إن الهاء تعود إلى الله .
ويقولون: الصورة هي وصف لآدم ﵇، وإنما أضاف الله صورة آدم ﵇ إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ، أو مِلْكِيّةٍ.
وممن قال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن حزم. (١)
٤)) القول الرابع:
وهو الراجح الصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة، والذي نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جمهور السلف.
هو أن الهاء تعود إلى الله ، وأن ذلك يقتضي القولَ بظاهر الحديث مع إثبات صفة الصورة لله على ما يَليق به -سبحانه-.
فالقول إن الله خلق آدم ﵇ على صورة الله لا يَلزَمُ مِنه المماثلة؛ بدليل قوله ﷺ : «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (٢)،
فمراده ﷺ : أن أول زمرة هم على صورة البَشَر، ولكنهم في الوضاءة والحُسْن والجمال واستدارة الوجه وما أشبهَ ذلك: على صورة القمر، فصُورتهم: فيها شَبَهٌ
стр. 141
بالقمر، لكن دُونَ مماثَلةٍ.
فتبيَّنَ أنه: لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثِلاً له من كل وجهٍ، ولا يلزم أن يكون على مَثيل صورة القمر.
** وقال شيخ الإسلام في ردِّه على الرازيّ في تأويله للحديث:
"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاعٌ في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مُستفيضٌ من طُرُقٍ متعدِّدة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك، وهو أيضاً مذكور فيما عندَ أهل الكِتابَيْنِ، حتى ظهرَ الجهميةُ، فزعموا نسبة الهاء لآدم ﵇ تنزيهاً لله عن صفة الصورة". (١)
* لما سئل الإمام أحمد عن حديث الصورة، وهل الهاء تعود إلى غير الله ؟
قال: "مَن قال ذلك فهو جهميّ، وأيُّ صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟! ". (٢)
**قال ابن قُتيبة: "والذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجبَ من اليدينِ والأصابعِ والعينِ، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها، ووقعت الوَحْشةُ من هذه لأنها لم تأتِ في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيّةٍ ولا حَدٍّ". (٣)
تنبيه:
قد ذهب الجهمية والمعتزِلة إلى نفي الصورة عن الله بدعوى نفْي المماثَلة والمشابَهة بين الله -تعالى- وخلْقه...
قال القاضي عبد الجبار -وهو يعرِّض بأهل السنة-:
"ثم حَدَثَ قومٌ من المشبِّهة
стр. 142
زعموا أن الله -تعالى- على صورة الإنسان، ورَوَوْا فيه خبراً، وهو «إنّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته»، ولو كان الله -تعالى- على صورةِ آدمَ لَما صَحَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ". (١)
*ونَفْيُهم هذا بيِّنُ البُطْلانِ مِن وُجوهٍ:
١ - الأول:
من ينظر في كتب الأئمة التي ألّفوها لبيان صفات الله يجدُ أن أكثرَهم أوردَ فيها أحاديث الصورة:
فقد أوردها ابن أبي عاصم في [السّنّة]، والآجريّ في [الشريعة]، واللالَكائيّ في [شرح اعتقاد أهل السنة]، والدارَقُطني في [الصفات]، وعبد الله ابن الإمام أحمد في [السّنّة].
ولا معنى لإيرادهم هذه الأحاديث إلا إثباتهم لمدلولها، وهو:
(١) أن الله -تعالى- يوصف بأن له صورةً ليست كالصُّوَر.
(٢) وأن آدم ﵇ خُلق على صورة الرحمن ؛ إذ ليس في هذه الأحاديث مما يتعلق بصفات الله إلا هذين المدلولينِ، وهم أئمة ناقدون بصيرون متبوعون، فلو كان لهم فيها رأيٌ أو قول يخالف مدلولها أو شكٌّ في صحتها لَبيَّنُوه. (٢)
٢ - الثاني:
وأما قولهم: "ولو كان الله -تعالى- على صورة آدم-﵇ لعارض ذلك قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] "
فالرد عليه أن يقال:
إنكم لم تعرفوا من الإثبات إلا ما كان لازمه التشبيه والتمثيل، فنظرتم لأدلة الصفات نظرةً قاصرةً، وأما أهل السنة فهم أسعد الناس بالأخذ عن الله -تعالى- وعن رسوله ﷺ ، فقد أعملوا أدلة الصفات، فأثبتوها لله تعالى، وأعملوا أدلة التنزيه، فجعلوا الصفات الإلهية ثابتة لله -تعالى- على ما يليق به، فلا سَمِيَّ له، ولا كُفُؤَ له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
стр. 143
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ثم إنكم ترمون غيركم بما هم في حِلٍّ منه؛ فإن أهل السنة إذْ يثبتون الصورة لله ما كيّفُوها بكيفٍ، ولا شبَّهوها بغيرٍ؛ لأن مثل هذه الفروع التي هي التشبيه والتكييف إنما تُبنى على أصل لم يتحقق وجودُه، وهو رؤية الله تعالى.
*فرع:
هناك رواية صحيحة تَحْسِمُ هذا النزاع، رواية يرويها ابن أبي عاصمٍ في كتاب [السّنّة]، ورواها الحاكم، ورواها الآجري في [الشريعة]، هذه الرواية: «إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ». (١)
стр. 144
*تنبيه مهم:
ما يُروى عن الإمام مالك ﵀ من كراهته التحديثَ بأحاديث الصورة، فالجواب عليه مِن وُجوهٍ:
١ - أن الإسناد إليه في ذلك فيه مَقالٌ، فهو مرويّ عن مِقدامِ بنِ داودَ، وقد تكلم بعض الأئمة في هذا الراوي.
٢ - أن الإمام مالكاً لم يَبْلُغْه حديثُ الصورة.
قال الذهبيّ: "أنكر الإمام ذلك؛ لأنه لم يثبُت عندَه ولا اتّصلَ به، فهو معذورٌ". (١)
٣ - أنّ الإمام مالك -على تقدير أنه ثَبَتَ عنه النهي عن التحديث بحديث الصورة- لعلَّه كان يخشى أن يكون في التحديث بذلك فتنةٌ لبعض الناس، فيشبّهوا اللهَ بخلقه، أو يتأولوا الحديثَ بما يوافق أقوال الجهمية.
وهذا الذي رجحه ابن عبد البَرّ، حيث قال: "وإنما كَرِهَ ذلك مالكٌ خشيةَ الخوض في التشبيه بكيفٍ هاهُنا". (٢)
وقد قال ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما أنتَ بمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنةً". (٣)
قال ابن قُدامةَ:
"ومِن أجْل ذلك فقد صحَّ عن عمرَ بن الخطاب ﵁ أنْ عاقَبَ صبيغ العراقيّ لأجْل سؤاله عن المتشابه".
وقد قيل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، إنّا لَقِينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهُمَّ أَمْكِنِّي منه. قال: فبَيْنَما عُمَرُ ﵁ ذاتَ يوم يغدي الناس إذْ جاءه عليه ثياب وعِمامة، فتغدى حتى إذا فَرَغَ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً *
стр. 145
فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾
[الذاريات: ١ - ٢]، فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه، فحَسَرَ عن ذراعيه، فلم يَزَلْ يَجلِده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفسي بيده، لو وجدتك محلوقاً لَضربتُ رأسك، أَلْبِسوه ثيابَه، واحْمِلُوه على قتب، ثم أَخْرِجوه حتّى تَقْدُموا به بلادَه، ثُمَّ لْيَقُمْ خطيبٌ، ثمَّ لْيَقُلْ:
إنّ صبيغاً طلبَ العلمَ فأخطأَ، فلم يَزَلْ وضيعاً في قومه حتى هَلَكَ وكان سيّدَ قومِه. وهو ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه مالك. (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"الشيء قد يُمنع سماعُه لبعض الجُهّال وإنْ كان متفَقاً عليه بين علماء المسلمين". (٢)
** ولكنّ القول ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وأما إنْ قيل: إنّ مالكاً كرِه التحدُّثَ بذلك مُطلَقاً فَهَذَا مَرْدُودٌ على مَن قالَه؛ فقدْ حدَّثَ بهذه الأحاديثِ مَن هم أجلُّ مِن مالكٍ عند نفسه وعند المسلمين، كعبد الله بن عمرَ، وأبي هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبي رَباحٍ، وقد حدَّثَ بها نظراؤه، كسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، وابن عُيينة؛ والثوريُّ أعلمُ من مالكٍ بالحديث، وأحفظه له". (٣)
*فرع: معنى الصورة:
الصورة في اللغة: الشكل، والهيئة، والحقيقة، والصفة، فكل موجود لا بد أن يكون له صورة.
قال ابن الأَثير: "الصُّورة تَرِد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى مَعْنَى: حقيقة