وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ:
أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: "بَلَى"، قَالَ:
فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ بَلَى، قَالَ:
فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا ". (١)
وَفِيهِ بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه، وأَنَّ النَّقْصَ مِنَ الطَّاعَاتِ نَقْصٌ مِنَ الدِّينِ (٢).
*عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». (٣)
وكان معَاذ بن جبل -رضى الله عنه- يَقُول للرجل من إخوانه: " اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً ". (٤)
* وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: «هلموا نزداد إيماناً، فيذكرون الله تعالى». (٥)
*الإجماع على أن الإيمان يزيد وينقص:
قال ابن عبد البر:
أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان. (٦)
وقال ابن كثير:
فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (٧)
* الإيمان عند الفِرَق وأقوالهم فيه:
تدور رحى المخالفين لأهل السنة في باب
стр. 247
الإيمان بين غلاة التكفير، وهم الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وبين دعاة الإرجاء على اختلاف دركاتهم، بدءاً من غلاة الإرجاء وهم الجهمية، حتى مرجئة الفقهاء.
* ذكر فرق الإرجاء:
وقد أطلق مصطلح الإرجاء لأحد أمرين:
(١) لأن أصحابه غلَّبوا جانب الرجاء.
(٢) أن الإرجاء من تأخيرالعمل الجوارح، وإخراجه من الإيمان.
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري فرق الإرجاء فبلغ بها اثنتا عشرة فرقة (١)، نذكر أهمها وهو أربعة:
(الجهمية - الكرَّامية - مرجئة الفقهاء - الأشاعرة والماتردية)
١ - أولاً: الجهمية:
وهم من يطلق عليهم غلاة المرجئة، فإن الإيمان عندهم هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فجهم قد حصرالإيمان فى معرفة القلب.
* ولكن هنا فوائد:
... (١) لا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ثمة فرق بين القول بأن الإيمان هو المعرفة، وبين القول بأنه مجرد التصديق.
قال ﵀:
" وأيضا فإنَّ الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد الذي يُجعل قول القلب؛ أمر دقيق وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلَّاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق ".
إلى أن قال:
والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقاً مجرداً عن انقياد وغيره من
стр. 248
أعمال القلب بأنه صادق. (١)(٢) جهم وإن حصر الكفر فى جهل القلب، إلا أنه التزم القول بأن من أتى المكفِّرات الظاهرة فهو كافر فى أحكام الدنيا، مع الحكم بأنه مؤمن فى الباطن، وأنه من أهل الجنة.
(٣) قد تخبَّط جهم - بناء على أصوله الفاسدة فى الإيمان - فى حكم تكفيرفرعون؛ ففي " الفتوحات " يحكم عليه بالكفر زاعماً أنه لم يكن فى قلبه شيء من المعرفة بالله، وأما فى "الفصوص" فيقول:
"إن فرعون مات مؤمناً، وقُبض طاهراً مطهَّراً "!! (٢)
* الرد على قول الجهمية:
١ - لقد كان إبليس عارفاً بالله مصدِّقاً بربوبيته، قال الله -تعالى- حاكياً عن إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر/٣٩) وقال (فَبِعِزّتك لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص/٨٢)
وكذلك كان فرعون قال تعالى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء/١٠٢)، وقال تعالى عن فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل/١٤)
ممَّا يدل على أن إبليس وفرعون كانا يصدِّقان بوجود الله - تعالى - ويعرفونه، ومع ذلك لم ينفعهم هذا التصديق وحكما عيهم بالخلود في النار، فدل ذلك أن المعرفة وحدها لا يصح بها الإيمان، وأن الكفر لا يختص بالجهل كما زعم جهم ومن وافقه.
٢ - قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَ وَهمْ يعلَمونَ) فأخبر الله - تعالى - بمعرفة اليهود لصدق النبي- ﷺ ومع ذلك لم ينفعهم ذلك، بل قاتلهم الرسول ﷺ وأخرجهم من ديارهم.
стр. 249
قال ابن حزم:
قد نَص الله -على أَن الْيَهُود يعْرفُونَ النَّبِي ﷺ كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَأَنَّهُمْ يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَقَالَ تَعَالَى
﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ وَأخْبر تَعَالَى عَن الْكفَّار فَقَالَ
﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ فَأخْبر- تَعَالَى- أَنهم يعْرفُونَ صدقه وَلَا يكذبونه، وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم كفَّار بِلَا خلاف من أحد من الْأمة، وَمن أنكر كفرهم
فَلَا خلاف من أحد من الْأمة فِي كفره وَخُرُوجه عَن الْإِسْلَام، وَنَصّ تَعَالَى
عَن إِبْلِيس أَنه عَارِف بِاللَّه تَعَالَى وبملائكته وبرسله وبالبعث وَأَنه قَالَ ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَقَالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وَهُوَ مَعَ ذَلِك كُله كَافِربِلَا خلاف. (١)
قال ابن القيم:
أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول- ﷺ بل ويقرُّون به سراً وجهراً، ويقولون ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. (٢).
٣ - زعمهم أن إتيان الكفر بالجوارح واللسان ليس بذاته كفراً، بل يكون دالاً على
ما في قلوبهم من الكفر فهذه منهم دعاوى كاذبة مفتراة، لا دليل لهم عليها ولا برهان لا من نص ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من حجة عقل أصلاً ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول أحد من السلف قبل اللعين جهم بن صفوان.
قد قَالَ تعالى ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة: ٧٤)، فنص تَعَالَى على أَن من الْكَلَام مَا هُوَ كفر.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (النساء: ١٤٠)
فنص تَعَالَى أَن من الْكَلَام فِي آيَات الله - تَعَالَى - مَا هُوَ كفر بِعَيْنِه مسموع.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
стр. 250
وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: ٦٥)
فنص تَعَالَى على أَن الِاسْتِهْزَاء بِاللَّه -تَعَالَى- أَو بآياته أَو برَسُول من رسله كفر، فَخرج عَن الْإِيمَان، وَلم يقل تَعَالَى فِي ذَلِك أَنِّي علمت أَن فِي قُلُوبكُمْ كفراً، بل جعلهم كفَّارًا بِنَفس الِاسْتِهْزَاء، وَمن ادّعى غير هَذَا فقد قَوَّل الله -تَعَالَى - مَا لم يقل، وَكذب على الله تَعَالَى. (١)
٤ - من اللوازم الباطلة لقول الجهمية:
أ) الحكم بالإيمان على كل من صدَّق الرسول ﷺ ، وإن حارب دعوته وعارض شريعته، ولم يلتزم متابعته لا ظاهراً ولا باطناً.
ب) أن المصدِّق بقلبه لا يضره أن يجحد بلسانه، لأن الإيمان الذي يبنى على مجرد المعرفة لا يزول بجحود اللسان.
٢) ثانياً: الإيمان عند الكرَّامية:
والإيمان عند الكرَّامية هو قول اللسان، وهو قول مجرد، لا هذا القول الذي يقوله القائل الآن أنه لا إله إلا الله، ولكن هذا القول الذي صدر عن ذرية آدم في وقت الميثاق. وأنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، دون اشتراط تصديق القلب أوعمل الجوارح في أحكام الدنيا، فمن تكلَّم بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان؛ لأن النبي ﷺ قَبِل إسلام الناس بمجرد قولهم للشهادتين.
* لذا فالمنافق - وإن أظهر نفاقاً واضحاً - فهو عندهم مؤمن، إلا إنه يخلَّد فى النار. (٢)
стр. 251
* الرد على الكرَّامية:
قد نص شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا قول الكرَّامية في الإيمان هو قول ابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أُحدث من الأقوال في الإيمان.
قد قال تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)) ... (الحجرات/١٤)
ومعلوم أنه قد وقع منهم القول الظاهر، الذي هو الإقراربالشهادتين، ولم يجعلهم بذلك مؤمنين؛ لعدم دخول الإيمان في قلوبهم بعد. (١)
الإجماع:
قال النووي:
ومن أقوى ما يُرد به على الكرَّامية إجماع الأمة على إكفَّار المنافقين. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والكرَّامية يقولون: من تكلَّم به بلسانه دون قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذَّباً في النار، بل يكون مخلَّداً فيها، وقد تواتر عن النبي ﷺ -أنه ﴿يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان﴾، وإن قالوا لا يخلَّد وهو منافق لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قد قال الله فيهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. (٣)
** قَالَ أَبُو مُصْعَب الْمَدَنِي: مَنْ قال الْإِيمَان قَول يستتَاب، فَإِن تَاب وَإِلَّا ضُرِبَت عُنقه. (٤).
стр. 252
*ثم نقول:
أننا نتفق معكم أن نطق الشهادتين يكفي في الحكم بإسلام قائلها ظاهراً، وبها يُعصم مال المرء ودمه، ولكنه إذا أظهر نفاقاً جلياً واضحاً، حكمنا بنفاقه النفاق المخرج من الملة؛ فإنّ الأحاديث التي نصت على عصمة المال والنفس لمن نطق بكلمة التوحيد ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بالآيات التي دلت على الحكم بالنفاق على أناس نطقوا الشهادتين، وقد أتوا بالنفاق الأكبر المخرج من الملة.
* الإيمان عند الأشاعرة والماتريدية:
١ - الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق بالقلب، ولولم ينطق بلسانه، فقول اللسان عندهم شرط فقط لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلف المرء وعليه، ودفنه في مقابر المسلمين.
فمن صدَّق بقلبه ولم ينطق فهو مؤمن، إلا إذا دُعِى للنطق بالشهادتين فأبى، فهنا تجري عليه أحكام الكفَّار في الدنيا والآخرة.
٢ - أعمال الجوارح ليست داخلة في الإيمان، بل هي شرط كمال فيه، والإيمان يزيد وينقص. (١)
البيجوري:
والعمل شرط كمال من المختار عند أهل السنة -يقصد الأشاعرة - فمن أتى به حصَّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوَّت على نفسه الكمال، إذ لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشرع أو شك، إلا فهو كافر فيما عُلِم من الدين بالضرورة. (٢)
стр. 253
- وقال وعن القول بأن نطق اللسان شرط لصحة الإيمان:
هو قول ضعيف، كالقول بأنه شطر منه، والراجح أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق. (١)
٣ - قد ذهب جمهور الأشاعرة إلى القول بزيادة ونقصان الإيمان، وهذا عندهم باعتبار التصديق القلبي، وهو ما نص عليه البيجوري فى تحفة المريد، ومنهم من لم يجعل التصديق محلاً للزيادة والنقصان، وقصر ذلك على أعمال الجوارح وقول اللسان
فقط، والتي لا تدخل عندهم أصالة في الإيمان. (٢)
يقول سعد الدين التفتازاني:
حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لما مر من أنه- أي الإيمان- التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يُتصور فيه زيادة ولا نقصان. (٣)
٤ - تبنّت طائفة من الأشاعرة بقول الجهمية في الإيمان، ولكنهم لم يلتزموا بلوازم هذا القول، بل التزم الأشعري التناقض الواضح عندما قبل أن يقول أن إبليس لمَّا كفَّر نُزعت منه المعرفة، وكذا وقع لفرعون، ولكن لمَّا لم يلتزم بلازم قوله دل على تناقضه، وبطلان أصل القول؛ لأن القول إذا لزم منه البطلان كان باطلاً. (٤)
стр. 254
٥ - الذي أوقع الأشاعرة في القول بإخراج أعمال الجوارح من مسمَّى الإيمان هو ظنهم أن هذا القول هو الذي يبطل دعوى الوعيدية القائلين بتكفير صاحب الكبيرة، كما نص على ذلك الجويني في الإرشاد.
* الرد على الأشاعرة من وجوه:
١ - الوجه الأول:
أما قولهم بإخراجهم عمل الجوارح من الإيمان لرد دعوى الوعيدية بتكفير فاعل الكبيرة، فيقال:
أن الرد على أهل الباطل لا يحصل بنقد ما ثبت من الحق، وإنما يكون بإظهار الحق الذي خفي على أهل الباطل.
فقد دلت أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن أعمال الجوارح من الإيمان، بل لا يصح الإيمان إلا بوجود جنس عمل الجوارح.
فمن أدلة ذلك:
قال الله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴿[الروم: ٣١].
فرتَّب الله -عزوجل - أخوة الدين على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذه أعمال جوارح.
قال الأوزاعي:
فوصف الله الدين قولاً وعملاً، فقال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، والتوبة من الشرك، وهو من الإيمان، والصلاة والزكاة عمل. (١)
*وعن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ
стр. 255
الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». (١)
قال البخاري: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عند البَيْت. (٢)
* سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء، فقال:
" يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرّاً بقلبه على ترك الفرائض، وسمُّوا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر. (٣)
٢ - الوجه الثاني:
أما قولهم أن كمال الدين مجرد التصديق، وعليه فقد جعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل وأبي بكر الصديق ﵁.
*فهذا يرده الإجماع الذى نقله ابن أبى مليكة، حيث قال:
" أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ". (٤)
* وقد قِيلَ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ إِنَّهُ يُجَالِسُكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ إِيمَانَهُ مِثْلُ إِيمَانِ جِبْرِيلَ ﵇، فقَالَ:
سبحان الله! " وَاللهِ لَقَدْ فَضَّلَ اللهُ جِبْرِيلَ فِي الثَّنَاءِ فَقَالَ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ، ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] (٥)
قال ابن حجر:
وفي هذا- أي في كلام ابن أبي مليكة - إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافا للمرجئة القائلين: بأن إيمان
стр. 256
الصدِّيقين وغيرهم بمنزلة واحدة. (١)
٣ - الوجه الثالث:
أما حصرهم للإيمان هو التصديق؛ بناءً على ما ذهبوا اليه أنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن هذا محله لا يكون إلا فى التصديق!!
مردود بأنَّ التصديق القلبي كذلك يزيد وينقص، وقد سبق ذكر أدلته بما يغني عن إعادته.
فمن صدّق فى الأمورالعملية والاعتقادية من أسماء الله -تعالى- وصفاته وأمور الغيب والملائكة يزيد إيمانه عمَّن خلا قلبه من هذا التصديق؛ لعدم علمه بهذه التفصيلات في مسائل الاعتقاد.
فكلما زاد علم المرء بهذه الأمور وصدّق بها فهو أكمل إيماناً ممَّن لم يعلمها، وعليه فتصديق القلب يتفاوت بين الأشخاص، يزيد وينقص بقدر ما في الشخص من العلم والتصديق.
قال النووي:
فالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيِّرة، وإن اختلفت عليهمَ الْأَحوال. (٢)
قال السبكي:
لا يشك عاقل في أن إيمان الصديق ليس كإيمان آحاد الناس حق، ففرقٌ بين إيمانٍ ثبت ورسخ وصار لا يقبل تزلزلاً، وإيمان بخلافه. (٣)
* ثم يقال:
القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو قول متأخري الأشاعرة، فقد ذهب جماعة من المتقدِّمين منهم إلى خلاف ذلك، فقالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، كما قول البيهقي وعبد القاهر البغدادي والآمدي وأبي القاسم القشيري وتقي الدين السبكي. (٤)
стр. 257
٤ - الوجه الرابع:
أما تفسيرهم للتصديق -الذي هو معنى الإيمان عندهم - بالإذعان والقبول، وليس مجرد وقوع نسبة الصدق في القلب بلا إذعان ولا قبول، فيلزمهم أحد أمرين:
الأول:
أن يُدخلوا أعمال الجوارح أيضاً، لأنهم أثبتوا أن الإيمان ليس شيئاً واحداً، بل مركبٌ من التصديق وعمل القلب، فليركِّبوه من عمل الجوارح أيضاً.
الثاني:
أن يخرجوا أعمال القلوب، فيصير مذهبهم مطابقاً لمذهب الجهم بن صفوان في أن الإيمان هو الصديق، وهذا القول يلزم منه إيمان فرعون واليهود، وقد كفَّر أبو عبيد القاسم بن سلام الجهمية بهذا القول، وكذا وكيعُ وأحمدُ بن حنبل.
قال أبو العباس ابن تيمية:
إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً. (١)
٥ - الوجه الخامس:
وأما قولهم بعد اشتراط نطق اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية:
فقد سبق ذكر أدلة اشتراط قول اللسان لثبوت صحة الإيمان من الكتاب والسنة وإجماع الأمة عند الحديث عن أركان الإيمان في أول شرحنا لحديث الباب.
فمن آمن قلبه إيماناً جازماً امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم نطق الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام.
* الإيمان عند مرجئة الفقهاء:
وقد اختلف في أول من أظهر مذهب مرجئة الفقهاء، فذكرالإمام أحمد أنه ذر بن عبدالله الهمداني، وقيل هو حمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعي، وذكر الأوزاعي أن أول من تكلم فى الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر، وقيل غير ذلك، والعلم عند الله. (٢)
стр. 258
وأما سبب ظهوره فكان هو قصد جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفاراً، وذلك رداً على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بالكبيرة، فصاروا طرفاً آخر.
وقد كان وقت ظهور القول بالإرجاء في الكوفة بعد أن ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي على عبدالرحمن بن الأشعث.
وأما الإيمان عند مرجئة الفقهاء فهو تصديق القلب وقول اللسان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن مسمَّى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى منه.
مع قولهم أن مرتكب الكبيرة معرَّض للوعيد، وهو تحت المشيئة، وأما عمل القلب فمنهم من يدخله فى الإيمان، ومنهم من يجعله خارجاً عنه.
فالحاصل أن:
أعمال الجوارح عندهم ليست من الإيمان، ولكنها من لوازمه، فالعلاقة بينهما كعلاقة دائرتين متلازمتين لا تنفك إحدهما عن الأخرى، ويقولون:
انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. (١)
*وعليه:
فالناس عندهم فى أصل الإيمان سواء، وإنما التفاضل فى لازم الإيمان، الذى هو عمل الجوارح، فهم يتفاضلون فى الجنة بحسب أعمالهم الظاهرة، وهذا ما نص عليه صاحب الطحاوية.
وأما صاحب الكبيرة فقالوا: فهو تحت المشيئة، ويُخشى عليه من العذاب. (٢)
стр. 259
*الرد على مرجئة الفقهاء:
وإذا نظرنا إلى العلة التى من أجلها ذهب مرجئة الفقهاء إلى جعل أعمال الجوارح ليست داخلة فى مسمَّى الإيمان، فهى علة عليلة، مفادها أن عدُّ العمل ركناً يجر إلى معتقد الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك العمل!!
** وجواب ذلك أن يقال:
فرق بين أن تجعل أعمال الجوارح ركناً فيبطل الإيمان بتركها كليةً، وهو ما تفيده نصوص الشرع، وهو مذهب أهل السنة، وبين أن تجعل كل عمل من أعمال الجوارح ركناً يبطل الإيمان بتركه، كالزكاة أوالصوم أو الحج مثلاً، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك أى واجب من واجبات الشرع أو بإيتاء كبيرة من الكبائر، فتأمل.
فالذي عليه أهل السنة أن العمل الذى هو ركن في الإيمان إنما هو جنس الأعمال، وليس كل فرد من العمل الظاهر.
فالقاعدة هنا " جنس العمل ركن في الإيمان، لا آحاده، إلا بدليل "
*وأما قول مرجئة الفقهاء: أن الناس فى أصل الإيمان سواء، والتفاضل فى لازم الإيمان!! (١)
стр. 260
*فالرد عليه:
أن التفاضل ليس فقط فى عمل الجوارح، بل أيضاً فى عمل القلب، فنفس تصديق القلب يزيد وينقص، ومن أدلة ذلك:
١ - عنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ:
يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) (١)
٢) قال عمر بن الخطاب- ﵁ يوم الحديبية:
وَاللَّهِ مَا شكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. (٢)
٣) وعن أبيَّ بن كعب ﵁ لما اختلف القرَّاءُ في قراءة بعض الآيات قال:
«فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا، ..». (٣)
ولا يرتاب عاقل أن إيمان هذا الصحابي عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها.
٤) وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
شَهِدْنَا خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ
стр. 261
يَدَّعِي الإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، .. ". (١)
* ومن النظر:
لا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتاً عظيماً، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت، بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى عندك الإيمان فترغب نفسك في الطاعة وترغب عن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك.
وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضاً، وقد يتراءى له أنها تتناقض.
وقد يرى نصوصاً في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصاً في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك.
ولا أدرى عاقلاً يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. (٢)
قال الفضيل بن عياض:
قال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله -وخلافا لكتابه وسنة نبيه ﷺ ، ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر ﵁ أهل الردة ".
وقال ﵀:
" يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله ﷺ قوله. (٣)
* ومن الردود العامة على فرق المرجئة:
وأما قول المرجئة:
" لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة". (٤)
стр. 262
فالرد عليه في حديث حُذَيْفَة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ". (١)
والمعنى أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان. (٢).
*ومن اللوازم الباطلة لقول المرجئة في باب الإيمان:
١ - لما كان الإيمان عند المرجئة منحصرأ في التصديق ترتب على ذلك أن يكون
الكفر لا يحصل إلا بالتكذيب، وعليه فمن لطخ المصحف - مثلا - أوسجد لصنم فلا يكفر، وعمله هذا لا يكون كفراً، بل هذا عندهم دال على انتفاء الإيمان من قلبه.
وأهل السنة يقولون أن ذات الفعل يكون كفراً، لذا فمذهب الإرجاء قد ترتب عليه المفاسد العظيمة، حيث حصروا الكفر في كفر الاستحلال والجحود. (٣)
قال ابن حزم:
وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية، والأشعرية - وهما طائفتان لا يعتد بهما - يصرِّحون بأن سب
стр. 263
الله تعالى، وإعلان الكفر، ليس كفراً، ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، وهذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام.
ثم يقال لهم:
إذ ليس شتم الله- تعالى- كفراً عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟
فإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيَّب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره، وقد أخبر الله تعالى عن قوم ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ [آل عمران: ١٦٧] فكانوا بذلك كفاراً، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله ﵌ كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفَّار بالله -تعالى- قطعاً بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر. (١)
* فإن قيل:
فما تأويل قول صاحب الطحاوية: ولا نكفِّر أحداً بذنب ما لم يستحله؟
فالجواب:
ما نص عليه شيخ الإسلام أن هذه العبارة سيقت رداً على الخوارج الذين يكفِّرون بالكبيرة.
٢ - فتح باب التخلِّي عن الواجبات والوقوع فى المحرمات، كما إن فيه تجسير لكل فاسق وقاطع طريق على الموبقات، مما يؤدي إلى الإنسلاخ من الدين، وهتك حرمات الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان. (٢).
* تنبيهات مهمة:
١ - المرجئة يقولون نحن مؤمنون عند الله؛ حيث إن التصديق لا يقبل النقصان ولا الشك، فمجرد أن آمنوا ثبت لهم كمال الإيمان، أما أهل السنة فيقولون: نحن مؤمنون بالاقرار؛ فالمؤمن يقر بإيمانه، لكنه لا
стр. 264
يجزم بالنجاة، بل يرجو ربه ذلك.
٢ - المرجئة لا يمتنعون من القول بدخول الأعمال فى الإيمان إذا كان لا يترتب على زوالها زوال الإيمان، فالعمل ركن من الإيمان الكامل، وليس بركن من أصل الإيمان الذى لا نجاة من الخلود فى النار إلا به.
*شبهات أخرى لكافة فرق المرجئة:
١ - الشبهة الأولى:
قالوا: العمل ليس من الإيمان؛ لأن الله فرَّق بينهما فقال (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)!!
والرد على ذلك أن يقال:
أولًا: هذا من باب عطف العام على الخاص، ورَد نظير ذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ...) (البقرة/٢٧٧) وقول النبى ﷺ (اتقوا الدنيا، واتقوا النساء...........) ولازم قولكم أن فتنة النساء ليست من فتن الدنيا.
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَلَا خلاف
فِي أَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل من جملَة الْمَلَائِكَة، وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وَالرُّمَّان
من الْفَاكِهَة. وَالْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب، وَالْعرب تعيد الشَّيْء باسمه وَإِن كَانَت قد أجملت
ذكره تَأْكِيدًا لأَمره (١).
ثانياً: إعمال الأدلة أولى من إهمالها، وكافة النصوص الأخرى دلت أن الإيمان قول وعمل، فهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
٢ - الشبهة الثانية:
ما ورد في حديث جبريل ﵇-في بيان الإسلام والإيمان والإحسان؛ حيث جعل أعمال الجوارح، من الصوم والزكاة والصيام والحج ليست من الإيمان!!!
* وجواب ذلك ما قاله البغوي:
جعل النبي ﷺ -في هذا الحديث الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل
стр. 265
لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» .. (١).
** ثم نقول:
: أليس الذى عرَّف الإيمان بالتصديق الباطن في حديث جبريل هو ﷺ -الذي عرَّفه بأعمال الجوارح في قوله: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنَّ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ؟!!!
٣_ الشبهة الثالثة:
قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فجعل محل الإيمان هو القلب، وعمل الجوارح ليست من الإيمان!!!
** وجواب ذلك أن يقال:
ليس في الآية ما يشير إلى إخراج عمل الجوارح من الإيمان، بل غاية ما فيها هو التأكيد على ضرورة الاعتقاد القلبي في ثبوت الإيمان، فالآية في الحقيقة حجة على من استدل بها، لا حجة له؛ وذلك من وجهين:
١ - الأول: ما ذكره الطبري بقوله:
وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة الحق (٢).
٢ - الثاني: ما ذُكر في الآية التي تليها مباشرة، في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادقون﴾ فلقد جعل الجهاد بالنفس والمال من الإيمان، وهى أعمال جوارح، فتأمل.
стр. 266
* ثانياً: الإيمان عند الخوارج والمعتزلة:
فهو فعل الطاعات المفترضة كلها، فهو قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، ويرون أنَّ كل فرد من أفراد العمل ركن في الإيمان وجزء منه، فإذا ذهب بعض الإيمان سائره، وعليه فإنه لا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب؛ فمن ارتكب كبيرة فقد خرج من الإيمان ودخل في الكفر عند الخوارج، وصار عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، واتفق الفريقان أن مآله الخلود في النار، ولكنَّ المعتزلة يقولون أن عذاب أصحاب الكبائر دون عذاب الكفَّار.
ويقولون الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يُستثنى فيه. (١)
* الرد على الخوارج والمعتزلة:
١ - وممن يرد به على الوعيدية في قولهم أن الإيمان لا يتجزأ، وأن ذهاب بعض الإيمان هو ذهاب للإيمان كله:
ما رواه أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- ﵁ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
" أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ". (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان؛ وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلَّد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا ﷺ -يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي " الصحيحين " عنه أنه قال: ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. (٣)
стр. 267
وطريقة أهل السنة في علاقة عمل الجوارح بمسألة الإيمان أنهم جعلوا جنس الأعمال ركناً من أركان الإيمان، وليس كل فرد من أفراده ركناً فيه، وعليه فإنه يجتمع عندهم في الشخص الواحد حسنات وسيئات.
كما أنهم لم يجعلوا كل الأعمال شرطاً في صحة الإيمان، بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال، والمعتزلة جعلوها كلها شرطاً في الصحة. (١)
والقاعدة التي توضح لك منهج أهل السنة في ذلك أن يقال:
.
.
**جنس الأعمال ركن الإيمان لا آحاده، إلا بدليل **
والمعنى:
أن الذي يتحقق به الكفر إنما هو ترك العمل كلية، عمل القلب أو عمل الجوارح، وليس آحاد العمل، كما نص عليه الخوارج والمعتزلة، ثم جاء الاستثناء " إلا بدليل": أي إلا إذا دل الدليل على أن عملاً بعينه يكفر المرء بتركه كلية، كما هو الحال في ترك الصلاة بالكلية.
* أما ما ذهبوا إليه من القول بكفر فاعل الكبيرة فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد استوفينا الرد عليه في رسالتنا " إتحاف الجماعة بشرح حديث أسعد الناس بالشفاعة" بما يغني عن إعادتها هنا. (٢)
** و مما نزيده هنا أن يقال:
النصوص المتواترة على عدم خروج مرتكب الكبيرة من مطلق الإيمان، ولذلك فإنَّ العقوبات الشرعية من القصاص و الحدود تُطبَّق على شارب الخمر والزانى والسارق، ولو كان يخرج بالكبيرة من الإيمان لطبق عليه حد الردة وقتل، ولما طبقت عليه تلك الحدود.
قال الأوزاعي:
قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، ولا يفرِّقون بين الإيمان والعمل، ولا يعدُّون الذنوب كفراً ولا شركاً. (٣)
стр. 268
*مسألة الاستثناء فى الإيمان:
ومعنى الاستثناء في الإيمان أن يقول " أنا مؤمن إن شاء الله "".
الأقوال في هذه المسألة:
١) القول الأول:
حرمة الاستثناء فى الإيمان:
قال به الجهمية والمرجئة الكرامية؛ لأن الإيمان عندهم واحد يعلمه المرء من نفسه، فإن استثنى كان ذلك دليلاً على شكه، فالأصل فى الإيمان الجزم؛ لقوله تعالى
... (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥) وممن قال بهذا القول الحنفية " مرجئة الفقهاء "، وهو لازم قول الخوارج والمعتزلة بهذا الاعتبار.
فأصحاب هذا القول يعدُّون الاستثناء فى الإيمان شكاً، ويطلقون على من استثنى فى إيمانه اسم "الشكَّاكة" (١).
- القول الثانى:
وهو وجوب الاستثناء في الإيمان، و قال به بعض أهل السنة والكلَّابية:
وذلك باعتبار الحال والمآل:
١ - فأما المآل:
فلأنَّ المرء لا يعلم خاتمته، وعلى أي شيء يموت، وعليه فمن لم يستثن في الإيمان فقد جزم لنفسه بالجنة.
٢ - وأما الحال:
فلأن الإيمان إنما هو فعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا لا يجزم به أحد؛ للنقص الذى يعتري المرء.
٣ - كما أن الجزم بالإيمان فيه تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم/٣٢)
*والراجح في ذلك هو التفصيل:
(١) حالات يحرم فيها الاستثناء، وذلك إن كان الاستثناء عن شك:
فهو محرم، بل
стр. 269
هو كفر؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥)
وذلك لأن اليقين شرط من شروط صحة " لا إله إلا الله ". (١)(٢) حالات يشرع فىها الاستثناء:
أ- الاستثناء لمن يخشى تزكية النفس، أو باعتبارالموافاة فهو حق.
كما أدَّب الله -تعالى- أنبيائه على ذلك، كما فى قول إبراهيم ﵇ (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) (الأنعام: ٨٠)
قال ابن بطة:
الاستثناء يصح من وجهين:
أحدهما:
نفي التزكية لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة والرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقاً بضدها.
الوجه الآخر:
يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال وعلى الخاتمة، وبقية الأعمار، ويريد إني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله -تعالى- مثبتاً في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرا يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله -تعالى- به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على الإيمان أم لا؟ (٢)
* قَالَ اسحاق بن منصور:
وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ :
... «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»، الِاسْتِثْنَاءُ هَاهُنَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ؟
قَالَ: «عَلَى الْبِقَاعِ، لَا يَدْرِي أَيُدْفَنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَوْ غَيْرِهِ» (٣)
ب- أن يتوجه الاستثناء إلى الإيمان المطلق:
لأن عدم الاستثناء يتضمن أن العبد فعل جميع ما أمر به، وفى ذلك تزكية للنفس، ومن هذا الباب قوله ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّى
стр. 270
لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ويخاف أن لا يكون قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم (٢).
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: سفيان يقول: من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو عندنا مرجئ. (٣).
وَقَال ﵀:
خالفنا المرجئة في ثلاث، نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل. ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله. (٤)
قال الإمام أ حمد:
الإيمان قول، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: " أنا مؤمن إن شاء الله". (٥)
وقد ورد عن جماعة من السلف الإستثناء فى الإيمان، كابن مسعود وغيره. (٦)
٣ - أن يتوجه الاستثناء إلى مطلق الإيمان، الذى هو أصله:
فهنا يجب ترك الاستثناء؛ فالمرء عليه أن يجزم بالإيمان قاصداً التصديق بما يعتقده، كما حكى الله عن المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
стр. 271
الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون/١٠٩)
ومثل هذا هو ما أمرنا به، كما في قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة /١٣٦)
* عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي مُؤْمِنٌ، فقَالَ عبد الله: " قُلْ: إِنِّي فِي الْجَنَّةِ!
وَلَكِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ". (١)
قال أبو يعلى:
لا يكون الاستثناء شكاً إنما هي سنة ماضية عند العلماء، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول:
أنا مؤمن إن شاء الله، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (٢)
تم بحمد الله.
стр. 272
الحديث العاشر: تبيين المحظور في اتخاذ المساجد على القبور
стр. 273
**نص الحديث **
عن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهم- قَالَا:
" لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ". (١)
لا شك أن المستقرأ لأصول هذا الشرع الحنيف يقف على حقيقة مهمة ألا وهي أن نصوص الكتاب والسنة قد عنت عناية كبيرة بمسائل التوحيد، فكانت في ذلك جامعة مانعة؛ جامعة للأصول التى تحقق للمرء اكتمال البناء العقدي التوحيدي، ومانعة من كل الذرائع التي توقعه في حبائل الشرك.
* وهذا مثال فقط للتدليل على صدق ذلك:
عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ - رضى الله عنه- قَالَ: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَال النَّبِىُّ ﷺ :
«هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ النبيُّ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ. (٢)
стр. 274
فتأمل:
قد سأل النبي ﷺ عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فسؤاله عن الشرك في قوله: هل كان فيها وثن؟، وسؤاله عن وسائله في قوله:
هل كان فيها عيد من أعيادهم؟. (١)
فقوله ﷺ : (فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)
دل على أن مشابهة المشركين في أفعالهم، ولو ظاهراً إنما هو معصية لله عزوجل، وعندها لايغنى عن المرء صدق نيته، بل لا بد أن يقرن بصدق النية حسن العمل.
... ومن هذا الباب فقد سد الشرع الباب على أناس يغالون في الصالحين ويرفعونهم فوق مكانتهم، لئلا يقع منهم شرك في المحبة والدعاء.
وقد وقع المحظور حتي تعلَّقت القلوب بالقبور، وتوجهوا إليها بما لا يُتوجه به إلا لله عزوجل، واعتقدوا فيها ما لا يُعتقد إلا في الله عزوجل.
*وهذا فيه عدة مسائل: المسألة الأولى: كيف بدأ شرك القبور ؟؟
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ذَكَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵄ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (٢)
*فمن هنا جاءت بداية تزيين الشيطان لعبادة وتعظيم الصالحين والتعلق بالقبور.
فكانوا إذا مات منهم الرجل الصالح جاء الشيطان لقومه فأوحى إليهم:
أن اصنعوا له صورة؛ حتي اذا ما رأيتم صورته ذكرتم عبادته وصلاحه وتقواه؛
فيكون هذا حافزاً لكم علي ان تقتضوا بفعله و هديه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ
стр. 275
بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا، أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ:
أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. (١)
فمن هنا جاءت بداية عبادة القبور ونشأة القبورية، حيث أن الشيطان قد استدرج الناس بحيله ومَكره إلى الشرك بعبادة القبور، وذلك حين قال لهم:
هل لكم أن أصورهم لكم إذا نظرتم إليهم - ذكرتموهم فيذهب حزنكم وتنشطون في العبادة، فقلوا: نعم، فصورهم لهم.
ثم لما تقدَّم الزمن وانقرض الآباء والأبناء وأبناء الأبناء ونُسِي العلمُ، جاء الشيطان في صورة الإنسان وقال لمن بعدهم:
إن من كان قبلكم من سلفكم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
وبذلك فقد صار قوم نوح ﵇ أول فرقة مشركة قبورية وثنية - ظهرت على وجه الأرض في تاريخ البشرية.
وكما نص الحافظ ابن كثير أن أصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها.
* فعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وأن المشركين القبوريين قد ظهروا في عهد نوح ﵇ بسبب عبادة هؤلاء الأولياء الخمسة، وعكوف القبورية في ذلك العهد على قبورهم، وبذلك وجدت القبورية على الأرض، ثم تطورت القبورية حتى انتشرت في العرب وغيرهم. (٢)
وقد أورد ابن حجرعن السهيلي أن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل،
стр. 276
وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم. (١)
-- وهكذا حاد الشيطان بالناس عن صراط الله المستقيم إلى طريقه السقيم.
عن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:
... (إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا:
، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ). (٢)
*وعن ابن عباس ﵄ قال في تفسير قوله الله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾
... [البقرة: من الآية ٢١٣]: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام" (٣)
-- ومما سبق نخلص بقضية مهمة:
" "أن أول شرك وقع في الأرض إنما كان سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم ".
فالمبالغة في مدح الصالحين قد أدت بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في شرك الربوبية ومن ثَم شرك الألوهية وشرك الأسماء والصفات:
أ) شرك الربوبية:
وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب.
ب) شرك الألوهية:
فترتب على وقوعوهم في شرك الربوبية قيامهم بدعاء الأموات من دون الله، والإستغاثة بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.
ج) شرك الأسماء والصفات:
قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (٢٠) ﴿فسمَّوا "اللات" من "الإله " المستحق للعبادة، و"العزّى" من "العزيز" و "مناة"
стр. 277
من "المنان" إلحادًا في أسماء الله وتجرياً على الشرك به. (١)
لذا فقد حذَّر النبي ﷺ من الغلو في مدحه، فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ». (٢)
ولما قال رجل لرسول الله ﷺ " ما شاء اللُه وشئتَ "، عقَّب عليه، وقال: «أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده» (٣)
وإذا كان هذا في حقه ﷺ ، فغيره من البشر أولى. (٤)
و صدق شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:
"والنفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فلأن يُشرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجرعلى تمثاله. (٥)
* وتأمل في فعل صحابة النبى ﷺ في سد الذرائع الموصلة إلى شرك الغلو في الصالحين:
لما فتح الصحابة -رضى الله عنهم- مدينة تستر وجدوا جسد النبي دانيال ﵇ الذى قُدّر أنه مات قبل ثلاثمائة سنة من البعثة النبوية تقريباً، وجدوه وما تغير منه شئ، فحفروا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفنوه، وقاموا بتسوية القبور كلها، لتعمية قبره على الناس؛ فقد رأوا أنَّ السماء كانت إذا حبست عن الناس أبرزوا السرير فيمطرون، فأراد الصحابة -رضى الله عنهم- غلق هذا الباب من الفتنة. (٦)
قال ابن القيم-﵀ تعقيباً على ذلك:
ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به،
стр. 278
ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. (١)
... المسألة الثانية: و على درب السابقين سار اللاحقون:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
لَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. (٢)
وصدق النبى ﷺ فيما حدَّث ووقع ما به تنبأ، فقد سار على درب اليهود والنصارى فئام من المسلمين فاتخَذوا قبور الصالحين مساجد، فهذه كانت
سنة اليهود والنصارى؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَال:
لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ:
" لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ". (٣)
فظهرت جملة من البدع والشركيات من النذروالذبح للمقبور والطواف حول القبر، ودعاء الموتى وطلب الشفاعة منهم والتوسل بهم.
والذي تسبب في كل ذلك ليس إلا الغلو في تعظيم الصالحين، فكهذا فعل الغلو في أهله.
* قال ابْنُ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- قَالَ لى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ،
"هَاتِ الْقُطْ لي حَصَيَاتٍ هِيَ حَصَا الْخَذْفِ "، فَلَمَّا وُضِعْنَ فِي يَدِهِ، قَالَ:
"بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ". (٤)
стр. 279
تأمل:
يحذِّر النبي- ﷺ أمته من الغلو في الدين، ولو كان الأمر في بضع حصيات، فكيف بالغلو المؤدي إلى الشركيات؟؟!!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو
ذلك. ا. هـ (١)
* وهل سلك اليهود طريق الكفر إلا من باب الغلو في الأحبار والرهبان، قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]
* وهل سلك النصارى طريق الكفر إلا من باب الغلو في المسيح ﵇، قال الله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
* لذا فقد أغلق الشرع كل السبل وسد كل الذرائع الموصلة إلى الغلو في الصالحين،
فنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن الصلاة عند القبور، وعن تعليتها:
* قال ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢)
- قال ابن عبدالبر:
وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله- ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، وذلك الشرك الأكبر فكان النبيُّ ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم. (٣)
стр. 280
* وعن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أدعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ ". (١)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثاناً، وحرَّم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سداً للذريعة. (٢)
- قال الصنعاني:
اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة- ﵃ إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها. (٣)
... المسألة الثالثة: قَوله ﷺ في حديث الباب:
" أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ "
قد نهي النبي -صلي الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، فما هي صور اتخاذ القبور مساجد ؟
الجواب:
إنما يُتخذ القبر مسجداً بواحدة من هذه الصور:
الصورة الأولى:
١ - أن يأتي المرء إلى الصلاة فيكون القبر بينه وبين القبلة؛ وهذا مما قد ورد النهى عنه؛ فعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٤)
والنهى عن الصلاة إلى القبورإنما ورد تحذيرًا للأمة عن التذّرع إلى عبادة الموتى من تعظيم القبور، والظاهر أن النهي يشمل الصلاة في محل فيه قبر، سواء تأخر عن المصلي أو تقدم كالصلاة في القباب والمشاهد والنهي للتحريم. (٥)
стр. 281
* ومن ذلك ما ذكرته عائشة -رضى الله عنها- تعقيباً على قوله ﷺ " لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْ-رضى الله عنها-:
يُحَذِّرُهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ".
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن ذلك الصلاة عندها (القبور)، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا».
ولم تقصد عائشة ﵂ مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة -رضى الله عنهم - لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره،
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلي فيه فإنه يسمى
مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ :
«جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (١)
- قال القرطبي:
قوله ﷺ "لا تصلوا إلى القبور"؛ أى لا تتخذوها قبلة، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. (٢)
الصورة الثانية:
أن يأتي شخص إلى قبر فيسجد عليه، عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه:
«أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها. (٣)
* قال ابن حجر الهيتمي:
«واتخاذ القبر مسجداً معناه: الصلاة عليه أو إليه» (٤).
** الصورة الثالثة:
أن يُعْمد إلى قبر لمعظِّم فيُبنى عليه مسجد، كما ورد في قوله ﷺ عن النصارى:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ
стр. 282
مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (١)
وقد ترجم البخاري ﵀ لحديث (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا) بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)؛ فجعل من معنى الاتخاذ البناء على القبور المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
اتخاذ القبور مساجد يتناول شيئين: أن يبني عليها مسجداً، أو يصلي عندها من غير بناء، ... وهو الذي خافه النبي- ﷺ وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يُصلي عنده فيتخذ قبره مسجداً. (٢)
... المسألة الرابعة: حكم المساجد التي بنيت علي القبور:
والمعنى:
هذه المساجد التى بها قبور ويؤمها الناس للصلاة فيها، هل ينبش هذا القبر وينقل إلى المقابر العامة، أم يُهدم المسجد نفسه؟؟
*نقول أولاً:
قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ.....) فالأصل في المسجد أن يُبنى لله - تعالى- وحده لا شريك له. وقال عزوجل (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا..) فما أُسست المساجد ولا شرعت في الإسلام إلا لإقامة ذكر الله.
وقال ﵎ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ...)
عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضى الله عنه-قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:
«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ وَالْخَلَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ». (٣)
تأمل:
إذا كانت المساجد لا تصلح للقذر والنجس الحسي، وهذه أشياء يطهرها
стр. 283
مثل الدلو من الماء، فكيف تصلح لأن تكون محلاً للنجس المعنوى، من الشركيات، والتقرب إلى غير الله بما لا
يُتقرب به إلا لله تعالى؟!!!
عودٌ إلى الجواب عن سؤال الباب في حكم المساجد التى بها قبور، وجواب ذلك على تفصيل:
أ) الصورة الأولى:
إن كان القبر قد وضع أولاً ثم بُنى عليه المسجد، وهذا فعل محرم باتفاق الأئمة الأربعة، فيجب هدم المسجد باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن هذا المسجد مما لم يُرد به وجه الله تعالى، فقد أُسس على غير تقوى من الله -تعالى - ولا رضوان.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائناً من كان الميت؛ فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان. (١)
- وقال ﵀:
ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك. (٢)
* قال ابن القيم:
لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها يوما واحداً، فإنها شعائر الكفر، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركاً عندها، وبها. (٣)
* وتأمل:
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
стр. 284
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة/١٠٧/ ١٠٨)
فقد نهى الله -تعالى- النبيَ ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار لكونه أُسس لتفريق كلمة المسلمين وللكفر بالله - تعالى -ورسوله ﷺ ، فيقاس عليه المساجد التى أُسست على الأضرحة تعظيماً لها، والتى يُفعل عندها من الشركيات الموبقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
* قال ابن حجر الهيتمي:
ويجب المبادرة لهدمها -أي المساجد التى على القبور - إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة. (١)
* قال ابن القيم:
حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه؛ لما كان بناؤه ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب. (٢)
* أقول:
وإذا كان الشرع قد أمر بتسوية القبور المشرفة (أى المرتفعة)؛ منعاً من التشبه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها، فتسوَّى سداً للذريعة، فلأن تُهدم هذه المساجد التى يُتقرب فيها إلى صاحب الضريح بما لا يُتقرب به إلا إلى الله -تعالى -فهذا من باب أولى.
стр. 285
ب) الصورة الثانية:
أن يُبنى المسجد أولاً في محلة ما ثم يُؤتى بقبر فيُدخل في المسجد، فهنا لا بد من نبش القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين؛ فإن المساجد ليست محلاً للدفن، وإنما قد أذن الله -تعالى-
للمساجد أن تُرفع لإقامة الصلاة و ليذكر فيها اسم الله تعالى.
* وعليه فإنه يُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه، وكان الحكم للسابق. (١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر وإما بنبشه، إن كان جديداً. وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلي فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. (٢)
... المسألة الخامسة: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟
وللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:
١ - إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر:
فقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، واعتقاد فضيلة الصلاة في مسجد به قبر عن غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكل من قال: إنَّ قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه:
فقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. (٣)
* قال الآلوسي:
قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به، عين المحادة لله تعالى