* ومن ذلك ما ذكرته عائشة -رضى الله عنها- تعقيباً على قوله ﷺ " لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْ-رضى الله عنها-:
يُحَذِّرُهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ".
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن ذلك الصلاة عندها (القبور)، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا».
ولم تقصد عائشة ﵂ مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة -رضى الله عنهم - لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره،
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلي فيه فإنه يسمى
مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ :
«جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (١)
- قال القرطبي:
قوله ﷺ "لا تصلوا إلى القبور"؛ أى لا تتخذوها قبلة، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. (٢)
الصورة الثانية:
أن يأتي شخص إلى قبر فيسجد عليه، عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه:
«أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها. (٣)
* قال ابن حجر الهيتمي:
«واتخاذ القبر مسجداً معناه: الصلاة عليه أو إليه» (٤).
** الصورة الثالثة:
أن يُعْمد إلى قبر لمعظِّم فيُبنى عليه مسجد، كما ورد في قوله ﷺ عن النصارى:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ
стр. 282
مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (١)
وقد ترجم البخاري ﵀ لحديث (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا) بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)؛ فجعل من معنى الاتخاذ البناء على القبور المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
اتخاذ القبور مساجد يتناول شيئين: أن يبني عليها مسجداً، أو يصلي عندها من غير بناء، ... وهو الذي خافه النبي- ﷺ وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يُصلي عنده فيتخذ قبره مسجداً. (٢)
... المسألة الرابعة: حكم المساجد التي بنيت علي القبور:
والمعنى:
هذه المساجد التى بها قبور ويؤمها الناس للصلاة فيها، هل ينبش هذا القبر وينقل إلى المقابر العامة، أم يُهدم المسجد نفسه؟؟
*نقول أولاً:
قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ.....) فالأصل في المسجد أن يُبنى لله - تعالى- وحده لا شريك له. وقال عزوجل (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا..) فما أُسست المساجد ولا شرعت في الإسلام إلا لإقامة ذكر الله.
وقال ﵎ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ...)
عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضى الله عنه-قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:
«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ وَالْخَلَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ». (٣)
تأمل:
إذا كانت المساجد لا تصلح للقذر والنجس الحسي، وهذه أشياء يطهرها
стр. 283
مثل الدلو من الماء، فكيف تصلح لأن تكون محلاً للنجس المعنوى، من الشركيات، والتقرب إلى غير الله بما لا
يُتقرب به إلا لله تعالى؟!!!
عودٌ إلى الجواب عن سؤال الباب في حكم المساجد التى بها قبور، وجواب ذلك على تفصيل:
أ) الصورة الأولى:
إن كان القبر قد وضع أولاً ثم بُنى عليه المسجد، وهذا فعل محرم باتفاق الأئمة الأربعة، فيجب هدم المسجد باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن هذا المسجد مما لم يُرد به وجه الله تعالى، فقد أُسس على غير تقوى من الله -تعالى - ولا رضوان.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائناً من كان الميت؛ فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان. (١)
- وقال ﵀:
ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك. (٢)
* قال ابن القيم:
لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها يوما واحداً، فإنها شعائر الكفر، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركاً عندها، وبها. (٣)
* وتأمل:
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
стр. 284
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة/١٠٧/ ١٠٨)
فقد نهى الله -تعالى- النبيَ ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار لكونه أُسس لتفريق كلمة المسلمين وللكفر بالله - تعالى -ورسوله ﷺ ، فيقاس عليه المساجد التى أُسست على الأضرحة تعظيماً لها، والتى يُفعل عندها من الشركيات الموبقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
* قال ابن حجر الهيتمي:
ويجب المبادرة لهدمها -أي المساجد التى على القبور - إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة. (١)
* قال ابن القيم:
حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه؛ لما كان بناؤه ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب. (٢)
* أقول:
وإذا كان الشرع قد أمر بتسوية القبور المشرفة (أى المرتفعة)؛ منعاً من التشبه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها، فتسوَّى سداً للذريعة، فلأن تُهدم هذه المساجد التى يُتقرب فيها إلى صاحب الضريح بما لا يُتقرب به إلا إلى الله -تعالى -فهذا من باب أولى.
стр. 285
ب) الصورة الثانية:
أن يُبنى المسجد أولاً في محلة ما ثم يُؤتى بقبر فيُدخل في المسجد، فهنا لا بد من نبش القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين؛ فإن المساجد ليست محلاً للدفن، وإنما قد أذن الله -تعالى-
للمساجد أن تُرفع لإقامة الصلاة و ليذكر فيها اسم الله تعالى.
* وعليه فإنه يُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه، وكان الحكم للسابق. (١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر وإما بنبشه، إن كان جديداً. وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلي فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. (٢)
... المسألة الخامسة: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟
وللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:
١ - إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر:
فقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، واعتقاد فضيلة الصلاة في مسجد به قبر عن غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكل من قال: إنَّ قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه:
فقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. (٣)
* قال الآلوسي:
قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به، عين المحادة لله تعالى
стр. 286
ورسوله ﷺ ، وإبداع دين لم يأذن به الله ؛ للنهي عنها، ثم إجماعاً، وتجب المبادرة لهدمها وهدم
القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسوله ﷺ . (١)
• وتبطل صلاته إن قصد التبرك بالصلاة عند القبر على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما هو مذهب الحنابلة، لنهي النبي ﷺ -عن ذلك، والأصل أن النهي في مثل هذه الحالة يقتضي فساد المنهي عنه.
الحالة الثانية:
ألا يقصد التبرك بالقبر: وهذه المسالة مما اختلفت فيها أقوال العلماء:
القول الأول:
ذهب الحنابلة والظاهرية إلى تحريم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وأن الصلاة فيها باطلة.
* لقول النبي ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، ومطلق النهى يقتضى الفساد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
تكره الصلاة في المساجد المبنية على القبور من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. (٢)
- قال ابن حزم: قال أحمد بن حنبل: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبداً. (٣)
* القول الثانى:
والذي عليه جمهور أهل العلم وهو صحة الصلاة في المسجد الذى به قبر. (٤)
وهذا هو الراجح، والله أعلم.
قال البخاري:
رَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ -أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضى الله عنه- يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ:
... «القَبْرَ القَبْرَ، قال أنس: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهُ يَقُولُ
стр. 287
الْقَمَرَ.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ الْقَبْرَ، لَا تصل إليه. قال البخاري: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ». (١)
- قال ابن بطال:
نهى عُمر أنسًا عن الصلاة إلى القبر، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه يمنة أو يسرة، ولمَّا لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة. (٢)
... المسألة السادسة: شبهات المجوِّزين لبناء المساجد علي القبور:
الشبهة الأولى:
قال تعالى﴾ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿(الكهف/٢١)
قالوا: ففي ذلك دلالة على مشروعية بناء المسجد على القبر؛ لأن الله - تعالى- لم يذم طلبهم هذا في كتابه، بل ذُكِرِ دون استنكار، ولو كان في ذلك شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه.
** والرد على ذلك من وجوه:
الأول:
أن الله لم يصف أولئك المتغلبين، بوصف يمدحون لأجله، وإنما وصفهم بالغلبة! وإطلاقها دون قرنها بعدل أو حق: يدل على التسلط والهوى والظلم، ولا يدل على علم ولا هدى، ولا صلاح ولا فلاح. (٣)
وعلى مثل هذا نص ابن رجب ﵀، حيث قال:
قال ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد
من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة واتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى. (٤)
وممَّن نص على ذلك ابن كثير والقرطبي، وحكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:
стр. 288
أحدهما:
إنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم. (١)
ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن رجب:
أن اتخاذ القبور مساجد لم يكن جائزاً حتي في شرع من كان قبلنا، كما دلت على ذلك الأحاديث المصرحة بلعن اليهود والنصارى على ذلك الفعل. (٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجداً كانوا من النصارى، الذين لعنهم النبي ﷺ حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (٣)
الثانى:
لماذا يُحتج بقول الطائفة الثانية التي علامتها الغلبة، ولا يُحتج بالأولى - وهي المنازعة للثانية
﴿إذ يتنازعون بينهم﴾ وقد جاء من صفتها تسليم العلم بحال أهل الكهف إلى الله تعالى ﴿ربهم أعلم بهم﴾ وهذا أولى بالاقتداء من الذين وصفوا بالغلبة فقط. (٤)
الثالث:
غاية ما في الأمر أن هذه الأية من المتشابه الذي أتت المحكمات برده، فأما طريقة أهل الزيغ فكما قال الله تعالى﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ.... ﴿فالمحكمات في ذلك هى أدلة السنة الصريحة الصحيحة في حرمة اتخاذ القبور مساجد، (٥) وإجماع الأمة على ذلك.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين. بل
стр. 289
هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ ، واتفاق أئمة الدين.
بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك. (١)
الرابع:
بل يقال أن هذه الأية قد استدل العلماء على بطلان هذا الفعل، فهى حجة على المستدل بها.
فقد بوَّب الشيخ محمد بن عبدالوهاب: باب: " ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان "
ثم ذكر قوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾.
٢) الشبهة الثانية: قولهم " المسجد النبوي - ثانى أعظم المساجد بعد المسجد الحرام - به قبر النبي ﷺ :
والجواب على هذه الشبهة من جوانب ثلاثة:﴾ رد تاريخي، ورد عقدي، ورد أصولي ﴿أولًا الرد التاريخي:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَقْبُرُونَهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ:
" مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ. فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ. (٢)
لذا فقد دُفن النبيُ -صلي الله عليه وسلم - في حجرته في بيت عائشة رضى الله عنها.
وقد كانت حجرتها ملاصقة للمسجد النبوى.
وفي عهد الخلفاء الأربعة -رضى الله عنهم- زاد عدد المسلمين واحتيج إلي توسعة المسجد النبوي، فقاموا بتلك التوسعات وكانوا لعلمهم وفقههم يتجنبون ادخال الحجرة التى بها قبر الرسول - صلي الله عليه وسلم - في المسجد.
- ففي خلافة عثمان ﵁ لما أراد توَسعة المسجد النبوي الشريف احترز مِن أن يكون ذلك مِن جِهة الحُجرات، ولم يُدخلها فيه، وهذا عَيْن ما صَنَعه سَلَفُه عمر بن
стр. 290
الخطاب ﵃.
- فلمَّا كان في خلافة الوليد بن عبد الملك في السَّنَة الثامِنة والثَّمانين من الهجرة، فقد أراد الوليد أن يوسِّع المسجد النبوي، فأمر عامله علي المدينة - عمر بن عبد العزيز- أن يدخل جميع حجرات زوجات النبي -صلي الله عليه وسلم - في المسجد بما في ذلك حجرة عائشة رضى الله عنها.
فاجتمع عمر بن العزيز-﵀ بعلماء المدينة ليشاورهم في الأمر، وكان عامَّةُ الصحابة ﵃ قد ماتوا، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله ﵁، فشَقَّ ذلك على الفقهاء والعلماء، وكان فيهم سعيدُ بنُ المُسَيَّب، فلم يرض سعيد بن المسيَّب بذلك؛ لئلا يدخل القبر في المسجد النبوي. (١)
قال ابن كثير:
جمع عمربن عبد العزيزالفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك، فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره ببناء المسجد على ما ذكر. (٢)
ومع إصرار الوليد بن عبد الملك علي ذلك فقد تم إدخال جميع حجرات أمهات المؤمنين إلي المسجد، بما في ذلك حجرة عائشة رضى الله عنها. (٣)
стр. 291
لذا لنا أن نقول في هذا الجانب أن ما فعله الوليد بن عبدالملك في هذا الباب يشبه ما ذكره الله - تعالى- في قصة فتية الكهف﴾ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿وبهذا يتضح لنا أمر مهم:
أن القبر الشريف -على صاحبه الصلاة والسلام- إنما دخل في المسجد من جرَّاء التوسعات. ** وعليه يقال:
لا بُنى المسجد النبوى على القبر الشريف، ولا قُبِرَ النبيُ ﷺ في المسجد النبوى.
٢ - الرد الأصولي:
اذا كان النبي ﷺ قد نهي عن اتخاذ القبور مساجد سداً للذريعة وحسماً لمادة الفتنة التى تتمثل في الغلو في الصالحين، فالقاعدة الأصولية تنص على أن:
"ما منع سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"
فالمصلحة العظيمة للصلاة في المسجد النبوى، حيث تتضاعف أجر الصلاة فيه ألف صلاة عن الصلاة في غيره، تترجح على منع ذلك سداً للذرائع المذكورة.
وكلا الأمرين منتفٍ في حق المساجد الأخرى التى بها أضرحة؛ فلا الصلاة فيها متضاعفة حتى نرجَّح جانب المصلحة بالصلاة فيها، ولا نحن أمنا وقوع البدع الشركية كما هو واقع عند المشاهد والأضرحة.
٣ - الرد العقدي:
قد نهي النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد سداً لذريعة الشرك، كما سبق بيانه آنفاً،
وهذه العلة انتفت عن المسجد النبوي؛ و ذلك من وجوه:
١) الأول:
القبر النبوي الشريف ليس ظاهراً كما هو حال الأضرحة في المساجد الأخري، والتى تراها.
قال النووي وهو يذكر وضع القبر الشريف:
قد بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور، ثم بنوا
стр. 292
جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا؛ حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر.
ولهذا قال في الحديث " ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " (١).
فأين هذا من تلك الأضرحة التى أبرزت في المساجد، فأخذت زخرفها وأزيَّنت تسر الناظرين.
٢ ا-الأمر الثاني:
النبي ﷺ قد دعا ربه فقال: " اللهم لا تجعلْ قبرى وثناً يُعبد" (٢)
وهذه الدعوة - بفضل الله- استجيبت للنبي ﷺ ؛ فقد وضعت التحصينات والحواجز التى تحول دون الوصول للقبر الشريف، ويُطرد عن القبر كل من يظهر أمراً من المغالاة أو المبالغة عند القبر النبوى.
- قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فلم يُتخذ - ولله الحمد - قبره وثنًا يعبد، ولا يمكن أن يفعل عنده ما هو دون هذا وذريعة إليه مما نهى عنه، فلا يستطيع أحد أن يفعل عند قبره منكرًا. (٣)
- لذا قال ابن القيم:
فأجاب ربُ العالمين دعاءه... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه... في عزة وحماية وصيان. (٤)
* نقول:
فأين هذا مما يفعل عند الأضرحة من البدع الشركية مما يعجز القلم عن حصره، ويستحي من ذكره
حيث الافتتان بالقبور وتحبيس الأموال عليها وطلب الدعاء منها والاستغاثة بها عند الضراء، وتقديم النذور لهم. (٥)
стр. 293
* وتأمل في قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب:
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم.... (١)
فسمَّي هذه الأضرحة أصناماً، وسمَّى أفعالهم لها عبادة. وصدق ﵀؛ فالعبرة في الأفعال بالمقاصد والمعانى، وليست بالألفاظ والمبانى.
يقول حافظ إبراهيم ﵀ وهو يصور لنا حقيقة هذا الواقع المرير:
أحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ... وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ
مَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ... قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ
يَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها... بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ
وَيُقالُ: هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى... وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ. (٢)
... أقول:
ومما سبق من هذه الوجوه كله فى الرد على شبهة وجود القبر النبوي
стр. 294
الشريف بالمسجد فقد كره العلماء كثرة تردد المصلِّين على زيارة القبر الشريف.
فقد سئل مالك ﵀ عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال:
ما هذا من الأمر، وذكر حديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد)
قال ابن رشد:
فيُكره أن يُكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا) ". (١)
وسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال:
" لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ". (٢)
* وختاماً:
وبعد ذكر هذه الوجوه التى ذكرناها في الرد على شبهة المسجد النبوي، فإن الاستدلال بوجود القبر الشريف في المسجد على مشروعية وجود الأضرحة في المساجد هو نوع من ركوب الهوى الذي أعمى القلب عن الهداية والعقل عن الفهم.
قال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢))
(سورة فاطر: ١٩ - ٢٢)
تم بحمد الله.
стр. 295
الحديث الحادى عشر: حلة الكرامة شرح حديث "هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ "
стр. 296
** نص الحديث **
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَهَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ﷺ :
... «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٧٤٣٧) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم (١٨٢) بَابُ: مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ.
وهذا حديث يمثل أحد أهم ركائز الاعتقاد في بنيان أهل السنة والجماعة والتى تعد أحد العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع.
لذا فقد حرص كل من كتب في عقيدة أهل السنة والجماعة على ذكر رؤية المؤمنين لربهم تعالى.
قال يزيد بن هارون، وهو أحد رواة هذا الحديث:
من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله، حلف غير مرة، وقد عقَّب الطبري قائلاً: وأقول أنا: صدق رسول الله، وصدق يزيد وقال الحق. (١)
ورؤية الله -عزوجل- ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع والعقل، وكما ذكر ابن حجر ﵀ ذلك بقوله:
وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك -أى رؤية الله- في الآخرة
стр. 297
لأهل الإيمان دون غيرهم. (١)
* قال ابن حزم:
والآية والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله -تعالى- يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها، ورؤية الله يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا حرمنا الله ذلك بفضله. (٢)
وفيما يلى تبيين ذلك بشيء من التفصيل:
... أولًا: أدلة الكتاب على إثبات الرؤية:
١) قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]
و "الزيادة " في هذه الأية قد فسرها النبي- ﷺ برؤية الله تعالى.
عَنْ صُهَيْبٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ، فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ "، قَالَ: " فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ " ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. (٣)
٢) قال تعالى﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿(القيامة: ٢٢/ ٢٣)
عَنْ عِكْرِمَةَ: تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا نَظَرًا. (٤)
قال ابن القيم: وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. (٥)
стр. 298
قال عبدالله بن أحمد:
وجدت في كتاب أبي بخط يده مما يحتج به على الجهمية من القرآن الكريم قوله تعالى
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)). (١)
فقوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾. (٢)
٣) قال تعالى﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿(المطففين/١٥)
قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟
فقال ﵀: " لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير اللهُ الكفارَ بالحجاب، فقال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. (٣)
قال الشافعى:
فلما حجبهم في السخط كان هذا دليلاً على أنهم يرونه في الرضا، وبه أدين اللَّه، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه . (٤)
٤) قال تعالى﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴿(الأعراف/١٤٣)
فلما طلب موسى ﵇ رؤية ربه -عزوجل- دل ذلك على جواز أصل حصولها وتحققها، وأن رؤيته -تعالى - ليست ممتنعة في الأصل، وإنما جاء المانع لأمر خارج ألا وهو ضعف أهل الدنيا وعدم تحملهم لذلك الأمر.
وإذا كان الجبل لم
стр. 299
يثبت لما تجلَّى الله - عزوجل- له، فالبشر أضعف بلا شك. (١)
*يؤيده:
قد أظهرت الأية - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد- العلة المانعة من تحقق رؤية موسى ﵇ لربه -عزوجل- والتى هى ضعف الطبيعة البشرية عن تحمل ذلك؛ وذلك قد اتضح بما وقع للجبل لما تجلى له ربه، أما في الآخرة فالأمر مختلف، والقاعدة تقول:
الأحكام تدور مع علتها وجوداً وعدماً، توجد بوجودها وتنتفي بزوالها.
٥) قال تعالى (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب/٤٤) وكذلك قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرالْمُؤْمِنِينَ) (البقرة/٢٢٣)
وكل الأدلة التى أثبتت اللقاء بين الله -تعالى- وبين خلقه فهى من أدلة إثبات الرؤية، ... كقوله ﷺ ""لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ:
أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ (٢).
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظراً بالأبصار. (٣)
* قال أبو العباس ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ، واحتجوا بآيات " اللقاء "
على من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. (٤)
стр. 300
٦) قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) ﴿(المطففين/٣٥)
وجه الدلالة: القاعدة " حذف المفعول يؤذن بالعموم "
بمعني:
أنه لمَّا لم يُذكرْالمنظورإليه، كان هذاعاماً لكل ما يتنعمون بالنظرإليه، ولا شك أن أعلى النعيم فيما يُنظرإليه في الجنة إنما هوالنظرإلى وجه الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ :
" فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ". (١)
وعليه فتبقي الأية في سياق العموم، فمن خصها بشيء دون شيء كان ملزماً بالمخصِص.
٧) قال تعالى﴾ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴿أه (الأعراف/١٤٣)
وجه الدلالة:
والدليل على أنه ممكن أن يُرى في الآخرة بشرطه في الرؤية ما يمكن من استقرار الجبل ولا يستحيل وقوعه، ولو كان محالًا كون الرؤية لقيدها بما يستحيل وجوده، كما فعل بدخول الكافرين الجنة، قيَّد قبل ذلك بما يستحيل من دخول الجمل سمَّ الخياط. (٢)
قال أبو الحسن الأشعري:
فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) تبعيد للرؤية؟
قيل له:
لو أراد الله تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور لله ،
стр. 301
دل ذلك على أنه جائز أن يُرى الله تعالى.
ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حرباً على أخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:
ولا أصالح قوماً كنت حربَهمُ... حتى تعود بياضاً حُلْكَةَ القارِ " (١)
* ثانيا: الأحاديث النبوية في إثبات الرؤية:
قد ثبت بالنقل المتواتر المعنوي من أحاديث النبي -صلي الله عليه وسلم - ما يفيد ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
فلقد روي ما يزيد عن ثلاثين صحابياً أحاديث الرؤية، فالنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.
وأنشدوا في هذا المعني:
مما تواتر حديث من كذب... ومن بني لله بيتاً واحتسب
ورؤية وشفاعة والحوض... ومسح الخفين وهذي بعض.
* قال ابن كثير:
وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام. (٢)
قال ابن حجر:
جمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله-تعالى-في الآخرة فزادت على العشرين، و تتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد. (٣)
وممن نص على تواتر أحاديث الرؤية من الأئمة:
الذهبي وشيخ الإسلام ابن
стр. 302
تيمية وابن القيم والآجري، والكتاني صاحب كتاب "المتناثر في نظم المتواتر"، والبيهقي فى كتاب الرؤية. (١)
... وإليك طرفٌ من هذه الأحاديث الصحاح:
١ ما ورد فى حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- من قوله ﷺ :
«هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟، هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ فقَالَ ﷺ : «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».
وما أخبر به النبي ﷺ من أنَّ المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر فهذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي؛ فإن الله -تعالى- لا شبيه له ولا نظير، فإنه ليس المقصود تشبيه الله -تعالى - بالقمر، وإنما تشبيه رؤية الله برؤية القمر، وهذا كقوله ﷺ :
" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" (٢)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف. (٣)
٢ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ، وَلَا حَجْرَاءَ، فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ. (٤)
فقوله ﷺ :
" تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ":
دل أن الرؤية ليست منفية على كل حال، فما بعد كلمة "حتى" يغاير في الحكم ما قبلها. ونظير ذلك قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)
стр. 303
٣ - وعن عَمَّارِ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ قال:
كان من دُعَاء النَّبِيُّ ﷺ وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ. (١)
قال ابن خزيمة:
ألا يعقل ذوو الحِجَا - يا طلاب العلم - أن النبي ﷺ لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه، ففي مسألة النبي ﷺ ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله -وجهاً يتلذذ بالنظر إليه. (٢)
٤ - عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِعَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (٣)
٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ:
" لا تضامون " يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجلياً ظاهراً، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل:
" لا تَضامّون ": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال... (٥) "
стр. 304
ثالثاً: الإجماع: وقد نقل الإجماع على ذلك جمع كبير من أهل العلم:
* قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، فقالا: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: ..... وأنه ﵎ يُرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم. (١)
قال أبو سعيد الدارمي:
أحاديث الرؤية قد أدركنا عليها مشايخنا، ولم يزل المسلمون يروونها ويؤمنون بها ولا يستنكرونها، ومن أنكرها نسبوه إلي الضلال. (٢)
- قال ابن جرير الطبري:
الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبارعن رسول الله ﷺ . (٣)
*وكذا نقل الإجماع:
الذهبي وابن القيم وابن كثيروأبو الحسن الأشعري والنووي وغيرهم. (٤)
*رابعاً: دليل العقل على إثبات الرؤية:
يتردد الدليل العقلي على إثبات رؤية الله تعالى بين وجهين، أحدهما أرجح وأقوى دلالة من الآخر:
١) الأول: دليل الوجود:
فالعقل شاهد بذلك؛ فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود، وما كان أكمل وجوداً كان أحق بأن يُرى، فإن الله -تعالى-أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه، إذ المعدوم هو الذى لا يُرى. (٥)
стр. 305
* قال أبو الحسن الأشعري:
ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله موجوداً مثبتاً، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه . (١)
٢) الثانى: دليل الكمال:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة، فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله- وله المثل الأعلى- أحقّ بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا، كما لانستطيع التحديق في شعاع
الشمس. (٢)
* وإنما كان الدليل الثانى هو الأقوى دلالة والأوقع في الحجية العقلية من الأول لأنه ليس كل موجود جائزاً أن يُري؛ فهناك موجودات لا نستطيع رؤيتها، لذا قلنا إن الله -تعالى- إنما أمكننا من رؤيته لكمال ذاته تعالى. (٣)
... المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية:
هم أهل البدع الذين أبوا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة في هذا الباب، حيث عمدوا إلى إنكار رؤية الله -تعالى- في الأخرة، بل وجعلوا المثبتين لها قوم مشبهة، وزعموا أن الأثار التي تمسك بها من قال بالنظر إلى وجه الله -تعالى -توجب التشبيه؛ لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة. (٤)
стр. 306
وممن أنكر رؤية الله -تعالى-من الفرق:
الجهمية والمعتزلة والزيدية والإباضية وجمهورالشيعة.
قال القاضي عبد الجبار:
وأما أهل العدل بأسرهم والخوارج والزيدية وأكثر المرجئة، فإنهم قالوا: لا يجوز أن يُرى الله -تعالى- بالبصر؛ لأنه ذلك يستحيل.
وقال عن أحاديث الرؤية:
أكثرها يتضمن التشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ لم يقله. (١)
* ما هو حكم من أنكر رؤية الله في الأخرة؟؟
الذي عليه جمهورالسلف أن من جحد رؤية الله -تعالى- في الدار الآخرة فهو كافر؛ لأنه منكر لما تواتر نقله في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة.
فإن كان المنكر لذلك ممن يجهل العلم بذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر؛ وذلك أنه هذه المسألة بتكاثرهاوتواردها قد بلغت مبلغ القطع الذى لا يحتمل معه أى تأويل أو شبهة.
*عن الفضل بن زياد قال:
سمعت أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، فغضب غضباً شديداً، ثم قال:
من قال بأن الله تعالى لا يُرى
стр. 307
في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة الله وغضبه، من كان من الناس. (١)
* قال الآجري:
فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة، قيل له:
كفرتَ بالله العظيم، فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددتَ القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعتَ غير سبيل المؤمنين، وكنت ممَّن قال الله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. (٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أجمعت المعتزلة على أن الله -تعالى- لا يُرى بالأبصار، واختلفت هل يُرى بالقلوب. (٣)
... شبهات نفاة رؤية الله -تعالى- والرد عليها:
استند جمهور الجهمية والمعتزلة في قولهم بنفي الرؤية على جملة من الشبهات العقلية والنقلية، والتى جعلوها مستنداً لهم في القول بنفي الرؤية، بل إنهم تجاوزا هذه المرحلة حتى قالوا بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبوالحسن الأشعري. (٤)
* ونذكر طرفاً من هذه الشبهات مع الجواب عليها:
١) قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَوَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)) فقال النفاة: قد نفت الأية رؤية الله، فكما أن الله يدرك الأبصارفي الدنيا والأخرة، فكذلك أبصار العباد لا تدركه لا في لدنيا ولا في الأخرة. (٥)
стр. 308
الجواب:
نريد منكم أن تفرَّقوا بين الرؤية والإدراك، فالأمر الذى نفته الأية بلا شك إنما هو الإدراك لا الرؤية، فالله -عزوجل -لا تدركه الأبصار، ولا تحويه ، وهو-عزوجل- يُرى من غير إدراك، كما يقول الرجل:
رأيتُ البحر، مع أنه لم يدركه، لذا فإن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الادراك رؤية خاصة؛ وهي الرؤية علي جهة الإحاطة، كما في قوله تعالي:
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا) فلم ينف موسي ﵇ الرؤية، وإنمانفي الإدراك. وكذلك قوله تعالى:
﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة. (١).
ونظيرذلك::
الفرق بين العلم بالله والإحاطة به سبحانه، فالذى قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّااللَّهُ) هو سبحانه الذى قال (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)
فالله -تعالي-يُري ولا يُدْرك، كما أنه يُعلْم ولا يُحاط به علماً.
وعليه فمن يستدل على نفى الرؤية بنفي الإدراك فهو ممن يجهل الفرق بين الأمرين.
وكم من عائب قولًا صحيحاً... * وآفته من الفهم السقيم.
* يؤيده:
قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يدرك أبداً وإن رآه المؤمنون، فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق، وكيف نفى الرؤية بـ " لن " فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأن النفي بها لا يتأبد. (٢)
*بل يقال هنا: أن هذه الأية تصلح لأن تكون دليلاً لأهل السنة:
стр. 309
قال ابن العثيمين:
نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفياً لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار، لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس، ولأنه لو كان الأعم منتفياً لكان نفي الأخص إيهاماً وتلبيساً ينزه عنه كلام الله . (١)
ثم يقال:
ولو تنزلنا مع الخصم وقلنا إن الرؤية هى الإدراك -على مستوى فهمهم- فيقال هنا بحمل الرؤية المنفية في هذه الأية على حال الحياة الدنيا. (٢)
٢) ومن شبهات النفاة:
قوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) قالوا: قوله تعالي: (لن تراني): يفيد نفي الرؤية مطلقاً؛ وذلك لأن " لن " تفيد النفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله صدق لا يدخله النسخ. (٣)
الجواب:
قد أجاب أهل العلم على ذلك فقالوا: حرف "لن" يفيد النفي المؤبد، مردود شرعاً ولغة
أما شرعاً:
فإن النفي إذا جاء بـ " لن" فلا يفيد النفى المؤبد؛ وإنما يفيد النفي المؤقت، بدليل قوله تعالي في اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
стр. 310
أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴿فنفت الأية عن اليهود أن يتمنوا الموت بقوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)
ومع ذلك فهم يتمنونه في الآخرة، حين يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف/ ٧٧]، مما دل على أن " لن" ليست للتأبيد.
قلت: وإذا كان النفي مع التأبيد المصرح به كما في قوله تعالي: " وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا"، لم يدل على النفي المؤبد، لأنهم تمنوا الموت بعد ذلك، فكيف يفيده النفي غير المقرون بالتأبيد؟!! فتأمل.
أما لغة:
فإن " لن" لا تفيد النفي المؤبد. قال جمال الدين ابن مالك في " الكافية":
ومن رأي النفي بـ لن مؤبداً... فقوله أردد وسواه فأعضدا
* يؤيده:
لو كانت تفيد النفي المؤبد لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد ورد ذلك في قوله تعالي:
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿. (١)
* قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يُدرَك أبداً وإن رآه المؤمنون. وكيف نفى الرؤية بـ " لن" فقال:
﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذَّبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ لن بقوله (وقالوا يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فهذا تمنٍّ للموت.
فلو اقتضت " لن " دوام النفي لتناقض الكلام. (٢)
* وعند التحقيق نقول:
أن المستقرئ لاستعمالات حرف "لن" يجد أنها تستعمل على المعنيين:
(التأقيت و التأبيد) ومثال المعنى الأول ما ورد في الأية (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)
وقد ترد
стр. 311
لن للتأبيد: كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)، وقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا....)
وإنما الذي يحدد أصح الاستعمالين إنما هو السياق مع القرائن الأخري، فالشرع إنما يؤخذ من مجموعه، وقد دلت الأدلة الأخرى بتواترها وتواردها على المراد بـ " لن " في قوله تعالى (لن تراني) هو نفي التأقيت لا التأبيد، فتأمل.
... وقد رد أهل السنة على المخالفين المستدلين بهذه الأية على نفي الرؤية من وجوه عديدة تزيد عن تسعة أوجه مبثوثة في كتب أهل السنة، قد تركت ذكرها خشية الإطالة. (١)
مما يُبين أنها دليل أظهر لمن يثبت الرؤية وليس لمن ينفيها.
وصدق ابن القيم ﵀-حين ذكر في مَعرِض كلامه عن إنكار المعتزلة للرؤية يقول:
وبدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوباً عن فهم القرآن. (٢)
** ومن شبهات النفاة:
قالت المعتزلة: قوله تعالي﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿إنما هو نظر الانتظار، لا نظر الرؤية!!
وقالوا: إنما هو نظر إلي ثواب ربها أي: إلي ثواب ربها ناظرة!! (٣)، واستدلوا بأن هذا هو تفسير مجاهد للآية. (٤)
стр. 312
الجواب أن يقال:
النظر له استعمالات متعددة، فمنها:
١) أن يتعدى بنفسه، ومعناه: التوقف والانتظار، كقوله ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (الحديد: ١٣)
والمقصود: انتظرونا وأمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.
٢) أن يتعدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.
٣) أن يتعدى بـ (إلى) فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، انظروا يعني: بالعين. فهذا النظر بمعنى الإبصار
فلا يجوز أن يكون الله عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.
ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، فإذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.
وإذا فسدت الأقسام لم يبق إلا أن يكون المقصود بالأية أنه نظر رؤية العين.
*كما أن تفسير الأية بأنه انتظار للثواب مخالف لظاهر النص:
*قال ابن حزم:
وقال بعضهم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ معناه إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة،
وهذا فاسد جداً؛ لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع؛ لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله. (١)
стр. 313
قال ابن القيم:
ما أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادراً خارجاً عن نظائره.
ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى، هكذا ترون ربكم، تنظرون إلى ربكم، ﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣]، ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. (١)
أما ما نقل عن مجاهد فجوابه ما قاله ابن عبد البر:
قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ -وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ . وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . (٢)
*وما أجمل ما قاله الدارمي في مناقشة المخالفين، حيث قال:
فكيف ألزمتم أنفسكم اتباع المشتبه من آثار مجاهد وحده، وتركتم الصحيح المنصوص من آثار الرسول ﷺ وأصحابه ونظراء مجاهد من التابعين، إلا من ريبة وشذوذ عن الحق، و الذي يريد الشذوذ عن الحق، يتبع الشاذ من قول العلماء، ويتعلق بزلاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل، وعلى ابتداعه. (٣)
... ومن جملة الشبهات التي استدل بها نفاة الرؤية قالوا:
القول بإثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة لله، وإثبات الجهة يلزم منه التجسيم، وهذا منتفٍ في حق الله. (٤)
стр. 314
والجواب أن يقال:
أما قولكم بنفي الجهة عن الله ؛ فيقال:
١ - لفظة "جهة " في حق الله -تعالي- من الألفاظ المجملة، والقاعدة هنا إن
"الألفاظ المجملة في حق الله، لا نثبتها مطلقاً ولا ننفيها مطلقاً، بل نثبتها حال الكمال وننفيها حال النقص".
أ- فإن فُهِم من لفظة الجهة الله، أن لله -تعالى-مكاناً ما يظله أو يقله، فهذا المعنى ننفيه عن الله تعالي، لأنه عندها يكون صفة نقص في حقه تعالي؛ فالله هو الباطن الذي ليس دونه شئ، وهوالظاهر الذي ليس فوقه شئ. كرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي إلى عرشه كحلقة في فلاة، فما أدراكم بذاته تعالى؟!
ب- وإن فُهم من الجهة لله أن الله مستوٍ علي عرشه بائنٌ من خلقه، ليس حالّا في شيء من مخلوقاته، فهذا معني نقول به، ولم لا نقول به وقد تواردت وتواترت النصوص الشرعية على إثباته.
** أما قولهم: إثبات الجهة يلزم منه الجسمية!!
فجوابه:
أن لفظة الجسمية في حق الله -تعالي - مما لم يرد به نص من كتاب أو سنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم؛ بل النفي والإثبات بدعة في الشرع. (١)
стр. 315
وقال ﵀:
لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً، فليس لأحد أن يبتدع اسماً مجملاً يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلّق به دين المسلمين. (١)
** أما قولكم أن إثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة الله تعالي!!!
فإن كان وصف الجهة في حق الله -تعالى- على المعنى اللائق الذي سبق أن فَصَّلنَاه فنحن نقول بإثبات الرؤية على هذا المعنى.
وما زال السلف يثبتون أحاديث الرؤية، ولا يقولون كيف، فحرام على العقول أن تكيّف أو تمثل.
قال الذهبي:
المبالغة في إثبات الصفات وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. (٢)
*ومن شبهاتهم في نفي الرؤية:
قالوا:
الرؤية التي ذكرت في الأحاديث إنما يُقصد بها العلم، ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴿(الفجر: ٦) أي: ألم تعلم. (٣)
стр. 316
فجوابه:
فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا؛ فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة وفي الدنيا واحداً؟؟!. (١)
* كذلك:
فإن لفظة "رأى" تارة تكون قلبية وتارة تكون بصرية، والقرائن هي التي تُخلّص أحد المعاني وترجحه، وأي بيان وقرينة فوق قوله: "ترون ربكم كما ترون الشمس "، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفي مثل هذا إلا على من أعمي الله قلبه؟!! (٢)
* ومن شبهاتهم على نفي الرؤية:
قالوا: أحاديث الرؤية هي من أخبار الآحاد التى لا تفيد العلم في أبواب العقائد. (٣)
فجوابه من وجوه:
1) قد سلف لنا ذكر ما يؤيد أن أحاديث الرؤية إنما هي من الأحاديث المتواترة، وذكرنا أقوال العلماء فى ذلك.
2) وإن قلنا - تنزلناً- بأن أحاديث الرؤية من الآحاد فالصحيح أن خبر الواحد يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن، سواء في ذلك ما ورد منها في العقائد أو العبادات. وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن حجر وابن الصلاح والآمدي وابن القيم وغيرهم. (٤)
стр. 317
* قال ابن حجر:
وقد يقع فيها -أي الآحاد-ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، كأن يخرِّج الخبر الشيخان في صحيحهما، أو يكون مشهوراً وله طرق سالمة من ضعف الرواة والعلل. (١)
٣) من اللوازم الباطلة لهذا القول:
نسبة أمر الأمة جميعها إلى الخطأ؛ فقد أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله وفي مسائل القدر والرؤية والإيمان والشفاعة والحوض، فإذا قلنا إن خبر الواحد لا يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبارعلى الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. (٢)
* ثم نقول:
التفريق في القبول بين الخبريات والعمليات بناءً على التواتر من عدمه قول محدث شغَّب بها أهل البدع لرد أصول الاعتقاد التى لا توافق أهواءهم.
* قال السمعانى:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار وطلب الدليل من النظر والاعتبار. وهذا شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار.
والخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، هذا قول عامة أهل الحديث. (٣)
стр. 318
قول الأشاعرة في مسألة الرؤية:
وأما الأشاعرة فأرادوا الخروج من جلباب المعتزلة، ليقولوا بإثبات الرؤية؛ وكذلك أرادوا ألا يقولوا بقول أهل السنة بإثبات علو الله -تعالى- على عرشه، فقالوا:
إن الله -تعالى- يُري، ولكن لا في جهة؛ لأن الجهة -على زعمهم- من لوازم الأجسام.
قال صاحب الجوهرة:
" ومنه أن يُنظر بالأبصار.... لكن بلا كيفٍ ولا انحصار".
وعليه فقد جعل الأشاعرةُ أهلَ السنة مجسِّمة من هذا الباب. (١)
قال الغزالي:
أما الحشوية -وهو يقصد أهل السنة - فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية، وأما المعتزلة فقد نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة.
فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازاً من التعطيل فشبهوا، فوفق الله -سبحانه- أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية. (٢)
стр. 319
* تأمل:
كيف يشنع الغزالي على أهل السنة فيصفهم بالحشوية والمشبهة لإثباتهم رؤية الله - تعالى- في الآخرة.
وعلى منواله قد نسج الزمخشري الذى تفوَّه بسب أهل السنة بفاحش اللفظ، حيث قال:
" ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة -يقصد إثبات رؤية الله- مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعةٌ سمُّوا هواهم سنّة... جماعة حُمُرٌ لَعَمْري موْكَفة
قد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا... شَنَع الورى فتستّروا بالبلكفه. (١)
* وفى تفسيرهم لحديث " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، .. " قالوا بما بوافق مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية، كما قال بذلك البيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسَّروا " تضامّون ": بالتشديد بأن معناه:
لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، ومعناه:
لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى
عن جهة!! (٢)
* الرد على قول الأشاعرة:
١) أولًا:
قول الأشاعرة في الرؤية هو قول محدث مخالف للكتاب والسنة
стр. 320
وإجماع الأمة، فمجموع أدلة الشرع أثبتت لله -تعالى- كلا الأمرين إثبات العلو والمباينة، وإثبات الرؤية، وقد قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
وأما السنة:
قوله ﷺ : «سترون ربكم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»،:
أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله - تعالى - بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، لأنه لا يُتصورأن يكون هناك موجود مرئي في غير جهة، وذلك لا يقتضي تحديدًا ولا تجسيمًا لله تعالى، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا.
وأما الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عياناً مواجهة، كما هو المعروف بالعقل. (١)
٢) ثانياً:
لا شك أن التناقض البيِّن في قول الأشاعرة هو أكبر دليل على سقوط هذا القول فقد وقعوا في التناقض، وانفردوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.
فالعقل فضلاً عن النقل يرفض مثل هذا الجمع بين النقيضين؛ فكيف يُعقل أن تثبت رؤية بغير مقابلة، ولهذا قيل فيهم:
"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناسَ على عقله".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
جمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عياناً مواجهة، كما هو المعروف بالعقل، ولا ريب أن جمهورالعقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول الأشاعرة معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. (٢)