ليس له جسم، ومع ذلك وُصف بالطول. (١)
*ثالثاً:
أن لفظ الجسمية من الألفاظ المحدثة التى لم يقل به السلف، وقد توقَّف فيه أهل السنة والجماعة نفياً وإثباتاً؛ حيث أنه لم يأت دليل يثبت ولا دليل ينفي.
*رابعاً:
إن كان إثبات الصفات البشرية على إختلافها يستلزم الجسمية فهذا مما ينتفى وقوعه في حق الخالق سبحانه؛ فقد وصف الله -تعالى- نفسه بالسمع والبصر كما ورد في حديث الباب من قوله تعالى (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)
، وقد وصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾، فالسمع والبصر لله -تعالى - حقيقيان على ما يليق به سبحانه. وهما كذلك للمخلوق على ما يليق بعجزه وضعفه.
وكذلك قد وصف الله -تعالى -نفسه بالحياة قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ووصف بعض المخلوقين بالحياة قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾، ... وحياة الله - تعالى- حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله. كما أن حياة المخلوق مناسبة لحاله وعجزه وفنائه.
* خامساً:
من الجهل البيّن وصف أهل السنة بالمجسمة، وهم يثبتون صفات الله -تعالى- على ما يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ويقولون عن صفات الله - تعالى: المعنى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أجمعوا على تكفير من شبَّه الله -تعالى - بخلقه، فهل بعد ذلك يقال عنهم مجسمة؟!!
قال أبو العباس ابن تيمية:
اتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز
стр. 492
أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه .
وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. (١)
فلو كان الإنصاف منهجهم حقاً لكان الأولى بتهمة التجسيم أصحاب المعتقدات المنحرفة في عقيدتها، كالهشامية وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي، الذين زعموا أن معبودهم (جسم وله نهاية، وله حد، طوله كعرضه وعمقه) إلى آخر كلام طويل كله تشبيه وتجسيم. وهشام بن الحكم هو أول من أظهر إطلاق لفظ (التجسيم) من متكلمة الرافضة.
وتوجد هشامية أخرى أتباع هشام بن سالم الجواليقي، التي تزعم أن معبودها على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحماً ودماً، إلى آخر تلك الأوصاف الكفرية، فهما طائفتان جمعهما الإلحاد بالتشبيه والتجسيد وفرقتهما كيفية ذلك التشبيه والصورة. (٢)
*ومن الفوائد المهمة المتعلقة بحديث الباب:
١) الأولى:
أن النبي ﷺ لما قرأ في حديث الباب قوله تعالى﴾ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. وهذه الإشارة من النبي ﷺ فيها دلالة بيِّنة واضحة على إثبات صفتي السمع والبصر لله - تعالى - على ما يليق به سبحانه، فليس السمع والبصر هما الذات أو العلم.
وحديث
стр. 493
الباب يدل على بطلان زعم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن معنى كونه سميعاً بصيراً: أى أنه عالم بالمسموعات والمبصرات؛ إذ أنه لو كان السمع والبصر بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا، ولما أشار إلى محليِّ السمع والبصر. (١)
قال أبوالعباس ابن تيمية:
ووصفه بأنه سميع بصير لا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله -تعالى- فرّق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرّق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات، ووضعه ﷺ إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع والبصر: العلم لم يصح ذلك. (٢)
*يؤيده:
فهْم رواة الحديث، فلما قال أبو هريرة رضى الله عنه:
«رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه»، قال عبد الله بن يزيد المقرئ -أحد رواة الحديث- يعني: إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً.
قال أبو داود: «وهذا رد على الجهمية» (٣)
قال ابن القيم:
قرأ النبي- ﷺ قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وضع إبهامه على أذنه وعينه؛ رفعاً لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير الصفتين المعلومتين. (٤)
فدل حديث الباب على ثبوت صفتي السمع والبصر لله - تعالى- حقيقة، وبطلان تأويلهما بالعلم.
* وأدلة الكتاب و السنة طافحة بالتنصيص على هاتين الصفتين، صفتي السمع والبصر، ومنها حديث الباب.
стр. 494
كما نقل الإجماع عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو الحسن الأشعري وابن بطة العكبري، وغيرهم كثير. (١)
والعقل كذلك يثبتهما لله تعالى:
قال الغزالي:
وأما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. (٢)
وقد ذهب المعتزلة إلى القول بأن السمع والبصر ليست صفات قائمة بذاته تعالى. (٣)
قال الدارمي:
وادَّعى المريسي في قول الله تعالى ﴿إن الله سميع بصير (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]، ... ﴿والله بصير بالعباد (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]: أنه يسمع الأصوات، ويعرف الألوان، بلا سمع ولا بصر، وأن قوله: ﴿بصير بالعباد (١٥)﴾ يعني: عالم بهم، لا أنه يبصرهم ببصر، ولا ينظر إليهم بعين، فقد يقال لأعمى: ما أبصره، أي:
ما أعلمه، وإن كان لا يبصر بعين. (٤)
قال ابن بطال:
غرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معنى سميع بصير
стр. 495
معنى عليم لا غير؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن فى العالم أصواتًا ولا يسمعها. (١)
٢) الثانية:
جوازالإشارة في الصفات:
ورد في حديث الباب أن أَبا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
" رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.
ففي هذا الحديث قد أشار النبي ﷺ بالسبابة والإبهام إلى العين والأذن، وليس ذلك لأثبات صفتى العين والأذن، وإنما لإثبات صفتي السمع والبصر، وهى من صفات الله -تعالى- الذاتيه. (٢)
* وهنا السؤال: هل تُشرع الإشارة في أحاديث الصفات ؟؟
الصحيح أن الإشارة في أحاديث الصفات الإلهية إنما تكون بضوابط:
*الضابط الأول: أن تكون الإشارة على سبيل التوقيف:
بمعنى أنها تكون فقط في الأحاديث التى وردت فيها الإشارة، ومن ذلك ما يلى:
١) عن ابْنِ عُمَرَ -رضى الله عنهما - أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَأْخُذُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ "، قال ابن عمر:
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ:
أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ (٣)
٢) عَنْ ابن عمر ﵄ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى
стр. 496
عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». (١)
٢) الضابط الثاني: "أن تكون الإشارة لتحقيق المعنى، دون الكيف":
فقوله تعالى (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) وقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، مع ما ورد في غير ما موضع من السنة من أحاديث الإشارة لا يدل إلا على حقيقة واحدة وهى أن المراد بالإشارة في أحاديث الصفات -ومنها حديث الباب -إنما هو لإثبات المعنى، دون أن يتعلق ذلك بتشبيه ولا تمثيل لصفات الله - تعالى- بشيء من خلقه.
ومحل التمثيل فيها ما كان من نطقها، أما ما كان بالإشارة فلا يسمى تمثيلاً.
والإشارة إلى ذلك يقصد بها تفهيم الناس معنى الصفة، ولا يقصد بها تشبيه ذلك بالمخلوق، فالتمثيل معناه:
ذكر المثال أو المِثل، فالمثال منفي عن الله قطعاً؛ لأنه لا مثل له، والمثل منه ما هو منفي، ومنه ما هو مثبت، فهو ينقسم إلى قسمين: الأول: مثل للتشبيه وهو منفي عنه قطعاً، والثاني: مثَل للتفهيم. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وفي السنن عن النبيّ ﷺ أنه قرأ على المنبر (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً) ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة، لا تمثيل الخالق بالمخلوق. (٣)
٣ - الضابط الثالث "الأمن من وقوع الفتنة":
وذلك بأن نأمن على السامعين ألا يقعوا في فتنة التشبيه، بحيث أنك إذا ما ذكرت أحاديث الإشارة عند البعض فقد يظن أن صفات الخالق تشابه صفات المخلوقين.
стр. 497
*فالقاعدة هنا: " ليس كل ما يُعرف يُقال "
وهى قاعدة مستنبطة من عدة أدلة شرعية:
منها حديث معاذ-رضى الله عنه- لما استأذن النبيَّ ﷺ أن يحدِّث بحديث فضل الشهادتين، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟
قَالَ ﷺ : «إِذًا يَتَّكِلُوا» (١)
وقد بوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب " مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا"، ثم ذكر تحته أيضاً قول عَلِيّ بن أبي طالب رضى الله عنه: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (٢)
ثم ذكربعده حديث معاذ-رضى الله عنه- السابق، وإنما لم يذكره معاذ إلا عند موته؛ لأن النبي- ﷺ لم يأذن له في ذلك؛ لمَّا خشي من تنزيله غير منزلته، وَعَلَّمَهُ معاذاً لأنه من أهله.
قال ابن حجر:
وقول عليِّ فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم. (٣)
وعند مسلم باب: " بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"،
وقد أسند تحته قول عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضى الله عنه:
«مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». (٤)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه - قَالَ:
حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وِعَاءيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ، لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُوْمُ. (٥)
стр. 498
وقال الذهبي ـ معلقًا على قول أبي هريرة -:
هذا دالٌّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم، أما حديث يتعلّق بحِلٍّ أو حرام فلا يجوز كتمانه بوجه" (١).
ولَمَّا طعن بعض المغرضين في شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان من جملة ما شنَّعوا به عليه أنه يحدِّث الناسَ بدقائق المسائل التي لا تتحملها عقولهم؛ ردّ ﵀ عن نفسه هذه الفرية قائلًا:
"وأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لا يَتَعَرَّضُ لأحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عند الْعَوَامِّ: فأَنا ما فاتَحْت عَامِّيًّا في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَطُّ ". (٢)
قال الشاطبي:
التحدُّث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه هو من باب وضع الحكمة غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وذلك فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، وإلى العمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئاً، وهو أسلم، ولكن المحدِّث لم يعطِ الحكمة حقها من الصون، بل صار التحدُّث بها
стр. 499
كالعابث بنعمة الله، ومقتضى الحكمة لا تعلَّم الغرائب إلا بعد إحكام الأصول، وإلا دخلت الفتنة. (١)
فالضابط الثالث هذا أهم هذه الضوابط؛ وذلك حسماً لمادة التشبيه التى نفتها أدلة الكتاب والسنة والإجماع والنظر.
* فإن قيل:
قول الإمام مالك:
من وصف شيئاً من ذات الله مثل قوله ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ فأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله ﴿وهو السميع البصير﴾ فأشار إلى عينه وأذنه أو شيئا من يديه قطع ذلك منه؛ لأنه شبَّه الله بنفسه. (٢)، فهو يمنع الإشارة عند الحديث عن الصفات الإلهية.
*والجواب من وجوه:
١ - الأول:
هذه الرواية عن مالك منقطعة، لذا فثبوتها عن مالك غير متحقق.
٢ - على فرض صحة سندها فإن النصوص الشرعية التي أفادت جواز الإشارة بالضوابط السابقة لا شك أنها مقدَّمة على ما سواها من أقوال.
٣ - أن غير مالك من الأئمة في زمنه وبعد زمنه رووا هذه الأحاديث، فكانوا يشيرون بأيديهم لتقريب المعنى، ومن دلائل ذلك:
أ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَقَالَ:
«إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا»، وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ. (٣)
ب) قال عبد الله بن أحمد:
سمعت أبي ﵀، ثنا يحيى بن سعيد، بحديث سفيان عن الأعمش، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ»،
стр. 500
قَالَ أَبِي ﵀:
جَعَلَ يَحْيَى يُشِيرُ بِأَصَابِعِهِ، وَأَرَانِي أَبِي كَيْفَ جَعَلَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يَضَعُ أُصْبُعًا أُصْبُعًا، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا. (١)
ج) قال ابن منده بعد أن روى حديث: «إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» هكذا، قال:
ووصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق، وكذلك حديث النواس بن سمعان حديثاً ثابتاً رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم. (٢)
وصلى الله على النبي وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 501
الحديث السابع عشر: التنبيه والإيماء شرح حديث لا تحلفوا بالأباء
стр. 502
*نص حديث الباب:
عَنْ عُمَرَبن الخطاب ﵁ قَالَ:
كُنْتُ فِي رَكْبٍ أَسِيرُ فِي غَزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَلَفْتُ فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي، فَسَمِعَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.
قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.
* أخرجه البخاري (٦٦٤٧) بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، ومسلم (١٦٤٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى.
*أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: نقض مسائل الجاهلية:
لا شك أن شريعة الإسلام التى بُعث بها النبي ﷺ إنما عنت في المقام الأول بهدم علائق الجاهلية في قلوب الناس وأفعاهم وأقوالهم، وهذا دلائله كثيرة في الكتاب والسنة قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة /٥٠)، وقال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب /٣٣)،
وقال عزوجل (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) (الفتح/٢٦)
* ومن ذلك أيضاً ما ورد في السنة:
في حديث أبي ذر - رضى الله عنه- قال:
سَابَبْتُ رَجُلًا
стр. 503
فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فقال لي النَّبِيُّ ﷺ :
يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. (١)
وعن عَبْدِ اللهِ بن مسعود - رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». (٢)
وقد جمع الرسول ﷺ ما سبق في حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْلَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، النَّاسُ رَجُلَانِ:
بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. (٣)
والأمثلة في هذا الباب كثيرة، ومنها ما ورد في حديث الباب:
فقد كانت عادة العرب القسم بما جل قدره وعظم خطره وكثر نفعه عند الخلق من السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار ونحو ذلك.
ومن هذا الباب فقد كان من الشائع عند أهل الجاهلية الافتخار بالأباء وتعظيمهم، وكم من أمة كفرت بالله -عزوجل - من هذا الباب، قال تعالى:
... (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)) (المائدة/١٠٤)
وهذا كثير الذكر في كتاب الله تعالى،
стр. 504
كذلك كانوا يكثرون الحلف بالأباء في أيمانهم،
كما ورد في حديث ابْنَ عُمَرَ- رضى الله عنهما- قَالَ:
كَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (١)
* لذا فقد أراد النبي ﷺ أن يغلق هذا الباب لحسم المادة وسد الذريعة الموصلة إلى تعظيم الأباء والطواغيت من دون الله - تعالى- فنهاهم عن الحلف بالآباء، كما في حديث الباب، وليس هذا النهى خاصاً عن الحلف بالآباء؛ بل بكل محلوف به سوى الله عزوجل، وإنما خرج الحديث على الغالب فلا مفهوم له.
فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فالقسم لا يكون إلا بمعظَّم، فيعم الحكم كل مقسَم به غير الله تعالى.
كما أن النهى خص الحلف بالأباء لأنه هو سبب ورود الحديث، وذلك لما حلف عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- فقال: " وأبي".
*يؤيده:
ما ورد في الروايات الأخرى، فعن عبدالرحمن بن سمرة-رضى الله عنه- قال:
قال النبي ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ». (٢)
وفي رواية أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ". (٣)
وعن بريدة-رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ " (٤)
قال الخطابي:
هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه
стр. 505
فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته. (١)
قال المهلب:
كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ لينسيهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره، لأنه الحق المعبود؛ فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء. (٢)
٢ - الفائدة الثانية: الحلف بغير الله تعالى، حكمه وحكمته:
* نقول أولاً:
قد دل حديث الباب على نهي الشرع عن الحلف بغير الله تعالى، والحكمة من ذلك هى أن الحلف يقتضى تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله - تعالى - لا شريك له فيها؛ فإنها إزاره والكبرياء رداءه فمن نازعه فيهما قصمه، كما صح في الأحاديث الصحيحة حكاية عنه ، فلا يضاهى به غيره. (٣)
كذلك قَال تعالى (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما:
الأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ، فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلانَةُ، وَحَيَاتِي. (٤)
فدل ذلك على أنّ هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عبّاس -رضى الله عنهما- تجري على ألسنة
كثيرٍ من النّاس وهي من الشّرك، لكنه شرك أصغر، ويسمّى شرك الألفاظ، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتّخاذ الأنداد، فالحلف بغير الله - تعالى - من اتّخاذ الأنداد لله ،
لأنّ النّد معناه:
النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله -تعالى- يجعل المحلوف به
стр. 506
نِدًّا لله -تعالى - وشبيهاً لله . (١)
* وعن قتيلة- بالتصغير- ﵂ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا:
وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ شِئْتَ. (٢)
قال ابن مسعود رضى الله عنه:
لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً. (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. (٤)
* أما حكم الحلف بغير الله - تعالى - فهو على تفصيل:
أ) الحالة الأولى:
من أقسم بغير الله -تعالى- معتقداً في المحلوف به من التعظيم ما لا يعتقده إلا في الله - تعالى-، أو اعتقد لزوم يمينه بغير الله -تعالى- كاعتقاد لزومها بالله فهذا كفر وردة عن دين الله عزوجل، وعليه يُحمل قوله ﷺ :
.
... «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ». (٥)
قال الشوكانى:
وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك أو الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق.
стр. 507
وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال:
إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟!
وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟! (١)
قال سليمان بن عبد الله:
الذي يفعله عبَّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. (٢)
ب) الحالة الثانية:
من أقسم بغير الله -تعالى- معتقداً في المحلوف به من التعظيم دون ما يعتقده في الله - تعالى- فهذا مما يقع تحت الشرك الأصغر الذى لا يُخرج من الملة.
وإنما سُمَّى شركاً لأن من حلف بغير الله-تعالى- فقد جعل من حلف به كما الله- تعالى - محلوفاً به، وإن لم يكن معظماً له كتعظيمه لله عزوجل، وهذا مما يعد من شرك الأعمال، ولا يدخل في شرك الاعتقاد. (٣)
جـ) الحالة الثالثة:
من أقسم بغير الله -تعالى- دون أن يعتقد في المحلوف به تعظيماً، سواء في ذلك أكان هذا المحلوف به معظَّماً، كالملائكة والأنبياء والكعبة، أم غير معظم كالأباء والأبناء، وهذه التى وقع فيها الخلاف بين العلماء على قولين:
١) القول الأول:
الكراهة:
وهو قول المالكية وجمهور الشافعية والظاهرية، وهو قول عند
стр. 508
الحنفية والحنابلة. (١)
٢) القول الثانى:
التحريم: وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، وقول أهل الظاهر وهو قول عند المالكية و الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح والله أعلم. (٢)
يدل عليه:
أ) النهى الذى قد ورد في حديث الباب، حديث عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-:
(من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله)، فهو نهى عن الحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.
قال القرطبي:
قوله: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) فظاهر النهي التحريم، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه. (٣)
ب) وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -رضى الله عنه- قَالَ:
حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْراً، فَأتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريباً، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ ﷺ : "قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثَاً، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،
وَلَا تَعُدْ". (٤)
فقوله " ﷺ : وَلَا تَعُدْ" نهى عن العودة للحلف بغير الله تعالى، والأصل في النهى التحريم.
٣ - الفائدة الثالثة:
اتفق العلماء أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية،
стр. 509
فمن أقسم بالله - تعالى - أو بصفة من صفاته أو بفعل من أفعاله فقد انعقدت ييمينه، فإن حنث فعليه الكفارة، وهذا مما لا خلاف فيه بين علماء الأمصار، إلا ما ذكر عن الشافعى على أصله على من اشترط نية اليمين فى الحالف بالصفات. (١)
وكان النبي ﷺ يقسم بالله وصفاته وأفعاله:
عَنْ أُمِّ العَلَاءِ - رضى الله عنه- قَالَتْ:
اشْتَكَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ -رضى الله عنه- فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
وَمَا يُدْرِيكِ، أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ. (٢)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر - رضى الله عنهما- قَالَ:
كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ- ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ. (٣)
وعن أبي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ». (٤)
وعن أَبُى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال:
«يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». (٥)
وعن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه- قال:
من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن
стр. 510
كَفَرَ بحرف منه كَفَرَ به أجمع. (١)
ففي هذه الأحاديث حجة على جواز الحلف بأسماء الله -تعالى - و صفاته و أفعاله، فإذا حنث فقد وجبت عليه الكفارة، ولا نزاع في أصل ذلك وإنما الخلاف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب. (٢)
قال ابن الملقن:
أهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له (٣)، ولا يجوز أن تكون صفات غيره، فالحلف بها كالحلف في أسمائه يجب فيها الكفارة، ألا ترى أنه ﵇ كثيرًا ما كان يحلف "لا ومقلب القلوب"، وتقليبه لقلوب عباده صفة من صفاته، ولا يجوز على الشارع أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله ". (٤)
قال ابن هبيرة:
أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته. (٥)
*يؤيده:
أن الحلف بصفات الله -تعالى- كالاستعاذة بها، فإذا كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي ﷺ ﴿أعوذ بوجهك﴾ ﴿وأعوذ بكلمات الله التامات﴾ ﴿وأعوذ برضاك من سخطك﴾ ونحو ذلك، فكذلك الحلف، وهذا أمر متقرر عند العلماء. (٦)
٤ - الفائدة الرابعة:
قد دل حديث الباب على أن الحلف بغير الله -تعالى - منهى عنه، ولا ينعقد به يمين، ووجه الدلالة أن عمر -رضى الله عنه - لما قال: لَا وَأَبِي، سَمِعَه رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
لَا
стр. 511
تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ "، ولم يأمره بكفارة.
* يؤيده:
ما روي أَبِو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي يَمِينِهِ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَى أُقَامِرُك فَلْيَتَصَدَّقْ» (١)؛ لأنه لم يذكر فيه الكفارة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يُقسَم بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق الأئمة، ولا كفارة في الحلف بذلك. (٢)
وقد ذهب أبوحنيفة إلى القول بوجوب الكفارة في الحلف بما لا يجوز من هذا النوع، وقد تعلَّق بان الله - سبحانه - أوجب على المظاهر الكفارة، وعلل بأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذا منكر من القول وزور. (٣)
وقول الجمهور هو الراجح؛ وذلك للأحاديث التى استدلوا بها، فلا عبرة لنظر في وجود نص.
*فرع:
اختلف العلماء فمن حلف فقال " إن فعل كذا فهو يهودى أو نصرانى، أو هو بريء من الإسلام "،
стр. 512
فذهب المالكية والشافعية إلى أنه ليس بيمين منعقد، ولا كفارة على قائله؛ وعلة ذلك أن الأيمان إنما تنعقد بمن لزمت طاعته وعظمت حرمته، وهذ لا يكون إلا لله تعالى، وعليه ففي هذه الحال يجب عليه أن يستغفر الله، ويقول " لا إله إلا الله ".
في حين أوجب أصحاب الرأي عليه كفارة يمين. وهو قول أحمد وإسحاق، وذلك إذا
أراد قائله اليمين؛ وذلك بناءً على أن الأيمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته، لأن الحلف بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم، وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك التعظيم، فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه، كذلك من حلف بترك وجوبه لزمه. (١)
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
٥ - الفائدة الخامسة: كفارة الحلف بغير الله تعالى:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". (٢)
*وعن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَاصٍ -رضى الله عنه- قَالَ:
حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أصْحَابِي: قُلْتَ هُجْراً، فَأتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْعَهدَ كَانَ قَريباً، وَحَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسول اللهِ ﷺ : "قُلْ لا إله إِلاَّ الله وَحْدَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثَاً، وَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،
لَا تَعُدْ". (٣)
وبيان ذلك أن الحلف بغير الله -تعالى- سيئة، والحسنة تمحو السيئة، ولأن من حلف بغير الله -تعالى- معتقداً في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله - تعالى- أو دون ذلك فقد أشرك غير الله مع الله - تعالى - في تعظيمه بالقسم به، ولهذا سُمَّى شركاً،
стр. 513
لذا فقد وجب علي أن يقول: " لا إله إلا الله "؛ توحيداً لله - تعالى- وبراءة من الشرك. (١)
-
* ختاماً: إشكالات والرد عنها:
الإشكال الأول:
قد أقسم الله -تعالى - في كتابه بكثير من مخلوقاته، مثل قوله: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١]، وقوله: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن،
وقد ورد في حديث الباب أن النبي ﵊ قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟؟
*نقول:
قبل الرد عن هذا الإشكال لابد أن نقعِّد أصلاً مهماً في هذا الباب:
فلابد أن نعلم أن الله - تعالى- فعَّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله، وإنما الواجب عليه أن يفعل ما يأمره الله -تعالى - به، ممتثلين في ذلك قول الذين﴾ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿.
*ثم الرد عن ذلك من وجوه:
أ) الأول:
قيل أن هذه الأشياء المقسَم بها في كتاب الله -تعالى - فيها إضمار تقديرُه محذوف، وهو الله ﵎، فتقدير الكلام: " ورب النجم، ورب السماء". (٢)
وهذا جواب مرجوح؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.
ب) الثانى:
قيل أن المقصود بالنهى في حديث الباب إنما هو ألا يُعَظَّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمِ الشَّرْعُ، بدليل قوله فيه: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وأن هذا من باب الخاص الذي أريد به العام، أجاز الحلف بكل معظم في الشرع. (٣)
وعليه فلا حرج في القسم بما عظَّمه الشرع، ومن ذلك آيات الله -تعالى - وبديع مخلوقاته.
وهذا جواب مرجوح، يرده ما ورد فى حديث الباب:
" إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ
стр. 514
دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" فحرّم القسم بكل ما سوى الله -تعالى- ولو كان المقسَم به معظماً في الشرع.
ج) الثالث وهو الراجح، والله أعلم:
أن الله - تعالى - قد أقسم بذات هذه المخلوقات؛ وذلك لحكم بالغة، نذكر منها:
١) التنبيه على دلائل قدرته وعظمته، فهو خالقها وربها.
٢) أن الإقسام بهذه المخلوقات هى دعوة للعباد ليتفكروا في عظمة هذه المخلوقات، ويعلموا أن هذا الخلق دليل من أدلة كثيرة على أنه خالقهم لا خالق لهم سواه؛ فيكون المستحق للعبادة وحده. (١)
قال الشعبي:
الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق.
وقال مطرف بن عبد الله:
إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليُعَجْبَ بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع. (٣)
*الإشكال الثانى:
قول الرَسُول ﷺ للرجل الذى قال له:
" وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ": " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ "!!
* وقد أجاب العلماء ذلك من وجوه:
١) الأول:
أن لفظة " وأبيه " غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها، وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: «أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ»، وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: " أفلح
стр. 515
وأبيه "، لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلًا. (١)
*وجواب ذلك ما قاله ابن الملقن:
وهذا عجيب، فالزيادة بـ " وأبيه " لا شك في صحتها ولا مرية. (٢)
قلت:
ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد لهذه اللفظة نظائر في في موضعين من الصحيح:
ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ:
" أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ. (٣)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ، نَعَمْ، وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ». (٤)
٢) الثانى:
أن ذلك كان قبل النهي عن الحلف يغبر الله تعالى، قاله الماوردي والطحاوى، وقال السبكي أكثر الشرَّاح عليه، ونص ابن عبد البر ابن قدامة على أن لفظة " وأبيه " إن صحت فهى منسوخة. (٥)
واستدلوا على ذلك بحديث قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ -رضى الله عنها- قَالتْ:
أَتَى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، فَقَالَ:
" سُبْحَانَ اللهِ " قَالَ: إنَّكُمْ تَقُولُونَ إذَا حَلَفْتُمْ وَالْكَعْبَةِ قَالَ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: " إنَّهُ قَدْ قَالَ لِمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ ". (٦)
فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهي من رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دل على أن المتأخر من المعنيين المختلفين اللذين
стр. 516
ذكرناهما في هذا الباب هو النهي عن الحلف بغير الله تعالى لا الإباحة. (١)
٤) الثالث:
أن فيه إضمار اسم الرب، كأنه قال " ورب أبيه "، ذكره الخطابي. (٢)
* ويجاب على ذلك:
بأنه خلاف الأصل؛ فالأصل في الكلام عدم التقدير.
٥) الرابع:
أن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته.
وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، فالأصل العام أن أفعال الرسول ﷺ وأقواله هى من باب التشريع، إلا ما خصه الدليل.
٣) الخامس:
أن لفظة " وأبيه " تقع على وجهين:
أحدهما للتعظيم والآخر للتأكيد، فقوله " وأبيه "في الحديث إنما هى من باب التأكيد، فقد كانت هذه كلمة جارية على ألسنتهم من باب التأكيد لا التعظيم، كقوله " ولعمري " (٣)، والنهي إنما وقع عمن قصد بها التعظيم؛ لأن هذا هو مقصود اليمين الشرعى.
يؤيده:
أن فيه ذكر أبي الأعرابي، ولا يُحلف بأبي الغير تعظيماً وتوقيراً. (٤)
فكانت كلمة "وأبيه " لا يقصد بها القسم، ونظير ذلك ما جرى على لسانهم من قول:
" عقرى حلقى، وثكلتك أمك، وتربت يمينك "، وهذا مما لا شك فيه أن قائله لا يقصد به الدعاء على الشخص المخَاطب بها، وقال به البيهقى والقاضى عياض والقرطبي.
стр. 517
قال النووي:
«أفلح وأبيه» ليس حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله ، فهذا هو الجواب المُرضي. (١)
*ومما يؤيد هذا الجواب:
بأن سياق حديث الباب الوارد عن عمر -رضى الله عنه - يدل على أنه كان يحلف؛ لأنه
قال " وأبي "، فقيل له: " لا تحلفوا بآباءكم "، فدل ذلك على الفارق بين كلمتى:
" وأبى، و أبيه ".
* والراجح -والله أعلم - هو المسلك الخامس، فهو أقرب الأقوال للصواب، يليه في القوة المسلك الثانى الذى جنح إلى القول بالنسخ.
وصلى الله على النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم.
السَّائِلِ» قَالَ:
فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ:
«أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»
*تخريج حديث الباب:
أخرجه البخاري (٥٠) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ.
ومسلم (٩) كِتَابُ الْإِيمَانَ بَابُ: معرفة الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، والقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ. (١)
*أهمية حديث الباب:
لا شك أن هذا الحديث يعد أصلاً من أصول هذا الدين وعماداً من أعمدته التى تنير درب السالكين في مدارجهم لشرائع دين الإسلام.
قال القاضى عياض:
وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا الذى سمَّيناه بـ"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان "، إذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات
стр. 521
والمكروهات عن أقسامه الثلاث. (١)
قال النووي:
واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام. (٢)
قال القرطبي:
فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن. (٣)
* شرح فوائد حديث الباب:
تبدأ قصة حديث الباب لما توجه يحيى بن يعمر وصاحبه حميد عبدالرحمن إلى عبدالله بن عمر-رضى الله عنهما- يسألانه عن فتنة من الفتن الى أطلت برأسها في أواخر عصر الصحابة رضى الله عنهم، وهى فتتنة القول بنفي القدر، وأن الله -تعالى - لم يخلق أفعال العباد.
وهذا هو معنى قول يحْيَى بْنِ يَعْمَرَ في أول حديث الباب:
" كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ... " (٤)، أى أنه تكلم في القدر نفياً له،، وقول الراوى: " يزعمون أنَّ الأمرَ أُنف "، أي:
مستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم، وقد عُرف أصحاب هذه البدعة فيما بعد باسم " القدرية "؛ وسمُّوا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه.
стр. 522
وأهل السنة والجماعة على أن الله -تعالى - يعلم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه، وقدرته، وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة رضى الله عنهم.
وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها.
قال القرطبي:
قد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مذهب باطل، مع كونه أخف من المذهب الأول.
وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد، فراراً من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري بالعلم خصم. يعني يقال له:
أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟، فإن منع، وافق قول أهل السنة، وإن أجاز، لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. (١)
وحديث الباب يفيد أن معبداً هو أول من قال بالقدربالبصرة، وتكاد المصادر التى ترجمت لمعبد أن تُجمع على ذلك، وأن معبداً قد تشَّرب ذلك المنهج الضال من رجل من أهل البصرة كان نصرانياً، فأسلم، ثم تنصَّر يقال له: سيسويه أو سوسن، وهو من أبناء المجوس، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن الأثير وأبوحاتم وغيرهم.
وكان من حسنات الخليفة عبد الملك بن مروان أنه أمر بقتل معبد الجهنى. (٢)
стр. 523
*عود إلى حديث الباب:
قَال ابن عمر رضى الله عنهما:
" فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بالقدر" بِالْقَدَر"
هنا قد تبرأ ابن عمر -رضى الله عنهما- من هؤلاء الضآلين الذين خاضوا في تلك البدعة الكفرية، والتبرؤ يأتى في الشرع على نوعين:
١ - تبرؤ من الشخص:
وهذا كما يقع من الأنبياء والمؤمنين حينما يتبرؤن من المشركين، وقد وردت سورة كاملة باسم "سورة التوبة " أو كما هى مشهورة باسم "سورة براءة "، في التبرؤ من أعيان المشركين، قال تعالى (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (التوبة/٢)
وكذلك الخليل إبراهيم ﵇ لما تبرأ من أبيه وقومه، كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف/٢٦)، فهذا تبرؤ من الشخص لمفارقته أهل الإيمان بالكلية.
وكذلك يقال في قول الله تعالى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء/٢١٦)
٢ - تبرؤ من الفعل:
وهذا يكون فيمن فعل فعلاً فيه مخالفة شرعية، لكنها لا تُخرجه من دائرة الإسلام، فالتبرؤ هنا يكون من فعله لا من شخصه، ولهذا أمثلة كثيرة:
أ) لما بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ -رضى الله عنه -إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، فلما علم النَّبِيُّ ﷺ قَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» (١)
стр. 524
فهنا قد تبرأ الرسول ﵊ مما صنع خالد ومن عمله ﵁، دون شخص خالد، وذلك لأن خالداً كان متأولاً معذوراً عند الله تعالى، ولم يكن ذلك منه معصية تعمد فعلها، بل محض خطأ أداه إليه اجتهاده، ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ لم يعزله بعد ذلك عن قيادة الجيش.
ب) عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ ". (١)
* وهنا يقال:
إن قول ابن عمر - رضى الله عنهما - في هؤلاء الذين قالوا بنفي القدر «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي» يبين أن التبرؤ هنا إنما هو من القسم الأول؛ يدل عليه قوله: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»
فمثل هذا المعنى قد ورد في الكتاب والسنة فى حق الكافرين.
فمن الكتاب قول تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ)، قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة/٣٦)
وقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)
ومن السنة:
ما ورد في حديث أنَسَ بْنَ مَالِكٍ- ﵁ أنِّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ:
" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ". (٢)
стр. 525
*عود إلى حديث الباب:
قول. عُمَرُبْنُ. الْخَطَّابِ. رضى. الله. عنه:
" بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ... "
ومن الفوائد هنا أن جبريل ﵇ قد جاء إلى النَّبِيِّ ﷺ في صورة بشرية، حتى قد رأه الصحابة - رضى الله عنهم- بأعينهم، فظنوا أنه رجل من خارج المدينة، ولكن الذى جعلهم يستغربون أمره أنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ولا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من صحابة النبي ﷺ .
والملائكة مخلوقات نورانية له أجنحة، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)) (فاطر/١)
وعن عبدالله بن مسعود -رضى الله عنه- قال: رأى رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ في صورتِه على السِّدرةِ لهُ ستُّمائةِ جَناحٍ. (١)
*وفي حديث الباب قد أتى جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في صورة بشرية، ومجئ الملائكة في الصورة البشرية قد ورد في غير ما موضع في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇، قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الذاريات /٢٥)، وكذلك في قصة لوط ﵇، كما قال تعالى (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) ... (الحجر/٦٢).
وفي قصة مريم ﵍، قال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم /١٧) وورد كذلك في قصة الأبرص والأقرع والأعمى، والأمثلة كثيرة.
стр. 526
وقد كان جبريل ﵇ كثيراً ما يأتى النبيَّ ﷺ في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبى رضى الله عنه:
ففى حديث أُمّ سَلَمَةَ -رضى الله عنها- أن جبريل ﵇ جعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟» أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، فَلَمَّا قَامَ، قَالَتْ:
وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. (١).
*عودٌ إلى حديث الباب:
قَالَ جبريل: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.....
وهنا فوائد: الفائدة الأولى:
١) قول جبريل ﵇ " يا مُحَمَّد "، حيث ناداه باسمه المجرد، وإنما فعل ذلك لأنه أراد التعمية على السامعين، فصنع صنيع الأعراب. (٢)
٢) * الفائدة الثانية:
شهادة " أن لا إله إلا الله ": تشمل على أنواع التوحيد الثلاثة " توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ".
فهي تدل على توحيد الألوهية بدلالة المطابقة، لأن معنى " لا إله إلا الله ": أي لا معبود بحق إلا الله.
وهى تدل على التوحيد ربوبية بدلالة التضمن؛ لأنَّ مَن عبد الله -تعالى- ولم يشركْ به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
стр. 527
وقد ورد هذا المعنى في أول أمر في القرأن في قوله تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)) (البقرة/٢١) فالذى انفرد بالخلق هو المستحق للعبادة دون غيره.
قال ابن القيم:
والإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلوهية. (١)
ومعنى كلام ابن القيِّم أنَّ الله - تعالى - احتجَّ على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية والعبادة لا العكس، فتبيَّن بذلك أنَّ توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام، ولا يُنقذه من النار، ولا يعصم مالَه ودمه إلاَّ بتوحيد الألوهية والعبادة.
*و كذلك فإن شهادة " أن لا إله إلا الله ":
تدل على توحيد الأسماء والصفات بدلالة المطابقة، لشمولها على اسم الله عزوجل، ودلالة التضمن لأن الأدلة الشرعية قد دلت على إثبات الأسماء والتى تتضمن صفات الله تعالى، قال تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء/١١٠) فاسم " الله " يتضمن صفة الألوهية، والله مألوه أي معبود تحبه القلوب وتأله.
* الفائدة الثالثة:
قوله ﷺ " أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.... "
وهكذا التوحيد الصحيح إنما ينبني على ركنين: " ركن النفي، ركن الإثبات". نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له، فالنفي المحض ليس بتوحيد، والإثبات المحض ليس بتوحيد، حتى يجمع بينهما.
والذي يستقرئ أدلة الكتاب والسنة يقف على هذا المعنى:
стр. 528
فمن الكتاب:
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف/٢٧)، وكذلك قوله تعالى (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)) (الشعراء/٧٧)
وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل/٣٦)
وقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء/٣٦)، وما من نبي إلا دعا قومه قائلاً (يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف/٥٩)
لذا فقد جاءت بعثة النبي ﷺ لتحقيق هذا الأصل، فعَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (١)
ولَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ:
" يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ". (٢)
فالمشركون الذين بُعث فيهم النبي ﷺ لم يشفع لهم ما حققوه من طرف خفي في باب توحيد الربوبية؛ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)؛ وذلك لأنهم أهدروا توحيد الألوهية في إشراكهم بالله -عزوجل -بعبادة الطواغيت والأصنام وقالوا﴾ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴿فهم لم يعتقدوا في اللات والعزّى أنها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت، وإنما جاء شركهم أنهم أشركوها في الدعاء والعبادة، كما قال تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)) (العنكبوت/٦٥)، وتبع ذلك إشراكهم فى توحيد الأسماء والصفات،
стр. 529
وذلك لما اشتقوا من أسماء الله -تعالى - أسماءً لآلهتهم، فاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
* عودٌ إلى حديث الباب:
قال ﷺ : " وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ... ":
وهذا هو الشق الثانى من الشهادة، أن تشهد أن محمداً نبي الله ورسوله إلى العالمين، إنسهم وجنهم، المبشر به في التوراة والإنجيل، ونذكر من أدلة ذلك ما يلى:
قال تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح/٢٩)، وقال تعالى (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) (سبأ/٢٨)، وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف/ ١٥٧)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
... «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١)
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟
قَالَ: " أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ:
... ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا ". (٢)
*وشهادة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ رسول الله تقتضى طاعته فيما أمر ونهى؛ لأن طاعته من
стр. 530
طاعة الله عزوجل، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء/٨٠)
وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي مَا هَذَا، عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ لَيْسَ هَذَا فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ. (١)
لذا فإن الشهادتين تشتملان على نوعين من التوحيد:
أ) توحيد العبادة:
وهذا لله -عزوجل- وحده لا شريك له، فلا معبود بحق إلا الله تعالى.
ب) توحيد الاتباع: وهذا للنبي ﷺ دون غيره، فلا متبوع بحق إلا رسول الله. * عودٌ إلى حديث الباب:
قال ﷺ : " وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًاً ".
فهذه التى ذكرها النبي ﷺ بعد الشهادتين هى أركان الإسلام.
وأما الصلاة فهى ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والخلاف في حكم تاركها كسلاً خلاف عريض، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذا الركن.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ في حديث الإسراء المشهور، وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى