← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الاستقلالية إنما هو شرك في الربوبية. * وكذلك هو شرك في الأسماء والصفات: فقد قال تعالى (ِإنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/٣٤) وقال النَّبِيُّ ﷺ : «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللهُ». (١) فقد أخبر ﷺ أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان المطر من قبل الأنواء -على ما زعموا - لما اختص الله -تعالى- بعلم وقت سقوط المطر، ولكان النوء شريكاً لله -تعالى- في صفة علمه عزوجل للغيب. (٢) * ومما يدل أيضًا على أن ذلك من الشرك الأكبر: أن هذا من الإلحاد فى آيات الله، فآيات الله نوعان: (١) آيات كونية. ... (٢) آيات شرعية. فمن يحرِّف آيات الله -تعالى- فهذا من الإلحاد في آياته الشرعية، قال تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (النساء: ٤٦) وأما الإلحاد فى آيات الله الكونية: فذلك بأن يربطها بغير فعل الله تعالى، كمن يقول: «غضب الطبيعة»، هذا من الإلحاد فى آيات الله الكونية؛ لأن الطبيعة مخلوقة لله عزوجل. ويدخل في الإلحاد في آيات الله -تعالى-الكونية: نسبة المطر إلى غير الله تعالى. قال ابن رجب: فإضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك، المدبرة له دون الله ، فقد كفر بالله وأشرك به كفراً ينقله عن ملة الإسلام. (٣) ٢) نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية: كأن يقول " مُطرنا بنوء كذا وكذا "،

стр. 457

معتقداً أن النوء إذا ما ظهر أو تحرك تسبَّب ذلك في نزول المطر، فهنا يكون قد نسب نزول المطر إلى سبب لم يجعله الله سبباً، لا شرعاً ولا قدراً. وقاعدة الباب هنا: " كل من اعتقد في سبب لم يقدَّره الله -تعالى- سبباً، لا شرعاً ولا قدراً فقد وقع في الشرك الأصغر"؛ وعلة ذلك أنه شارك الله - تعالى - من الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله -تعالى - لم يجعله سبباً. فمن المعلوم بالقطع شرعاً وقدراً أن حركة النوء ظهوراً أو اختفاءً لا علاقة لها بنزول المطر، فلا نصوص الشرع قالت بهذا، ولا كلام علماء الأرصاد والمناخ نص على ذلك. ٣) نسبة المطر إلى النوء على سبيل الموافقة الزمنية: وتوصيف هذه الحالة أن القائل بها لا يعتقد علاقة الاستقلالية ولا السببية بين المطر والنوء، وإنما هى علاقة الظرفية، حيث يرى القائل بها حدوث الموافقة الزمنية بين ظهور النجم الفلانى و نزول المطر، وهذا قاله بناءً على جريان العادة، وما توافق عند القائل وتواتر من تكرر نزول المطر في أوقات بعينها يصعد فيها نجم أو يسقط. وعليه صارت الباء في قوله " مُطرنا بنوء كذا " هي باء الظرفية، كما ورد في قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) وأما حكم هذه الحالة فمحل خلاف بين العلماء بين المجوِّز لها والمانع. قال الشافعي: أما من قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله مُطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفراً، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه، أحب أن يقول مُطرنا في وقت كذا. (١) وحجة الشافعى فى ذلك ما ذكره البيهقى بقوله: قال الشافعي: وقد روي عن عمر- ﵁ أنه قال وهو على المنبر: " كم بقي من نوء الثريا؟

стр. 458

فقام العباس -رضى الله عنه- فقال: لم يبق منه شيء إلا العواء، فدعا ودعا الناس حتى نزل عن المنبر، فمطر مطراً أحيا الناس منه " فقال الشافعي: وقول عمر - رضى الله عنه- هذا يبين ما وصفتُ؛ لأنه إنما أراد كم بقي من وقت الثريا، لمعرفتهم بأن الله - تعالى - قدَّر الأمطار في أوقات فيما جرَّبوا، كما علموا أنه قدَّر الحرَّ والبرد فيما جرَّبوا في أوقات. (١) قال ابن الجوزي: وأما قول عمر - رضى الله عنه - كم بقي من نوء الثريا؟ ": فإنه أراد كم بقي من الوقت الذي جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟ ومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضره هذا القول، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال بنوء كذا. (٢) * والراجح -والله أعلم- المنع من هذه العبارة. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وإما أن يقول: مُطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز. (٣) * ومما يؤيد ذلك أمور: ١) الأول: سد ذريعة الوصول إلى العبارات الأخري الموافقة لها في اللفظ، وإن اختلف المقصد عند القائل. وهذا أصل معتبر في الشرع، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا

стр. 459

رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة/١٠٤) ففي الأية دلالة بيَّنة على النهي عن اللفظ ولو كان جائزاً، لئلا يُتوصل به إلى ما هو غير جائز. * وقد كان أبوهريرة - رضى الله عنه - يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس: مُطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (١) أي: فتح ربنا علينا، فاستعمل النوء في الفتح الإلهي للإشارة إلى رد معتقد الجاهلية من إسناده للكواكب، كأنه يقول: إذا لم تعدلوا عن لفظ نوء فأضيفوه إلى الفتح، وهذا منه - رضى الله عنه - تأكيداً لما ذكرنا من غلق هذا الباب سداً للذريعة، وهذ نفسه مما يؤخذ من قول الشافعي السابق: " وغيره من الكلام أحب إليّ "، فإنما قصد به حسم المادة. " أما إن قال ذلك -أى مُطرنا بنوء كذا -على معنى أن العادة نزول المطر عند نوء من الأنواء، وأن ذلك النوء لا تأثير له في نزوله، وأن المنفرد بإنزاله الله، فلا يكفر مع أن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد ما ذكرنا لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع، كما أنه يُنهى عن إطلاق ذلك لئلا يعتقد أحد اعتقاد أهل الجاهلية، ولا يتشبه بهم في نُطقهم. (٢) ٢) الثانى: لم يُعرف لا بالنصوص الشرعية ولا بالأسباب القدرية الكونية ولا حتى بمجرد الموافقة الزمنية أية علاقة بين نزول المطر وحركة النجوم والأنواء. بل الذى ورد في أدلة الشرع هو نفى علاقة النوء بسقوط المطر؛ وذلك كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ" (٣) *والنفي يرد على أربعة أنواع: (١) نفي وجود. (٢) نفي تأثير. (٣) نفي صحة. (٤) نفي كمال.

стр. 460

*ومثال النوع الأول: قوله ﷺ " لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ " (١)، فهذا نفي لوجود أى شخص أغير من الله تعالى، وكذلك قولنا "لا إله إلا الله "، فهذا في حقيقته نفي لوجود أي إله بحق إلا الله عزوجل. *ومثال النوع الثانى: قوله ﷺ : (لاعدوى ولاطيرة). (٢) هذا نفي للتأثير، والمعنى: أنه لا عدوى مؤثرة بذاتها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، وكذلك قوله: " لا طيرة " مؤثرة في دفع ضر أو جلب نفع فالنفي هنا نفى تأثير لا نفى وجود. *ومثال النوع الثالث: قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (٣) والمعنى: لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. *ومثال النوع الرابع: قوله ﷺ : (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) (٤) فهذا نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس لأصله، كما ذهب إليه الخوارج. *فإذا سألت: قوله ﷺ : " لَا نَوْءَ " يتبع أى قسم؟ * فالجواب: هو تابع للقسم الثانى؛ حيث كان أهل الجاهلية عند سقوط مطر ينسبونه إلى النجم الساقط والنجم الغارب، يقولون: مُطرنا بنوء كذا، فقيل لهم: " لا نوء ": أي لا أثر لنجم في نزول المطر، وإنما المطر من الله تعالى. *تنبيه: ما يتم تدواله في المطبوعات من تقسيم السنة إلى النوَّات، كنوَّة الغطاس و المَكنسة وأعياد الميلاد... ، وكذلك ما يتناقله البعض من قولهم نوَّة كذا أو كذا، فينسبون المطر إلى هذه النوَّات، فهذا مما يتبع القسم الثالث الذى ذكرناه في نسبة المطر إلى النوء من باب الموافقة الزمنية لا غير، وقد وضحنا حكم هذه الصورة، وذكرنا الراجح فيها.

стр. 461

* فرع: الله -تعالى- قد قدَّر الأسباب: أ) وجعل الالتفات إليها إعتماداً وتوكلاً عليها قدحاً في التوحيد. لأنه ليس هناك شيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله تعالى، قال الله تعالى في السحرة: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة/١٠٢). ب) وجعل سبحانه الإعراض عنها بالكلية من القدح في الشرع. ج) وجعل سبحانه الأخذ بها علامة من علامات التوحيد الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. (١) * ومن هذا الباب نقول: إذا تحقق إنتفاء العلاقة بين النوء ونزول المطر من كل وجه بقي أن يُعلم أن الله -تعالى -قد قدَّر لنزول المطرأسباباً، وهي إرسال الرياح. قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف/٥٧) فقوله تعالى (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ...) هذه باء السببية، والضمير بعدها يعود إلى قوله الأول (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ...) * وتأمل قوله تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وهو أن الرياح تُلِّقح السحاب بما ينزل بسببه المطر. (٢)

стр. 462

* سؤال وجواب: هل معرفة توقعات نزول الأمطار من نشرة أحوال الطقس تدخل في ادعاء علم الغيب؟ * الجواب: معرفة أحوال الطقس لا تدخل في ادعاء علم الغيب، وإنما تبنى على توقعات بهبوب رياح جرت العادة على مجيئها نفس هذا لتوقيت من كل عام مثلاً، فتسبب نزول الأمطار. فهذه أمور حسية وتجارب لها مقدمات ونتائج بنيت على علوم تطبيقية عُرف من خلالها أوقات الكسوف والخسوف وأوقات هبوب الرياح و نزول الأمطار. وهذا النوع من العلوم مما يُحتاج إليه لمعرفة ما يدرك بالمشاهدة كمعرفة ظل الشمس وجهة القبلة، ونحو ذلك، فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمَّى "علم التسيير". وقد رخَّص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق، وروى ابن المنذر عن مجاهد: "أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر". * وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: في قول أهل التقاويم في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر، وفي التاسع والعشرين تكسف الشمس، فهل يُصدَّقون في ذلك؟؟ الجواب: الحمد لله الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات الله تعالى. وقد أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار، ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها. والعلم بالعادة في الكسوف والخسوف، فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما،

стр. 463

وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل صحيح. (١) قال ابن رجب: المأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه -أي علم التأثير- باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور. (٢) * وعلى هذا يقال: ما يُنقل عن أحوال الطقس كل يوم ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفضات والمرتفعات والرياح، وليس في ذلك شبهة بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمور حسية. (٣) تم بحمد الله.

стр. 464

الحديث السادس عشر: البشارة بشرح حديث الإشارة

стр. 465

*نص حديث الباب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. *تخريج الحديث: أخرجه أبوداود (٤٧٢٨) باب: في الجهمية، وقال: «وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»، وابن خزيمة في التوحيد (ص/٤٢)، وابن حبان (٢٦٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص/٢٠٩) والحاكم (٢٩٢٥)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم. وقال اللالكائي: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه. (١) * جملة من الفوائد المهمة: - ١ - الأولى: في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فهذه الأية تشتمل على إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف/١٨٠) وهما: السميع والبصير.

стр. 466

فوائد تتعلق ب معتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى: ١ - الفائدة الأولى: - أسماء الله -تعالى - ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والنظر: قال تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ المَلِكُ القُدّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ اللَّهِ عَمّا يُشرِكونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسماءُ الحُسنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ") (الحشر/٢٤) *وكذلك الصفات ثابتة لله عزوجل: فمن أدلة الكتاب: قال تعالى (وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)﴾ النحل: ٦٠ ﴿ أي: ولله الوَصفُ الأفضَلُ والأطيَبُ والأحسَنُ، مِن تَوحيدِه، وتنَزُّهِه عن الولَدِ، وأنَّ له جميعَ صِفاتِ الكَمالِ المُطلَقِ مِن جَميعِ الوُجوهِ. (١) وقوله (الأعلى) صيغة أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره، وهذا إنما يدل عَلَى أن الكمال المطلق في أي صفة من صفات الكمال فهو لله . ٢ - وقال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام) (الرحمن/ ٢٧) وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات/ ٥٨) وقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)) (البروج/١٦) ووجه الشاهد من هذه الآيات على إثبات الصفات في قوله تعالى (ذو الجلال..) وقوله (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ووجه الدلالة: القاعدة: " الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد "، والمعنى أن ذكر قوله تعالى " ذو القوة " يضيف معنى جديداً عن قوله " القوي "، فالأول يعطى معنى صفة لله تعالى، وأما الثاني فإنما يُراد به الاسم، فتغير بنية الكلمة يؤسس معنى جديداً، ولا يؤكد على نفس المعنى. *وأما أدلة السنة على إثبات الأسماء و الصفات: عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 467

قَالَ: " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ " (١) *وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ: فَقَالَ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعطى. (٢) * عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذكروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. (٣) * عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ الْيَهُودَ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد" (٤) *وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا

стр. 468

تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ ". (١) ووجه الدلالة من ذلك: أن أيوب ﵇ قد أقسم بصفة من صفات الله تعالى، ومعلوم بالنص والإجماع حرمة القسم إلا بالله تعالى، فدل ذلك أن صفاته -تعالى- منه، وقائمة به تعالى. *وأما الإجماع: فقد أجمع أهل السنة على إثبات الأسماء والصفات لله - تعالى - على مايليق به (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشوري/١١) قال ابن عبد البر: أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك ولا يحدُّون فيه صفة محصورة. (٢) *ومن العقل من وجهين: *الأول: " كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله أولى بالاتصاف بها، وأن كل صفة نقص هي عيب في المخلوق فالله منزه عنها من باب أولى ". وهذا هو قياس الأولى، فإذا كان الإنسان يُمدح بأن له صفات كمال -على ما يليق به- وهو مخلوق، فمن باب أولى أن يُوصف الخالق -سبحانه - بصفات الكمال كلها. (٣)

стр. 469

*الثاني: أن الذي لا وصف له هو المعدوم، ومن ثم فإن نفاة صفات لله -تعالى - إنما في الحقيقة يعبدون عدمًا. لذا فهم في الحقيقة لم يثبتوا خالقاً، فقولهم: بأن الله -تعالى - لا يعلم، ولا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، وليس له يد، وليس له وجه، ولا قدرة ولا إرادة وليس فوق السماوات ولا تحتها، وقولهم بنفى جميع الأسماء والصفات عن الله -تعالى -هذا في الحقيقة ما أفاد شيئا؛ لأنه لا يوجد شيء مسلوب الأسماء والصفات إلا العدم، فكل موجود لا بد له من صفات، حتى الجماد، لذا فقد آل الأمر بالمعطلة النفاة إلى أن صاروا يعبدون عدماً، ولا يثبتون خالقاً. فالجهمية النفاة غالوا في التنزية فعبدوا عدماً، والمقاتلية والرافضة المجسمة غالوا في التشبية فعبدوا صنماً. (١) وأهل السنة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل هم أسعد الناس بقوله تعالى﴾ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿. قال أبو يوسف القاضي: صنفان ما على وجه الأرض شر منهما: الجهمية والمقاتلية. (٢) ٢ - الفائدة الثانية: أسماء الله حسنى: قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية. فأخبر الله -تعالى - أنّ له الأسماء وأنّها حُسنى. وإنما سُمِّيت بذلك لأنها دالة على معاني

стр. 470

الحسن والجمال والجلال و العظمة، والحسنى: أي: البالغة في الحُسن أعلاه، لا شيء أحسن منها، فالحسنى هي: المتناهِيّة في الحُسن، فكلُّ أسماء الله حسنى. وهذا هو معنى قول أهل السنة إن أسماء الله -تعالى- مشتقّة، فالمراد أنها ليست أعلاماً محضة كما يقول المعتزلة، بل إن كل اسم يتضمن صفة حسن وعظمة، فكل اسم من أسمائه - تعالى - يدل على الذات المسمَّاة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة. قال أبو العباس ابن تيمية: الله - سبحانه - له الأسماء الحسنى كما سمَّى نفسه بذلك وأنزل به كتبه وعلمه من شاء من خلقه، كاسمه الحيَّ والعليم والرحيم والحكيم والأول والآخر والعليَّ والعظيم والكبير ونحو ذلك، وهذه الأسماء كلها أسماء مدح وحمد تدل على ما يحمد به، ولا يكون معناها مذمومًا. (١) *وقد خالف في هذا المعتزلة الذين جعلوا أسماء الله -تعالى- جامدة وليست مشتقة، والمعنى أنهم قالوا إن أسماء الله -تعالى - ليست دالة على أوصاف ومعاني لله تعالى، فقالوا: لفظ الجلالة " الله" مجرد علَم يدل على ذات الله عزوجل، وليس علَماً متضمناً لمعاني الكمال والعظمة. وقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فجعلوا دلالة الأسماء مقصورة على الذات فقط دون الصفة. (٢) *وفعل المعتزلة هذا إنما يعد من الإلحاد في أسماء الله، فإن الإلحاد في الأسماء

стр. 471

الحسنى له عدّة معانٍ منها: المعنى الأول: جُحودها ونفيُها كما نفتْها الجهميّة. وهذا أعظم الإلحاد فيها، فالذي يقول: "إن الله ليس له أسماء، لأنّ الأسماء موجودة في المخلوقين، فإذا أثبتناها صار تشبيهاً". فهذا جاحدٌ لأسماء الله، ملحِدٌ فيها- والعياذُ بالله- أعظم الإلحاد، وهذا كُفرٌ بالله . ب) المعنى الثاني: تأويلُها عما دلّت عليه، كما فعلت المعتزلة فإنهم يُثبتون الأسماء ولكنّهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصّفات، فالذي لا يُثْبِتُ الصّفات مُلحدٌ في أسماء الله، لأنّه جحد معانيها، وجعلها ألفاظاً مجرَّدة لا تدلّ على شيء. (١) جـ) المعنى الثالث: أن يدخل فيها ما ليس منها. د) المعنى الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا تتضمن صفات ولا معاني. ٣) الفائدة الثالثة: أسماء الله - تعالى - توقيفية: وهذا الذى عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة، أن أسماء الله -تعالى- لا تُعرف إلا بما ورد به الأثر الصحيح. فلا نثبت لله -تعالى- اسماً إلا بدليل من كتاب أو سنة، ومن أدلة ذلك: أ) قوله تعالى (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة /٣) فأصل من أصول الإيمان هو الإيمان بالغيب، ومن الإيمان بالغيب أن نؤمن بمجمله دون الخوض فيما لا نعلم، وأسماء الله -تعالى- من هذا الباب الغيبي الذى لا سبيل للعلم به إلا بوحى. ب) قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فقوله: الأسماء: (الـ) هذه تسمى العهدية، أي التي تعهدونها، ونحن لا نعهد من الأسماء إلا ماجاء به الشرع.

стр. 472

كما أن قوله : ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمَّى بها نفسه أو سمَّاه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية. فمن ادَّعى أن الله -تعالى- من أسمائه اسم كذا... فعليه الدليل، وإلا دخل فى قوله تعالى " إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) " (يونس/٦٨ - ٦٩) وقوله تعالى " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " (الإسراء/٣٦). فتسمية الله بما لم يسمِ به نفسه أو إنكارما سمَّى به نفسه جناية فى حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب فى ذلك. والتوقيف في أسماء الله - تعالى- يقتضى ألا نسميه -تعالى- إلا بما ورد به النص، فإنه يُسَمَّى جَوادا ولا يُسَمَّى سَخِيًّا، وإن كان في معنى الجواد، ويُسَمَّى رَحِيمًا ولا يُسَمَّى رَقيقا، ويُسَمَّى عَالِمًا، ولا يُسَمَّى عاقلاً. (١) قال أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة". (٢) قال ابن حزم: ونرد على من أقدم على أن يسمِّى الله - تعالى - بغير نص، فنقول: لا تتعد ما جاء به النص. (٣) وقال أبو القاسم القشيري: الأسماء تؤخذ توقيفاً من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز، ولو صح معناه. (٤) *ومن النظر: فمن المعلوم أنه لا يجوز تسمية الرسول ﷺ -بما ليس من أسمائه،

стр. 473

وكذا كل كبير من الخلق، فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله تعالى أولى. (١) قال السفاريني: والحق أن أسماءه توقيفية... ولنا بذا أدلة وفيِّة " (٢) *وقد عدَّ العلماء أن من أنواع الإلحاد التى حذَّر الله -تعالى - منها في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أن يدخل فيها ما ليس منها. قال البغوي: قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ . (٣) لأنّ القاعدة في أسماء الله: " أن لا يُسمّى إلاّ بما سمّى به نفسَه، أو سمّاه به رسولُه ﷺ " فما لم يسمِّ الله به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه ﷺ فلا يجوز أن يُطلَق على الله تعالى. * تنبيه: إذا كانت الأسماء والصفات لابد أن تكون توقيفية وأن تكون حسنى، فمثل هذا مما يُغتفر في مقام الإخبار عن الله تعالى. فالأخبار لا يشترط فيها الحسن، ولكن يشترط ألا تنزل إلى مرتبة السوء والنقص، ومثال ذلك: قولنا - مثلاً - " حرَّم الشارع شرب الخمر "، فالشارع هنا ليس اسماً لله -تعالى- ولا صفة؛ فإنه لا حُسن فيه، وإنما هو خبرعن الله تعالى. *ولهذا نظائر في الكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ففي الأية جاء السؤال: أى شيء؟؟،

стр. 474

وجاء الجواب: قل الله... * ومن السنة: قول النبي ﷺ : " لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ " (١) فقد أخبر ﷺ عن الله -تعالى- بلفظ " شخص ". وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ". (٢) فالدهر ليس اسماً لله -تعالى - ولا صفة له؛ وذلك لأمرين: - ١ - أنه لا حُسْن فيه من كل وجه. ٢ - أنه قد ورد فى نص الحديث قوله تعالى: " وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" قال الله "بيدي الأمر أقلب الليل و النهار" فتبين أن معنى أن الله -تعالى- هو الدهر أي: أن الله هو المتصرف فى أمور الدهر. * يؤيده: قوله تعالى" وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ" (الجاثية/٢٤)، فلو كان الدهر اسماً من أسماء الله -تعالى- لما كفر الدهريون. * وعليه فالقاعدة: " يُغتفر في باب الأخبار ما لا يُغتفر في غيره " قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] مع قوله ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ [الأنعام: ١٩]،

стр. 475

ولا يقال في الدعاء: يا شيء. (١) قال ابن القيم: ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفاً، كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. (٢) سؤال: - كم اسماً الله تعالى؟ الصحيح فى هذه المسألة أن أسماء الله -تعالى- لا تحصر بعدد معين، بل لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهذا قول جماهير العلماء وقد اتفق سلف الأمة و أئمتها على هذا، وقد نقل النووي اتفاق العلماء على هذا. (٣) ومن أدلة ذلك: - ١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا". (٤) وبهذا الحديث قد استدل الخطابي وابن كثير وابن القيم وغيرهم على أن اسماء الله -تعالى-لا حصر، فقوله " أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ": دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره. (٥)

стр. 476

٢) وروى الشيخان من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- في حديث الشفاعة الطويل: يَقُولُ أهل الموقف: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَلِيَقْضِ بَيْنَنَا " قَالَ: " فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَآتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيُقَالُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدُ فَيُفْتَحُ لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ بَعْدِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي ". (١) ففي قوله ﷺ : "فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي "، وفي رواية " فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللهُ " دلالة أنه ﷺ يتعلم تلك المحامد يوم القيامة. ٣) عَنْ عَائِشَةَ-رضى الله عنها- قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإذا كان أفضل الخلق لا يحصي ثناء عليه ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة؛ فكيف يكون غيره عارفاً بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه داخل في محامده. (٣) *ومن النظر: كثرة الأسماء تدل على عظم المسمَّى، ولا شيء أعظم من الله -تعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. * إشكال والجواب عليه: -عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ " (٤) استدل البعض بهذا الحديث على حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد فقط. (٥)

стр. 477

*والجواب: أن هذا الحديث لم يسق لحصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد، وإنما سيق لبيان مسألة مهمة وهي تفاضل أسماء الله تعالى. والمعنى أن الله -تعالى-كما فاضل بين خلقه ورسله ﵈ فقال عزوجل (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة/٢٥٣) فكذلك فقد فاضل الله -تعالى- بين أسماءه وصفاته، ولهذا أدلة كثيرة (١)، ومنها هذا الحديث، فقد أفاد أن الله -تعالى- مع كثرة أسمائه التى لا حصر لها قد جعل لهذه الأسماء خاصة ميِّزة ليست في غيرها من سائر الأسماء ألا وهي أن من أحصاها دخل الجنة. قال الخطابي: قوله ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسماً ": فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذ العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني وأظهرها، وجملة قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن" في قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، لا في قوله.: "تسعة وتسعين اسما"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة.. وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم. (٢) * أضف إلى ذلك: أن لفظ الحديث أصالة لم يفد الحصر، ففارق بين قولك

стр. 478

"أسماء الله تسعة وتسعون اسماً "، وهو ما قد يكون حجة لمن ادَّعى حصر الأسماء في هذا العدد، وقولك " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا... " وهو نص الحديث. *وهنا فوائد: ١) الأولى: لم يصح حديث في تعيين أسماء الله -تعالى- الحسنى، وقد ورد في رواية حديث " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا.... " زيادة عند الترمذى وابن ماجه والحاكم فيها سرد هذه الأسماء على التفصيل، ولكن كل طرقها ضعيفة (١). قال ابن حجر: وقد ساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يرد في تعيين التسعة والتسعين اسماً حديث صحيح عن النبي ﷺ . (٣)

стр. 479

٢) الثانية: معنى من أحصاها: ورد فيها أقوال وأرجحها أنَّ أحصاها: أي عدَّها وحفظها وتعرَّف على معانيها، وأثنى على الله -تعالى- بها، ودعاه بها، و تعبَّد لله بمقتضاها. فإذا علمتَ أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمتَ أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمتَ أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمتَ أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه. (١) * ومما يدخل في معنى الإحصاء: الاتصاف بما تضمنه أسماء الله -تعالى- من المعاني، إلا ما خصه دليل التحريم. وهذا الأمر دل عليه ما ثبت من قول النبي ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال) (٢). ومثال ذلك: تعلم أن الله -رحيم كريم: فتكن أنت كذلك رحيماً كريماً. (٣) * فرع: باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن الصفات تتعلق بأفعال الله، وأفعاله -تعالى- لا حصر لها. ٢ - كل اسم ثبت لله -عزوجل- فهو متضمن لصفة، ولا عكس. فكل اسم يشتق منه صفة: اسم الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم العظيم يتضمن صفة العظمة، ... وأما الصفات والأفعال فلا يشتق منهما أسماء لله تعالى.

стр. 480

فصفة الإرادة مثلاً لا يشتق منها صفة المريد، وكذلك صفة الإستواء والإتيان والكتابة.... (١) قال ابن القيم: وقد أخطأ - أقبح خطأ - من اشتق له من كل فعل اسماً، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسمَّاه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد ونحو ذلك، وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به، فإنه يخبر عنه بأنه شيء، وموجود، ومذكور، ومعلوم، ومراد، ولا يسمَّى بذلك. (٢) * ومثال لما ذكره ابن القيم من التوسع فى باب الاشتقاق: قد ذكر الأصبهانى اسم "الباقي " ضمن أسماء الله تعالى، واستدل بقوله تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)) (الرحمن: ٢٧) وعقَّب بابطين فى "لوامع الأنوار" أن إطلاق اسم "الباقي "على الله -تعالى - فيه نظر؛ فالتعبير عن الصفة بالفعل لا يعنى أن يشتق له اسم منها. (٣) *تقسيم الصفات: تنقسم الصفات الإلهية إلى ثبوتية و سلبية: - ١ - أولاً الصفات السلبية: - وضابطها أن تبدأ بـ (لا، ما)، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، وقوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وقوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) وقول النبي ﷺ (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) (٤)، وقوله ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (٥) فمثل هذه الصفات السلبية ننفيها عن الله -تعالى - مع

стр. 481

إثبات كمال الضد، وإنما يقال " مع إثبات كمال الضد ": لأن النفي المحض ليس بكمال، ونظير ذلك قوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (فاطر/٤٤) فقد نفي الله -تعالى- العجز عن نفسه وأثبت كمال قدرته، وكذلك (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) فالله -تعالى- قد نفي عن نفسه -تعالى السِنة والنوم لكمال قيوميته. وكذلك يقال في قوله ﷺ : «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا) (١) قال أبو العباس ابن تيمية: وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض. (٢) * كذلك فالصفات السلبية تكون على الإجمال لا التفصيل؛ لأن هذا هو الأدب مع الله -تعالى-والأبلغ في تعظيم الله، أما الثبوتية فتكون على التفصيل، كما تجد بيان ذلك في آية الكرسي وأواخر سورة الحشر وفواتح سورة الحديد. *ثانياً: الصفات الثبوتية: وهى تنقسم إلى (ذاتية -فعلية - خبرية) ١ - الصفات الذاتية: وهي الصفات التي لا تنفك عن الله تبارك و تعالى، كالقدرة و العلم و العزة و العلو، ... فلم يزل ولا يزال متصفاً بها . فمثل هذه الصفات لا يمكن أن تتعلق بالمشيئة. ٢ - الصفات الفعلية: وهذه الصفات هى التى تتعلق بالمشيئة، يفعلها عزوجل إذا شاء، ولا يفعلها إذا شاء.

стр. 482

مثال: (الضحك - الإستواء - النزول - الغضب - المجئ - الإتيان - الكلام - الكتابة) وضابطها " إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل " ٣ - الخبرية: وهى الصفات التى مسمَّاها عندنا أبعاض و أجزاء، وهى لله -تعالى-صفات تليق بكماله و عظمته مثال: (الساق - اليد - الوجه - الكف - الأنامل - الأصابع - القدم - الرْجل) * نفاة الصفات الإلهية، وأهم شبهاتهم: والقول بنفي الصفات الإلهية قول محدث فى أمة الإسلام، كما نص على ذلك أبو العباس ابن تيمية بقوله: ومن له عناية بآثار السلف يعلم علماً يقيناً أن قول النفاة إنما حدث فيهم في أثناء المائة الثانية، وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وقد قتلهما المسلمون. (١) وقد ذهب الجهمية إلى نفي الصفات الإلهية بدعاوى باطلة وشبهات ساقطة. قال عبد القادر الجيلاني: أنكر الجهمية جميع صفات الحق عزوجل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (٢) بل قد نفى جهم بن صفوان عن الله -تعالى - كل صفة قد يتصف بها البشر، بدعوى نفى المشابهة، فنفى كونه حياً أو عالماً أو موجوداً أو مريداً. (٣) * وأما المعتزلة: فلم يثبتوا من الصفات إلا ثلاثة فقط، وهى من الصفات الذاتية: " الحياة والعلم والقدرة "، ولكنهم ما جعلوها معانٍ قائمة بذات الله تعالى، بل هى صفات أزلية ملازمة للذات. فجمهور المعتزلة يرون أن الله -تعالى-عالم بذاته، أوعالم بعلم وعلمه ذاته، لا بعلم زائد على ذاته، وقادر بقدرة، وقدرته ذاته، وحي بحياة، وحياته ذاته... "، وهكذا في سائر الصفات. (٤)

стр. 483

قال القاضي عبد الجبار وهو يبيّن معنى التوحيد عند المعتزلة: وأجمع مشايخنا أن الله واحد فى صفاته، وأن كل صفات الله أنها للذات، أوترجع إلى الذات، وقالوا قادر لذاته؛ وليس قادراً بقدرة، ..... فهذا قول مشايخنا فى التوحيد. (١) وقد نقل ابن المرتضى تلميذ القاضي عبد الجبار إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالَم مُحدِثاً، قديماً، قادراً، عالماً، حياً، لا لمعانٍ. (٢) ومعنى هذا الإجماع: أن هذه الصفات ليست معاني تقوم بذات الله، وإنما هي أحكام تضاف إلى الله عزوجل. وأما الأسماء التى أثبتوها فقد جعلوها أسماءً جامدة لا تدل على أية معانٍ، فقالوا سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر. * نقول: والقول المؤيد بالأدلة العقلية والنقلية أن صفات الله- تعالى - داخلة في مسمَّى أسمائه، فمن استعاذ بصفة من صفات الله-عزوجل - أو حلف بها فإنما استعاذ بالله، وحلف به تعالى، و يشهد لهذا الاستعاذة التي علمها النبي ﷺ أمته، كما في قوله: " أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ "، ومنه قوله ﵊: " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ". (٣) *كما أن إنكارالصفات يعد من الإلحاد في أسماء الله -تعالى - وصفاته. قال ابن القيم في بيان أنواع الإلحاد في أسمائه وصفاته: ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا

стр. 484

تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به. وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإنَّ أولئك أعطوا أسمائه وصفاته لآلتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحدٌ في أسمائه. (١) *ومن شبهات نفاة الصفات: ١ - الشبهة الأولى: قالوا: تعدَّد الصفات يلزم منه تعدَّد الذوات، فالقول بالتوحيد عندالمعتزلة مستلزم لنفي الصفات! (٢) وفي ذلك يقول أبو الثناء اللامشى: فلو كان شيء من هذه الصفات ثابتة لله - تعالى - لكانت غير الله، لا ذاته، وإذا كانت غيره فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة: والأول يلزم منه القول بتعدد القدماء، والثاني غير جائز على الله تعالى؛ لأن ذات

стр. 485

البارى حينئذ تكون محلاً للحوادث، وقبول الحوداث من أمارات الحدوث. (١) *وعلى الجانب الأخر ترى الشيعة الإمامية يفرون من هذا اللازم الذى التزمه المعتزلة، حيث نص الشيعة على أن صفات الله هي عين ذاته، وليست زائدة على الذات، فقدرته هي حياته، وحياته هي قدرته. (٢) *والرد: ١ - قد توسَّط أهل السنة في هذا الباب، فلم يقولوا أن الصفات هى عين الذات، ولم يقولوا هي غيرها، بل الصفات في الحقيقة إنما هى معانٍ وأعراض قائمة بالذات، فليست هى عين الذات، فيكون لازم ذلك وحقيقته هو نفي الصفات، وليست أعياناً قائمة بذاتها حتى يقال إنَّ إثباتها منافٍ لحقيقة التوحيد. فإنما يصح قولكم إذا كانت الصفة عيناً قائمة بذاتها منفصلة عمن يتصف بها. وأنت ترى وتقبل أن تتعدد صفات المخلوق الواحد على ما فيه من ضعف وعجز، فكيف لا تقبل ذلك في خالق هذا الشخص على كماله وعلو قدره سبحانه؟؟!! *وقد ضرب الإمام أحمد مثلًا بديعاً للرد عليهم فقال ﵀: إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته؟! وضربنا لهم في ذلك مثلاً. فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجمار؟ .. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد. (٣) وقال ﵀: وقد سمَّى الله رجلا كافراً اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾، وقد كان هذا الذي سمَّاه الله وحيداً له عينان وأذنان ولسان

стр. 486

وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سمَّاه الله وحيدا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد. (١) * وتأمل في قول أحمد: " لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره ". فالصفة لا تضاف إلى الموصوف على سبيل العطف الذى يتقتضى المغايرة، وإنما تضاف إليه من باب إضافة الصفة إلى موصوف. قال أبوالعباس ابن تيمية: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود. (٢) وهذا كلام من شيخ الإسلام ﵀ من الأهمية بمكان ومفاده أن إثبات الواحدانية لا يفيد شرعاً و لا لغةً نفي الصفات. ولا يتصور بحال من الأحوال أن تخلوا ذات عن الصفات، فالمعدوم هو الذى لا صفة له، فلا بد إذا كانت الذات موجودة أن تكون موصوفة ولو بصفة الوجود فقط، لهذا لا مفر للمعتزلة ولا غيرهم من أن يثبتوا ذاتاً موصوفة بالصفات. وهم أثبتوا صفة الوجود الأزلي وهو ما يعبرون عنه بالقديم، وهذه صفة للذات وليست هي الذات، فيلزمهم من ذلك قبول هذا الأصل الذى هو إن القول بالصفات لا ينافي القول بالتوحيد. ومن العقل: أن الصفات ليست ذوات قائمة بنفسها حتى يلزم من تعددها تعدد الذوات، بل هى نعوت قائمة بالموصوف. *ومن اللغة: فإن الصفة: ليست ذاتاً مستقلة، بل هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق، وغيرها، وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها. (٣)

стр. 487

* ثم نقول: قولكم إن إثبات الصفات لازمه تعدد الذوات لازم متناقض؛ إذ إنكم قلتم بإثبات الأسماء لله تعالى، فلمَ لم تقولوا إن تعدَّد الأسماء يلزم منه تعدد الذوات؟ أليس هذا من التناقض البيِّن؟!! فإما أن تخرجوا من هذا التناقض البيّن فتقولوا بنفي الأسماء وتلحقوا في ذلك بركب الجهمية، وإما أن تقولوا بإثبات الأسماء وما يتبعها من إثبات الصفات وتنضووا تحت راية أهل السنة والأثر. * ثم يقال: قولكم "ولا يمكن أن يكون علماً قديماً؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ". ونقول: "إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علماً قديماً" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم. وإن أردتم بقولكم " قديماً ": بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها: فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلهاً، وصفة الإنسان إنساناً. (١) وشبهة المعتزلة هذه ولّدت شبهة وبدعة أخرى، وهي: * هل الصفات هي الله - تعالى - أم غيره ؟ والجواب: أنه لا يقال إن الصفات غير الله تعالى؛ لأنه يفُهم من ذلك أن الصفات أعيان قائمة بذاتها منفصلة عن الله تعالى، ولا يقال إن الصفات هي الله؛ لأنه يُفهم من ذلك نفيها بالكلية. فلا يقال هى الله ولا يقال غيره، بل نقول: هى معانٍ قائمة بالله تعالى، مضافة إليه - سبحانه - إضافة صفة إلى موصوف. قال ابن القيم: ليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله، فلفظة الغير

стр. 488

يراد بهما معنيين: أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقاً، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها، فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحاً، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلاً لفظاً ومعنى. (١) ٢ - الشبهة الثانية: قالوا: لقول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه، ووصفه بالجسمية" (٢) *والرد عليهم من وجوه: *أولًا: أما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله بخلقه: فهى دعوى باطلة، فإن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة دالة على إثبات ما أثبته الله -تعالى- لنفسه من غير تمثيل ولا تشبيه. وقد اتخذا نفاة الصفات دعوى التشبيه مطيَّة لنفي الصفات الإلهية، بل وكفَّروا مخالفيهم من أهل السنة المثبتين للصفات، ومثال ذلك ما صنَّفه بشر المريسي وسمَّاه (كفر المشبهة) وتأمل الفرق بين تكفير أهل السنة للمشبهة، كما فى قول نعيم من حماد: "من شبَّه الله بخلقه فقد كفر"، وبين تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة: أ) فأما تكفير أهل السنة للمشبهة: فإنما يكفِّرون من أثبت صفات الله - تعالى- على نحو يشابه صفات البشر. ب) وأما تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة: فإنما يكفِّرون من أثبت

стр. 489

أصل الصفات الإلهية، وحتى لو قال المثبت لها أنا أثبت صفات الله - تعالى- على ما يليق به، وعلى نحو لا يشابه ولا يماثل صفات البشر. * وأما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه: فهو كلام بيِّن البهتان وظاهر البطلان، مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس: نقول أولاً: قد أثبتت الأدلة المحكمة نفي المماثلة بين الله وخلقه: قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) (الشورى: ١١) وقال عزوجل (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)) (مريم: ٦٥)، وقال تعالى (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) (الإخلاص: ٤) وعن هَانِئٍ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَكْنُونِي أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَانِي ﷺ فَقَالَ لِي: إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنْ الْوُلْدِ؟ "، فَقُلْتُ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: " فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ". (١) ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد عمد إلى تغيير كنية الرجل لما رأى نوع مشابهة بين فعل الرجل في حكمه بين الناس وبين فعل الله تعالى. فقد يُظن أن إطلاق ذلك أن يكون المخلوق مماثلاً للخالق، فيقال له: هذا باطل؛ فإن الله -تعالى- موجود حقيقة والعبد موجود حقيقة، وله تعالي ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة، وليس ذاته تعالى كذات المخلوقات. وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة، وللعبد سمع وبصر وعلم حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم العبد وسمعه وبصره، ولله كلام حقيقة، وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين. (٢)

стр. 490

* ثانياً: قد أثبتت الأدلة المحكمة ثبوت الصفات لله عزوجل: قال تعالى (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)) فلا سبيل للجمع بين هذه المحكمات إلا بالقول بثبوت الصفات الإلهية على ما يليق به عزوجل. فالذي قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨]. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢]. قد نفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فعلمنا من ذلك أن: " الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسمَّيات والموصوفات " * وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه. ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه. * وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وأقداماً وقوة، وللبعوضة جسماً وأقداماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وأقدامهما، وقوتيهما. فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة. * وأما زعمهم أن القول بالصفات يلزم وصف الله -تعالى - بالجسمية: فهذا لازم باطل؛ لأن هناك من الأشياء ما لها صفات وليست بجسم، كقولك " الليل طويل "، فالليل

стр. 491

ليس له جسم، ومع ذلك وُصف بالطول. (١) *ثالثاً: أن لفظ الجسمية من الألفاظ المحدثة التى لم يقل به السلف، وقد توقَّف فيه أهل السنة والجماعة نفياً وإثباتاً؛ حيث أنه لم يأت دليل يثبت ولا دليل ينفي. *رابعاً: إن كان إثبات الصفات البشرية على إختلافها يستلزم الجسمية فهذا مما ينتفى وقوعه في حق الخالق سبحانه؛ فقد وصف الله -تعالى- نفسه بالسمع والبصر كما ورد في حديث الباب من قوله تعالى (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ، وقد وصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾، فالسمع والبصر لله -تعالى - حقيقيان على ما يليق به سبحانه. وهما كذلك للمخلوق على ما يليق بعجزه وضعفه. وكذلك قد وصف الله -تعالى -نفسه بالحياة قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ووصف بعض المخلوقين بالحياة قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾، ... وحياة الله - تعالى- حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله. كما أن حياة المخلوق مناسبة لحاله وعجزه وفنائه. * خامساً: من الجهل البيّن وصف أهل السنة بالمجسمة، وهم يثبتون صفات الله -تعالى- على ما يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ويقولون عن صفات الله - تعالى: المعنى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أجمعوا على تكفير من شبَّه الله -تعالى - بخلقه، فهل بعد ذلك يقال عنهم مجسمة؟!! قال أبو العباس ابن تيمية: اتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز

стр. 492

أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه . وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. (١) فلو كان الإنصاف منهجهم حقاً لكان الأولى بتهمة التجسيم أصحاب المعتقدات المنحرفة في عقيدتها، كالهشامية وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي، الذين زعموا أن معبودهم (جسم وله نهاية، وله حد، طوله كعرضه وعمقه) إلى آخر كلام طويل كله تشبيه وتجسيم. وهشام بن الحكم هو أول من أظهر إطلاق لفظ (التجسيم) من متكلمة الرافضة. وتوجد هشامية أخرى أتباع هشام بن سالم الجواليقي، التي تزعم أن معبودها على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحماً ودماً، إلى آخر تلك الأوصاف الكفرية، فهما طائفتان جمعهما الإلحاد بالتشبيه والتجسيد وفرقتهما كيفية ذلك التشبيه والصورة. (٢) *ومن الفوائد المهمة المتعلقة بحديث الباب: ١) الأولى: أن النبي ﷺ لما قرأ في حديث الباب قوله تعالى﴾ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. وهذه الإشارة من النبي ﷺ فيها دلالة بيِّنة واضحة على إثبات صفتي السمع والبصر لله - تعالى - على ما يليق به سبحانه، فليس السمع والبصر هما الذات أو العلم. وحديث

стр. 493

الباب يدل على بطلان زعم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن معنى كونه سميعاً بصيراً: أى أنه عالم بالمسموعات والمبصرات؛ إذ أنه لو كان السمع والبصر بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا، ولما أشار إلى محليِّ السمع والبصر. (١) قال أبوالعباس ابن تيمية: ووصفه بأنه سميع بصير لا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله -تعالى- فرّق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرّق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات، ووضعه ﷺ إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع والبصر: العلم لم يصح ذلك. (٢) *يؤيده: فهْم رواة الحديث، فلما قال أبو هريرة رضى الله عنه: «رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه»، قال عبد الله بن يزيد المقرئ -أحد رواة الحديث- يعني: إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً. قال أبو داود: «وهذا رد على الجهمية» (٣) قال ابن القيم: قرأ النبي- ﷺ قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وضع إبهامه على أذنه وعينه؛ رفعاً لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير الصفتين المعلومتين. (٤) فدل حديث الباب على ثبوت صفتي السمع والبصر لله - تعالى- حقيقة، وبطلان تأويلهما بالعلم. * وأدلة الكتاب و السنة طافحة بالتنصيص على هاتين الصفتين، صفتي السمع والبصر، ومنها حديث الباب.

стр. 494

كما نقل الإجماع عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو الحسن الأشعري وابن بطة العكبري، وغيرهم كثير. (١) والعقل كذلك يثبتهما لله تعالى: قال الغزالي: وأما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. (٢) وقد ذهب المعتزلة إلى القول بأن السمع والبصر ليست صفات قائمة بذاته تعالى. (٣) قال الدارمي: وادَّعى المريسي في قول الله تعالى ﴿إن الله سميع بصير (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]، ... ﴿والله بصير بالعباد (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]: أنه يسمع الأصوات، ويعرف الألوان، بلا سمع ولا بصر، وأن قوله: ﴿بصير بالعباد (١٥)﴾ يعني: عالم بهم، لا أنه يبصرهم ببصر، ولا ينظر إليهم بعين، فقد يقال لأعمى: ما أبصره، أي: ما أعلمه، وإن كان لا يبصر بعين. (٤) قال ابن بطال: غرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معنى سميع بصير

стр. 495

معنى عليم لا غير؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن فى العالم أصواتًا ولا يسمعها. (١) ٢) الثانية: جوازالإشارة في الصفات: ورد في حديث الباب أن أَبا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. ففي هذا الحديث قد أشار النبي ﷺ بالسبابة والإبهام إلى العين والأذن، وليس ذلك لأثبات صفتى العين والأذن، وإنما لإثبات صفتي السمع والبصر، وهى من صفات الله -تعالى- الذاتيه. (٢) * وهنا السؤال: هل تُشرع الإشارة في أحاديث الصفات ؟؟ الصحيح أن الإشارة في أحاديث الصفات الإلهية إنما تكون بضوابط: *الضابط الأول: أن تكون الإشارة على سبيل التوقيف: بمعنى أنها تكون فقط في الأحاديث التى وردت فيها الإشارة، ومن ذلك ما يلى: ١) عن ابْنِ عُمَرَ -رضى الله عنهما - أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَأْخُذُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ "، قال ابن عمر: حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ (٣) ٢) عَنْ ابن عمر ﵄ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى
следующие страницы →