← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

تخريح الحديث: أخرجه البخاري (٣٠٠٧) بَابُ الجَاسُوسِ. ومسلم (٢٤٩٤) باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة. مقدمة بين يدى الحديث: لا شك أن قضية الولاء والبراء قد شغلت حيزاً عريضاً من الكتاب والسنة، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذه القضية. قال الشيخ حمد بن عتيق: فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرَّم موالاتهم، وشدَّد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده. (١) قال ابن القيم: الله - سبحانه - يجب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه. (٢) قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] ... وقال الله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: ٨٠، ٨١] فقد جعل الله -تعالى- من علامات صدق الإيمان به وبرسوله ﷺ ترك موالاة الذين كفروا بالله عزوجل. قال شيخ الإسلام أبوالعباس ابن تيمية: فإذا قوي ما في القلب من التصديق

стр. 562

والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾. (١) وقال تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظِّم الكافرين المحادِّين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن، لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، فالمؤمن يتبرأ من أعداء الله، كما قال تعالى ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤]. إنها سورة كاملة في كتاب لله -تعالى- تؤسس وتؤصل لهذا المعنى الذى هوالتبرؤ من المشركين، وهى سورة براءة الكبرى وهى سورة التوبة، وسورة براءة الصغرى وهى سورة الكافرون. * قَالَ جَرِيرٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضى الله عنه: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: "أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ ". (٢) فدل الحديث أن البراءة من الكافر أحد الأصول التى بُنيت عليها مبايعة الصحابة -رضى الله عنهم- للرسول ﷺ . * وسداً وحسماً لهذه المادة فقد نهى الشرع عن مساكنة المشركين في ديارهم: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَلَيْسَ مِنَّا». (٣) *قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولأجل هذا الأصل: وقع التأثَّر والتأثير في بني آدم،

стр. 563

واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمَّالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلَّابون، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي. وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافاً، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضا أمر محسوس. (١) وقد كره مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن وتعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء مريض الإيمان. (٢) * بل قد حث الشرع على التمسك بهذا الأصل الذى هو الولاء والبراء حتى بعد موت الكافر، فيبقي الولاء للمسلمين حتى بعد موتهم، ويبقي التبرء من المشركين حتى بعد موتهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وماتوا وهم فاسقون﴾ (التوبة: ٨٤) وكذلك فالسنة لمن مر على مقابر المسلمين أن يسلِّم عليهم ويدعو لهم، فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُ أصحابه إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أن يَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وَإِنَّا إِنْ

стр. 564

شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ. (١) وأما من مر على مقابر المشركين فالسنة أن يبشرهم بالنار، وما ذاك إلا إمعاناً في التبرؤ من سبيلهم و نهجهم: عن سعدٍ بن أبى الوقاص- رضى الله عنه-قالَ: أن النبيِّ ﷺ قالَ لأعرابي: «حيثُما مررتَ بقبرِ كافرٍ فبشِّرْه بالنارِ ". (٢) * وما أجمل ما سطَّر ابن عقيل قائلاً: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. (٣) * عودٌ إلى حديث الباب: المعنى العام للحديث: فى العام الثامن من الهجرة النبوية عزم النبي ﷺ على فتح مكة، وكان حريصاً على ألا يُعرف ذلك لئلا يصل الأمر إلى قريش، فلما علم حاطب بن أبي بلتعة ﵁ بذلك كاتب كفارَ مكّة سِرًّا، يخبرهم بعزم رسول الله ﷺ أن يغزوهم، فعلم النبي ﷺ بذلك - فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة. ودعا حاطبًا، فقال له ﷺ : يا حاطب، ما هذا؟! فبيَّن حاطب أنه كان له فى مكة قرابة فخشى أن يلحق بهم أذى من قريش، وتأول إنه يريد أن يضع يداً عندهم ليحموا بها أهله وعشيرته، فهذا عذره وهو صادق في ذلك، وقال رضى الله عنه: فأحببتُ-إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتّخذَ فيهم يداً، يحمون بها قرابتي. ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا

стр. 565

ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ : ((لقد صدقكم)). * وهذه من فوائد حدبث الباب: فقوله ﷺ : " لَقَدْ صَدَقَكُمْ ": فيه أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد؛ لاستحالته من غير تأويل، وأن من أتى محظوراً أو ادَّعى فيه ما يحتمل التأويل قُبل وإن كان غالب الظن خلافه. وقد أطلق عمر-رضى الله عنه-على حاطب اسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش، وإنما فعل حاطب -رضى الله عنه- ذلك متأولًا في غير ضرر لرسول الله ﷺ فصدق الله بنيته فنجَّاه من ذلك. (١) قال أبو العباس القرطبي: لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله ﷺ لا يضر رسول الله ﷺ ويخوِّف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ ، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفروا منها، وحَسَّنَ له هذا التأويلَ تعلقُ خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يفلحُ من كان له عيالٌ، لكن لطف الله به، ونجاه لما علم من صحة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسبقه. (٢) * وكما وقع فعل حاطب متأولاً، كذلك فقد أقدم عمر بن الخطاب على رمى حاطب بالنفاق متأولاً، لذا فقد ترجم البخاري: باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلاً، ثم قال تحته: وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة: إنه منافق، فقال النبي ﷺ : " وما يدريك، لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: قد غفرت لكم " قال البيهقي: ومن كفَّر مسلماً على الإطلاق بتأويل لم يخرج بتكفيره إياه بالتأويل عن الملة، وإنما يكفر من كفَّر مسلماً بغير تأويل، وقد روينا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في حاطب بن أبي بلتعة حين خان رسول الله ﷺ بالكتابة إلى مكة:

стр. 566

" دعني أضرب عنق هذا المنافق " " فسمَّاه عمر منافقاً، ولم يكن منافقاً فقد صدَّقه النبي ﷺ فيما أخبر عن نفسه، ولم يصر به عمر كافراً لأنه أكفره بالتأويل، وكأنَّ ما ذهب إليه عمر يحتمل. (١) * قوله ﷺ : " لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " ولهذا الترجى توجيهان: أ) الأول: أن الترجي من الله واقع محقق للنبي ﷺ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم، وبدليل قوله ﷺ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه: " كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدراً "، فهذا إخبار محقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز. (٢) ب) الثانى: قد وقع في حديث أبي هريرة -رضى الله عنه-عند بن أبي شيبة بصيغة الجزم. (٣) * قوله ﷺ : "اعملوا ما شئتم": وفي توجيه هذا قولان: الأول: قيل ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم أي عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان: الأول: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر. والثاني: أنه كأن يكون إطلاقاً في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول: يا حذيفة أنا منهم؟ وقال به ابن الجوزي. القول الثانى: أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود

стр. 567

الصلاحية لشيءٍ ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب. (١) *قوله ﷺ : (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ): وهذه بشارة لأهل بدر بمغفرة الذنوب وما ذلك إلا لسبقهم في البذل والجهاد، ولهذا فقد اتفق جمهورالعلماء أن أفضل الصحابة هم على الترتيب: الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان. قال ابن القيم: من قواعد الشرع والحكمة ايضا أنّ من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه و سلم - لعمر: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". (٢) وقال ﵀: أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفراً بشهوده بدراً. (٣) * وقوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) فيه أمور: ١) الأول: أن هذا الوعد بالغفران لهم إنما يكون في الآخرة، وإلا فإنْ توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، و قد نقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد على أن من ثبت عليه، وقد ضرب النبي ﷺ مِسطحاً الحد وكان بدرياً، وأقامه عمر - رضى الله عنه- على بعضهم. (٤)

стр. 568

قال ابن بطال: أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين الله فيه حد، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص. (١) * وقد ذكر الطحاوى إشكالاً قال فيه: فقال قائل: كيف تقبلون عن رسول الله ﷺ في تركه العقوبة على حاطب فيما كان منه، فإن قلتم: لأنه قد كان من أهل بدر، وقد سبق لهم من الله ما سبق، قيل لكم: فقدامة قد كان له من بدر في شهوده إياها كما كان لحاطب في مثل ذلك، ولم ير عمر ولا عليُّ ولا من كان بحضرتهما دفع العقوبة عنه لذلك على جرمه الذي كان منه!! (٢) فكان جوابنا له في ذلك: أن من سنة رسول الله ﷺ أمره بإقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى، وكان حاطب لشهوده بدراً، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حداً، إنما يوجب عقوبة ليست بحد، فرفعها عنه رسول الله ﷺ لما كان معه من الهيئة، وكان الذي كان من قدامة فيه حد لله فلم يرفعه عمر ولا عليُّ، ولا من سواهما لهيئته؛ لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدوداً، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود. (٣) * يؤيده: ما ورد عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَقِيلُو ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ ". (٤)

стр. 569

٢) الثانى: قوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ): وهذه المغفرة إنما حصلت لهم بذات العمل الذى أسلفوه والذى هو شهود بدر، لذا فما وقعوا فيه بعد ذلك إنما هو مغفور لهم بذلك وإن لم يحدثوا لذلك توبة، وهذا المعنى يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: والله - تعالى- لم يشترط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة، وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ ، فلما أراد عمر - رضى الله عنه- قتله قال النبي ﷺ : "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: " لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرةِ ". وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. (١) * الثالث: قوله ﷺ : (وما يدريك أنَّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). فإذا سأل سائل: هل المراد بقوله تعالى (فقد غفرتُ لكم) مغفرة الكبائر أم الصغائر فقط؟ فالجواب: أن من شهد بدراً فإنه يُغفر له الكبائر؛ إذ لو قيل تُغفر لهم الصغائر إذا تاب، فلا فرق إذن بين أهل بدر وغيرهم، فمن المعلوم أن كل واحد تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، وكل واحد يُغفر له بالتوبة، ولما كان ثمة خصيصة بهذا لأهل بدر، فدل على أن المراد بالمغفرة إنما هو ما يتعلق بالكبائر، والله أعلم.

стр. 570

* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب: الرد على المرجئة والكرامية الذين قالوا بحصر الإيمان في القول دون العمل، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وأنه لا كفر إلا بالجحود أو الاستحلال. (١) وحديث الباب قد بيَّن أن الإيمان كما يُنقض بالقول فكذلك يُنقض بالعمل، فقد ذكر عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- نفاق من والى أعداء الله - تعالى- وأنه عمل مستحق لضرب العنق فما أنكر عليه الرَسُولَ ﷺ . كذلك في قول حاطب رضى الله عنه: (وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ غِشًّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا..) فجعل الردة حاصلة بفعل الجوارح كما تحصل بعمل القلب. *وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - رضى الله عنه - لأمرين: ١) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، بل كان متأولًا، مع صدق نيته؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه. ٢) كونه بدرياً، وقد قال رسول الله ﷺ : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وعليه فإن الحكم العام فيمن أظهر نفاقاً أكبر، كحال موالاة أعداء الله - تعالى- نِفَاقًا وَارْتِدَادًا، وَرِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، فهذا كفر مخرج من الملة، وإن كان ينطق الشهادتين. * والكتاب والسنة قد دلا على ذلك: قال تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)) (المنافقون: ١) وكذلك فقد أمر الله -تعالى - رسوله ﷺ بقتال أمثال هؤلاء، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ

стр. 571

جَاهِدِ الْكُفَّارَوَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم/٩) وقال تعالى (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب/٦٠) * ومن السنة: ما ورد عن عبدالله بن سلول الذي كان يؤذي النبي ﷺ كثيراً، كما روى أبو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- قالَ: مَرَّ رَسول الله ﷺ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ أَبَيّ ابْن سَلُولٍ فَقَالَ: قَدْ غَبَّرَ عَلَيْنَا ابْنُ أبى كَبْشَةَ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَئِنْ شئْتَ لأتِيَنَّكَ بِرَأْسِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لا، وَلكِن بِرَّ أَبَاكَ، وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ. (١) وفي حديث جَابِر- ﵁ قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ...... وفيه: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (٢) فجعل الرسول ﷺ العلة المانعة من قتله ليس أنه غير مستحق للقتل، بل لعلة أخرى وهى ألا يتناقل الناس أن النبي ﷺ يقتل أصحابه، فينفر ذلك الناس عن دين الله عزوجل. * ويتفرع على هذا فرع مهم: في حكم موالاة الكافرين: وموالاة الكافرين تنقسم بحسب القصد والنية إلى قسمين: ١) القسم الأول: الموالاة الصغرى: (٣) وذلك إذا كانت موالاتهم لمصلحة دنيوية، لأجل منصب أو مال أو دفعاً لأذاهم، وليس رغبة في نصرة دينهم، فمثل هذا لا يكون

стр. 572

كفراً، بل كبيرة من كبائر الذنوب، لأنها لا تتضمن ما ينافي أصل الإيمان من محبة الكفر والرضا به. وفى مثل نزل قوله تعالى في قصة حاطب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ... إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة/١) ومما يدل على أنَّ فاعل مثل هذا لا يكفر بما وقع منه: أن الله - تعالى- خاطب حاطباً باسم الإيمان بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (١) فحصل بذلك وجود أصل الإيمان ولم يسلب عن فاعله مع وجود الموالاة، فدل على على عدم الكفر بمثل هذا النوع من الموالاة، وإنما يستحق فاعل هذا النوع من الموالاة القتل، أوالتعزير، حسب ما يرى الإمام، وإنما اندفعت العقوبة عن حاطب ﵁ لكونه من أهل بدر، كما بيَّن النبي ﷺ ذلك، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم لرحم أو حاجة، فيكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية. [الممتحنة: ١] (٢) قال القرطبى: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. (٣) *وهنا إشكالات: ١) إن قيل: فعل حاطب - رضى الله عنه- لم يكن مظاهرة للمشركين، بل غاية ما فيه أنه

стр. 573

جَسَّ على المسلمين، وعليه فلا يستدل به على كون المظاهرة منها ما هو ردة ومنها ما يكون كبيرة ؟ *والرد عليه: إذا ثبت أن ما فعله حاطب ﵁ ليس ردة، وهذا مجمع عليه مع أن رسالته لو وصلت إلى مشركي مكة لاستعدَّت قريش للحرب، وهذا خلاف ما قصد إليه النبي ﷺ من تعمية خبر غزوه لهم، فما عمله حاطب ﵁ إعانةٌ عظيمة للكفار في حربهم للمسلمين في غزوة من أهم الغزوات الفاصلة في الإسلام، إذا ثبت ذلك عُلم أن الإعانة لا تكون كفراً حتى يكون الحامل عليها محبة الكفار والرغبة في انتصارهم على المسلمين، وعلم أن القول بأن إعانة الكفار على المسلمين كفر وردة مهما كان الحامل عليها كما هو ظاهر كلام ابن حزم في المحلى مستدلاً ببعض أحاديث الوعيد فيه نظر ظاهر. (١) * كما يقال هنا أن التجسس على أخبار المسلمين في حقيقته هو نوع مظاهرة للمشركين، فكل ما كان مؤدياً لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلاً فهو من المظاهرة التى حرَّمها الشرع. ٢) فإن قيل: القول بحمل حديث الباب على أن فعل حاطب -رضى الله عنه- كان من الموالاة العملية التى لا تُخرج من الملة، قد يكون فيه موافقة للمرجئة القائلين بحصر الكفر الأكبر في أعمال القلوب، وأنه لا كفر إلا بالحجود أو الاستحلال!!! * والرد عليه أن يقال: لا يستدل بترجيحٍ في مسألة ما على كون ذلك منهجاً عاماً للقائل، فلو أن إماماً من أئمة السنة يثبت صفات الله -تعالى- ثم رأيناه قد تأول أية من أيات الصفات على غير ظاهرها فلا يقال عندها بنسبته للنفاة أو المحرَّفة. وكذلك هنا نقول، " أن عدم الذكر ليس ذكراً للعدم "، بمعنى أن عدم حمل حديث الباب على الكفر الأكبر لا يعنى أننا نحصر الكفر في أعمال القلوب، كما يدعى المنازع، ولكنَّا حملناه على ذلك للقرائن والمقدمات التى تم ذكرها آنفا.

стр. 574

* أضف إلى ذلك: أن النبي - صلى لله عليه وسلم - لما وقف على أمر حاطب قال له: ما حملك على ذلك؟ فلو كان أصل فعله بذاته لا يحتمل التفصيل لما استفصل النبي ﷺ ، فإذا كان " ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال "، فإن الاستفصال في مقام الاحتمال لا ينزل منزلة العموم في المقال، بل يكون الحكم فيه تفصيل وتبيين. (٣ فإن قيل: ألا يستدل بقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)) (النحل/١٠٧) على كفر من والى أعداء الله -تعالى- ولو لغرض دنيوى؟؟؟ والرد على ذلك: أن الاستدلال بهذه الأية كفر كل من قدَّم أمر الدنيا على الآخرة مما يقال فيه إنَّ " الدليل أخص من الدعوى"؛ فقد ورد سياق هذه الأية فيمن أُكره على كلمة الكفر، حيث رُخص له في ذلك مادام قلبه مطمئناً بالإيمان، ثم ذكر الله -تعالى- في مقابل ذلك " مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا " فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعاً، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. قال ابن كثير: لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله - تعالى - قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم. (١) ٢) القسم الثانى: الموالاة الكبرى: أن تكون موالاتهم لنصرة دينهم وتسلطهم على دين الإسلام والمسلمين، فمثل هذا يكون كفراً أكبر مخرجاً من دين الإسلام. فمن ظاهر المشركين وعاونهم على المسلمين لأجل دينهم فلاشك في كفره. وفى مثل هذا قال الله تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ

стр. 575

الْمَصِيرُ (٢٨)) [آل عمران: ٢٨] قال ابن جرير الطبرى قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) يعني:، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. (١) وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال القرطبي في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي: من يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين، فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء، وهذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين. (٢) قال ابن حزم: وصح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ إنما هو ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين. (٣) *قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إن الموالاة تنقسم إلى قسمين: ١) موالاة مطلقة عامة: وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي لأجل الدين، وعلى ذلك تُحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر. ٢) موالاة خاصة: وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله ﷺ في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة. (٤) ومثل هذا الكلام في تقسيم الموالاة إلى عامة مطلقة وخاصة منقول عن القرطبي وابن الجوزى وابن العربي وسليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب وصاحب الأضواء. (٥)

стр. 576

قال الشيخ السعدى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً، صار ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك. (١) * وعليه نقول: *وعليه فلابد من التنبيه على مسألة: أن الاستدلال بحديث حاطب على أن كل موالاة لأعداء الإسلام لا تخرج من الملة فهذا مما يقال فيه إنَّ الدليل أخص من الدعوى. ومن المعلوم أن قضايا الأعيان لا ترد نقضاً على الكلّيات لاحتمالها. فقد تقرّر في القرأن أنّ نصرة أهل الكفر على أهل الإسلام كفر ونفاق، وتواردت الآيات والآثار وإجماع العلماء على ذلك حتى صار أصلاً مطرداً في الباب؛ فما وَرَد مُوهِماً خلافَ الأصل مثل قصة حاطب ﵁ فلا يرد نقضاً على الأصل؛ لأنّ قضايا الأعيان لا تقدح في الأصول، إما لاحتمالها في ذاتها، أو لإمكان ردّها إلى الأصل المعلوم بتأويل يمنع التخلّف عن الأصل، أو يجزم بعدم دخولها في الأصل لمأخذٍ آخر فلا تكون الواقعة من أفراد الأصل. لذا فالقول بأن كل موالاة لأعداء الله - تعالى- نفاق أكبر مخرج من الملة فليس هذا على عمومه، فقد دلَّ حديث الباب أن النصرة العملية ذنب، لكنها ليست كفراً وحدها؛ لأن ما وقع من حاطب لم يكن حُبًّا ولا تفضيلاً، ولا فعل ذلك عن تَمَنٍّ لنصرة دين الكفار على الإسلام. بل إن شيخ الإسلام مع تكفيره للتتار، قال عمَّن يقاتل المسلمين مع التتار: " وأيضاً لا يقاتل معهم - غير مكره - إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق. . ". فها هو فصل أصناف المقاتلين معهم، ولم يجعلهم قسماً واحداً، ولم يكفر بمجرد القتال معهم. (٢)

стр. 577

* ويتبين لنا مما سبق أمور: الأول: مناط التكفير في باب الولاء والبراء إنما هو على عمل القلب لا على آثاره وثمراته، فإذا اجتمعا حكم به، وإذا اختلفا فالحكم لعمل القلب دون عمل الجوارح. فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء. (١) الثانى: مظاهرة الكافرين لنصرتهم على المسلمين لا يجيزه حتى حال الإكراه المعتبر، قال الطبرى تعليقاً على قوله تعالى " إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ": إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل. (٢) وقد أجمع أهل العلم على أن الإكراه لا يبيح الاعتداء على المسليمن، فمن أكره على قتل مسلم فقتله فإنه يُقتل به. ولذا فالإكراه لا يغير حكم المظاهرة، ومهما بلغ هذا الإكراه فلا يجيز إعانة الكفار على المسلمين بحال لما في ذلك من ظهور دينهم وتسلطهم على ديار المسلمين. (٣) *ومما يُلحق بالموالاة المخرجة من الملة: أن يلحق المسلم بدار الكفر المحاربة لدارالإسلام ويظاهرهم في عداء أهل الإسلام. قال ابن حزم: من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم. (٤)

стр. 578

* فوائد في الختام: ١) يستثنى من الموالاة التى حرَّمها الشارع أمور: الأول: المعاملات العامة: لا يدخل في موالاة الكافرين التى حرَّمها الشرع معاملتهم بالتجارة والبيع والشراء، ففارق بين الموالاة والمعاملة، فالمعاملات مع المشركين في المتاجرات لا شيء فيها؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقد روت عَائِشَةُ ﵂ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. (١) وقد ترجم البخاري باب: باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة، ثم روى تحته حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر- ﵁ قَالَ: ... «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ، أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». (٢) *الثانى: الحب الجبلِّى: الموالاة التى حرَّمها الشرع إنما تكون بمحبتهم لأجل دينهم، فلا شك أن محبة غير دين الإسلام إنما هى يتفرع على تسويغ ذلك الدين والرضا به، فلا شك في كفر من فعل ذلك ولو كان مبتغياً لدين الإسلام شرعة وديناً؛ يدل على ذلك قوله ﷺ ، يَقُولُ " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ " (٣)، وعليه فمن أحب الكفر وأهله، أو سوَّغ لغيره ديناً غير الإسلام فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله تعالى. وأما من أحب كافراً حباً جبلياً لقرابته مثلاً، أو كمن تزوج كتابية فكان حبه لها من هذا الباب فلا يدخل هذا من الموالاة المحرمة. وقد ورد في قول الله تعالى لنبيه ﷺ (إنك لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص/٥٦) قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : (إِنَّكَ) يا محمد (لا تَهْدِي مَنْ

стр. 579

أَحْبَبْتَ) هدايته (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك، كان مذهباً. (١) ويستأنس لذلك بحديث الباب؛ حيث إن النبي ﷺ لم ينكر على حاطب حرصه وخوفه على ألا يلحق الأذى بقرابته بمكة، وإنما توجه الإنكار على مراسلته للحربيين من قريش الذين نصبوا الحرب والعداء لله - تعالى- ورسوله ﷺ . ٣) الثالث: الإحسان إليهم بالهبة والصلة: وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولعموم حديث " في كل كبد رطبة أجر" (٢). قال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] والمعنى: لم يمنعكم من الإكرام وحسن الصلة لغير المسلمين طالما أنهم لم يناصبوكم العداء ولم يسعوا في إيذائكم ولم يقاتلوكم بسبب دينكم لا سيما إن كانوا أقرباء وذوي رحم. قال ابن القيم: إن الله - سبحانه - لما نهى في أول السورة -سورة الممتحنة-عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم، تَوَهَّم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء. (٣) وقد ترجم البخاري باب: بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ (٢٦٢٠)، وفي موضع آخرقال بَابُ صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ (٥٩٧٨)، ثم روى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: وَهِيَ

стр. 580

رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». (١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄ قَالَ: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا»، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. (٢) * وكذا يقال في قبول الهدية من المشرك: إذ الأصل هو جواز قبول الهدية من الكافر، تأليفاً لقلبه وترغيباً له في الإسلام، كما قبل النبي ﷺ هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وغيره. وقد بوَّب البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية من المشركين، قال ﵀: " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ أَعْطُوهَا آجَرَ. * وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا، قَالَ: «لَا»، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (٣) وختاماً: فإذا أردنا أن نعطِّرالمجلس بكلمة في حق الصحابي الجليل حاطب -رضى الله عنه - فلن نجد أفضل ما قاله ابن القيم، ولنعم ما قال: فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله ﷺ وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فَل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء

стр. 581

مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، وكان البُحرانُ صالحاً فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن به قلبة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد: ... «وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: " «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» " وقال: " «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم» ". وقال: " «شر قتلى تحت أديم السماء» " فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدة. وتأمل في حال إبليس لما كانت المادة المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله، فالمعول على السرائر، والمقاصد، والنيات، والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهباً، أو يردها خبثاً، وبالله التوفيق. (١) تم بحمد الله تعالى.

стр. 582

الحديث العشرون: التوضيح شرح حديث نزول المسيح

стр. 583

عن أبى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] *تخريج الحديث: أخرجه البخاري (٣٤٤٨) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉. ومسلم (١٥٥) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ . نقول أولاً: مقدمة بين يدى حديث الباب: لا شك أن قصة المسيح عيسى ﵇ من أعظم القصص الوارد ذكرها في كتاب الله تعالى، وصدق الله - تعالى- حين أجمل هذه القصة فى قوله عزوجل (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ..)، فلقد كان عيسى ﵇ آية في حمله ومهده ورفعه، ونزوله آخر الزمان. بل قد صار الإيمان به وبما جرى في قصته من الأيات والمعجزات أحد أصول الإيمان في دين الإسلام. فعن عُبَادَةَ بن الصامت ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ

стр. 584

لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (١) ومن خلال هذا الحديث تتجلى وسطية هذه الأمة كما وصفها الله -تعالى - في كتابه؛ فقوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ...) قوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ....) رد على النصارى، وفي قوله ﷺ : " ورسوله ": رد على اليهود. وهكذا تكون شهادة الحق لعيسى ﵇ بين المغالاة والمجافاة، بين غلو النصاري الذين ألَّهوه من دون الله، وبين جفو اليهود الذين كذَّبوه، وزعموا أنهم صلبوه. (٢) **وبين هذا وذلك جاءت وسطية أمة الإسلام، أمة الإسلام التي هى أولى

стр. 585

بكل نبي كذَّبه قومه. وقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى ﵇، وذلك كما ورد في حديث الباب، وذلك بالاعتقاد ببشرية عيسى ﵇، مع الإيمان برسالته إلى بني اسرائيل. ** وما ورد في حديث عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- السابق من الاعتقاد في عيسى ﵇ قد نص عليه كتاب الله تعالى. قال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/١٢) فَأَرْسَلْ الله -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه - جبريل ﵇ فنفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت فرجها، فصارت حاملاً من ساعتها. * قال ابن كثير: أَمرَاللَّهُ -تعالَى- جبريل أَنْ يَنْفُخَ بِفِيه فِي جَيْب درعهَا، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ فَولَجَت في فَرْجها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسى ﵇. (١) * قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء/١٧١) ... وقوله تعالى (وكلمته ألقاها إلى مريم) فعيسى كلمة الله، وقد سُمِّيَ عيسى ﵇ كلمة الله لوجوده ولخلقه بكلمة من الله، من غير أب، قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران/٥٩) فبقوله تعالى ﴿كُن﴾ خُلق عيسى ﵇. فـ (كن) هي كلمة الله ، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمة الله ليست مخلوقة، وعيسى ﵇ مخلوق. * قال شاذ بن يحيي في قول الله: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى. (٢).

стр. 586

*قال الإمام أحمد: الكلمة التي ألقاها الله - تعالى- إلى مريم ﵍ حين قال له: كن، فكان عيسى: بكن، وليس عيسى هو الكُنُّ، ولَكِنْ بالكُنِّ كَانَ، فالكُنُّ من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته، لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله. كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة. (١) * تنبيه: ما ذكره الإمام أحمد في قوله (وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله....) فهذا هو معتقد القوم في المسيح ﵇، إذ يقول الإنجيل "في البدء كان الكلمة... وكان الكلمة الله" (يوحنا ١: ١). ويكمل الإنجيل موضحا أنَّ كلمة الله هذا قد تجسَّد في إنسان، بقوله: "والكلمة صار جسداً" (يوحنا ١: ١٤). أي أن كلمة الله قد حل في جسد المسيح وتجلَّى فيه،، لذلك هم يقولون: "لا نؤمن بجسد تأَّله، إنما نؤمن بإله تجسَّد". (٢)

стр. 587

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كلام الله قد يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، وقوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾. ويراد به ما فُعل بالكلمة، كالمسيح الذي قال له (كن) فكان، فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في الآدميين، فصار مخلوقاً بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضاً على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى ﵇ مخلوقاً بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين. ا. هـ (١)

стр. 588

أما قوله تعالى «وروح منه»: ·والمعنى: أن روح عيسى-﵇ مبتدَأة من الله تعالى، وأن الله خلقها، كما قال الله عما خُلق في السماوات والأرض قال) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [الجاثية: ١٣] فكل ذلك من الله تعالى، هو الذي ابتدأ خلقه وأوجده، وأعطاه ووهبه. فلقد خُلق عيسى ﵇ من أثر نفخة جبريل ﵇ في جيب درع مريم-﵍ بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه روح من الله، فنسبت روح عيسى ﵇-إلى الله -تعالى-لأنها وصلت إلى مريم ﵍ في آية من آيات الله، فقد حملت بعيسى من غير أب، فبهذا امتاز عن بقية الأرواح. في حين أن النصارى يزعمون أن تأويل قوله " روح منه " على معنى التبعيض. * قال ابن كثير: قوله تعالى «وروح منه»: أي من خلقه ومن عنده، وليست "من" للتبعيض، كما تقوله النصارى بل هي لابتداء الغاية، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هذه ناقة الله﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ [الحج: ٢٦] (١) ... ثم نتنزل معكم: أن قوله تعالى (وروحٌ مِنه) من المتشابه الذي يحتمل قولنا وقولكم، فحال أهل العلم عند المتشابه أن يحملوا المتشابه على المُحكم. فالمُحكم هو قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ

стр. 589

وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)) والمُحكم هو قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة: ١٧)، المُحكم هو قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة: ٧٣) المُحكم (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)) (التوبة: ٣٠) المحكم قوله تعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) إذاً: عيسى مخلوق. المحكم في أول ما نطق المسيح في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ...) * عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ : ليوشكنَّ أَن ينزل ابْن مَرْيَم حكماً مقسطاً..) الوشيك: القريب، وأراد قرب ذلك الأمر. ونزول المسيح ثابت بإشارات من القرآن، كما سيأتى بيانه، وبالسنة المتواترة عن النبي ﷺ ، كما في حديث الباب، وإجماع الأمة. *فمن الإشارات القرآنية الدالة على نزول عيسى ﵇: ١) قال تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف/٦١) والذى عليه جمهور المفسرين أن الهاء في قوله تعالى " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " إنما تعود على عيسى ﵇. قال ابن كثير: الصحيح أن الضمير في قوله (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ...) عائد على عيسى ﵇، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال ﵎: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي: قبل موت عيسى، ﵊. (١)

стр. 590

قال الشنقيطى: التحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي ﷺ . ومعنى قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة - هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حيا علم للساعة، أي علامة لقرب مجيئها; لأنه من أشراطها الدالة على قربها. (١) * وعن ابن عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: " نزول عيسى بن مريم من قبل يوم القيامة ". (٢) ٢) قال تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء/١٥٩) وهذه الأية تشير إلى نزول المسيح عيسى ﵇، وقد قرأها أبوهريرة -رضى الله عنه- بعد روايته لحديث الباب الذى نص على نزول عيسى ﵇، وسيأتى مزيد من بيان ذلك في موضعه. ٣) قول الله ، لعيسى ابن مريم ﵇ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وهذه فيها إشارة إلى نزوله؛ فقد دلت الأية على رفع المسيح ﵇، كما دل الإجماع الذى نقله شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: وأجمعت الأمة

стр. 591

على أن الله رفع عيسى إلى السماوات. (١) فإذا كان النص والإجماع على رفع المسيح حياً، فهذه دلالة على نزوله ليكون في الأرض موته ودفنه؛ وذلك لقوله تعالى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]. ٤) قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران/٤٦)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ (المائدة/١١٠) فأشارت هاتان الآيتان إلى آيتين من آيات المسيح ﵇: الأولى: تكلمه في المهد، والثانية: تكلمه بعد نزوله قبل يوم القيامة وهو في حال الكهولة، وإلا فإن كلام الكهل في معتاد الأحوال أمر مألوف فلا وجه لعطفه على كلام الطفولة. (٢) * وكذلك ثبت نزول عيسى ﵇ بالسنة المتواترة: وممن نص على تواتر أحاديث نزول المسيح: الطبري والنووى والقاضى عياض وأبو العباس ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر وغيرهم. وكذلك فقد نص الشوكانى في كتابه " التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح " على تواتر أحاديث نزول المسيح ﵇، وذكر من جملة ذلك تسعة وعشرين حديثاً، ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر. (٣) وللإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري كتاب جمع فيه هذه الأخبار، وسمَّاه:

стр. 592

"التصريح بما تواتر في نزول المسيح "، قد ذكر فيه نحواً من سبعين حديثاً عن نحو ثلاثين صحابياً. قال الألبانى: وقد تيقَّنت - أنا شخصياً - بتواتر أحاديث الدجال وعيسى، وقد بلغت الطرق التي تجمعت عندي أكثر من أربعين طريقاً عن نحو أربعين صحابيّاً، بعضها على شرط الصحة، وسائرها أكثر شواهدها معتبرة... ، ثم ذكر أسماء الصحابة -رضى لله عنهم -الذين رووا أحاديث نزول المسيح، فبلغوا أربعة عشر صحابياً، ثم قال: ومن هذا العرض السريع لطرق حديث عيسى ﵇، ورواتها من الصحابة الكرام الصادقين؛ ليتبين لكل ذي عينين أن الحديث متواتر بذلك. (١) * ومن أدلة السنة: حديث أبى هريرة-رضى الله عنه- الذى صدَّرنا به الباب. وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ- رضى الله عنه- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ"، قُلْنَا: وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ ﷺ : " أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ "، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ قَالَ ﷺ : " لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، ثُمَّ يبَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي،

стр. 593

لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ ". (١) *وأما الإجماع: قال ابن أبي زَمَنِين المالكي: وأهل السنة يؤمنون بنزول عيسى وقتله الدجال وقال " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " يعني عيسى. (٢) قال المناوى: وقد حكى في المطامح إجماع الأمة على نزوله، وأنكر على ابن حزم ما حكاه في مراتب الإجماع من الخلاف في نزوله قبل يوم القيامة، وقال: هذا نقل مضطرب، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة. (٣) وممن حكى هذا الإجماع: الأشعري فى المقالات (١/ ٢٩٥) والقاضى عياض فى شرح مسلم (١٨/ ٧٥) ومما استنبط منه شيخ الإسلام ابن تيمية واستدل به على نزول عيسى ﵇ -قوله: "والمسيح ﵇ وعلى سائر النبيين- لا بد أن ينزل إلى الأرض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره ". (٤) وقد درج أئمة السنة في مصنفاتهم على ذكر نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، حتى

стр. 594

صار ذلك من أعلام الاعتقاد التى يمتازون بها. (١) * فإن قيل: وما الحكمة من نزول عيسى ﵇ آخر الزمان دون غيره من الرسل؟ * والجواب هنا ما نص عليه ابن كثير، حيث قال: أن المقصود إنما تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ﵇-وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله -تعالى - أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني لا يقبلها من أحد. (٢) وقوله ﷺ : حكماً مقسطاً..) والحكم: الحاكم. قال النووى: والمعنى أنه ينزل حاكماً بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكماً من حكام هذه الأمة. (٣) والمقسط: العادل. يقال: أقسط فهو مقسط: إذا عدل، ومنه قوله عزوجل: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه قوله ﷺ : "إذا حكموا عَدَلوا، وإذا قَسَموا أقسطوا". (٤) وأما قسط فهو قاسط: إذا جار، قال تعالى (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجن/١٥) قوله ﷺ : " فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ... ": وإنما قصد إلى كسر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما فى دين النصارى المغترين المعتدين فى شريعتهم إليه،

стр. 595

فأخبر النبى ﷺ أن عيسى ﵇ سيغير ما نسبوه إليه كما غيَّره محمد ﷺ . (١) قال القاضي عياض: فيه دليلٌ على تغييرآلات الباطل وكسرها، ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه، وأنه يأتي ملتزمًا لشريعتنا. (٢) وأما قتله للخنزير فدليل على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى ﵇، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم. * قال ﷺ : وَيَضَع الجزية: قيل في قوله: (ويضع الجزية) وجوه: الأول: أنه يحمل الناس على دين الإسلام، ولا يبقى أحد تجري عليه الجزية، فلا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. وقال بهذا ورجحه النووى والخطابي وابن حجر. (٣) الثاني: أنه يفرض الجزية على أهل الكتاب، فلا يبقى في الناس فقير يحتاج إلى المال، وإنما كانت تؤخذ الجزية فتصرف في المصالح، فإذا لم يبق للدين خصم عُدمت الوجوه التي تصرف فيها الجزية فسقطت. الثالث: وهو أنه يضرب الجزية، أى يفرضها على أهل الكتاب؛ وذلك لأن شرعه نسخ، فلما نزل استعمل شرعنا، ومن شرعنا ضرب الجزية. (٤) والراجح الصحيح -والله أعلم- هو الوجه الأول. *وأما ما ورد أن المراد بوضع الجزية: أي فرضها على أهل الكتاب فيرده أمور: الأول: رواية أحمد عن أبي هريرة -رضى الله عنه- مرفوعاً: " يَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَتَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً ". (٥)

стр. 596

الثانى: حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -رضى الله عنه- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ.. وورد فيه: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ". (١) الثالث: ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، ... وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ ". (٢) وهذه الرواية كالنص في المسألة. قال العراقي: " ويظهر لي أن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل، وتعلقهم ـ بزعمهم ـ بشرع قديم؛ فإذا نزل عيسى، زالت تلك الشبهة لحصول معاينته؛ فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم، وانكشاف أمرهم؛ فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته ". (٣) ** وما ذكرناه في الوجه الأول يبين لنا كذلك أمرين: أولهما: أن المراد بوضع الجزية إنما هو نسخها، وليس فرضها. والثانى: أن العلة من نسخ مشروعية الجزية إنما هو سيادة شريعة الإسلام وسقوط خيار الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا مثال لنسخ القرآن -الذى ثبتت به الجزية - بالسنة المتواترة التي دلت على نزول عيسى ﵇ ووضعه للجزية. (٤)

стр. 597

*وهنا شبهات تتعلق بنزول عيسى ﵇: ذهب الجهمية وجماعة من المعتزلة إلى إنكار نزول المسيح ﵇ آخر الزمان، وقد استدلوا على ذلك بجملة من الشبهات (١)، نذكر منها مايلى: ١) الشبهة الأولى: أن أحاديث نزول المسيح ﵇ -أحاديث آحاد متعلقة بأمر اعتقادي، فلا يؤخذ بها؛ لأن مسائل الاعتقاد لا تؤخذ إلا بالقطعي المتواتر النقل. لذا فقد ادَّعى الشيخ محمود شلتوت بعدم صحة القول بنزول المسيح ﵇-آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد ظنية الدلالة، فلا ينبنى عليها مسائل

стр. 598

الاعتقاد، بل قد زعم الإجماع على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيَّبات. فهذا هو المسلك الأول: أنها غير قطعية الورود، وأما المسلك الثانى: فقد ذكر الشيخ شلتوت أن الأثار فى ذلك ظنية الدلالة، وعليه فلا يجب حملها على ظاهرها، و لا يمتنع تأويلها. ثم قال: ومن ذلك أحاديث نزول المسيح، ولذا فقد أوَّلها بعض العلماء بأن المراد بها هو اندفاع الشر وظهور الخير!! وقد نقل كذلك هذين المسلكين الشيخ رشيد رضا عن شيخه محمد عبده فى المنار وأقره عليهما. (١) *والرد على ذلك أن يقال: ١ - أما الزعم أن الأثار الواردة فى نزول المسيح ﵇ من أخبار الآحاد: فكلام مردود على قائله؛ فقد سبق البيان قريباً أن هذه الأحاديث متواترة. *ولو تنزلَّنا بأنها أحاديث آحاد فيقال: أ- إن القول بأن أحاديث الآحاد لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد ونقل الإجماع على ذلك لا شك أنه كلام مردود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. ب- إن أحاديث نزول المسيح - مروية فى الصحيحين، وتلقتها الأمة بالقبول خلفاً عن سلف، فتحتم الأخذ بها. (٢) وسيأتى مزيد بيان عن اعتبار أخبار الآحاد فى الاعتقاد عند شرحنا للحديث الثالث والثلاثين "حديث بعث معاذ -رضى الله عنه- إلى اليمن". ٢ - وأما القول بتأويل بعض العلماء أن المراد بأحاديث نزول المسيح هو اندفاع الشر وظهور الخير، فلا شك أن هذا من التحريف البيِّن المخالف لصريح أحاديث

стр. 599

نزول المسيح ﵇؛ فإن هذه الأحاديث لم تقتصر على ذكر مجرد النزول، بل قد ذكرت تفاصيل ذلك من حياة المسيح ﵇ على الأرض وصلاته مع المسلمين، ثم وفاته وصلاة المسلمين عليه، فكل هذا يبطل القول بهذا التحريف الباطل. وما أجمل قول القائل: إذا وصل التقوُّل على النصوص والتحريف للأدلة إلى هذا الحد، فلا نقول إلا: "نحمدك ربنا على سلامة الدين والعقل "، ونسكت. ٢ - الشبهة الثانية: قد روى الشيخان عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، " فهو خاتم النبيين، وشريعته ناسخة لشرائع من قبله من الرسل، فكيف ينزل عيسي ﵇ بعده، بل وينسخ الجزية؟ (١) * وجواب ذلك أن يقال: أولاً: نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يختلف عن وجوده وقت أن بعثه الله -تعالى- إلى بني إسرائيل، فقد كان بين بني إسرائيل رسولاً بشريعة الإنجيل، أما نزوله في آخر الزمان فسيكون فيه تابعاً لشريعة النبي ﷺ ، وحاكماً بما يُستجد وقتها من أحكام الشريعة الإسلامية، من كسر الصليب ورفض الجزية، ومما يؤيد هذا ما يلي: *أولاً: أنه يأبى عند أول نزوله أن يؤم المسلمين في الصلاة، وفي هذا إشارة منه لهذا المعنى الذى ذكرناه. فقد روى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -رضى الله عنهما - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ". (٢)

стр. 600

قال ابن الجوزى: اعلم أنه لو تقدَّم عيسى ﵇ -لوقع في النفوس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم على وجه النيابة أم ابتدأ شرعاً؟، فيصلي مأموماً لئلاً يتدنس بغبار الشبهة، وجه قوله: (لا نبي بعدي). (١) قال ابن العربي: إن ذلك- أى امتناع عيسى من التقدم للإمامة - إبقاء لشريعة النبى ﷺ واتباع له، وإسخان لأعين النصارى، وإقامة الحجة عليهم. (٢) *الثانى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ ". (٣) قال ابن أبي ذئب: «فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎، وسنة نبيكم ﷺ »
следующие страницы →