الثانى: حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -رضى الله عنه- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ.. وورد فيه: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ". (١)
الثالث: ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، ... وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ ". (٢)
وهذه الرواية كالنص في المسألة.
قال العراقي:
" ويظهر لي أن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل، وتعلقهم ـ بزعمهم ـ بشرع قديم؛ فإذا نزل عيسى، زالت تلك الشبهة لحصول معاينته؛ فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم، وانكشاف أمرهم؛ فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته ". (٣)
** وما ذكرناه في الوجه الأول يبين لنا كذلك أمرين:
أولهما: أن المراد بوضع الجزية إنما هو نسخها، وليس فرضها.
والثانى: أن العلة من نسخ مشروعية الجزية إنما هو سيادة شريعة الإسلام وسقوط خيار الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا مثال لنسخ القرآن -الذى ثبتت به الجزية - بالسنة المتواترة التي دلت على نزول عيسى ﵇ ووضعه للجزية. (٤)
стр. 597
*وهنا شبهات تتعلق بنزول عيسى ﵇:
ذهب الجهمية وجماعة من المعتزلة إلى إنكار نزول المسيح ﵇ آخر الزمان، وقد استدلوا على ذلك بجملة من الشبهات (١)، نذكر منها مايلى:
١) الشبهة الأولى:
أن أحاديث نزول المسيح ﵇ -أحاديث آحاد متعلقة بأمر اعتقادي، فلا يؤخذ بها؛ لأن مسائل الاعتقاد لا تؤخذ إلا بالقطعي المتواتر النقل.
لذا فقد ادَّعى الشيخ محمود شلتوت بعدم صحة القول بنزول المسيح ﵇-آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد ظنية الدلالة، فلا ينبنى عليها مسائل
стр. 598
الاعتقاد، بل قد زعم الإجماع على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيَّبات.
فهذا هو المسلك الأول: أنها غير قطعية الورود، وأما المسلك الثانى:
فقد ذكر الشيخ شلتوت أن الأثار فى ذلك ظنية الدلالة، وعليه فلا يجب حملها على ظاهرها، و لا يمتنع تأويلها.
ثم قال:
ومن ذلك أحاديث نزول المسيح، ولذا فقد أوَّلها بعض العلماء بأن المراد بها هو اندفاع الشر وظهور الخير!!
وقد نقل كذلك هذين المسلكين الشيخ رشيد رضا عن شيخه محمد عبده فى المنار وأقره عليهما. (١)
*والرد على ذلك أن يقال:
١ - أما الزعم أن الأثار الواردة فى نزول المسيح ﵇ من أخبار الآحاد:
فكلام مردود على قائله؛ فقد سبق البيان قريباً أن هذه الأحاديث متواترة.
*ولو تنزلَّنا بأنها أحاديث آحاد فيقال:
أ- إن القول بأن أحاديث الآحاد لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد ونقل الإجماع على ذلك لا شك أنه كلام مردود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ب- إن أحاديث نزول المسيح - مروية فى الصحيحين، وتلقتها الأمة بالقبول خلفاً عن سلف، فتحتم الأخذ بها. (٢)
وسيأتى مزيد بيان عن اعتبار أخبار الآحاد فى الاعتقاد عند شرحنا للحديث الثالث والثلاثين "حديث بعث معاذ -رضى الله عنه- إلى اليمن".
٢ - وأما القول بتأويل بعض العلماء أن المراد بأحاديث نزول المسيح هو اندفاع الشر وظهور الخير، فلا شك أن هذا من التحريف البيِّن المخالف لصريح أحاديث
стр. 599
نزول المسيح ﵇؛ فإن هذه الأحاديث لم تقتصر على ذكر مجرد النزول، بل قد ذكرت تفاصيل ذلك من حياة المسيح ﵇ على الأرض وصلاته مع المسلمين، ثم وفاته وصلاة المسلمين عليه، فكل هذا يبطل القول بهذا التحريف الباطل.
وما أجمل قول القائل:
إذا وصل التقوُّل على النصوص والتحريف للأدلة إلى هذا الحد، فلا نقول إلا:
"نحمدك ربنا على سلامة الدين والعقل "، ونسكت.
٢ - الشبهة الثانية:
قد روى الشيخان عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، " فهو خاتم النبيين، وشريعته ناسخة لشرائع من قبله من الرسل، فكيف ينزل عيسي ﵇ بعده، بل وينسخ الجزية؟ (١)
* وجواب ذلك أن يقال:
أولاً:
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يختلف عن وجوده وقت أن بعثه الله -تعالى- إلى بني إسرائيل، فقد كان بين بني إسرائيل رسولاً بشريعة الإنجيل، أما نزوله في آخر الزمان فسيكون فيه تابعاً لشريعة النبي ﷺ ، وحاكماً بما يُستجد وقتها من أحكام الشريعة الإسلامية، من كسر الصليب ورفض الجزية، ومما يؤيد هذا ما يلي:
*أولاً:
أنه يأبى عند أول نزوله أن يؤم المسلمين في الصلاة، وفي هذا إشارة منه لهذا المعنى الذى ذكرناه.
فقد روى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -رضى الله عنهما - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
«يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ". (٢)
стр. 600
قال ابن الجوزى:
اعلم أنه لو تقدَّم عيسى ﵇ -لوقع في النفوس إشكال، ولقيل:
أتراه تقدم على وجه النيابة أم ابتدأ شرعاً؟، فيصلي مأموماً لئلاً يتدنس بغبار الشبهة، وجه قوله: (لا نبي بعدي). (١)
قال ابن العربي:
إن ذلك- أى امتناع عيسى من التقدم للإمامة - إبقاء لشريعة النبى ﷺ واتباع له، وإسخان لأعين النصارى، وإقامة الحجة عليهم. (٢)
*الثانى:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
" كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ ". (٣)
قال ابن أبي ذئب: «فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎، وسنة نبيكم ﷺ »
стр. 601
* ثم يقال:
وإذا كان من هو أفضل من عيسى ﵇ وهو موسى ﵇ لو كان حياً لما وسعه إلا إتباع النبي ﷺ كما قال ﵊:
" وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي، لَاتَّبَعَنِي» (١)، فلأن يقال ذلك في حق عيسى ﵇ من باب أولى.
ثانياً:
أن الجزية وإن كانت مشروعة في هذه الشريعة فقبولها ليس بحكم مستمر إلى يوم القيامة، بل إن ذلك مقيد بنزول عيسى ﵇، كما في حديث الباب، وليس عيسى ﵇ بناسخ لحكم الجزية، بل - نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله وإخباره بنزول عيسى. (٢)
قال بدر الدين العيني:
فإن قلتَ: هذا يدل على أن عيسى، ﵊، ينسخ الحكم الذي كان في شرعنا، والحال أنه تابع لشرع نبينا ﷺ .
قلتُ: ليس هو بناسخ، بل نبينا ﷺ هو الذي بين بالنسخ. وأن عيسى، ﵊، يفعل ذلك بأمر نبينا ﷺ . (٣)
* وبناءً على ما سبق:
من كون المسيح عيسى ﵇ سوف ينزل إلى الأرض آخر الزمان، كما سبق بيانه، ويحكم بشريعة النبي محمد ﷺ بإسقاط الجزية وقتل الخنزير، أنه رفع حيّا، وأنه اجتمع بالنبيّ ﷺ ببيت المقدس فقد نص ابن حجر على كون عيسى ﵇ صحابياً، وترجم له في كتابه " الإصابة في تمييز الصحابة"، وقال ﵀:
ذكره الذّهبيّ «في التّجريد»، مستدركاً على من قبله، فقال: عيسى ابن مريم رسول اللَّه، رأى النبيّ ﷺ -ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبيّ وصحابيّ، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته في آخر القواعد له، فقال:
стр. 602
من باتّفاق جميع الخلق أفضل من... خير الصّحاب أبي بكر ومن عمر
ومن عليّ ومن عثمان وهو فتى... من أمّة المصطفى المختار من مضر. (١)
* الشبهة الثالثة:
قال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) (آل عمران/٥٥) وَقَوْلِهِ (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة / ١١٧]
أفادت هذه الأيات أن الله -تعالى - قد توفى عيسى ﵇ قبل رفعه إليه، في حين أن الأحاديث قد أفادت أن عيسى ﵇ سينزل آخر الزمان وسيموت ويصلى عليه المسلمون، فكيف الجواب؟
* وجواب ذلك من وجوه:
١) قيل أن: المراد بالتوفي هنا النوم، وكأن عيسى ﵇ قد نام فرفعه الله -تعالى- نائماً إلى السماء، ويطلق على النوم وفاة، كما قال الله تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ" (الأنعام: ٦٠)
وعَنْ حُذَيْفَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». (٢)
وهذا القول مروي عن الحسن، ومال إليه ابن كثير. (٣)
٢) وقيل أن قوله تعالى (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) يحمل على الوفاة بمعنى الموت على الحقيقة، ولكنَّ الله -تعالى- عطف الرفع على الوفاة، والعطف إنما يفيد مطلق الجمع دون الترتيب، وكأنَّ المعنى: أنى رافعك إلىّ ومتوفيك بعد ذلك.
ويروى هذا القول عن ابن عباس وقتادة ووهب بن منبه، وهو قول ابن حزم ومحمد بن اسحاق. (٤)
стр. 603
٣) أن قوله: متوفيك حقيقة لغوية في استيفاء الشيء وأخذه كاملاً غير ناقص،، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوفٍ له إذا قبضه وحازه إليه كاملاً من غير نقص.
فمعنى: إني متوفيك في الوضع اللغوي، أي حائزك ومستوفيك إليَّ كاملاً بروحك وجسمك. (١)
وهذا هو الراجح، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه الطبري والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد البر وابن الجوزي. (٢)
قال الألوسي:
والصحيح كما قاله القرطبي أن الله -تعالى - رفعه من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري والرواية الصحيحة عن ابن عباس رضى الله عنهما. (٣)
* عودٌ إلى حديث الباب:
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضى الله عنه: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]
ومعنى الأية: أي لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى ﵇ إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة - رضى الله عنه - إلى أن الضمير في قوله تعالى (إلا ليؤمنن به..) وكذلك في قوله تعالى (قبل موته..) يعود على عيسى ﵇
وإن كانت هذه الأية مما قد اختلف المفسرون في تفسيرها، وذلك في توجيه الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ هل يعود على عيسى ﵇، أم على الكتابىِّ ؟
على قولين:
القول الأول:
أنه يعود على عيسى ﵇، أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى ﵇-قبل موته، أى موت عيسى ﵇، وذلك بعد نزوله من السماء،
стр. 604
وهذا قول أبي هريرة -رضى الله عنه- راوي الحديث، حيث قال بعد روايته لحديث نزول المسيح ﵇: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
وقال به ابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة رضى الله عنهم.
قال ابن حجر: وبهذا جزم ابن عباس -رضى الله عنهما- فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح. (١)
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لحيٌّ عند الله تعالى، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. (٢)
وقال به قتادة وابن زيد واختاره الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية وأبو حيَّان وابن كثير والشوكاني والقاسمي والشنقيطي. (٣)
قال ابن كثير:
ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ﵇ وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك. (٤)
* القول الثاني:
أن الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على على الكتابىِّ، والمعنى:
وما من كتابيِّ إلا ليؤمننَّ بعيسى ﵇-قبل موت الكتابيِّ، وذلك عند المعاينة والاحتضار، فيؤمن بما أنزل الله -تعالى -من الحق، وبالمسيح عيسى ابن مريم ﵇، وهذه منّة مَنّ الله -تعالى -بها على عيسى ﵇، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم، لأنّه لم يتمتّع
стр. 605
بمشاهدة أمّةٍ تتبعه. وهذا قول مجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر، وذهب إلى ذلك ابن عاشور و ابن عطية والرازي والألوسي.
وقد استدل أصحاب القول الثانى بما ورد في قراءة أبَي بن كعب (إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم). (١)
* والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ سيِّما أن ما ورد في قراءة أبَي بن كعب
(إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم) فهذه ليست قراءة سبعية، بل هى قراءة شاذة. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
عند أكثر العلماء معناه " قبل موت المسيح "، وقد قيل: قبل موت اليهودي، وهو ضعيف. (٣)
ثم بيِّن أوجه الضغف فى ذلك، فكان مما قال:
فقوله ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ هذا يعم اليهود والنصارى،
فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنه رسول الله ليس كاذباً، كما يقول اليهود، ولا هو الله، كما تقوله النصارى.
والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدَّعي أن كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابي، فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع. (٤)
وقال صاحب الأضواء:
وكون الضمير راجعاً إلى عيسى ﵇ فهذا مما يجب المصير إليه، دون القول الآخر; لأنه أرجح منه من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض.
والقول الآخر بخلاف ذلك.
стр. 606
وإيضاح هذا أن الله - تعالى - قال: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله..) ثم قال - تعالى -) وما قتلوه) أي عيسى، (وما صلبوه) أي عيسى، (ولكن شُبِّه لهم..) أي عيسى، (وإنْ الذين اختلفوا فيه..) أي عيسى، (لفي شك منه..) أي عيسى، (ما لهم به من علم..) أي عيسى، (وما قتلوه يقيناً...) أي عيسى، (بل رفعه الله..) أي عيسى، (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به...)، أي عيسى، (قبل موته..) أي عيسى، (ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)، أي يكون هو - أي عيسى - عليهم شهيداً.
الوجه الثاني:
أنه على القول الراجح فإن مفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ).
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلاً، بل هو مقدر، تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.
ومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير.
الوجه الثالث:
أن النبي ﷺ قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى ﵇ -حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر، وممن نص على تواتر أحاديث نزول عيسى ﵇ ابن كثير في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ) (الزخرف/٦١)
وأما القول بأن الضمير في قوله: قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة.
الوجه الرابع:
هو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يصدْق إلا مع تخصيص، كمن فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه ونحو ذلك، فلا يصدق
стр. 607
هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادَّعى إخراجهم منه بمخصص. (١)
* وفاة المسيح ﵇:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه - أَنَّ- النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ " (٢)
*وصية النبي صلى الله ﵇:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ:
" إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عُمُرٌ أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنْ عَجِلَ بِي مَوْتٌ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ " (٣)
* تنبيهات:
١) ما ينقل من أن عيسى ﵇ قد رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فهذا مما لا دليل عليه قال ابن القيم:
وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون
стр. 608
سنة فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. (١).
٢) ما ورد أن المسيح عيسى ﵇ يُدفن بجوار النبي ﷺ فهذا مما لا دليل عليه.
قال ابن كثير:
قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله ﷺ وصاحبيه. وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح ﵇ في كتابه عن عائشة -رضى الله عنها- مرفوعا أنه يُدفن مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية، ولكن لا يصح إسناده. (٢)
تنبيه:
وقد روى عن عبد الله بن سلام -رضى الله عنه- أنه قال:
(مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَه)، ولكن ضعفه البخارى. (٣).
стр. 609
الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية
стр. 610
* حديث الباب:
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ:
كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: " ائْتِنِي بِهَا "، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: " أَيْنَ اللهُ؟ "، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: " مَنْ أَنَا؟، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قال: " أعتِقْها، فإنها مُؤمنةَ ".
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (٥٣٧)، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته. والنسائي (١٢١٨) باب: الْكَلام فِي الصلَاة، وأخرجه أحمد (٢٣٧٦٢)
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الأولى: هذا الحديث من أحاديث الصفات:
ذهب جماهير أهل السنة والجماعة إلى أن حديث الباب هذا من أحاديث الصفات الدالة على صفة ذاتية لله -عزوجل - قد دل الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل على إثباتها، وهي صفة العلو، فالله -تعالى - مستوٍ على عرشه، فوق سماواته بائن من خلقه، أي منفصل عنهم. وهو قول الكلابية والكرامية ومتقدمى الشيعة الإمامية.
أولاً: أدلة القرآن:
قال تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى /١) فأخبر أنه أعلى من خلقه.
وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] فأخبر أنه فوق الملائكة، ومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية
стр. 611
ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من)، فلا يُقَال " الذهب من فوق الحديد " ويُعنى به علو الصفة، أو" الملك من فوق الرعية " ويعنى بها من الصفات. (١)
وقد أخبرنا الله - تعالى - أنه في السماء على العرش، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا؟!!
وقال لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)) (الإنسان/٢٣)
وقال : ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقال تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]
قوله تعالى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الْقَصَص/ ٣٨)
فَفي الأية دلالة على أَن مُوسَى ﵇ أخبر فرعون بِأَن ربه -تعالى- فَوق السَّمَاء؛ وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قد وصف الله - تعالى - نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله - تعالى - عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده. (٣)
* وأما أدلة السنة:
١) حديث الباب:
فقد قَالَ النبي ﷺ للجارية: " أَيْنَ اللهُ؟ "، فقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ،
стр. 612
قَالَ: " مَنْ أَنَا؟، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قال: " أعتِقْها، فإنها مُؤمنةَ "
ومعنى كونه -تعالى - في السماء:
إذا أريد بالسماء العلو فـ (في) للظرفية وهو أن الله جل وعلا في العلو بائن من خلقه عالٍ على مخلوقاته بائن من خلقه.
وأما إذا أريد بالسماء: السماء المبنية وهي السبع الطباق فمعنى (في) هنا: بمعنى على يعني: على السماء كما في قوله تعالى: ﴿سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: آية ١١] يعني: على الأرض، وكما في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: آية ٧١] يعني: على جذوع النخل.
وقول رسول الله ﷺ : " فإنها مؤمنة ":
دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله - تعالى - في السماء لم تكن مؤمنة.
٢) وعن أبي هُرَيْرَة - رضى الله عنه - أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم، مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، ثمَّ يعرج إِلَيْهِ الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم، وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ: أتيناهم وهم يصلُّونَ، وتركناهم وَهُوَ يصلُّونَ " (١)
٣) وعن جابر -رضى الله عنه- في خطبة عرفة أن رسول الله ﷺ قال:
وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ اشْهَدْ». (٢)
٤) عَنْ أَبِي مُوسَى -رضى الله عنه - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:
" إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. (٣)
٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ
стр. 613
إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ " (١)
٦) عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٢)
٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَنْفَجِرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ . (٣)
٨) عن أبي مُوسى ﵁ قال:
قام فِيَنا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال:
«إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، ولا ينبغِي له أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِليهِ عَمَلُ الليلِ قَبْلَ النَّهارِ، وعملُ النهار قبلَ الليل حِجَابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهَا؛ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كلَّ شيءٍ أَدْرَكَه بَصَرُهُ» (٤)
قال أبو سعيد الدارمى:
فإِلى مَنْ تُرْفَعُ الأعمالُ؟!!، والله بِزعمِكُم الكاذِب مع العامل بنفسه، في بيته ومسجده ومنقلبه ومثواه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. (٥)
٩) حديث العروج ليلة الإسراء، وفيه يقول أَنَسُ بْن مَالِكٍ رضى الله عنه:
" لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أجَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَعَلَا بِهِ -أى جبريل - إِلَى الجَبَّارِ... " (٦)
* الإجماع:
قال أبو الحسن الأشعري:
وأجمعوا على أنه فوق سماواته على عرشه، دون أرضه. (٧)
стр. 614
وقال ابن بطة:
وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله ﵎ على عرشه فوق سماواته بائنٌ من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا يكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين. (١)
قال أبوحاتم وأبوزرعة:
أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً، فكان من مذهبهم أن الله - تعالى - على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علماً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾. (٢)
*وكذلك ممن نقل الإجماع على ذلك:
شيخ الإسلام ابن تيمية وأبوسعيد الدارمي، وقد نقل الذهبي ما يزيد على المائة نيفاً من أسماء الأئمة الذين صرحوا بأن الله -تعالى - في السماء عالياً على خلقه، منذ ظهور مقالة الجهمية - نفاة العلو- إلى نهاية القرن الثالث. (٣)
* ومما ورد عن الصحابة -رضى الله عنهم- في ذلك:
قال ابن مسعود رضى الله عنه:
العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. (٤) وقال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَلَى عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قبل موتها، وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، فقَالَ:
«فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ». (٥)
٨) وعن أنس -رضى الله عنه- قال: كَانَتْ زَيْنَبُ -رضى الله عنها- تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ:
стр. 615
زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. (١)
*وأما العقل:
فدلالة العقل على علو الله - تعالى- من وجوه، نذكر منها وجهين:
أ) الأول:
وهو أنّ الله موجود بالاتّفاق، الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله موجود، وخلق الله أيضا موجودون، وهذان الوجودان إما أن يتمايزا، وإما أن يتداخلا:
فإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-:
فإما أن يكون الخَلْقْ محيطين بالله تعالى، وإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله .
وخَلْقْ الله والكائنات منها أشياء مستقبحة ومستقذرة وقبيحة، مثل النجاسات ومثل القاذورات، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله .
فإذاً تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله عالياً على خلقه؛ لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله تعالى. (٢)
ب) الثانى:
ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله -تعالى- يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل، والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلوه القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مبايناً للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذياً له، ولا سافلاً عنه، ولمَّا كان العلو صفة كمال، كان ذلك كم لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عالياً عليه، لا يكون قط غير عالٍ عليه. (٣)
стр. 616
* الفطرة:
قال الدارمي:
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية. (١)
وهكذا رأينا كل من يسأل أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول في السماء.
فلم يقل قائل: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، بحيث لا يمكن دفع هذه الضرورة عن القلوب ولا يلتفت الداعي يمنة ولا يسرة، وهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعاءه إلى العلو، والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك، فهذا فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار، وذلك اضطرار إلى القصد والإرادة والعمل متضمن للعلم والتصديق والإقرار. (٢)
* والعرب في جاهليتهم- مع شركهم- كانت عندهم الفطرة السليمة في هذا المقام، حتى كان عنترة وهو من شعراء الجاهلية يقول:
يا عبل أين من المنية مهربُ... إن كان ربي في السماء قضاها. (٣)
وقال ابن القيم:
وعلوه فوق الخليقة كلها... فطرت عليه الخلق والثقلان
لا يستطيع معطل تبديلها... أبدا وذلك سنة الرحمن
كل إذا ما نابه أمر يرى... متوجها بضرورة الإنسان
نحو العلو فليس يطلب خلفه... وأمامه أو جانب الإنسان. (٤)
стр. 617
* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:
*قول الجهمية:
وهم في هذا الباب طائفتان، جهمية معطلة، وجهمية حلولية: وهما يتفقان ويفترقان:
أ) أما وجه الاتفاق بينهما:
فهو في نفى صفة العلو عن الله- تعالى- بدعوى أن إثبات العلو لله -تعالى- يلزم منه القول بالحد والجهة، وهذه الأمور- حسب زعمهم- لازمها إثبات الجسمية، والأجسام حادثة، والله منزَّه عن الحوادث!! (١)
ب) وأما وجه الافتراق فهو في إثبات المكان:
فأما المثبتة وهم الجهمية الحلولية، فيقولون: "إن الله في كل مكان "، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
وأما النفاة وهم الجهمية المعطلة فقالوا:
أن الله منزَّه عن المكان والجهة، فلا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل.
وقد بلغ بالطائفتين أن لقبوا سلف الأمة المتمسكين بإثبات صفة العلو لله -تعالى- بلقب " الحشوية. (٢)
* وإليك بيان ذلك:
أ) الجهمية المعطلة:
ساروا على قاعدتهم في نفي صفات الله ، حيث إنهم أخلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ ، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن الله ليس في السماء وإنه ليس على العرش، ومن أقوالهم أيضاً: (إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، وإنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع)، وأكثر المعتزلة على هذا القول.
стр. 618
قال ابن حزم:
الله -تعالى- لا في مكان ولا في زمان أصلاً وهو قول الجمهور من أهل السنة!!، وبه نقول، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه؛ ولقوله تعالى ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان، إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطاً به من جهة ما أو من جهات، وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية. (١)
ب) الجهمية الحلولية:
وهم القائلون بالحلول العام (٢):
والمعنى أن الله بذاته في كل مكان، ونفوا كونه على عرشه، وهذا المذهب قد غلب على عُبَّادهم وصوفيتهم وعامتهم، وقال به النجارية من المعتزلة. (٣)
* ومن شبهاتهم في هذا الباب:
١ - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) (الأنعام: ٣)
٢ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) (المجادلة: ٧).
٣ - قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)) (الحديد: ٤)
* تنبيه:
يُلحق بالجهمية الحلولية في هذا الباب " المتصوفة الحلولية ":
وهم القائلون بحلول الله في كل مكان، وقد ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والرازي أيضًا
стр. 619
في بعض مصنفاته. (١)
وهؤلاء لهم جميعاً من بدع القول الكفرية والضلالات ما يستحيي القلم عن تسطيره، ونذكر من بعض أقوالهم لبيان قبح منهجهم وشؤم سيرتهم وسريرتهم:
١) قال داود بن علي: كان المريسي - لا ﵀ يقول:
" سبحان ربي الأسفل". (٢)
٢) ويقول الحلاج، وهو أول من قال بالحلول من المتصوفة في الإسلام:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا... ليس في المرآة شيء غيرنا
قدسها المنشد إذ أنشده... نحن روحان حللنا بدنا
لا أناديه ولا أذكره... إن ذكري وندائي يا أنا. (٣)
*ومن الجواب عليهم:
١) قول الجهمية بنوعيهم مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة
стр. 620
السليمة، كما تقدَّم ذكر ذلك في أدلة كل قسم من أدلة هذه الأقسام.
٢) في قول الرسول- ﷺ أين الله؟، تكذيب لقول من يقول:
هو في كل مكان، لا يوصف بأين؛ لأن شيئاً لا يخلو منه مكان؛ يستحيل أن يقال: أين هو، ولا يقال " أين " إلا لمن هو في مكان يخلو منه مكان. (١)
٣) وأما قولهم: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، فهذا مما قد أبطله النص والإجماع، فقد ثبت في الصحيح من أن النبي ﷺ لما خطب يوم عرفات، جعل يقول:
(وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»
قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الإشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية قد تواترت به السنن عن النبي ﷺ ، واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين. (٣)
٤) زعمكم حصر العلو في" علو الشأن وعلو القهر "هو في حقيقته تعطيل لدلالات النصوص الشرعية التى أفادت قسماً ثالثاً وهو علو الذات، وبهذا يحصل العلو المطلق في حق الله تعالى دون تقييد لنوع دون آخر، والقاعدة هنا:
" اعتبار الدلالات زيادة في الكمالات "
٥) قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
فيقال للجهمي: وكيف تجلى للجبل وهو في الجبل؟!!
وكذلك: لو أن الله لو كان في كل موضع، لكان متجلياً لكل شيء، ولجعلها دكاً كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكاً.
، وقال الله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور
стр. 621
ربها﴾ [الزمر: ٦٩]، فيقال للجهمي:
هل الله نور؟ فيقول: هو نور كله، قيل له: فالله في كل مكان؟ قال:
نعم، قلنا: فما بال البيت المظلم لا يضيء من النور الذي هو فيه، ونحن نرى سراجاً فيه فتيلة يدخل البيت المظلم فيضيء؟!!، فعندها يتبين لك كذب الجهمي، وعظيم فريته على ربه. (١)
٦) هذا القول الفاسد الباطل أشد كفراً ونفاقاً من قول النصاري، فإذا كان معتقد النصارى أن الله -تعالى- قد حلَّ فى المسيح ﵇، فقد جعل الجهمية الحلولية أن الله -تعالى - قد حل في كل مخلوقاته.
٧) لهذا القول الفاسد من اللوازم الباطلة ما يكفى لرده ودحضه، ومن ذلك أنه الله -تعالى - يحل أجواف العباد وأجسادهم، وأجواف الكلاب، والخنازير، والحشوش، والأماكن القذرة، تعالى الله عما يقوله أهل الزيغ والإلحاد علواً كبيراً.
٨) كل آية في القرآن تبين أن لله ما في السموات والأرض وما بينهما ونحو ذلك فإنها تبطل هذا القول؛ فإن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما إذا كان الجميع له وملكه ومخلوقه امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته؛ فإن المملوك ليس هو المالك والمربوب ليس هو الرب والمخلوق ليس هو الخالق؛ ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع لا يفرقون بينهما. (٢)
قال عبد الله بن المبارك:
نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، لا نقول كما قالت الجهمية. (٣)
٥) وأما قول الجهمية المعطلة:
" إن الله - تَعَالَى - ليس داخل العالم ولا خارجه ":
стр. 622
فهذا نفي للنقيضين، ويقول علماء المنطق "النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً "، فلا يمكن أن نقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمكن أن يكون داخل العالم وخارجه في نفس الوقت، فالنقيضان يستحيل في العقل ارتفاعهما معاً، كما يستحيل في العقل اجتماعهما معاً، بل لابد من ثبوت أحدهما وانتفاء الأخر. (١)
ولذلك قال أحد العقلاء لمن ادَّعى ذلك في الخالق:
ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تعتقده وبين المعدوم؛ لأنه الذي لا داخل ولا خارج ولا ولا هذا هو الذي لا وجود له.
٦) ولهذا القول الفاسد - قول الجهمية المعطلة - من اللوازم الباطلة ما يكفى لرده ودحضه، وذلك أن نفى قبول أحد الوصفين -الدخول والخروج- من شأنه أن ينفى إمكان وجوده، فضلاً أن يكون واجب الوجود، بل هذا يجعله من قبيل المعدوم الممتنع.
٧) ومن هذه اللوازم الباطلة:
قولكم إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه لأنهما من خصائص الأجسام!! ... مثله في البطلان كمثل قول الفلاسفة أن القيام بالنفس والقيام بالغير كلاهما منفى عن الله؛ لأنهما من خصائص الممكن، فكلاكما ينفي الإله حقيقة؛ إذ أن النفيين في ميزان العقل سواء. (٢)
*أما الرد على شبهاتهم:
فقد تأولت الجهمية قول الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فقالوا: إن الله معنا وفينا!!
* وجواب ذلك:
أن المعية في لغة العرب: معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف ما أضيفت إليه، فتقول العرب: لا زلنا نسير والقمر معنا، ويقول القائل: معي زوجتي، وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد.
فقوله تعالى- يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾،
ثم قال: ﴿مَا
стр. 623
يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادسهم﴾ يعني بعلمه ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم﴾ فعاد الوصف على العلم، وبيَّن أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها، فقد فتح الخبر بعلمه، وختم الخبر بعلمه. (١)
قال أبوسعيد الدارمي:
أنكم جهلتم معناها؛ فضللتم عن سواء السبيل، وتعلَّقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها؛ لأن الله افتتح الآية بالعلم، وختمها به؛ ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وبأعمالهم، لا بأنه نفسه في كل مكان معهم كما زعمتم، فهذه حجة بالغة لو عقلتم. (٢)
قال الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾
: هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا. قال أحمد: هذه السنة. (٣)
* والإجماع قائم على حمل هذه الآيات على معية العلم:
وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره (٤/ ٨).
قال أبو عمر:
علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله : ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله. (٤)
قال أبو عمرو الطلمنكي الأندلسي:
وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء. (٥)
стр. 624
وقال مالك:
"اللهُ تعالى في السماء، وعلمه في كل مكانٍ؛ لا يخلو منه شيء". (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل «القمر» آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر، وغير المسافر أينما كان. (٢)
قال ابن القيم:
وقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)) (الحديد: ٤)
من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارج عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه، فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علماً وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً، فهذا معنى كونه سبحانه " معهم أينما كانوا ". (٣)
*والحاصل مما سبق ذكره:
أن سياق هذه الأية التى شغبوا بها قد حدد المعنى المراد؛ واعتبار سياق الكلام مخصص لمدلولات الألفاظ، فالسياق كالنص في إفادة القطع وعدم قبول التأويل.
قال ابن القيم في النونية:
وأصغ لفائدة جليل قدرهَا... ... تهديك للتحقيق والعرفان
إِن الْكَلَام إِذا أَتَى بسياقه... يُبْدِي المُرَاد لمن لَهُ أذنان
أضحى كنص قَاطع لَا يقبل الـ.... تأْوِيل يعرف ذَا أولو الأذهان
فسياقه الْأَلْفَاظ مثل شَوَاهِد الـ..... أَحْوَال إنَّهُمَا لنا صنْوَان
стр. 625
* وعليه يقال:
أنه لا منافاة بين علوه -تعالى - وبين معيته لخلقه:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (١)
* وقد ضرب الإمام أحمد لرد ظاهر هذا التعارض مثالين، فقال:
لو أن رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صافٍ، وفيه شراب صافٍ، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله ـ وله المثل الأعلى ـ قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.
وخصلة أخرى:
لو أن رجلاً بنى دارًا، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون في جوف الدار، فالله ـ وله المثل الأعلى ـ قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو من غير أن يكون في شيء مما خلق. (٢)
* فالله - تعالى - مستوٍ على عرشه استواءً لائقاً بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة علواً كبيراً.
ألا ترى - ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل أنه ليس داخلاً في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها، والسماوات والأرض ومن فيهما في يده - تعالى - أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، مع أنه مستوٍ على عرشه. (٣)
стр. 626
* فإن قيل:
قد استشكل بعض المتكلمين المتأخرين ذلك وقالوا:
إن السلف وقع في كلامهم مادة من التأويل، وذلك في مسألة المعية، حيث قالوا في آيات المعية أنها معية علم!!
وجواب ذلك:
ظن المتكلمون أن هذا من باب التأويل، والأمر ليس كذلك؛ لأن التأويل باصطلاح أصحابه خروج عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لقرينة، أو خروج من حقيقة الكلام إلى مجازه، وآيات المعية ليس فيها خروج عن الحقيقة إلى المجاز؛ لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن.
*وإذا ما تنزلنا بأن هذا تأويل، فهنا أمران:
١) لو كان تأويلاً فما نحن تأولنا، وإنما السلف الذين وجب اتباعهم؛ فإن ابن عباس والضحاك ومالكاً وسفيان وكثيراً من العلماء قالوا في قوله ﴿وهو معكم﴾ أي علمه. ثم قد ثبت بكتاب الله والمتواترعن رسول الله ﷺ وإجماع السلف أن الله - تعالى - في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها وهو قوله ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [المجادلة ٧]
ثم قال في آخرها ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾ فبدأها بالعلم وختمها به ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله -تعالى - بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ويجازيهم عليه.
٢) التأويل هو المعنى المجازي للسياق، باصطلاح أهل التأويل، فما هو المعنى الحقيقي للسياق الذي خرجنا عنه؟
سيقال أن المعنى الحقيقى هو القول بالمعية على ظاهرها كما هو قول أهل الحلول والإتحاد، لأنه ظاهر السياق، وهذا مما لا يقال به لغة ولا عقلاً، بل المتبادر عقلاً والممكن عقلاً أن معية الله إنما هى معيتان:
أ) معية عامة:
وهى معية العلم، كما في قوله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد/٤)
стр. 627
ب) معية خاصة:
وهى معية الحفظ النصروالحفظ والتأييد، كما في قوله تعالى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة/٤٠)، وقوله تعالى (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)) (طه/٤٦) (١)
٢) ومن شبهاتهم:
قوله تعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) (الأنعام/٣)، وقوله تعالى
(وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) (الزخرف/٨٤)
فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات، وإله من في الأرض.
قال ابن عبد البر:
"فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، .... وقوله " وفي الأرض إله ": فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله. (٢)
وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إلهٌ يعبد في السماء، وإلهٌ يعبد في الأرض ". (٣)
قال أحمد:
إنما معنى قوله ﵎: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام: ٣] يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض. (٤)
فقوله تعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)
معناه: أن الله -تعالى- هو المألوه الذي تألهه القلوب، المعبود ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين في السماوات والأرض.
стр. 628
والألوهية: هي العبودية، والتأله: هو التعبُّد، وهكذا معناها الاصطلاحي، فكل كلمة إله في القرآن فإن المراد بها المعبود.
٣) ومن شبهاتهم التى شغَّبوا بها:
قوله تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد الآية /٣)!
قال محمد بن الحسين الآجري:
ومما يحتج به الحلولية، مما يلبسون به على من لا علم معه يقول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء؛ من حياة وموت، والآخر: بعد كل شيء؛ بعد الخلق، وهو الظاهر: فوق كل شيء -يعني ما في السموات- وهو الباطن: دون كل شيء يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. (١)
* قول الأشاعرة:
يعد الأشاعرة من نفاة علو الله تعالى، فقد شابهوا الجهمية المعطلة بنفى المكان عن الله تعالى، فقالوا أن الله لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه.
*وشبهة الأشاعرة فيما قالوه من نفى العلو أنهم قد جعلوا إثبات العلو ونفي التحيز تناقضاً، و جعلوا من لوازم إثبات علو لله -تعالى - أن يكون متحيزاً وذا جهة وحد يحده، فقالوا:
لو كان الله -تعالى- في جهة العلو بذاته لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم!!
قال الغزالى:
أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية. (٢)
стр. 629
وفي ذلك يقول صاحب الجوهرة: "ويستحيل ضِدُ ذى الصفات في حقه كالكون في الجهات " (١)
* الرد على الأشاعرة:
١) كل ما سبق ذكره في الرد على الجهمية المعطلة يقال هنا رداً على الأشاعرة. ٢) الاستحالة التى يبنى عليها الأشاعرة نفيهم لصفة العلو، والتى نص عليها صاحب الجوهرة ومن يسير على طريقته (٢)، هى استحالة عقلية اتخذها الأشاعرة ديناً حكماً على النصوص الشرعية، على طريقة " وما آتاكم العقل فخذوها، وما نهاكم عنه فانتهوا "
قال أبوالعباس ابن تيمية:
إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليلٌ عقليٌّ على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول- ﷺ إذا أخبرنا بشيءٍ من صفات الله- تعالى - وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقرّ بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنًا بالرسول، ولا متلقيًّا عنه الأخبار
стр. 630
بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيءٍ من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يُؤَوِّله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق». (١)
٣) من التناقض البّيِن فيما انتحله الأشاعرة في هذا الباب:
أنهم مع نفيهم لعلو الله عزوجل، تراهم يقرون أن الفطرة دالة على علوه، لذا فقد حمل هذا التناقض البيَّن جملة من كبار الأشاعرة على الرجوع عن هذا اللحن الجلى لنصوص الشريعة، وإن لم يكونوا قد رجعوا إلى الحق، ولكن يكفى تركهم للباطل. فقد ذكر محمّد بن طاهر المقدسي أن أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلّم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان.
فقال الشيخ أبو جعفر:
أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرووة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط:
يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي رأسه ونزل. وقال:
حيّرني الهمداني حيّرني. (٢)
* قلت:
وهذه ثمرة من اتبع قضية عقلية - زعموا- مخالفة للنقل والفطرة، بل وللعقل السليم، فلما كان طرحهم من عند غير الله -تعالى- وجدنا فيه اختلافاً كثيراً، وانظر ماذا فعل بهم هذا الترنح لما نفوا علو الله -تعالى - ثم زعموا إثبات رؤيته في
стр. 631
الآخرة من غير جهة، فجاءوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.
٣) ما ذهب إليه المتأخرون من الأشاعرة من قولهم بنفى الجهة عن الله - مع مخالفتهم لجماهير أهل السنة - قد خالفوا فيه إمامهم خاصة، وهو الإمام أبو الحسن الأشعرى الذى ذكرنا آنفاً نقله لإجماع أهل السنة على إثبات علو الله تعالى.
وكذلك خالفوا فيه أئمتهم المتقدمين أمثال: الباقلاني الذى قال بعلو الله -تعالى- على عرشه، وكذلك ممن صرح بإثبات العلو:
ابن كلاب وأبو الحسن الطبري تلميذ الأشعري والحارث المحاسبي.
وقد نقل ذلك عنهم كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه الذهبي وابن القيم، لتقزم بذلك الحجة على منأخريهم الذين خالفوا نهج أئمتهم فقالوا بنفى الجهة، كالغزالي والجويني والآمدي وغيرهم الذين أخذوا قول الجهمية والمعتزلة فى هذا الباب.
*وإذا كان أبو الحسن الأشعري و ابن كلاب موافقان للسلف في إثبات العلو، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة. (١)
* وأما قولهم:
أن لوازم إثبات علو لله -تعالى - أن يكون متحيزاً وذا جهة وحد يحده!!
لو كان الله -تعالى- في جهة العلو بذاته لأشبه المخلوقات، لأن ذلك يعني أن يكون الله في مكان، والمكان يقتضي التحيز والتجسيم، وهذه من خصائص المخلوقين، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق مجسم!!
* فالجواب أن يقال:
أما قولكم أن إثبات العلو لله - تعالى - يقتضي التحيز والحد والمكان، وهذه من خصائص المخلوقين!!
стр. 632
فيقال أولاً:
أن الله - تعالى - ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس،، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أن الذى ليس في مكان فهو عدم.
وقد صح في العقول، وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. (١)
*ثانياً:
قولهم هذا إنما ينبنى على عقول لم تعرف من الإثبات إلا تحقق المشابهة، ففرت من ذلك إلى التحريف والتعطيل، فما قدروا الله -تعالى - حق قدره.
فلا يتصور زعمهم باقتضاء العلو للتحيز والحد إلا في حق المخلوق، وأما الله -عزوجل - فلا سمَّى له، و لا نظير له.
وأى تحيز أو حد يتصور في إثبات علو الله عزوجل؟!!!
* تأملوا في عظم مخلوقات الله تعالى، فكيف بخالقها؟!!
قال ابن مسعود رضى الله عنه:
"رَأَى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ» (٢)
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ " (٣)
* وهل من عاقل يخطر بفكره أن قول الجارية أن الله -تعالى - في السماء يلزم منه أن السماء تظله أو تحويه؟؟!!!
قال تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، " فما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في الأرض الفلاة " (٤)، فإذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض، فكيف بالعرش؟! ثم كيف بمن فوق العرش ؟!!
стр. 633
* هذا خلق الله، فأرونى أى عقل جهول يتوقف افي إثبات صفات الله - كالعلو - خشية الوقوع فى القول بالتحيز أو التشبيه أو المماثلة؟!! وصدق الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
* وأما إطلاق لفظ المكان في حق الله تعالى:
إطلاق لفظ المكان في حق الله نفياً أو إثباتاً من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، بل ينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ، والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقاً وباطلاً، ولأهل العلم تفصيل في ذلك:
٢ - فقد يراد بالمكان أمر عدمي:
وهو ما فوق العالم من العلو، والله فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى.
وإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفياً أو إثباتاً، حيث أن النصوص قد انتهت إلى إثبات العلو المطلق في حقه ، وأنه مستوٍ على عرشه كما أخبر.
٢ - وقد يراد بالمكان أمر وجودي:
وهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه، والله منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار. (١)
* وبهذا التفصيل يتبين الوجهة عند من نفى من السلف المكان عن الله تعالى، كما ورد ذلك فى قول ابن حاتم السجزيّ:
" وعند أهل الحق أن الله - سبحانه - مباين لخلقه بذاته، فوق العرش بلا كيفية، بحيث لا مكان " (٢).
*وهل يصح إطلاق لفظ الجهة في حق الله تعالى؟؟
والجواب:
نقول أولاً:
أن لفظ " الجهة "مما لم يرد إثباته ولا نفيه في أدلة الشرع، ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، كما هو وارد في حديث الباب.
ثانياً:
ننظر إلى المعتقَد للقائل بالجهة:
стр. 634
أ) إن كان يعتقد أن الله - تعالى - في داخل المخلوقات، وتحويه المصنوعات، وتحصره السماوات، فهذا مبتدع ضال؛ فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء.
ب) وإن كان يعتقد أن الخالق -تعالى - بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من مخلوقاته، فإنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهذا مصيب في اعتقاده، موافق لسلف الأمة وأئمتها. (١)
وفي معنى الإثبات على الوجه الصحيح يقول الإمام القرطبي:
وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله - تعالى - كما نطق كتابه، وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه تعالى استولى على العرش حقيقة. (٢)
*ما ورد في طريقة أهل التحريف مع حديث الجارية:
عمد المخالفون لأهل السنة في هذا الباب إلى الخوض بالباطل حديث الجارية، بالطعن في صحته تارة، وبتحريفه تارة أخرى.
*وأما طنعهم في صحة الحديث:
فلا شك في بطلان هذه الدعوى؛ فهو حديث صحيح خرّجه جمع كبير من أئمة الحديث وحفّاظهم من طرق صحيحة كالشمس في واضحة النهار، ولكنَّ أهل البدع لا يعقلون، فيعلّون الحديث تارة بالاضطراب! وتارة بالشذوذ!! ولا اضطراب إلا في عقولهم، ولا شذوذ إلا في أفكارهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا به. (٣) ولا شك في بطلان هذه الدعوى،
стр. 635
قال ابن عدوان:
وقد جاء لفظ " الأين " من قول صادق... رسول إله العالمين محمد
كما قد رواه مسلم في صحيحه... كذلك أبو داود والنسائي قد. (١)
* وكذلك فقد عمدوا إلى تحريف الحديث تحريفاً لفظياً ومعنوياً:
*ومن التحريف المعنوى للحديث:
قالوا: إنما أراد الرسول- ﷺ بالسؤال بـ " أين " الاستفهام عن المكانة لا المكان، فيكون النبي ﷺ قد سألها عن المنزلة والرتبة في صدرها، كما يقال: أين فلان من فلان؟ وأين زيد منك؟ توسّعاً في الكلام، ولا يراد بذلك إلا الرتبة والمنزلة.
ويقول الإنسان لصاحبه أين محلي منك؟ فيقول في السماء يريد أعلى محل!!! فجعلوا السؤال بأداة " أين " التى يستفهم بها عن المكان ممتنعاً في حق الله تعالى؛ لأنها لازمها إثبات الظرفية. (٢)
وقد بيَّن ذلك ابن القيم في النونية:
وتقول أين الله والأين فممتنع...
عليه وليس في الإمكان
لو قلت من كان الصواب كما ترى... في القبر يسأل ذلك الملكان
أي: يقول الجهمي للرسول ﷺ إنك تقول أين الله؟ والأين ممتنع على الله تعالى ومحال، وليس بممكن، والصواب أن تقول:
من الله؟ كما يسأل الملكان في القبر الميت فيقولان: من