← Акыда

Акыда · id 192

الأربعون العقدية

أيمن إسماعيل

Полный текст (1 126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تَؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر. وقد نص الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في كتاب التوحيد، باب "مَن تبرَّكَ بشجر أو حجر ونحوِهما": "فيه مَسائلُ: أن الشرك فيه أكبرُ وأصغرُ؛ لأنهم لم يرتدُّوا بهذا" اهـ. قلتُ: فهذا نصٌّ من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر. (١) *فإن قيل: فإنْ كان سؤالهم من الشرك الأصغر، فلِمَ قال ﷺ : «قلتم كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»؟ فالجواب عن ذلك: أن ذلك مِن قَبِيلِ الاستدلال بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، كما قال حُذَيْفةُ -رضى الله عنه- لمّا رأى رجلاً في عَضُدِه خَيْطٌ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أو يقال: إن ذلك مِن باب ما يَؤول إليه الأمرُ، كما في قوله ﷺ -للرجل الذي قال له: "ما شاء اللهُ وشِئْتَ"، فقال ﷺ : «أجعلتَني للهِ نِدّاً؟» وهذا من باب ما يَؤول إليه الأمرُ. (٢) قال الشّاطِبِيّ: "قول النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمّتي بما أخذ القرونُ مِن قَبلِها» يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به في الأعيان أو الأشباه. والذي يدل على الثاني (أي: الأشباه): قولُه لمن قال: "اجعل لنا ذات أنواط": «هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهاً﴾»؛ فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يُشْبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بعينه؛ فلذلك لا يَلزم في الاعتبار بالمنصوص عليه أن يكون ما لم يُنَصَّ عليه مِثْلَه من كل وجهٍ، والله أعلم". (٣)

стр. 72

*قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ: "قوله ﷺ : «قلتم كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنها السُّنن لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم»، فأنكرَ النبيُّ ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحَهم؛ فكيف بما هو أعظمُ من ذلك مِن مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟!! " (١). ** ونختم فوائد هذا الحديث بذكر صفة تتعلق بحديث الباب، وهي صفة التَّبارُك لله تعالى: صفةٌ ذاتيّةٌ. وفعلية لله . وقولنا: "تَبارَكَ اللهُ" أي: تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعالَى وتَعاظَمَ. لا تكونُ هذه الصِّفةُ لغيرِه، أي: تَطَهَّرَ. والقُدْسُ: الطُّهْر. (٢) ثابتةٌ. بالكتاب. والسّنّة: ·الدليل. من. الكتاب: الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. ٢ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. ·الدليل من السنة: حَديث أبي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- مرفوعاً: ... «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى -وَعِزَّتِكَ- وَلَكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». (٣) قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما صفتُه تبارك فمُخْتصّةٌ به تعالى كما أطلقَها على.

стр. 73

نَفْسِه... ". (١) وقال ﵀ بعد أن ذكرَ عِدّةَ تفسيراتٍ لمعنى "تَبارَك": "وقال الحُسينُ بنُ الفَضْلِ: تبارَك في ذاته، وبارَكَ مَن شاءَ مِن خَلْقِه. وهذا أحسنُ الأقوالِ، فتبارُكُه -سُبحانَه- وصْفُ ذاتٍ له، وصِفَةُ فِعلٍ... ". (٢) ** أنواع البركة: البركة نوعان: أ) النوع الأول: بركةٌ هي فِعله ، والفعلُ منها: بارَكَ. ويَتَعدَّى بنفسه تارةً، وبالحرف "عَلَى" تارةً، وبالحرف "فِي" تارةً. والمفعول منه: مُبارَكٌ، وهو: ما جُعل كذلك، فكان مبارَكاً كما يَجعلُه تعالى. ب) النوع. الثاني: بركةٌ تُضاف إليه إضافةَ الرحمةِ والعِزّةِ، والفِعل منها: تَبارَكَ؛ ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يَصلُحُ إلا له ، فهو سُبحانَه المُبارِك، وعَبْدُه ورسولُه: المُبارَك، كما قال المَسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١]؛ فمَن بارك الله فيه وعليه فهو المُبارَك. وأما صفته تعالى فمختصّة به تعالى، كما أطلقها على نفسه بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. (٣) تم بحمد الله

стр. 74

المجلس الثالث * الصنوان في حكم من أتى العرافين والكهَّان*

стр. 75

نَصُّ حديث الباب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » أخرجه أحمد (٩٥٣٢) والترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤). (١) * الفوائد المتعلِّقة بحديث الباب: الفائدة الأولى: الفرق بين العَرَّاف والكاهِن: وقع نوعُ خلافٍ بين العلماء في التفريق بينهما، ولكن الحاصل: أنَّ العَرَّاف هو من يسعى للوصول إلى بعض الأمور الغائبة، كشيء مسروق أو شيء غائب، مستخدِماً

стр. 76

في ذلك الحدسَ والتخمين، مثل: قراءة الكَفّ والفنجان، أو رسم الخَطّ على الرِّمال. وأما الكاهن فهو الذي يستطلع الأمور الغيبية من الغيب النِّسْبيّ؛ وذلك عن طريق مُسْتَرِقِي السمع من الجِنّ الذين يأتون الكُهّانَ بالأخبار. - قال الخطابي: "الكاهن إنما يَتَعاطى الخبرَ عن الكوائن في مستقبَل الزمان، ويدّعي معرفة الأسرار، والعَرّاف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضّالّة، ونحوهما من الأمور". (١) ... الفائدة الثانية: قصة الْكُهَّان: كان الكُهَّان منتشرينَ في جزيرة العرب قبل البعثة النبوية، وكان لكلِ كاهنٍ رَئِيٌّ من الجن يأتيه بالخبر من السماء، وقد ذكرَ الله -تعالى- عن الجن قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩]، فإذا ما أوحى الله -تعالى- لملائكته الأمرَ من الوحي صَعِدَ الجنُّ ليَسْتَرِقُوا أخبارَ السماء؛ فتُرسَلُ عليهم الشُّهُبُ لتُحرقهم، فمن لم تُصِبْه الشهبُ ألقى إلى الكاهن الكلمةَ من الصِّدْقِ، فيَزيد عليها الكاهنُ مئة كَذْبةٍ، كما قال : ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، فالجن يُلقون إلى الكَهَنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة ﴿كَاذِبُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يَخْلِطون ما يستمعون بِكذبٍ كثيرٍ. (٢) وقد ورد في حديث النبي ﷺ : «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ». (٣) ** قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ: "قد عَلِم الخاصّةُ والعامّة بالتجرِبة والتواتُر أنَّ

стр. 77

الأحكام التي يحكُم بها المنجِّمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، والمنجِّمون قد خاطبتُهم بدِمشق، وحضرَ عندي رؤساؤهم، وبيَّنتُ فسادَ صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، وقال رئيسٌ منهم: واللهِ إنّا نَكذب مئة كَذْبةٍ حتى نصدق في كلمة". (١) قال القُرطُبيّ: "كان الجن يَقعُدون مَقاعِدَ لاستماع أخبار السماء، وهُمْ المَرَدةُ من الجن؛ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكَهَنة، فحرسَها الله بالشهب المُحْرِقة، فقالت الجن حينَئذٍ: ﴿... فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] ". (٢) - وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].

стр. 78

- قال قَتادةُ: "خُلقت النجوم لثلاثٍ: ١ - زينة للسماء. ٢ - وهداية للناس. ٣ - ورُجوماً للشياطينِ". (١) ** ووردَ بيانُ ذلك مفصَّلاً في رواية أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقّاً، ... لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». (٢) * وفي رواية عائشةَ ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الملائكة تتحدث في العَنانِ -والعَنانُ: الغَمامُ- بالأَمْرِ يكونُ في الأرضِ، فتستمعُ الشياطينُ، فتَقَرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما تُقَرُّ القارُورةُ، فيَزيدون معها مئةَ كَذْبةٍ». (٣) ** ومثال ذلك في قصة ابن صَيّادٍ: عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ، وَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَرَى عَرْشاً عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ. وَمَا تَرَى؟» قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِباً -أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقاً-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ»،

стр. 79

ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (١)؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». (٢) ... مما سبق يَتبين أنَّ: الجن كانوا قبل البعثة النبوية يسترِقون السمع. وقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول ﷺ : ١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول ﷺ ، ولذلك زالت الكِهانة. ٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باقٍ بعد مبعثه ﵊.

стр. 80

* والقول الراجح -والله أعلم-: أن استراقهم باقٍ بعد بعثة الرسول ﵊، وكذلك رميُهم بالشهب كان واقعاً قبل مبعث الرسول ﷺ ، ولكنه لم يكن في الشدة مثل ما كان بعد بعثته؛ وهو ما رجحه ابنُ كَثير والقُرطبيّ وغيرهم. ** ومما يدل على ذلك: ١) قوله -تعالى-: ﴿... فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]. قال ابن كَثير معلقاً على الآية السابقة: "وقد كانت الكواكب يُرمى بها قبلَ ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان". (١) وقال القُرطُبيّ: "والقول بالرمي أصحُّ؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]. وهذا إخبار عن الجن أنه زِيدَ في حَرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم". (٢) ٢) وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْراً سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ...». قَالَ: «فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضاً، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاءُوا

стр. 81

بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ». (١) فدل الحديث أنّ سعي الجن لاستراق السمع ورمْيَهم بالشهب لم ينقطع بالبعثة النبوية. ٣ - الفائدة الثالثة: إتيان الكُهَّان والعَرّافينَ: نقول: الأصل العام الذي ورد في هذا الباب هو النهي عن إتيان الكهّان. عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمُوراً كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ». (٢) وهذا النهي الأصل فيه التحريم، فهؤلاء الكهان -فيما عُلم بشهادة الامتحان- قومٌ لهم أذهان حادّة، ونفوس شِرِّيرة، وطَبائعُ ناريّة، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات. ويختلف الحكم في ذلك بحسب حال من أتى العرَّافين والكَهَنة، وذلك على حالات: ١) الحالة الأولى: أن يأتى رجلٌ الكاهنَ ليكشف كذبه وتدليسه وتزييفه؛ فهذا أمر مستحب من باب قوله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فلْيغيِّره...»، فهذه الحالة مستحبة، بل قد تكون واجبة إذا ما انتشر فساد الكهان والعرّافين في بلدٍ ما، فأمَّهم الناسُ من كل مكان، فصاروا فتنة في بلاد المسلمين. ** ومما يدل على مشروعية ذلك-مع الأدلة العامة-: أن النبي ﷺ قد أتى ابن صيَّاد ليبيِّن كذبه وتدليسه، وقد سبق قريباً رواية الحديث. ** وكذلك كان يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مناقشته ومناظرته للبطائحية، والرفاعية، وغيرهم، وقال لهم لما دخلوا في النار، وزعموا أن أجسادهم لا تحترق

стр. 82

وكانوا قد طَلَوْا أجسادهم بالدهن: اغسلوها ثم ادخلوها لو كنتم صادقين، فبيّن عوارهم، وكشفَ دجلهم وباطِلهم أمام الناس مجتمعينَ. ** فمن كان عنده من العلم ما يمكّنه من نصح هؤلاء العرَّافين والدجالين، فتَواصَلَ معهم، أو أتاهم في أماكنهم لينكر عليهم ويبين لهم حكم الشرع فيما يفعلون- لم يكن ذلك إتياناً محرماً؛ بل هو مشروع مأمور به في حق القادر عليه، إما وجوباً، وإما استحباباً، أيّاً كانت وسيلة التواصل معهم. ٢) الحالة الثانية: أن يأتي رجلٌ الكاهنَ فيسأله عن شيء مجرد السؤال، دون أن يصدقه؛ فهذا محرم وكبيرة من الكبائر، وقد رتب عليها الشرع وعيداً كبيراً. روى مسلم عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (١)، وهذا وعيد شديد، فالجرم العظيم الذي وقع فيه هذا الذي ذهب إلى العرَّاف قد عادل ثواب الصلاة في أربعين صباحاً، فأسقطَه، وذلك مع كون الصلاة صحيحة. (٢) ** إذن فمعنى قوله- ﷺ : «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ...»: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها المرء على وجهها الكامل ترتَّبَ عليها أمران: الأول: سقوط المطالبة، وبراءة الذمة. الثانى: ترتُّب الأجر عليها.

стр. 83

فالأول لا يكون إلا بتوافر الشروط، والثانى لا يكون إلا بانتفاء الموانع. (١) ففي هذا الحديث قد أتى المرء بشروط الصلاة، فقُبلت منه، وبرئت بها الذِّمّة، وسقط بها الطلب يومَ القيامة، فلا يطالَب بها يوم القيامة مطالَبةَ مَن تركَ الصلاة (٢)، لكن -مع استيفائه للشروط- قد قام المانع من تحقق الثواب عليها، ألا وهو سؤاله للعرَّاف. ** قال النووي: "وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجْزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، فالواجبات إذا أُتِيَ بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب؛ ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادةُ صلواتِ أربعينَ ليلةً؛ فوجبَ تأويله، والله أعلم". (٣) قال ابن القيم: وصلاة من أتى عرافاً فصدَّقه فإن البعض قد حقق أن صلاته لا تقبل، ومع هذا فلا يؤمر؛ لأن عدم قبول صلاته إنما هو في حصول الثواب، لا في

стр. 84

سقوطها من ذمتهم. (١) لذا فإن مذهب أهل السنة أن السيئات لا تُبطل الحسنات، ولا يُحبطها شئ إلا الكفرُ، وأن المراد بمعاقبته بترك قبول صلاته، هو قبول الرِّضا، وتضعيف الأجر، لا قَبول الأداء وسقوط العهدة. (٢) ... وتأملْ: إذا كان هذا حال السائل، فكيف بحال المسئول؟!!! ٣) الحالة الثالثة: أن يأتيَ الكاهنَ فيسأله، ويصدقه بما أخبر به؛ فهذا كفر بالله لأنه قد صدَّقه في دعوى علمه الغيبَ؛ والتصديق لدعوى علم الغيب تكذيب لقول الله-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥]، ولهذا جاء في حديث الباب: «من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفرَ بما أنزل على محمد- ﷺ ». (٣) قال الإمام البدر العينتابي (٨٥٥ هـ) في شرح حديث المفاتيح: "مَن ادّعى أنه يعلم

стр. 85

شيئاً من هذه الخمس-مفاتيح الغيب-فقد كفر بالقرآن العظيم". (١) والقاعدة. هنا: "كل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا في الله فقد وقعَ في الكفر الأكبر". ... واعلم أنَّ الغيب على قسمين: ١) القسم الأول: الغيب المطلق (متعلِّق بالخالق): وهو الغيب الذي يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا مما قد استأْثَرَ اللهُ به لنفسه، ولم يخبر به أحداً من خلقه. قال-تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ...﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥] فلما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كانت جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب-غيرَ الوحي-من. الضلال. المبين. (٢) *ومن ذلك: قوله -تعالى- لنبيه ﷺ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ...﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك قوله ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ...﴾ [الأعراف: ١٨٨]. ** عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ» (٣). ** وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً

стр. 86

مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ...» (١). ** وفي حديث جبريل ﵇ لما سأل النبيَّ ﷺ عن الساعة، قال النبي ﷺ : «ما المسئولُ عنها بأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ». وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن الملائكة لا يعلمون متى الساعةُ. ... ** ولما سمع النَّبِيُّ ﷺ جاريةً تقول: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدِ" قَالَ لها ﷺ : «دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ؛ ما يَعلمُ ما في غَدٍ إلا اللهُ» (٢). ٢) القسم الثاني- الغيب النسبي) متعلق بالمخلوق): وهو الذي يتعلق بالمخلوق، أي: يعلمه بعض المخلوقين ولا يعلمه بعضهم، فيكون بالنسبة لك غيباً، وبالنسبة لغيرك معلوماً، فهذا إنما يُسمى غيبٌ بالنسبة للجاهل به الذي لا يعلمه، وليس بغيبٍ للذي يَعلمه. ** ومثال ذلك: في قول عيسى ﵇ لقومه: ﴿... وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...﴾ [آل عمران: ٤٩]. ** والآيات في ذلك كثيرة، ومنها ما يلي: الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يَعلم بها، لذلك قال الله -تعالى- للنبي ﷺ : ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ...﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وفي قوله: ﴿... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ...﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب علماً كليّاً، وإنما كان يعلمه علماً

стр. 87

جزئيّاً في حدود ما أطلعَه الله - تعالى- عليه. فالله يوحي إلى الرسل ما يشاء، كما أوحى إلى نبينا ﷺ أشياء كثيرة من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان من الدجال ونزول المسيح، وهدم الكعبة، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما يكون في آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب أوحى الله إلى نبيه ﷺ ، فعلمنا إياه وصار معلوماً للناس، وهكذا ما يعلمه الناس من أمور الغيب عند وقوعه. ** وفي قصة موت سليمان ﵇ قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. (١) قال قَتادةُ: "... لو كان أحدٌ يَعلم الغيب لَعَلِمَ الجنُّ حيثُ مات سليمان ﵇ فلَبِثَتْ تَعملُ حَوْلاً في أشدِّ العذاب، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خَرَّ تبيَّنتِ الجنُّ أنْ لو كانت تعلم الغيبَ ما لَبِثوا في العذاب المُهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك، أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غدٍ؛ فابتلاهم الله بذلك". (٢) * ومن خلال ما سبق مِن ذِكر أقسام الغيب، يكون حُكم من ادَّعى علم الغيب

стр. 88

ومَن صدَّقه في ذلك على تفصيل: ١) من ادَّعى علم الغيب المطلق فقد كفرَ؛ لأنه مكذب لله ، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله قد حجبَ عن نبيه ﷺ علم الغيب، فهل أنتم تعلمونه؟! كذلك فإن علم الغيب هو من اختصاص الله ، فمن ادّعى معرفته فقد جعل نفسه شريكاً لله-تعالى-في ذلك! ** كذلك يقال هنا: "لمَّا تَمَدَّحَ -سُبحانَه- بعلم الغيب واستأثَرَ به دُونَ خَلْقِه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعَهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعلَه معجزة لهم، ودلالة صادقة على نُبوّتهم، وليس المنجِّم ومَن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير- ممن ارتضاه من رسول فيُطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه". (١) ** ومن اعتقد في منجم أو رَمَّال أنه يعلم الغيب فهو مشرك بالله؛ وذلك لأنه اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله . * قال السعدي: "فإن الله -تعالى- هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكِهانة أو عِرافة أو غيرهما، أو صدّقَ من ادّعى ذلك، فقد جعل لله شريكاً فيما هو مِن خصائصه، وقد كذَّب اللهَ ورسولَه". (٢) ... فالذي أُنزِل على محمد هو قول الله -تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى طرق الحَصْر; لأن فيه النفي والإثبات; فالذي

стр. 89

يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا اللهُ فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة؛ وإن كان جاهلاً ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكُفرُه كفرٌ دونَ كفرٍ. (١) ٢ - أما من ما ادَّعى علم الغيب النسبي: كحال الكهّان والعرَّافين الذين يدَّعون معرفة الأمور الواقعة بين الخلق وغيرها، فإنهم لا يصلون إلى ذلك إلا إذا تقرَّبوا للجن بالعبادات والذبح والنذر وغيرها من الطرق الشركية. يقول الشيخ السِعدي: "كثير من الكِهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله". (٢) ** ومن الصور المعاصرة لِما يسلكه مَن يدعي علم الغيب: ما يفعلونه عن طريق " قراءة الكف" أو "النظر في الفنجان" أو "رسم الخط على الرمال" أو "قراءة الأبراج" كبرج الثور وبرج العقرب وغيرها، ويزعمون بأن من وُلد في برج الثور مثلاً سيحدث له كذا، ويسافر إلى بلاد كذا، ونحوه مما فيه ادعاء علم الغيب. (٣) *وممَّا يُلبِّسون به على العامة: ترى طائفة من المنجِّمين المعاصرين الذين يستخبرون عن تواريخ مواليد الناس لربط ذلك بالأبراج، زعماً منهم وُجودَ علاقة تأثير بين الأحوال الفلكية والحوادث

стр. 90

الأرضية. وما هؤلاء إلا ضرب من الكهانة، اختلفت أشكالهم وتوافقت مَشارِبُهم. وكثير من المسلمين قد تعلَّقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، ولا شك أنّ من ادَّعى علم الطالع، أو ادّعى العلم بقراءة الكف- كاهن عرَّاف مكذِّب لله ورسوله. وغالب حال هؤلاء من الكهَّان والمنجِّمين يأتون بأخبار الناس من خلال استخدامهم للجن الذين يأتونهم بالأخبار التى تتعلق بالغيب النسبي. قال -تعالى-: ﴿... وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا...﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والمعنى: تمتَّعَ كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفعَ به. فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وتعظيمه واستعاذته به، فيفعل الإنسي ما يُمليه عليه الجني من إهانة القرآن وكتابته بالدم ونحو ذلك. والإنسي يستمتع بخدمة الجِنّي له ببعض شهواته، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، فيأتيه بالأخبار الغائبة عن بعض الناس. ** فلْيحذرِ المرء من هذه الأفعال التى تُحبط عمله من حيث لا يدري! * فمن طالعَ هذه الأبراج التى تنتشر على المجلات أو مواقع الشبكة العنكبوتية فقد وقع بين واحد من هذه المحظورات: أ) اعتقاد التأثير: أن يعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخَلق وأفعالهم، والاعتقاد بأنّ برجاً معيناً من النجوم هو الذي يجلب الحظ أو النّحس؛ فهذا اعتقادٌ شركيّ مخرج من الملة، ومُعتقِد ذلك مشرك؛ فقد جعل مع الله -تعالى- من يخلق أفعال العباد، واعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله. ب) اعتقاد السببية: بأن يعتقد بوجود عَلاقة سببية بين ما يقع له من خير أو شر وبين مواقع الأبراج واختلاف توقيتاتها الزمنية، وصاحب هذا الاعتقاد واقع في الشرك الأصغر؛ فكل من اتخذ سبباً لم يشرعه الله ورسوله ﷺ سبباً فقد وقع في الشرك الأصغر، قال

стр. 91

-تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ...﴾ [الشورى: ٢١]. **قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والله -سبحانه- قد جعل في النجوم من المنافع لعباده وسخرها لهم ومن منافعها الظاهرة ما يجعله -سبحانه- بالشمس من الحَرِّ والبرد والليل والنهار، وإنضاج الثمار، وخلق الحيوان والنبات والمعادن، وكذلك ما يجعله بها من الترطيب والتيبيس وغير ذلك من الأمور المشهورة، كما جعل في النار الإشراق والإحراق، وفي الماء التطهير والسقي، فمن قال من أهل الكلام إنّ الله يفعل هذه الأمور عِنْدَها لا بها، فعِبارتُه مخالفة لكتاب الله-تعالى-والأمور المشهورة، كمن زعمَ أنها مستقلة بالفعل هو شرك مخالف للعقل والدين". (١) جـ) وإما أن يكون قد فعل ذلك من باب التسلية: فيقع تحت قول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٢). ووالذي نفسي بيده فإن من ادّعى أنه يفعل ذلك من باب التسلّي فسَيَجِدُ تأثيراً لما قرأَ على قلبه -ولا مَحالةَ- فالقلوب ضعيفة. ... وتعظم الفتنة حينما يتوافق ما قرأَه مع ما قدّرَه الله-تعالى-: في بعض الأحيان قد يَصْدُقُ كلامُ الأبراج، ويكون هذا الأمر فتنة وامتحاناً، وليس دليلاً على صدقهم ولا على إبطال الشرع؛ فإن الدجال الأكبر يقول للسماء: أَمطري، فتُمطر، وللأرض: أَنبتي، فتُنبت، وللخَرِبة: أَخرجي كنوزك، فتُخرج كنوزها، تتبعه، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شِقَّيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فيقوم، ومع هذا فهو دجال، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وقال: "يكون لأحدهم القرينُ من الشياطين يخبره

стр. 92

بكثير من المغيَّبات بما يستَرِقُه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب". فالواجب عدم التعلُّقِ بقول هؤلاء، فَمَنْ تَعَلَّقَ بأقوالهم وَكَلَهُ اللهُ إليهم، وحَرَمَهُ مِن توفيقه وهدايته! د) وإما أن يكون قد فعل ذلك مصدِّقاً لكلام الكاهن أو العرَّاف: فيكون قد وقعَ تحت قوله ﷺ : «مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (١). * وهذا الكفر يختلف بحسب حال السائل: أ) إن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب المطلق، فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة. ب) وإن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب النسبي، فقد وقع في الكفر الأصغر. * ثم يقال أيضاً: من التناقض البيِّن: الاعتقاد أنّ لمواليد كلّ برج صفاتٍ وخصائصَ متماثلة متفقة؛ فإنّه يولد في كلّ ساعة الآلاف من البشر في العالم، ولم يَثبُت أنّ هؤلاء يحملون الصفاتِ نفسَها، فكيف يستقيم كلام المنجِّمين باتفاق خصائص مواليد الشهر نفسه أو البرج نفسه؟! * قال الشيخ علي الملا القاري: "ومما يدل على فساد قولهم: أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودَيْنِ وُلدا في وقت واحد؛ أليس يجب تساويهما في كل وجه، ولا تمييز بينهما في الصورة والقَدّ والمَنظر، وحتى لا تصيب أحداً نكبةٌ إلا أصابَ الآخرَ، وحتى لا يفعل هذا شيئاً إلا والآخرُ يفعل مِثلَه؟ وليس في العالَمِ اثنانِ هذه صفتُهما". (٢) * وكذلك ظهر اختلاف المنجّمين في الأبراج التي يبنون عليها أحكامهم من عدّة وجوه؛ منها: أعداد البروج، وأسماؤها، ومدّة كلّ منها، ودلالاتها على خصائص

стр. 93

المولودينَ فيها، وغير ذلك. وقد ذكر أحد علماء الفلك أن مسألة الأبراج تعبر عن حقيقة واحدة فقط، وهي كمية الغباء الموجودة عند المنجِّمين؛ وذلك لأن عدد الأبراج اثْنَا عَشَرَ بُرجاً، يبدأون دائماً ببرج الحمل، وينتهون ببرج الحوت. وفي الواقع أن الشمس كانت في برج الحمل، وذلك قبل الميلاد بنحو ألف سنة؛ والآنَ الشمس واقعة في برج الحوت؛ فجماعة المنجمين لا يعلمون هذا الموضوع، فهل سينجِّم المنجِّمون بناءً على ما كان قبل ألف سنة أم بعد ذلك؟!! **وقال: إن الصِّحافة العالمية المرموقة -على حَدِّ تعبيره- تَخجل من وضع صفحة مثل (حظك اليوم)، إنما نجد ذلك في الصحافة المتخلفة أو في الكتب المتخلفة فحسْب. * فرع: حكم تعلّم "علم التنجيم ": تعريف "علم التنجيم": التنجيم هو أحد أقسام الكِهانة؛ ولذا يسمي بعضهم المنجِّم كاهناً. وقد اتخذ المنجِّمون علم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب وادعاء علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان كأوقات هبوب الرياح ومجيء الأمطار وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تُدرَك بمعرفتها مسير الكواكب والنجوم. (١) ** وأما حكم تعلم هذا النوع من العلوم فهو على قسمين: ١ - القسم الأول: علم التأثير. ٢ - القسم الثاني: "علم التسيير". ١) أما القسم الأول: فهو ما يُبنى على ادعاء علم الغيب وربط الأشياء وتأثيرها

стр. 94

بالتنجيم، والاستدلال بالأحوال الفلكية على الأحداث الأرضية، وهو ما يسمى "علم التأثير"، فهو محرَّم، وهو ضَرْبٌ من السحر، عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله- ﷺ : «مَن اقتبسَ عِلماً مِن النجومِ اقتبسَ شُعْبَةً مِن السِّحْرِ، زادَ ما زادَ». (١) وقد نصَّ الرافعي والنووي وغيرهما على أن تعلّم السحر وتعليمه حرام، ودرجاته متفاوتة، وهذا إن لم يحتج في تعليمه إلى اعتقادٍ هو كُفرٌ، وأما فِعله فيحرم إجماعاً، ومن اعتقد إباحتَه كفرَ، ولا يظهر السحر إلا على فاسق. فهذا القسم يحرم تعلمه؛ لأنه ينبني على دعوى علم الغيب، وهذا من الكفر المخرج من الملة. (٢) *فالمحرَّم من علم النجوم إنما هو ما يزعم به أصحابه الاستدلالَ على الحوادث الأرضية، فيستدل مثلاً باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا؛ وهذه أمور بيِّنة البطلان، فإن الأحوال الفلكية لا عَلاقة بينها وبين الحوادث الأرضية، كما أن قيام المنجّم بالاستدلال على الحوادث والوقائع عن طريق حركات النجوم هو من جنس الاستقسام بالأزلام، وقد قال-تعالى-في ذكره للمحرَّمات: ﴿... وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ...﴾ [المائدة: ٣]، وقد ورد في حديث الصحيحينِ، حديث زيد بن خالد عن النبي- ﷺ -مرفوعاً: «مَن قال: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ». (٣) فمثل هذا النوع من علم النجوم قد حرّم الشرع تداوُلَه وأخْذ الأجرة عليه: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ

стр. 95

الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (١) وحُلْوان الكاهن: هو ما يُعطاه على كهانته. وقد نقل البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه؛ لنهيه ﷺ عنه. ** قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز للإمام أن يعطيَ أحداً لأجْل منفعةٍ محرمةٍ، كعَطِيّة العرَّافين من الكهان والمنجِّمين ونحوهم". (٢) وقال ﵀ ذامّاً هؤلاء المنجِّمين: "فإنّ هؤلاء المَلاعينَ يقولون الإثم ويأكلون السُّحْت بإجماع المسلمين، وثبتَ عن النبي ﷺ برواية الصِّدِّيق عنه أنه قال: «إنّ الناس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ ولم يُغيِّروه أَوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ منهُ»؛ وأيُّ منكرٍ أنكرُ مِن عملِ هؤلاء الأَخابثِ، سُوسِ المُلْكِ، وأعداءِ الرُّسُلِ، وأَفْراخ الصابِئة عُبّادِ الكَواكِبِ؟!! ". (٣) قال الماوردي: "ويَمنع المُحْتَسِبُ مَن يكتسب بالكِهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخِذ والمُعطي". (٤) قال ضياء الدين القرشي: "وأما المنجِّمون فقد وردت أحاديث دالة على النهي عن الاشتغال بهذا العلم، وهو ليس علماً يُعتمد فيه على شيء، بل جعلوه أُحْبُولةً لأخذ الرزق؛ وحينئذ يؤخذ عليهم ألا يجلسوا في دَرْبٍ، ولا زقاق، فإنّ معظم من يجلس عندهم النِّسْوانُ، وقد صار في هذا الزمان يجلس عند هؤلاء الكتاب

стр. 96

والمنجَّمين مَن لا له حاجة عندهم من الشباب وغيرهم، وليس لهم قصد سوى حضور امرأة تكشف نَجْمها أو تكتب رسالة أو حاجة لها، فيُشاكلها ويتمكن من الحديث معها بسبب جلوسه وجلوسها، ويؤدي ذلك إلى أشياء لا يَليق ذِكرُها؛ ولو وجد أحداً يفعل ذلك عُزِّرَ ليَرتَدِعَ به غيرُه". (١) ٢) القسم الثانى: ما يُحتاج إليه لمعرفة ما يُدرَك بالمشاهدة كمعرفة ظِلّ الشمس وجِهَةِ القِبْلة ونحو ذلك؛ فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمى "علم التسيير". وقد رخَّصَ في تعلُّم المنازل أحمدُ وإسحاقُ، وروى ابن المنذر عن مجاهد: "أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر". *قال ابن رجب: "المأذون في تعلمه: علم التسيير، لا علم التأثير؛ فإنه باطلٌ محرَّمٌ قليلُه وكثيرُه، وأما علم التسيير فيُتعلم ما يُحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزٌ عند الجمهور". (٢) قال ابن بطة: وأمر النجوم على وجهين: فأحدهما واجب علمه والعمل به، فأما ما يجب علمه والعمل به فهو أن يتعلم من النجوم ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر، ويعرف به القبلة والصلاة والطرقات، فبهذا العلم من النجوم نطق الكتاب ومضت السنة. وأما ما لا يجوز النظر فيه

стр. 97

والتصديق به، ويجب علينا الإمساك عنه من علم النجوم فهو أن لا يحكم للنجوم بفعل، ولا يقضي لها بحدوث أمره كما يدعي الجاهلون من علم الغيوب بعلم النجوم، ولا قوة إلا بالله. (١) قال البربهاري: وأقلَّ النظر في النجوم، إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واَلْهَ عمَّا سوى ذلك، فإنه يدعو إلى الزندقة. (٢) * وعلى هذا يقال: ما يُنقل عن أحوال الطقس كلَّ يوم: ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفِضات والمرتفِعات والرياح، وليس في ذلك شبهٌ بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمورٍ حسّيّة. (٣) تم بحمد الله

стр. 98

الحديث الرابع: بلوغ العلم شرح حديث أول ما خلق الله القلم

стр. 99

** نص حديث الباب: قالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عُبَادَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلُ فِيهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي. فَقَالَ: أَجْلِسُونِي. فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَطْعَمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَلَنْ تَبْلُغَ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ مِنْ شَرِّهِ؟ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ. يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ... «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». ... تخريج الحديث: أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩٢)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وابن أبي عاصم في السّنّة (١٠٧). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". والحديث قد صححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع (٢٠١٨) والسلسلة الصحيحة (١٣٣). -- وقد ورد المعنى العامّ لحديث الباب في الصحيحين: أ) فقد أخرج البخاري في صحيحه- كتاب القدر- (باب جَفَّ القلمُ على علمِ الله)،

стр. 100

ثم روى قول أَبى هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ». (١) ب) وروى مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ سُئل: فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ فقَالَ ﷺ : «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ». (٢) ** أهم الفوائد المستخرجة من حديث الباب: ١) الأولى: بيان أوّلُ المخلوقات التى خلقها الله تعالى: للسلف في هذه المسألة قولان: القول الاول: قال به ابن جَرير الطبري وابن الجوزي، قالوا: أول المخلوقات هو القلم، واستدلوا على ذلك بأدلة: ١) حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، ... " ٢) وعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ : الْقَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ -وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ- فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ»، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]». (٣) القول الثاني: أن العرش هو أول المخلوقات، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وشارحِ الطحاوية، وقال ابن حجرٍ نقلاً عن أبي العلاء الهمداني: إنه قول الجمهور، ومال إليه ابن حجر، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول كثير من السلف والخلف، واستدلوا

стр. 101

على ذلك بأدلة: ١) حديث البخاري الذي سُئل فيه النبي ﷺ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ، فقَالَ ﷺ : «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». (١) وجه الدلالة: أنه في وقت حدوث الكتابة الأزلية كان العرش على الماء، فدلَّ ذلك على أنه لمَّا خُلق القلم كان العرش مخلوقاً على الماء؛ فدل ذلك على أن العرش هو أول المخلوقات. ** قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح: «كان اللهُ ولا شيءَ معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء» وهذا إنما ينفي وجود المخلوقات من السماوات والأرض وما فيهما من الملائكة والإنس والجن، لا ينفي وجود العرش؛ ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن العرش متقدِّم على القلم واللَّوْح، مستدلّينَ بهذا الحديث". (٢) ... يؤيد ذلك: ما صح عن ابن عباس ﵄ موقوفاً: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الْقَلَمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣) وهذا له حُكم الرفع؛ لأن هذا من الغيبيات التي لا تقال بالرأي. ** قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على حديث الباب -حديث عبادة بن الصامت- ما نصُّه: "فهذا القلم خلقه لمّا أمرَه بالتقدير المكتوب قَبْلَ خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان مخلوقاً قبلَ خلق السماوات والأرض، وهو أولُ ما خلق

стр. 102

من هذا العالَم، وخلقه بَعْدَ العرش كما دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف". (١) ** وهذا هو الراجح -والله أعلم-، أن العرش أولُ المخلوقات. ** الرد على أدلة القول الأول: ما استدلوا به من قوله ﷺ «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ...»؛ فهذه الأولية لها توجيهانِ: إمّا أن تُحمل على الأولية النِّسْبيّة، أوتحمل على الأولية الظَّرْفِيّة: أ) أما الأولية النسبية: فهى ليست أولية مطلَقة، والمعنى: أن القلم ليس هو أول المخلوقات على الإطلاق، بل هو أول المخلوقات بالنسبة إلى ما عَدا العرش. قال شيخ الإسلام: "وهو -أي: القلمُ- أولُ ما خلق من هذا العالَم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف". (٢) ب) الأولية الظرفية: والمعنى: أن الأولية إنما هي راجعة إلى الكتابة لا إلى الخَلْق، فيكون المعنى: أنه عند أَوَّلِ خَلْقِ القلمِ قِيلَ له: «اكتُبْ ما هو كائنٌ...». -- ولذلك نظائرُ في الشرع واللغة: أما في الشرع: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». (٣) فقوله ﵁: "وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنْ قَالَ... " أي: أول كلامه بالمدينة، وليس -بالطَّبْعِ- أولَ كلامه على الإطلاق. * وأما في اللغة: إذا قال عمرو: "أَوَّلَ ما رأيتُ زيداً أطعمتُه"، فهل معنى ذلك أنه رآه

стр. 103

للمرة الأولى؟! لا، فهو قد رءاه كثيراً من قبلُ، ولكنه في هذه المرة أولَ ما رآه أطعمَه. ... قال خليل هرَّاس: " قوله ﷺ : «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، قَالَ: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» صريحٌ أن التقدير إنما وقعَ بعد خلق العرش، والتقدير وقعَ عند أول خَلْق القلم، بلا مُهْلة؛ لقوله ﷺ : «إنّ أولَ ما خلقَ اللهُ القلمَ، فقال له: اكتُبْ...» يعني: أنه عند أول خلقه للقلم قال له "اكتب" بدليل الرواية الأخرى: «أولَ ما خلقَ اللهُ القلمَ قال له: اكتب...» بنَصْب "أوّل" على الظرفية، ونصب "القلم" على المفعولية؛ وأما على رواية رفع "أوّل" و"القلم" فيتعيَّن حملُه على أنه أول المخلوقات من هذا العالَم -أي: عالَم الأقلام- ليتّفقَ الحديثانِ؛ إذْ حديث عبد الله بن عمرو صريحٌ في أن العرش سابق التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم، وفي اللفظ الآخَر: «لما خلق اللهُ القلمَ قال له: اكتبْ، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة بقُدْرة الله ». (١) قال ابن القيم: والنّاسُ مختلفونَ في القلمِ الذي... كُتِبَ القضاءُ بِهِ مِنَ الدَّيّانِ هَلْ كانَ قَبْلَ العرشِ أو هو قبلُهُ... قَوْلانِ عِنْدَ أبي العلا الهمداني والحَقُّ أنَّ العرشَ قبلُ لِأَنَّهُ... عندَ الكتابةِ كان ذا أَرْكانِ. (٢) ... تنبيه مهم: إذا كان الخلاف في أول المخلوقات واقعاً فيما ذكرْنا أعلاهُ؛ فما هو مشتهرٌ بين العامّة من أنّ الرسول ﷺ هو أول خلْق الله تعالى هو مما لا يصح فيه دليل، فلو كان النبي ﷺ أولَ خلقِ الله -تعالى- لكانت هذه مَنْقَبة وفضيلة عظيمة تقتضي أن يُظهرها النبي ﷺ ويحدِّث بها أصحابَه ﵃ من باب قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا

стр. 104

بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، كما أخبرَهم ﷺ أنه خَليل الرحمن، وأنه خيرُ وَلَدِ آدمَ ﵇. (١) * فإن قيل: قد صح عن الرَّسُول ﷺ أنه سئل: متى كُتِبْتَ نَبِيّاً؟ فقال: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» (٢)؟ فقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: "مُراده ﷺ : أن الله كتب نُبوته وأظهرَها وذكرَ اسمَه، ولهذا جعلَ ذلك في ذلك الوقت بعدَ خلْقِ جسد آدم وقبلَ

стр. 105

نفخ الرُّوح فيه، كما يُكتب رزق المولود وأجلُه وعملُه، وشقيٌّ هو أو سعيد بعدَ خلقِ جسده وقبلَ نفخ الرُّوح فيه". (١) ... من الفوائد المتعلقة بحديث الباب: مسألة القدر: فقد ورد في حديث الباب: قوله ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ...»، فدلَّ الحديث على أصل عظيم من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، الذي هو إثبات القَدَر. ... ومعنى (الإيمان بالقضاء والقدر) في الشرع: هو الإيمان بتقدير الله تعالى الأشياءَ في القِدَم، وعِلمِه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عندَه، وعلى صفات مخصوصة، وكتابتِه لذلك، ومَشيئتِه له، ووُقوعِها على حَسَبِ ما قَدَّرَها، وخَلْقِه لَهُ. (٢) وهذا مما دل عليه: القرآنُ، والسُّنَّة، وإجماع الأمة: وأما القرآن: فقد قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ولهذه الآية سبب في نزولها: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. ** وأمَّا السُّنَّة: فقدْ عقدَ أئمة الحديث -كالبخاري ومسلم في صحيحَيْهِما كتاباً للقدر، اشتمل على عدة أحاديث في إثبات القدر، نذكر منها ما يلي: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلامِهِ،

стр. 106

وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى -ثَلاثاً-» (١) ٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ». (٢) ٣) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئاً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ". (٣) ٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٤). ٥) وعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ». (٥) ... مراتب الإيمان بالقدر: ١ - المرتبةُ الأولى: العِلْمُ: وهو علم الله الأَزَلِيُّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبقَ به علمُ الله أَزَلاً، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالِماً به أزلاً، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠]. وذلك يقتضي الإيمانَ بعلم الله المُحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والمُمْكِنات والمستحيلات، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو

стр. 107

كان كيف يكون، وأنه عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملون قبلَ أن يخلقهم، وعلمَ أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسَكَناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَن هو منهم من أهل الجنة ومَن هو منهم من أهل النار، مِن قَبْلِ أن يخلقهم، ومِن قبل أن يخلق الجنة والنار، عَلِمَ دقّ ذلك وجَليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسِرَّه وعلانيته، ومبدأه ومُنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صِفَتُه ومقتضَى اسمِه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...﴾ [الحشر: ٢٢]. (١) وقد اتَّفَقَ على الإيمان بالعلم السابق الرُّسُلُ عليهم الصلاة والسلام من أوّلِهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومَن تَبِعهم من الأمّة، ولم يخالِفْ إلا مَجُوسُ الأمّة، غُلاةُ القَدَريّة. (٢) ** أقسام علم الله: (الله يعلم ما كان، وما هو كائن، ويعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون) والله تعالى يعلم ما كان من الأمور التي مَضَتْ منذُ بَدْءِ الخَلْق والآجال، ويعلم ما هو كائن، قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ويعلم ما سيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] والله -تعالى- يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، بمعنى: أن الله -تعالى- يعلم الأمور التي ما قدَّرَها، لو وقعتْ فكيف سيكون حال وقوعها.

стр. 108

* قال ابن كثير: "أخبر الله -تعالى- بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة". (١) ** ومن السّنّة:: عن أبي هُريرةَ أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملينَ» (٢). * قال النووي: "وفي قوله ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين» بيانٌ لمذهب أهل الحق أنّ الله عَلِمَ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وقد سبق بيان نظائره من القرآن والحديث". (٣) ... إشكال والرد عليه: قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وأمثال هذه الآيات مُشْكِلة في الفهم؛ لِأنَّ ظاهرها قد يفهم منه تجدُّد علم الله بعد وقوع الفعل؟ * والرد على ذلك مِن وجهينِ: ١ - الأول هو ردٌ إجمالي، فنقول: إنَّ غُلاة القدرية قد تعلَّقوا بمثل هذه الآيات في زعمهم أنّ علم الله -تعالى- بأفعال العباد مستأنَف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد

стр. 109

وقوعه؛ فهؤلاء كَفَرةٌ بلا شكٍّ لإنكارهم ما دلَّ الكتابُ والسنة عليه دلالةً قطعيةً، وأجمعَ المسلمون على أزلية علم الله. فمثل هذه الآيات إنما هي من المتشابه الذي يُرَدُّ إلى المُحْكَم من الأدلة التي دلت أنّ علم الله -تعالى- واسع وشامل لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذا عموم لا يقبل أي تخصيص. * ثانياً، وهو ردٌ تفصيلي: قال ابن عثيمين: "إن المراد بالعلم في هذه الآيات شيئانِ: أ) الأول: علم رؤيةٍ وظُهورٍ ومُشاهَدةٍ، أي: لِنَرَى، ومعلومٌ أنّ عِلم ما سيكون ليس كعلم ما كان؛ لأن علم الله -تعالى- بالشيء قبل وقوعه: علمٌ بأنه سيقع، ولكنْ بعدَ وقوعه: علمٌ بأنه وَقَعَ. ب) الثاني: أن المراد بالعلم إنما هو: الذي يترتب عليه الجزاء، أي: لِنَعْلَمَ عِلماً يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ...﴾ [محمد: ٣١]. قَبْلَ أن يبتليَنا قد علمَ مَن هو المطيع ومَن هو العاصي؛ ولكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاءُ ولا الثوابُ". (١) * قال القُرطبي: "قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يُجازيهم بأعمالهم، لا بعلمه القديم عليهم، فتأويلُه: "حتّى نَعْلَمَ المجاهدينَ عِلْمَ شَهادةٍ"، لِأنّهم إذا أُمِرُوا بالعمل يَشْهَدُ منهم ما عَمِلوا؛ فالجزاء بالثواب والعقاب يقعُ عَلَى علم الشهادة، "ونبلوَ أخباركم": نختبرها ونُظهرها". ا. هـ (٢)

стр. 110

*قال الشنقيطي: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ...﴾ [البقرة: ١٤٣]، ظاهرُ هذه الآية قد يَتَوَهَّمُ منه الجاهلُ أنه -تعالى- يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يَعْلَمُهُ، عن ذلك علوّاً كبيراً، بل هو -تعالى- عالمٌ بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله -جل وعلا-: ﴿... وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فقوله: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ بعد قوله: ﴿ليبتلي﴾ دليلٌ قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به، سبحانه، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً; لأن العليم بذات الصدورغنيٌّ عن الاختبار". (١) * المرتبة الثانية: الكتابة: وهو الإيمان بأن الله -تعالى- كتبَ كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات والأقوال والأفعال، والحَرَكات والسَّكَنات، والرطب واليابس مكتوبٌ. ودليل ذلك من القرآن: قال الله -تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال سبحانه: ... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠]، والمراد بالكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها: إثبات العلم، وإثبات الكتابة. وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وهو اللوح المحفوظ. وَقَدْ قَالَ تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:
следующие страницы →