من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرُّون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر. (١)
قال ابن القيم:
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. (٢)
** كما يقال إن المتكلمين مع ولوجهم التام غير المنقوص فى العقليات فما استطاعوا الفرار من شهادة الفطرة السليمة بمعرفة الله تعالى.
فقد أقر بهذا كبار رموز الأشاعرة، وهو الفخر الرازي، وهو من أكثر المتكلمين إغراقاً في المعقولات، فقد ذهب خلافاً لمعظم الأشاعرة إلى أن معرفة الله -تعالى- فطرية لا تحتاج إلى نظر.
فيقول في تفسيره:
" وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأنَّ الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول:
من الذي ضربني؟
وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، فبأن تشهد بافتقار
стр. 912
جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى. (١)
قال الغزالي:
بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا الله، وما أمروا أن يقولوا: " لنا إله وللعالم إله "؛ فإن ذلك كان مجبولًا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوئهم وفي عنفوان شبابهم، ولذلك قال تعالى ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. (٢)
*والمقصود:
أن النظر مشروع، بل مندوب إليه، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب يختلف باختلاف أحوال الناس.
فأول الواجبات على الكافر هو الشهادتان، وأما المسلم فعليه القيام بلوازم الشهادتين ومقتضياتها العملية والقولية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.
وأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهراً، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء. (٣)
* إذا كان كذلك فليعلم أن التقليد في هذا الباب نوعان:
١) الأول:
التقليد الذى ذمه الأشاعرة والمتكلمون والذى ينبنى - كما زعموا- على معرفة الله والعلم به من غير نظر ولا إعمال للعقل، وقد سبق الرد على بطلان ذلك.
٢) الثانى:
التقليد الذى ذمه أهل السنة والذى ينبنى على نطق الشهادتين دون العلم بمعانيهما، فالشارع قد اشترط في صحة الشهادتين العلم بمعانيهما، فهذا هو الذى يكون
стр. 913
شرطاً في عصمة الدم والمال.
أما النطق بها من غير معرفة لمعناها فغير نافع بالإجماع.
قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
فلابد أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى.
وقال تعالى (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
قال القرطبي:
إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. وشهادة الحق: " لا إله إلا الله ".. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به، فالشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، والتقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. (١)
*وعن عثمان بن عفان -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ " (٢)
قال سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب:
قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله". أي من تكلم بهذه الكلمة عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً كما دل عليه قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ٢٠]. وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٧].
أما النطق: بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع.
وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله: "من شهد"؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. (٣)
*الفائدة الثالثة:
خبر الآحاد حجة فى الاعتقاد:
وهو مذهب أهل السنة، وقد دل حديث الباب على ذلك؛ حيث بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل - رضى الله عنه- داعياً الناس إلى الشهادتين.
*ومن أدلة الكتاب على ذلك:
١ - قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
стр. 914
طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
(التوبة / ١٢٢)
أوجه الدلالة من الأية:
أ-قوله تعالى" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ... "
الطائفة فى اللغة تطلق على الواحد فصاعداً، فلما اعتبر الشارع إنذاره دل على أن قوله حجة معتبرة، وإلا فلم يكن لإنذاره فائدة.
ب- قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ):
الدين: اسم جنس محلى بـ " الـ " الاستغراقية، التي تفيد العموم، فتعم أبواب
الاعتقاد وأبواب الفقه وغير ذلك، ففيه رد على من فرَّق في حجية خبر الآحاد بين مسائل الاعتقاد وغيرها.
وقد بوَّب البخاري لهذه الأية: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.
٢ - قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)) (الإسراء: ١٥)، وقوله تعالى
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)
وجه الدلالة:
قد علَّق الله -تعالى- نفي التعذيب على إقامة الحجة، وجعل إقامة الحجة حاصلة ببعثة الرسول، وهو واحد فقط.
قال الشافعي:
أقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه ﵇ في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة، وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً، تقوم الحجة بالواحد منهم قياماً بالأكثر. (١)
стр. 915
٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ [الحجرات: ٦]
وجه الدلالة:
أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علِّل بالفسق؛ وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
، إذ لو كان معللًا بالغير لاقتضى حصوله به، فعلَّل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلِّية، فيكون التبيين معللًا بالفسق، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته. (١) أضف إلى ذلك أن قوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا):
فيه دلالة على حجية خبر الواحد فى مسائل الاعتقاد؛ لأنه قوله " بنبأ ":
يعم ما كان فى أمر الأصول وما كان في الفروع.
٤ - قَال تعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علماً، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقاً، فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافياً. (٢)
* ومن أدلة السنة:
١ - ما تواتر من فعل النبي - صلى الله ﵇ أنه كان يبعث بآحاد أصحابه - رضى الله عنهم- إلى الملوك ليدعوهم إلى دين الإسلام، ومن ذلك:
أ - ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب " كتاب أخبار الآحاد"، باب
"باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل، واحداً بعد واحد "، ثم قال البخاري:
"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: بَعَثَ
стр. 916
النَّبِيُّ ﷺ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ". (١)
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى. (٢)
وعن عبد الرحمن بن حاطب أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. (٣)
فهذه أدلة قاطِعة على أنَّ العقيدة تَثْبُت بخبر الواحد، وتقوم به الحجَّة على الناس، وإلا لما اكتفى النبي ﷺ بإرسال آحاد الصحابة رضى الله عنهم، ولأرسل معه من يَتواتر به النقل.
قال ابن حزم:
وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خلاف، منقولة نقل الكواف، فقد ألزم النبي ﷺ كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجَّه نحوهم من شرائع دينهم. (٤)
* وفى حديث الباب ما يدل على حجية ذلك:
١ - فقد بعث الرسول ﷺ -معاذ بن جبل -رضى الله عنه - إلى اليمن داعياً أهلها إلى أصل الاعتقاد، الذى هو الشهادتان.
قال الشافعي:
ومن زعم أن الحجة لا تثبت بخبر المخبر الصادق عند من أخبره فما يقول في معاذ -رضى الله عنه- إذ بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن والياً، ومحارباً من خالفه، ودعا قوماً لم يلقوا النبي ﷺ إلى أخذ الصدقة منهم وغيرها.... ؟ (٥)
٢ - قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ-رضى الله عنه- سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول:
«نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ
هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ
стр. 917
لَيْسَ بِفَقِيهٍ». (١)
قال الشافعي:
فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها، وأدائها امرأً يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه. (٢)
٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -رضى الله عنه- قَالَ:
أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ:
«ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٣)
فقد أمر الرسول ﷺ كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى.
*الإجماع:
قال ابن عبد البر:
وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة. (٤)
وقد علَّق أبو العباس ابن تيمية تعليقاً لطيفاً على تقرير ابن عبد البر بما يشبه هذا السؤال فقال:
هذا الإجماع الذي ذكره - أي في قبول خبر الواحد العدل في الاعتقادات - يؤيد قول من يقول:
إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علماً ولا عملاً كيف يجعل شرعاً وديناً، يوالى عليه ويعادى؟! (٥)
قال أبو المظفر السمعاني:
إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول، فإنه
стр. 918
يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. (١) قال ابن القيم:
أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله - تعالى- وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموحدين من المذنبين من
النار، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ. (٢)
والناظر فى كتب أصحاب الصحاح وغيرها يراهم قد أثبتوا في مصنفاتهم وكتبهم أحاديث الآحاد معتقدين موجبها على ما يليق بجلال الله تعالى.
فمن نظر في كتب المحدِّثين الأعلام، كالبخاري ومسلم وأبي داود وأحمد وابن خزيمة، علم يقيناً أن مذهبهم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
* المخالفون لأهل السنة فى هذا الباب:
قد خالف فى ذلك المعتزلة فلم يقبلوا خبر الآحاد في العقائد، وتابعهم عليه الأشاعرة والماتردية وجمهور المتكلمين.
فقالوا بعدم حجية خبر الواحد فى أبواب الاعتقاد، وذهبوا إلى القول بأن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما تواتر نقله، وأن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين والقطع، والعقائد لا تبنى إلا على اليقين، والله - جل وعلا- قد ذم في كتابه الآخذين بالظن والمتبعين له.
* نقول:
ولا شك أن هذا القول من محدثات الأمور؛ إذ أن الإجماعات التى
стр. 919
تتابعت من أهل العلم على حجية خبر الواحد لم تفرق في حجيته بين اعتقاد وعمل.
وقد جعل ابن القيم هذا القول المحدث أحد طواغيت أهل البدع، فقال:
الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان: ومنها قولهم:
" إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة التي رواها العدول وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن ". (١)
قال ابن عبد البر:
أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة -رضى الله عنهم- إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافاً. (٢)
* فرع: اللوازم الباطلة لهذا القول:
١ - قد انبنى على ذلك القول الفاسد رد الكثير من أصول ومسائل الاعتقاد، وإن شئت فقل إن العكس هو الصواب؛ وذلك لأن أهل البدع لما خالفت مسائل الاعتقاد وأصولها أهواءهم فقدعمدوا إلى ردها بأدنى الحيل الفاسدة المخترعة، والتى منها الزعم بعدم قبول مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة النقل. (٣)
وقد أبان الإمام السمعاني أصل تشغيب أهل البدع فى هذه القضية فقال:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم هذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار، وهو شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض
стр. 920
الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. (١)
٢ - يحدث البلبلة فى الدين، والتفريق بين المتماثلين فى الشرائع:
ومثال ذلك:
ما روى أَبو هُرَيْرَةَ- ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو وَيَقُولُ:
" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ ". (٢)
فهذا الحديث يشتمل على عقائد وعلى أحكام، وهو حديث آحاد، فهل على قولكم نقبل به فى الأحكام فنتعوذ من الأربع، ولا نقبل به فى العقائد فلا نؤمن بالدجال ولا بعذاب القبر؟!
٣ - فى التفريق فى قبول خبر الواحد بين الاعتقاد والعمل مخالفة لجمهور الصحابة رضى الله عنهم:
وذلك أن القائلين بإفادة خبر الآحاد للعلم، والقائلين بإفادته للظن اتفقوا على نقل إجماع الصحابة -رضى الله عنهم- والتابعين على العمل به، ولم يرد عن أحد منهم أن أحداً من الصحابة -رضى الله عنهم- منع الاستدلال بخبر الواحد العدل في العقائد لكونه لا يفيد إلا الظن، وأن العقائد لا يحتج فيها إلا بما يفيد القطع.
بل الوارد عنهم قبول الخبر متى صح مطلقاً، وتخصيص ذلك بالأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من: كتاب، أو سنة، أو إجماع قطعي. (٣)
٤ - يستلزم أن تكون أحاديث الآحاد في الاعتقاد حجة على الصحابة -رضى الله عنهم- فقط دون غيرهم؛ إذ أنهم أخذوا عن النبي ﷺ المعصوم الذي لا يجري عليه الخطأ ولا النسيان، وأما من جاء بعده فلن يقبل قوله، ولو كان صحابياً؛ لكونه منقولاً بنقل الآحاد.
٤ - إسقاط رؤوس الأبواب العقدية التي هي من أصول الدين بدعوى أنها منقولة بنقل الآحاد،
стр. 921
ومن ذلك:
أحاديث الشفاعة العظمى للرسول ﷺ ، وشفاعته لأصحاب الكبائر.
أحاديث أفضلية الرسول ﷺ على جميع الأنبياء، ومعجزاته الواردة في السنة.
أحاديث العشرة المبشرين بالجنة، وأحاديث بدء الخلق والجنة والنار، ووصف الجن و الملائكة وأشراط الساعة.
* ثم نتنزل فنقول:
إن أحاديث الاعتقاد لو سُلم أنها أخبار آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا
تثبت بها العقيدة؛ لأنها ليست أخبار آحادٍ مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المقرر عند جماهير أهل العلم أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة
مفيدة للعلم اليقيني النظري. (١)
وقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، وكثيرٌ من أئمة الماتريدية والأشعرية والمعتزلة.
*ومثال القرائن التى تحتف بالخبر فتجعله مفيداً للعلم: أن تتلقاه الأمة بالقبول:
قال أبو العباس ابن تيمية:
جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم. (٢)
قال الشيخ محمد بن العثيمين:
جوابنا على من يرى أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة لأنها تفيد الظن، والظن لا تبنى عليه العقيدة أن نقول:
هذا رأي غير صواب لأنه مبني على غير صواب وذلك من عدة وجوه:
١. القول بأن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صدقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول:
مثل حديث عمر
стр. 922
بن الخطاب ﵁ " إنما الأعمال بالنيات "، فإنه خبر آحاد ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي ﷺ قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.
٢. أن النبي ﷺ يرسل الآحاد بأصول العقيدة شهادة " أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله "، وإرساله حجة ملزمة، كما بعث معاذاً إلى اليمن واعتبر بعثه حجة ملزمة لأهل اليمن بقبوله.
٣. إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد أمكن أن يقال:
والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد؛ لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله - تعالى- أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قبل هذا القول تعطل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رد هذا القول فليرد القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق.
٤. أن الله - تعالى- أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلاً فيما هو من أعظم مسائل العقيدة وهي الرسالة فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (النحل: ٤٣ - ٤٤). وهذا يشمل سؤال الواحد والمتعدد. (١)
*ولوسلمنا أيضا أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ "العمل" مقصور بعمل الجوارح فقط، بل المراد من "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من "عمل القلب "، فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟!
* ومن التناقض البيِّن عند القوم فى هذه القضية أمور:
١ - الأمر الأول:
ردهم لخبر الآحاد فى أبواب الاعتقاد بزعم أن جميعها يفيد الظن، ثم تراهم يبنون الكثير من عقائدهم على أخبار آحاد:
- فترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي ﷺ :
"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ ". (٢)،
стр. 923
وبقوله ﷺ :
" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِم" (١)
- وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله ﷺ :
أن جِبْرِيل ﵇ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ؟، وَإِنْ زَنَى؟، قَالَ: نَعَمْ ". (٢)
-وترى الرافضة يستدلون بقوله ﷺ :
" يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ". (٣)
- وترى الخوارج يستدلون بقوله ﷺ :
«سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٤)، وقوله ﷺ :
«لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، (٥)، إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق.
قال أبو المظفر السمعاني:
ولو أنصفت الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم؛ فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد. (٦)
٢ - الأمر الثاني:
الزعم أن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما كان قطعياً بالنقل المتواتر، ثم تراهم يردُّون الكثير من الأصول العقدية المتواترة النقل بشبهات واهية.
ومثال ذلك:
أحاديث الرؤية، فقد رواها ما يزيد عن عشرين صحابياً، ومع ذلك تراهم لا يقولون بها بزعم أنها مستلزمة لإثبات الحيز والجهة.
وعندها يتبين أن الأمر ليس المقصود فيه ما كان متواتراً أو آحاداً، إنما هو الهوى
стр. 924
المحض، فى قبول ما وافق العقل ولو كان بنقل الآحاد، ورد ما خالف العقل -زعموا - ولو كان متواتر النقل.
٣ - الأمر الثالث:
أن الأدلة التي يُستدل بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام العملية هي أدلة على وجوب الأخذ بها في الأحكام العلمية؛ لعمومها وشمولها لكل ما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه، سواء كان عقيدة أم حكمة، فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص، ذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل. (١)
تم بحمد الله.
стр. 925
الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض
стр. 926
* نص حديث الباب:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعود-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَاماً ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ "
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٦٥٧٦) كتاب الرِّقَاق، " بابٌ في الحوض ".
ومسلم (٢٢٩٧) كتاب الفضائل، باب " إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته " * أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
فيه إثبات حوض النبي ﷺ وأنه حوض حقيقي على ظاهره، مخلوق موجود اليوم وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضاً، وأحاديثه قد بلغت التواتر *وممن نص على تواتر أحاديث الحوض:
ابن حجر والقرطبي والقاضي عياض والسيوطي وابن كثير وابن أبي عاصم والسفَّاريني والطحاوي والكتاني، وغيرهم كثير. (١)
стр. 927
وقد تضافرت الأدلة من السنة على إثبات الحوض، فقد بوَّب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وكذا مسلم عقد باباً في كتاب الفضائل في إثبات حوض نبينا محمد ﷺ .
قال ابن عبد البر:
الأحاديث في حوضه ﷺ متواترة صحيحة ثابتة كثيرة، والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب، والإقرار به عند الجماعة لازم. (١)
قال القرطبي:
الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة -رضى الله عنهم-نيف على الثلاثين.
في الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة -رضى الله عنهم- من التابعين أمثالُهم. (٢)
* ذكر طرف من أحاديث الحوض:
١ - حديث الباب:
وفيه قوله ﷺ : " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ... ":
والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى: " فَرَطُكُمْ علي الحوض " سابقكم إليه، كالمهييء له. (٣)
٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
«حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلا يَظْمَأُ أَبَدًا». (٤)
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ
الكبائر، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة. (١)
* أول من يرد الحوض:
عن ثَوْبَانَ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ أَبْوَابُ السُّدَدِ». (٢)
*صفة حوض النبي ﷺ :
١ - الحوض مخلوق الآن:
عن عقبة بن عامر ﵁ أن النَّبي ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر فقال:
"إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ - لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ". (٣)
رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَأَنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ»، وَفِي رِوَايَةٍ «عَرْضُهُ مِثْلُ طُوُلهُ مَا بَيْنَ عُمَانَ إلَى الْمَدِينَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ مَقَامِي إلَى عُمَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَدْرَ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ»،
стр. 930
وَفِي رِوَايَةٍ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»
قال القرطبي:
وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي ﷺ -بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها. (١)
فرع: أين يكون الحوض من مواقف يوم القيامة؟
ذهب فريق من العلماء إلى أن الحوض بعد الصراط:
وذلك لما روى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا " (٢)
فدل ذلك أن الشرب من الحوض يقع بعد الحساب، والنجاة من النار؛ لأن انتفاء الظمأ الدائم صفة من نجا من النار، ومثل هذا لا يكون إلا لمن اجتاز الصراط.
* يؤيده:
قول النبي ﷺ وقد سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الحوض فَقَالَ:
«أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ». (٣)
فدل ذلك على أن مادة الحوض من الجنة، فناسب ذلك أن يكون الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
وهذا ما رجحه البخاري
стр. 931
والقاضي عياض وابن حجر والسيوطي. (١)
* والراجح -والله أعلم-أن الحوض قبل الصراط:
وهذا ما رجَّحه الغزالي وابن القيم والطحاوي، وهو قول جمهور أهل العلم. (٢)
يدل عليه:
ما رواه أَبوهُرَيْرَةَ-رضى الله عنه-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ:
إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. " (٣)
وهذا من أظهر الأدلة على أن الحوض قبل الصراط؛ فإنه من جاز الصراط نجا، وأما الحوض فسوف يُصرف عنه بعض وارديه إلى النار، فدل ذلك على أنهم لن يجاوزوا الصراط قطعاً.
قال ابن القيم: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار. (٤)
* ومما ناسب أن يكون الحوض قبل الصراط ما ذكره القرطبي بقوله:
والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم عِطَاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه. (٥)
стр. 932
* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:
أول من نُقل عنه الخوض فى رد أحاديث الحوض هو عبيد الله بن زياد والي العراق ليزيد بن معاوية، قال فعن عَبْدُ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ:
شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَوْضِ، وَكَانَتْ فِيهِ حَرُورِيَّةٌ، فَقَالَ أَرَأَيْتُمُ الْحَوْضَ الَّذِي تَذْكُرُونَ مَا أَرَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَكَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -رضى الله عنه- فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ، فَحَدَّثَهُ حَدِيثًا مَوَثَّقًا أَعْجَبَهُ، فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا من رسول الله؟
قَالَ: لا، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ أَخِي، قَالَ: " لا حَاجَةَ لَنَا فِي حديث أخيك". (١)
قال عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ:
شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأسلمي-رضى الله عنه- دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فقال له عُبَيْدُ اللَّهِ:
بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ رضى الله عنه:
" نَعَمْ، لَا مَرَّةً، وَلَا ثِنْتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ -تعالى- مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا ". (٢)
* وكذلك فقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، فقد ردوها بالعقل فقالوا:
أن وجود الحوض لا يُعقل، فكيف يكون الحوض قبل الصراط، وهو يُغذَّى من الجنة، ومن المعلوم أن أن الصراط قد ضُرب على جهنم، يمر عليه الناس قبل دخولهم الجنة؟!
فقال المنكرون للحوض: " إنما المراد بالحوض الوارد في الأحاديث إنما هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير"
لذا فقد ردوا أحاديث هذا الباب؛ لأنها لا تتناسب مع الوصف الذي تخيَّلوه.
والمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يؤولون الغيبيات:
فأنكروا الصراط وأولوا
стр. 933
الميزان وأولوا الصحف وأولوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النقل. (١)
وممن نقل إنكار الجهمية والمعتزلة للحوض: ابن بطة العكبري وابن حجر والجيلاني. (٢)
قال السفَّاريني:
خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة، فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع، فمنكره زائغ عن الثواب مستحق للطرد والعذاب، ويكفيه من الخزي والنكال أنه يذاد عنه ويطرد، ويمنع من الشرب منه ويرد. (٣)
قال ابن أبي عاصم:
والأخبار التي ذكرناها في حوض النبي ﷺ -توجب العلم، أن يَعلم كنه حقيقته، أنها كذلك وعلى ما وصف به نبينا ﵇ حوضه، فنحن به مصدِّقون غير مرتابين ولا جاحدين، ونرغب إلى الذي وفقنا للتصديق به - وخذل المنكرين له والمكذبين به عن الإقرار به والتصديق به ليحرمهم لذة شربه- أن يوردنا فيسقينا منه شربة نعدم لها ظمأ الأبد بطوله، ونسأله ذلك بتفضله. (٤) *وهنا نقول:
لا شك أن رد أحاديث الحوض هو ضلال بيِّن، ومثال واضح لمدى تسلُّط هوى العقول على المنقول، فمثل هذه الأحاديث التي أثبتت وجود
стр. 934
الحوض هي فى الحقيقة أحاديث متواترة قد أفادت العلم اليقيني القطعي بوجود حوض النبي ﷺ ، فماذا بعد النقل إلا الضلال؟!
*وممَّن خاض في حديث الحوض بالتحريف الباطل:
الخوارج والرافضة الذين تذرَّعوا بحديث الباب للقول بالحكم بالردة على الصحابة رَضى الله عنهم.
فأما الخوارج فقد ذهبوا إلى تكفيرعلى بن أبي طالب وعثمان وعمرو بن العاص ومعاوية وأبا موسى رضى الله عنهم، وجميع أصحاب قضية التحكيم وأهل الجمل وصفين.
وأما الروافض فقد كفَّروا جمهور الصحابة رضى الله عنهم، ولم يستثنوا من ذلك الحكم إلا القليل، ذكروا منهم:
"علي بن أبي طالب، المقداد بن الأسود، أبا ذر الغفاري، عمَّار بن ياسر، حذيفة بن اليمان"، مستدلين على ذلك بحديث الباب.
قال عبد القاهر البغدادي:
وأما الإمامية من الروافض فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد وفاة النبي ﷺ سوى علي وابنيه، ومقدار ثلاثة عشر منهم. (١)
*ومن الروايات الواردة في حديث الباب، والتى عضَّدوا بها مذهبهم:
قوله ﷺ :
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ"
وفي رواية أبي بكرة -رضى الله عنه- يرفعه:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ". (٢)
* والجواب على ذلك من وجوه:
١ - الوجه الأول:
قد مدح الله -عزوجل - الصحابة -رضى الله عنهم- فى مواضع عدة من كتابه الكريم،
стр. 935
وأثنى على جهادهم وبذلهم في سبيل الله تعالى، فكيف يكون هذا من الله -تعالى- لقوم ارتدوا جميعاً إلا ستة فقط؟!
وتأمل في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
(الفتح: ١٨)
قال ابن حجر الهيتمي:
فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله - تعالى - بأنه رضي عنه. (١)
وفيهم قد قال النَّبِيّ ﷺ :
«لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». (٢) فكيف يرضى الله عن أصحاب البيعة، وقد قيل أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ويحمدهم ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ ؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كتاب الله نوعان: خبر وأمر:
أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبيِّن معناه.
وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله-تعالى- إلا بما أنزل الله تعالى، فمن أراد أن ينسخ شرع الله - تعالى - الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحداً، وكذلك من دفع خبر الله -تعالى- برأيه ونظره كان ملحداً. (٣)
والأبين من ذلك ما ورد في قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...) (الفتح: ٢٩)
فقوله عزوجل (وَالَّذِينَ مَعَهُ..) هذه من صيغ الجمع، فكيف يقال بردة جمهور الصحابة -رضى الله عنهم- إلا خمسة منهم؟!
стр. 936
قال ابن حزم:
فمن أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم ﵃، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة، ثم نقطع على أن كل من صحب رسول الله ﷺ بنية صادقة - ولو ساعة - فإنه من أهل الجنة؛ وَذَلِكَ لقَوْل الله (وكلاً وَعدَ اللهُ الْحسنى). (١)
*فإذا حَرُمَ التوقف في أمرهم والشك فيهم البته، فكيف بمن يقع في أعراضهم، بل ويجزم لهم بالردة عن دين الإسلام؟!
٢ - الوجه الثاني:
قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)) (الحشر: ١٠)
فإن الله -عزوجل- قد أمرالتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أن يستغفروا للصحابة رضى الله عنهم، وهذا ما فهمه الصحابة - رضى الله عنهم- من هذه الأية:
قَالَ ابنُ عباس ﵄:
لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تعالى- قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُون. (٢)
وقالت عائشةُ رضى الله عنها:
«أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَبُّوهُمْ» (٣)،
فالأمر بالاستغفار الذي أشاروا إليه هو ما ورد في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾
وهنا وجه الدلالة:
فقد أمر الله -تعالى- كل من جاء بعد الصحابة -رضى الله عنهم- أن يستغفروا لهم، فكيف يكون ذلك مع قوم يزعم الرافضة أنهم قد ارتدوا إلا قليلاً منهم؟!!
ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة لم يترحموا على الصحابة -رضى الله عنهم- ولم
стр. 937
يستغفروا لهم، بل سبُّوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].
قال ﵀:
وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة رضى الله عنهم، وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة. (١)
٣ - الوجه الثالث:
أن الصحابة -رضى الله عنهم- هم سدنة هذا الدين وأمناءه، فهم الذين قاموا على حفظ حياضه من ولوغ أهل البغى الافتراء والنفاق؛ لذا فإن الطعن فيهم هو طعن في كل ما تناقلوه من ميراث النبوة ومشاكي الوحى المنزَّل.
قال عمر بن حبيب:
حضرت مجلس الرشيد، فاحتج البعض بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ ، فدفع بعضهم الحديث بأن أبا هريرة -رضى الله عنه - متهم فيما يرويه، وصرَّحوا بتكذيبه.
ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، فقلت يا أمير المؤمنين:
إن الَّذِي قلته وجادلت عَلَيْهِ فِيهِ إزراء عَلَى رسول اللَّهِ ﷺ ، وعلى ما جاء بِهِ، إِذَا كَانَ أصحابه -رضى الله عنهم- كذَّابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام فِي الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إِلَى نفسه، ثُمَّ قال لي:
أحياك اللَّه كما أحييتني، ثُمَّ أمر لي بعشرة آلاف درهم. (٢)
* ومما تناقض فيه الروافض في هذه المسألة:
أن الذين نقلوا أحاديث الحوض عن
стр. 938
النبي ﷺ هم الذين زعمت الرافضة أنهم كفروا، وهم جمع كبير أكثر من خمسين صحابياً.
فإن كنتم صدَّقتم بما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديثه وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟!
وإن كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف ينقل هؤلاء الجلة من الصحابة -رضى الله عنهم -والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرهم؟
لا شك أن فهم عامة الصحابة -رضى الله عنهم - لأحاديث الحوض، وكونهم رووها وتناقلوها جميعاً، مع ترضيهم عن الخلفاء الأربعة وعن العشرة المبشَّرين بالجنة ما يدل دلالة قاطعة على أن هذا الفهم لتلك الأحاديث -القائم على القول بردة الصحابة -لم يكن معروفاً عند الصحابة رضى الله عنهم.
وكون فهم في الأحاديث يكون غائباً عن الصحابة جميعا رضى الله عنهم، وعن التابعين وعن تبع التابعين، ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدل على أن هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين. (١)
قال ابن القيم:
ثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند الرحمن، أولئك أصحابه ﷺ ألين الأمة قلوباً، وأعمقها علماً وأقلها تكلَّفاً، وأحسنها بياناً، وأصدقها إيماناً وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة. (٢)
٤ - الوجه الرابع:
لو تدبروا حديث الباب وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى وفهموا ألفاظه، كما في قوله ﷺ :
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ "، وقوله ﷺ : "يا رب، أصيحابي" بالتصغيرالذي يراد به تقليل العدد، لاستدلوا على أنه لم يُرد بذلك إلا القليل
ممن ثبت على الردة بعد وفاة الرسول ﷺ .
стр. 939
وفيهم قال الله ﵎:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه.
فلم يرتد من الصحابة -رضى الله عنهم- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين.
وأما جميع أصحابه، إلا الستة الذين ذكروا فكيف يختلجون، وقد تقدَّم قول الله-تعالى- فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؟!
كما أنه لو كان أراد جميع أصحابه -إلا من ذكروا- لقال:
" لَتَرِدُنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ، ثُمَّ لَتَخْتَلِجُنَّ دُونِي ". (١)
قال الخطابي:
لم يرتد من الصحابة -رضى الله عنهم- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة -رضى الله عنهم- المشهورين، ويدل قوله " أصيحابي " بالتصغير. (٢)
٥ - الوجه الخامس:
أما استدلالهم بما ورد من ألفاظ في الحديث مثل: "أصحابي ":
فنقول:
كلمة "أصحابي" قد تُحمل على المعنى الشرعي:
" وهو كل من لقي النبي مؤمناً به، ومات على الإيمان "
وقد تُحمل على المعنى اللغوي: فأصحاب الرجل هم أتباعه، وكل من تبع الرجل أو لازمه في أمر فهو صاحب له، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وهو اسم لكل من عبد شجرة الأيكة منهم ولازمها، ومنه قوله: " اللهم أنت الصاحب في السفر" أي ملازم لنا في سفرنا لا يغيب عنا، وقوله ﷺ لعائشة ورضى الله عنها:
" فإنكنَّ صواحبُ يوسفَ "، وقوله لعمر بن الخطاب عندما أراد أن يقطع عنق عبد الله بن أبيّ بن سلول: " دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه "
فسمَّاه صحابياً، ومعلوم أن عبد الله بن سلول كان من المنافقين.
فحمل معنى "أصحابي" في حديث الباب على المعنى اللغوي هو الأقرب؛ لقول النبي ﷺ عن عبد الله
стр. 940
بن سلول: " دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابة " فسمَّاه صحابياً. (١)
* وعليه فالصحيح الراجح، والله أعلم:
أن المراد بالأصحاب أو الأصيحاب في هذا الحديث وأمثاله:
أنهم بعضُ من كان أسلم على عهد النبي ﷺ من جفاة الأعراب كبني أسد وبنى حنيفة وبني تميم وغيرهم، ورأوا رسول الله ﷺ المرةَ والمرتين، ولم تكن بشاشة الإيمان قد خالطت قلوبهم، فارتدوا بعد وفاته ﷺ على أعقابهم، وقد قاتلهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه. *وكذلك يندرج فيهم:
من كان يظهرالإيمان ويُبطن النفاق على عهد النبي ﷺ . قال عبد القاهر البغدادي:
أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبى ﷺ من كندة وحنيفة وفزارة وبنى أسد وبنى قشير وبنى بكر ابن وائل، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين. (٢)
فإن قيل:
إن النبي ﷺ كان يعرف المنافقين، فكيف يناديهم على الحوض بلفظ الصحبة؟
فالرد على ذلك:
أنه ﷺ كان يعرف بعضهم، ولم يكن يعرفهم كلهم؛ ولذلك قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (التوبة: ١٠١)
فبيَّن أن النبي ﷺ لم يكن يعلم جميع المنافقين، وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.
* ثم يقال:
إن زعمتم أيها الروافض أن في حديث الحوض دلالة على ردة أصحاب النبي ﷺ الذين ارتدوا من بعده، إلا ما استثنيتم، كعلي بن أبي طالب والسبطين وأبي ذر وسلمان والمقداد، لماذا لم يشملهم تعميم هذا الحديث؟
فإن قلتم:
قد ثبتت الأحاديث في كتب السنة بفضل هؤلاء الخمسة وصدقهم،
стр. 941
فنقول:
وكذلك ثبتت الأحاديث بفضل أبي بكر وعمر وعثمان، وسائر الصحابة رضى الله عنهم﴾ أفتؤمنون ببعض السنن وتكفرون ببعض.. ﴿؟!!
* وإن تعجب فعجب فعلهم:
١ - أن الروافض نسوا أوتناسوا كل المرتدين عن الإسلام من العرب من الذين حاربهم الصديق رضى الله عنه، ولم يصرِّحوا إلا بردة الصحابة رضى الله عنهم، رغم أن الصحابة -رضى الله عنهم- هم الذين بقوا على الإسلام وحملوا رايته.
٢ - أن الروافض قد حملوا حديث الحوض على صحابة النبي ﷺ ، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة -رضى الله عنهم- ما بدَّلوا ولا غيِّروا ولا أحدثوا، بل كما قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: ٢٣).
وأما الذين بدَّلوا وحرَّفوا فهم الروافض، فهم الذين ما أبقوا من الإسلام إلا اسمه، وعليه فهم قد رموا الصحابة -رضى الله عنهم- بما هم أهله. (١).
* وهنا وقفة مهمة:
فليعلم أن المنقول من المطاعن في صحابة النبي ﷺ ، في سيرتهم، وفيما شجر بينهم بعد عصر النبوة إنما يرويها الكذّابون المعروفون بالافتراء والوضع، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي (٢)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (٣)، وأمثالهم وعلى شاكلتهم كثير.
فمثل هذه
стр. 942
الأثار المنكرة والموضوعة لا يُدفع بها ما ثبت نقله من فضائل الصحابة ﵃.
قال ابن حجر الهيتمي:
ومما يوجب أيضا الإمساك عمَّا شجر - أي وقع بينهم من الاختلاف - الإضراب صفحاً عن أخبار المؤرخين، سيَّما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة -رضى الله عنهم- وفضائلهم، لا يجوز أن يُدْفَعَ بنُقولٍ بعضها منقطعٌ و بعضها محرَّف و بعضها يقدح فيما عُلِم.
فإنّ اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنّا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا عُلِمَ بطلانها؟! (٢)
* فكيف لهذه الأباطيل المكذوبة أن تشوِّش على الصحابة رضى الله عنهم؛ وهم قوم ثبت عدالتهم ورفعتهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
* أما أدلة القرآن:
قال تعالى) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)) (الفتح: ٢٩)
وقال تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ
لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)) (التوبة: ٨٨ - ٩٨)
قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)) (التوبة: ١٠٠)
стр. 943
* وأما أدلة السنة:
عَنْ أَبِي بُرْدَة -رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (١)
وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أن رَسُول- اللَّهِ ﷺ قال:
" خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ". (٢)
- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ،
وَلَا نَصِيفَهُ». (٣)
* عقيدتنا في آل البيت و الصحب الكرام:
١ - أهل السنَّة يوالون أهل بيت النبي ﷺ ويحبُّونهم، ويحفظون وصية النبي ﷺ بهم.
كما يوالون أصحاب النبي ﷺ ويحبُّونهم ويترضون عنهم.
فطريقة أهل السنة هي لا إلى هؤلاء النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت، ولا إلى هؤلاء الروافض الذين نصبوا العداء لأصحاب النبي ﷺ .
٢ - أهل السنة يؤمنون بأن خيرَ هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ جميعًا. (٤)
стр. 944
كما يقدِّمون مَن أنفق من قبل الفتح، وهو صُلح الحديبية، وقاتل في سبيل الله، على مَن أنفق من بعد وقاتل، وكلًّا وعَد الله الحسن، ويقدِّمون المهاجرين على الأنصار. كما يشهَدون بالجنة لمَن شهد لهم رسولُ الله ﷺ ؛ كالعشَرة المبشَّرين بالجنة وغيرهم ممن عيَّنهم رسول الله ﷺ .
٣ - أهل السنَّة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحدٍ من الصحابة -رضى الله عنهم- معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجُوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم، إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم مِن الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. (١)
٤ - اتفق أهل السنة على أن جميع صحابة النبي ﷺ وآل بيته عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، فقد ثبتت عدالتهم بإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة. (٢)
٥ - من منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة رضى الله عنهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وقد نقل الإجماع على ذلك أبو العباس ابن تيمية وغيره. (٣)
قال ابن أبي زيد:
الإمساك عمَّا شجر بينهم، و أنهم أحقّ الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج،
ويظنّ بهم أحسن المذاهب. (٤)
و قال ابن دقيق العيد:
وما نُقل عنهم فيما شجر بينهم و اختلفو فيه، فمنه ما هو باطلٌ و كذب، فلا يُلتفت إليه، وما كان صحيحاً أوَّلناه تأويلاً حسناً، لأنّ الثناء عليهم
стр. 945
من الله - تعالى- سابق،
وما ذكِرَ من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم. (١)
* وأما إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (الحجرات: ٦).
وهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفسَّاق؛ لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا.
فوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة رضى الله عنهم، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصاً ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، أما من جهة اصل الرواية أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن.
وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذَّابون والوضاعون.
قال الذهبي:
ويُكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم ﵃ أجمعين -
وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك مُتَعَيِّنٌ عن العامة، وآحاد العلماء، وقد يُرَخَّصُ في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى. (٢)
* فرع: حكم سب الصحابة رضى الله عنهم:
اتفق جماهير أهل العلم بلا خلاف بينهم على حرمة سب الصحابة رضى الله عنهم،، وأن ذلك من كبائر الأمور.
стр. 946
قال أبو زرعة:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وإنما أدى إلينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم، وهم زنادقة. (١)
وقد اختلفوا في حكم فاعل ذلك:
١ - القول الأول:
أن من سبَّ الصحابة -رضى الله عنهم- يُقتل، وهو رواية عن مالك.
٢ - القول الثاني:
وقال به جمهورأهل العلم أن فاعل ذلك يُحبس ويعزر، ولا يكفر.
قال النووي:
واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، ..
قال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر، ولا يقتل. (٢)
* ومن أدلة الجمهور على ذلك:
١ - عَنْ أَبِي بَرْزَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁،
فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ:
تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟
، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٣)
وقد روى ابن حزم بسنده عن أبي برزة -رضى الله عنه- قال:
أغلظ رجل لأبي بكر الصديق رضى الله عنه، قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكررضى الله عنه: ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ .
ثم قال ابن حزم:
فبيِّن أبو بكر الصديق ﵁ أنه لا يقتل من شتمه، لكن يقتل من
стр. 947
شتم النبي ﷺ . (١)
٢ - أن الله - تعالى- قد فرَّق بين الذين يؤذون الله ورسوله، فأخبر تعالى أن الله -عزوجل- قد لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً، وبين والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فهؤلاء قد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
ووجه الدلالة:
أن مطلق البهتان والإثم يوجب العقوبة في الجملة، ولا يوجب القتل. (٢)
٣ - وعَنْ ابن عمر -رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ". (٣)
ووجه الدلالة:
أن الأصل هو عصمة الدم إلا ما خصه دليل الحل، فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل ينقض هذه العصمة، ولا دليل على قتل من سبَّ واحداً من الصحابة رضى الله عنهم.
* والراجح -والله أعلم- في ذلك التفصيل الذى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية:
١ - من اقترن بسبه دعوى أنَّ علياً -رضى الله عنه- إله، أو أنه كان هو النبي ﷺ -وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.
٢ - من سبَّهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
٣ - من لعن وقبَّح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
стр. 948
٤ - من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضاً في كفره؛ فإنه مكذِّب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم.
بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فسَّاق، وأن هذه الأمة التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفاراً أو فسَّاقاً. ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام. (١)
* وعليه يقال:
أن من سبّهم سباً يقدح في عدالتهم ودينهم، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه تكذيب للأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومكانتهم وتزكيتهم، ومن ظن أن هذا السب لا يعد كفراً فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع.
قال القرطبي:
لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبِّهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذَّب الله -تعالى- ورسوله ﷺ فيما أخبرا به عنهم. . (٢)
تنبيه:
من سبّ أم المؤمنين عائشة ﵂ خاصة، وقذفها بما برأها الله -تعالى- منه، على ما جرت أحداث قصتها في غزوة المريسيع فإنه يكفر بالاتفاق. وأما إن سبَّها بغير ما برأها الله -تعالى- منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها فقد جنى جناية عظيمة، واستحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر.
قال ابن العربي:
إن أهل الإفك رموا عائشة -رضى الله عنها- المطهَّرة بالفاحشة فبرَّأها الله تعالى، فكل من سبَّها بما برأها الله - تعالى - منه فهو مكذِّب لله عزوجل، ومن كذَّب الله فهو كافر. (٣)
وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، نذكر منهم:
شيخ الإسلام
стр. 949
ابن تيمية وابن القيم والنووي وابن كثير، وغيرهم كثير. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال القاضي أبو يعلى "من قذف عائشة -رضى الله عنها- بما برأها الله -تعالى- منه كفر بلا خلاف"، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. (٢)
* عودٌ إلى حديث الباب:
وممن يُرد عن الحوض:
ما ورد فى حديث ابْنِ عُمَرَ- رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ " (٣)
قال ابن عبد البر:
وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله -تعالى- ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين والله أعلم.
وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها وجميع أهل الزيغ والبدع فهؤلاء كلهم مبدِّلون.
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل، يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم فالناس على دين الملوك.
ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل:
وَهَلْ بَدَّلَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ... وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا. (٤)
* فبقدر ما تنهل من سنة النبي ﷺ وهديه في الحياة الدنيا بقدر ما ترد وتشرب من حوضه يوم القيامة، لذا فإن الفرق الضالة الشاردة عن الهدي النبوي ممن سيسير في
стр. 950
ركاب المطرودين عن الحوض الشريف.
يقول ابن القيم في النونية:
وَرَأَيْت أكوازاً هُنَاكَ كَثِيرَة
مثل النُّجُوم لوارد ظمآن
وَرَأَيْت حَوْض الْكَوْثَر الصافي
الَّذِي لَا زَالَ يشخب فِيهِ مِيزَابَانِ
ميزاب سنته وَقَول إلهِهِ
وهما مدى الايام لَا ينِيان
وَالنَّاس لَا يردونه إِلَّا من الا
لآف أفراداً ذَوُي إِيمَان
وردوا عَذَاب مناهل أكْرم بهَا
ووردتم أَنْتُم عَذَاب هوانِ.
فيصف ابن القيم وروده للمدينة، مدينة العلم فيحكي كيف وجد
هناك نبع الشريعة صافياً، لم يختلط بما يكدره من الكيزان ما قد يعد بنجوم السماء، وقد أُعِدتْ لمن يرده ويطلب ريَّه من الظماء، ورأى هنالك حوض الكوثر الصافي، وهو علمه ﷺ الذي تركه في أمته لا زال يصب فيه ميزابان:
ميزاب الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، كما أن حوضه في الموقف يوم فيه ميزابان من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمن شرب من حوض علمه الصافي في الدنيا؛ فهو الجدير أن يرد حوضه في الآخرة، ومن صد عنه، وآثر عليه هذه الموارد الآسنة؛ فسيذاد عن حوضه ويبعد جزاءً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد. ومن المؤسف أن الناس لا يردون حوض علمه في الدنيا من الآلاف المؤلفة إلا الفرد بعد الفرد من هداهم الله - تعالى- ووفقهم، وهم الذين وردوا أكرم المناهل وأعذبها، وأما أنتم أيها المعرضون المخذولون فقد وردتم موارد العذاب المهين تبقون فيها خزايا نادمين. (١)
* فرع: هل الحوض هو الكوثر؟
قيل في ذلك أن المراد بالكوثر هو الحوض، وقيل المراد بالكوثر هو الخير