ولا يقاس بخلقه . (١)
*ومن عجيب تأويلهم:
١ - قالوا عَنْ حديث الباب:
ليس ضحكه ﷺ وتعجبه وتلاوته للآية تصديقاً لكلام الحبروإقراراً له على إثبات صفة الأصابع لله تعالى، بل هو استخفاف باليهودي وإنكارلما قاله، وتعجب من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك! (٢)
* وجواب ذلك من وجوه:
١ - روي البخاري عن ابن مسعود -رضى الله عنه - أنه قال:
«فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ " (٣)، ولا شك أن الراوى أعلم بما روى.
وقال ابن أبى عاصم: قلت لأبي الربيع: فضحك تصديقاً؟ قال: نعم.
وقال يحيى بن سعيد: وكان فضيل بن عياض يزيد فيه عن منصور:
" فضحك رسول الله ﷺ تصديقا لقول الحبر؟ قال: نعم. (٤)
٢ - أن النبي ﷺ إنما ضحك تعجباً، لأن ما قاله اليهودى جاء موافقاً لما هو ثابت فى شريعة الإسلام من إثبات الصفات -ومنها الأصابع- على ما يليق بالله - عزوجل - من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض.
فجاء خبر الحبر دالاً على اتفاق الشرائع المنزلة من عند الله -تعالى- على إثبات الصفات على ظاهرها، على ما يليق بعظمة الله.
* وأما ما تأوله المتأولون لهذا النص فهو نتاج ومثال لمن يعتقد ثم يستدل، لذا تجده مضطراً لمثل هذه التأويلات التى يغنى ذكرها عن الرد عليها.
стр. 877
فهى - وللأسف- عقول أنهكها داء عضال وهو أن:
" لازم إثبات الصفات مشابهة الخالق للذوات "، فراحت تتبع نصوص الصفات الواضحة للي أعناقها حسب ما جرهم إليه منهج التنزيه القائم على تعطيل ما وصف الله - تعالى- به نفسه.
وكم يمتطون مراكب التأويل قاصدين سراب التنزيه، حتى تحط رحالهم فى ظلمات التعطيل (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
* ثم يقال:
كان الرسول ﷺ لا يغضب لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ، فأنَّى له - على ما زعمتم - أن يسمع الباطل ولا يغضب لله عزوجل، وينكر هذا المنكر؟!!
* ومن عجيب تأويلهم:
ما نص عليه الرازى تأويلاً لقول النبي ﷺ :
... «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ... " قال:
ويدل على تأويله وجوه: أنه يلزم أن يكون أصبعاه فى أجوافنا مع أنه على العرش عند المجسمة!! (١)
* والرد عليه أن يقال:
أولاً:
أن أهل السنة فى حلٍ من هذه الإلزامات الباطلة، لأنهم أحسنوا فهم المراد من دلالات النصوص الشرعية، وإنما العيب فيمن كان معطوباً فى فهمه ثم يأتى ليلزم الناس بإلزامات لم يقل بها أنس قبله ولا جآن.
قال شارح الطحاوية:
ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه. (٢)
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً... وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم.
٢ - ثانياً: أن قوله ﷺ : " بين أصبعين " لا يلزم من البينية المماسة، فنظير ذلك قوله تعالى عن السحاب ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، إذاً
стр. 878
السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقاً للسماء وليس ملاصقاً للأرض، ولم يلزم من ذكر البيَّنية أن يكون السحاب مماساً للأرض ولا مماساً للسماء.
ويقال: بدر بين مكة والمدينة رغم تباعد ما بينها وبينهما، وإذا كان هذا واقعاً فى شأن المخلوقات دون أن يستلزم مماسة، فكيف فى شأن الخالق عزوجل؟؟!!
فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.
تم بحمد الله.
стр. 879
الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم
стр. 880
*نص حديث الباب:
عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رضى الله عنه- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ :
أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ:
إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»
*تخريح الحديث:
أخرجه البخارى (٤٤٧٧) كتاب تفسير القرآن، بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
ومسلم (٨٦) كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده. (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك).
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
١ - الفائدة الأولى:
من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود:
والمعنى:
أن المرء إذا ما أتى خلاف ما يُعهد من حاله، سواء أكان ذلك بالخير أو بالسوء، فإن عاقبته تكون عظيمة، فإن كان فعله هذا فى باب الطاعات كان أجره عظيماً، وإن كان فعله هذا فى باب السيئات كان وزره عظيماً، وهذا مما يُستقرأ من أدلة الشرع، ولهذا أمثلة كثيرة، نذكرمنها ما يلى:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" (١)
فكل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته
стр. 881
إليها، وضعف دواعيها عنده - وإن كان لا يعذر أحد بذنب - لكن لمَّا لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة، ولا دواعي معتادة، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها؛ فإن الشيخ لكمال عقله، وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء، عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، فكيف بالزنا الحرام؟!
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته؛ فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره، ويخشى أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة، وهو غني عن الكذب مطلقاً.
وكذلك العائل الفقير، قد عُدِم المال، وإنما سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء، الثروة في الدنيا، لكونه ظاهراً فيها؛ فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟!
فلم يبق فعله، وفعل الشيخ الزاني، والإمام الكاذب، إلا لضرب من الاستخفاف بحق الله تعالى. (١)
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: .. وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ ". (٢)
وإنما خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى؛ فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد، لذا فقد ورد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-رضى
الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ ". (٣)
٣ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله، ويضحك إِلَيْهِم، ويستبشر بهم:
الَّذِي إِذا انكشفت فِئَة، قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله ؛ فإمَّا أَن يُقتل، وَإِمَّا أَن ينصره الله عزوَجل، ويكفيه؛ فَيَقُول: انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا، كَيفَ صَبر لي بِنَفسِهِ،
стр. 882
وَالَّذِي لَهُ امْرَأَة حَسَنَة، وفراش لين حسن؛ فَيقوم من اللَّيْل، فَيَقُول:
يذر شَهْوَته، ويذكرني، وَلَو شَاءَ رقد، وَالَّذِي إِذا كَانَ فِي سفر، وَكَانَ مَعَه ركب، فسهروا، ثمَّ هجعوا؛ فَقَامَ من السحر، فِي ضراء وسراء. (١)
* وحديث الباب شاهد لهذه القاعدة:
فإن المشرك يعلم قطعاً ويقيناً أن الله -تعالى- هو خالقه، ورغم ذلك تراه يتوجه لغير الله -تعالى- بالعبادة والدعاء.
وهذا نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ومعناه:
أن اتّخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتَّخَذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. (٢)
قال الطبرى:
نهاهم الله -تعالى-أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له نداً وعدلًا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم فمني. (٣)
وكذلك الذي يقتل ولده مخافة أن يطعم معه، وهو في نفسه يطلب من الله طعمته، فماذا عليه من غيره حتى يقتله؟!
وكذلك قوله ﷺ : «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»
قال النووي:
ومعنى تزاني: أى تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً
стр. 883
وأعظم جرماً؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح. (١)
وقد كان العرب يتشددون في حفظ ذمة الجار، ويتمادحون بحفظ امرأة الجار، كما قال عنترة:
* وَأَغُضُّ طَرفِي مَا بَدَت لِي جَارَتِي... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأوَاهَا *
وقال مسكين الدارمي:
أَعْمَى إذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الْخِدْرُ.
*الحاصل:
أن حديث الباب لما نص على مخالفات حرمها الله تعالى، وكانت تخالف المنقول: حيث حرَّمت الشريعة هذه الأمور، وتخالف المعقول: حيث مجيئها على خلاف المعهود، ناسب ذلك أن تكون هى أعظم الذنوب عند الله تعالى.
وقد ذكر ابن مسعود ﵁ أن رَسُول- اللَّهِ ﷺ لما سئل: أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟
، فقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قُيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ:
«ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قُيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»
قَالَ ابن مسعود رضى الله عنه:
وَنَزَلَ قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (٢)
*عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ لما سئل: " أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ "؟
قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»:
والمعنى:
أن الذى خلق -سبحانه- هو الأحق أن يُفرد بالعبادة، فلا يُشرك معه غيره من خلقه، ولا يُجعل معه سميٌ؛ فإن الله -تعالى- لا سمي له، ولا كفء له ولا ند
стр. 884
له، ولا يُقاس بخلقه.
ولذا فحديث الباب يوضح لنا واحدة من العلاقات المهمة بين أقسام التوحيد.
* العلاقة بين أقسام التوحيد:
هي أنواع ثلاثة: علاقة تلازم، وعلاقة تضمن، وعلاقة شمول.
١ - توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
٢ - توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.
*وللتوضيح نضرب الأمثلة على ذلك كما يلى:
١ - الأمر الأول:
*توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية*
فلا شك أن المقر لربه -تعالى- أنه خالقه ورازقه ومحييه ومميته ومدبر أمره، فلا بد أن يفرده بالعبادة.
فالمقدمة الأولى مستلزمة بلا شك لهذه النتيجة؛ ولهذا كانت هي محل خطاب الأنبياء والرسل لأقوامهم لإقامة الحجة عليهم.
ففى مناظرة إبراهيم ﵇ قد أبان لهم هذه الحجة التى يذعن لها كل منصف، ففى ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
قال تعالى حاكياً عن ذلك (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)) (الشعراء ٧٥ - ٨١)
وفى قصة مؤمن آل ياسين قال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)) (يس: ٢٢ - ٢٣)
وقال الله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)) (الفاتحة /٢)، فكل الحمد لله عزوجل -وهذا من توحيد الألوهية- لأنه رب العالمين.
وفى أول أمر فى كتاب الله، قال عزوجل (يَاأَيُّهَا
стр. 885
النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)) (البقرة/٢١)
وفي سورة النمل مثالٌ رائع للإلزام الإلهي بإفراد العبادة له استدلالاً بربوبيّتة وذلك في آياتٍ متتاليات: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)) (النمل/٦٠)
* ومن الأمثلة القرآنية البديعية فى تقرير وإرساء هذا المعنى ما ورد فى قوله تعالى:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ (النحل: ٢٨)
فهل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء؟!!
وهذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على سفه من اتخذ شريكاً مع الله -تعالى- وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساوياً لله -تعالى-ولا له من العبادة شيء. (١)
* ومن السنة:
حديث الباب، حيث جاء الإنكار على من يجعل لله -تعالى- نداً، على الرغم من أن الله -تعالى- هو الذى خلق العبد (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)) (لقمان/١١)
قال القرطبي:
قوله ﷺ : " أن تدعو لله نداً وهو خلقك " الند: المثل، وجمعه: أنداد، وهو نحو قوله تعالى: (فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُم تَعلَمُونَ)
ومعناه: أن اتخاذ الإنسان إلهاً غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه: من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات؛ وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. (٢)
قال ابن القيم:
والإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة
стр. 886
والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله -تعالى- عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية. (١)
وبناء على علاقة الاستلزام بين توحيد الإلوهية وتوحيد الربوبية فقد حكم القرآن بكفر من جعل لله -تعالى - نداً فى الدعاء، وإن كان مقراً فى الجملة بتوحيد الربوبية.
فلم يك ينفعهم إيمانهم بالله -تعالى- الرب المدبر المحيي المميت مع إشراكهم به فى الدعاء، بالتوجه إلى الوسائط ودعائها من دون الله تعالى.
فإن الذين قاتلهم النبي ﷺ لم يعتقدوا فى اللات والعزة ومناة قدرة على الخلق ولا الإحياء ولا التدبير، ولا غير ذلك من صفات الربوبية، بل جعلوها قربة وقبلة لدعائهم يتقربون بها الله -تعالى- زلفى، وقالوا " مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى".
ومع ذلك فقد حكم الله -تعالى- عليهم بالكذب فى دعواهم وبالكفر في دعائهم، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)) (الزمر: ٣).
قال ابن أبي العز:
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظَّار؛ ويفنى فيه كثير من أهل التصوف؛ ويجعلونه غاية السائلين، وهو مع ذلك لم يعبد الله وحده، ولم يتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركًا، من جنس أمثاله من المشركين. (٢)
قال عكرمة في قوله تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وهم مشركون) (يوسف/١٠٦) قال:
يسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله، فذلك إيمانهم،
وهم يعبدون غيره. (٣)
стр. 887
قال أبو العباس ابن تيمية:
والشرك في الربوبية هو إثبات فاعل مستقل غير الله، وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه، بل كانت مقرة بأن الله -تعالى- خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما كان من شرك فى الإلهية، فإثبات التوحيد في النوع الثاني يتضمن الأول، من غير عكس. (١)
وقال ﵀:
كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمروالكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالي، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول:
إن هذا ليس بشرك: وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سبباً وواسطة لم أكن مشركاً، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك. (٢) لذا فمن الغلط البيِّن ما ادعاه مرجئة المتكلمين من الزعم أن دعاء غير الله -تعالى- لا يكون شركاً إلا إذا اعتقد فيمن يدعوه من دون الله -تعالى- أنه شريك مع الله فى أفعاله أو في صفاته أو ذاته. (٣)
٢ - الأمر الثانى:
توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية:
فتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾. (الإسراء: ٤٢)
*وكذلك:
فإن من عبد الله -تعالى- ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمناً على اعتقاده وإقراراه بأن الله -تعالى- هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
٣ - الأمر الثالث:
*توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معاً*
وذلك لأنه يقوم على إفراد الله - تعالى- بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ، والتي من جملتها:
" الرب - الخالق -
стр. 888
الرازق - الملك.. "، وهذا هو توحيد الربوبية.
ومن جملتها: " الله - الغفور- الرحيم - التواب.... "، وهذا هو توحيد الألوهية.
*توحيد الألوهية رأس الأمر وذروة سنامه:
فتوحيد الألوهية هو الذي وقع فيه شرك غالب البشر، إذ إن المشركين كانوا يعترفون بأن الله -تعالى- هو الخالق لجميع الموجودات، ومعلوم أن الأنبياء والرسل قد جاؤوا بتقرير توحيد الربوبية، ففي القرآن المجيد أدلة قاطعة في إثباته، ولكن إذا تأملت عموم كتب الأنبياء، والقرآن خصوصاً وجدتها قد جعلت إثبات توحيد العبادة هو قطب الرحى، فهو أساس دعوة القرآن، وهو خلاصة معنى لا إله إلا الله، يقول تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)
فبعثة الرسل إنما كانت لتقرير توحيد العبادة، لا الإثبات أنه تعالى خالق لجميع المخلوقات فقط، إذ المشركون كانوا يقرون بالخالقية لله وحده.
ولهذا وردت آيات من القرآن في تقرير انفراده تعالى بالخلق بصيغة الاستفهام الإنكاري؛ لأن المشركين لم ينكروا ذلك بل يعترفون به، قال تعالى:
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)) (فاطر: ٣)، وقال تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (إبراهيم: ١٠)
فهذه الآيات تشير إلى أن المشركين لم يجعلوا مع الله -تعالى- شركاء في خلقه للسماوات والأرض، ومثلهم النصارى عندما أشركوا بالمسيح ومريم ﵉، وكذلك الذين أشركوا بالكواكب والملائكة لم يعتقدوا أنها الرازق المحيي المميت، بل جعلوها شريكا مع الله تعالى في عبادتهم واتخذوها شفعاء، كما حكى الله تعالى قولهم: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس: ١٨) (١)
стр. 889
*عودٌ إلى حديث الباب:
- الفائدة الثالثة: قوله ﷺ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً، ..
تعريف الشرك في الاصطلاح:
مساواة غير الله -تعالى-فيما هو من خصائص الله -تعالى- من الأسماء أو الصفات أو الربوبية أوالألوهية، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (سورة الشعراء: ٩٧ - ٩٨.)
*أقسام الشرك:
والشرك شركان: شرك أكبر يخرج من المِلَّة، وشرك أصغر لا يخرج من الملة.
وحدَّ الشرك الأكبر:
أن يصرف العبد نوعا أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله، فكل: اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله-تعالى- وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر، وهذا ضابط للشرك الأكبر لا يشذ عنه شيء.
ويمكن أن يختصر فى قولنا: "أن يجعل الإنسان لله -تعالى-نداً في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته".
* وعليه فحديث الباب يؤسس تعريفاً جامعاً لمعنى الشرك، بقوله ﷺ : "أن تجعل لله نداً وهو خلقك "، والند: المثل والشبيه، فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله، فقد أشرك به، شركاً يبطل التوحيد وينافيه.
*وأما حدّ الشرك الأصغر فهو:
كل وسيلة وذريعة يتطرّق منها إلى الشرك الأكبر، من: الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة. (١)
*وكما أن التوحيد يتحقق بحصوله فى أقسامه الثلاثة:
"الربوبية والإلوهية، والأسماء والصفات"، فكذلك الشرك الأكبر يحصل بنقض واحدة من هذه الثلاث:
стр. 890
أ) شرك في الربوبية:
وذلك بأن يجعل لغير الله -تعالى- معه تدبيرًا أو خلقاً أو إحياءً، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]
ويدخل فى ذلك شرك المتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد والأبدال المعتقدين فيهم التصرف والتدبير.
قال أبوالعباس ابن تيمية:
الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته. (١)
ب) شرك في الإلهية:
بأن يدعو غير الله -تعالى- دعاء عبادة، أو دعاء مسألة كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أو يُتوجه لغيره عزوجل مما لا يصرف إلا لله -عزوجل- من نذر أو ذبح أو سجود، ونحو ذلك.
قال أبوالعباس ابن تيمية:
الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله نداً - أي: مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته. (٢)
وقال ﵀:
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات: فهو كافر بإجماع المسلمين. (٣)
قال عبد الرحمن بن حسن:
واعلم أن اتخاذ الند على قسمين:
الأول: أن يجعله لله -تعالى - شريكاً في أنواع العبادة أو بعضها، وهو شرك أكبر.
والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: " ما شاء الله وشئتَ "، " ولولا الله وأنت"، وكيسير الرياء.
стр. 891
ثم أوضح ﵀ الفرق بين استخدام "الواو" و "ثم"، فقال:
وذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساوياً للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، ... بخلاف المعطوف بـ " ثم "؛ فإن المعطوف بها يكون متراخياً عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعاً. (١)
ج) شرك الأسماء والصفات:
وذلك أن يسمِّى الله -تعالى- أو يصفه بصفات البشر، أوالعكس، كما وصفت اليهود يد الله أنها مغلولة، وكما اشتق مشركو العرب لأصنامهم أسماء من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)) (النجم: ١٩ - ٢٠)، وكما زعمت الحلولية أن الله - تعالى- يحل فى مخلوفاته.
*هناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها:
١ - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله -تعالى- لصاحبه إلا بالتوبة منه، قال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)) (البقرة/٢١٧)
وأما الشرك الأصغر فقد اختلف فيمن مات وهو في صحيفته دون توبة منه، فقيل:
إنه تحت المشيئة، وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذَّبه الله -تعالى- عليه، لكن لا يخلد في النار.
٢ - الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الشرك الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
٣ - الشرك الأكبر مخرج عن الملة، وأما الشرك الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل صاحبه معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته، ويرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في
стр. 892
النار، وإن دخلها فمآله إلى الجنة.
٥ - أن الشرك الأكبر صاحبه غير معصوم النفس والمال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني، معصوم النفس والمال.
**عودٌ إلى حديث الباب:
- الفائدة الرابعة: قوله ﷺ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وهو خلقك، ..
وهنا سؤال:
هل اتخاذ الأنداد مع الله -تعالى- يعد من الشرك الكبر، أم من الشرك الأصغر؟
*والجواب على تفصيل:
١ - اتخاذ الأنداد قد يكون شركاً أكبر:
اتخاذ الأنداد مع الله -تعالى- قد يكون شركاً أكبر، والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئاً من العبادة فقد اتخذه نداً لله، سواء كان نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً أو صنماً أو غير ذلك من المخلوقات.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر/٨)
ويدل عليه أيضاً حديث الباب، حيث سئل الرسول ﷺ :
" أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ فقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»
والأصل فى اتخاذ الأنداد أن تكون من الشرك الأكبر، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
وأصل الشرك أن تعدل بالله - تعالى- مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله -تعالى- شيئاً من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به. (١)
قال ابن القيم فى النونية:
والشرك فاحذره فشرك ظاهر
؛؛؛
ذا القسم ليس بقابل الغفران
стр. 893
وهو اتخاذ الند للرحمن
؛؛؛
أيا كان من حجر ومن إنسان
يدعوه أو يرجوه ثم يخافه؛؛؛
ويحبه كمحبة الرحمن.
قال ابن القيم:
والشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نداً، يحبه كما يحب الله تعالى، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت، وإنما كانت
هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم. (١)
*ومن الحالات التى يكون اتخاذ الأنداد فيها شركاً أكبر:
أ) من تقرَّب لغير الله -تعالى- بعبادة قلبية أو بدنية، كدعاء أو استغاثة أو نذر أو حب.. ، فقد جعل لله -تعالى- نداً من خلقه فيما يستحقه تعالى من توحيد الألوهية، وذلك كفر بإجماع الأمة.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:
والشرك جعْل شريك لله -تعالى- فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والتعظيم والخوف والرجاء والإنابة، والتوكل والنسك والطاعة، ونحو ذلك من العبادات; فمتى أشرك مع الله -تعالى- غيره في شيء من ذلك، فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه، وجعل له ندا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالاً بشيء منها. (٢)
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِعدى فى بيان حقيقة الشرك:
هو أن يجعل لله -تعالى-نداً يدعوه كما يدعو الله تعالى، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله تعالى،
стр. 894
أو يصرف له نوعاً من أنواع العبادة، فهذا الشرك لا
يبقى مع صاحبه من التوحيد شيء، وهذا المشرك الذي حرَّم الله -تعالى- عليه الجنة ومأواه النار. (١)
ولذلك عدة صور ومظاهر، نذكر منها:
١ - الأولى: التوجه بكلية العبادة للأنداد بشبهة باطلة:
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)) (الزمر: ٣)
فقد توجهوا لتلك الأصنام بشتى العبادات المالية: كالنذر والقرابين والذبائح، والبدنية: كالطواف والسجود وغير ذلك، واتخذوهم من دون الله أولياء يتولونهم، ويعبدونهم من دون الله تعالى، ويقولون:
"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا ". فصار ضابط الشرك الأكبر فى توحيد الألوهية هو اتخاذ الند من دون الله تعالى، وصرف العبادة له.
*والقاعدة المطردة هنا:
" كل ما ثبت بالكتاب أو السنة أنه عبادة، فصرفه لله -توحيد، وصرفه لغير الله شرك ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كل من غلا في حي وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول:
إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى؛ مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. (٢)
٢ - الثانية: دعاء غير الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَا
стр. 895
يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقال تعالى (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)) (فاطر/١٣ - ١٤)
* وفى هذه الآية الثالثة فائدتان:
أ- تأكيد لقضية التلازم بين توحيد الربوبية والألوهية؛ وذلك لأن الله -تعالى-قد جعل عدم ملكية من يُدعى من دون الله -تعالى -مسقطاً لجواز دعائه، والعكس بالعكس.
ب- الحكم بالشرك على من دعا غير الله تعالى، كما فى قوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ...)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود-رضى الله عنه- قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ :
«مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (١)
٢ - الثالثة: صرف العبادات القلبية للأنداد "شرك المحبة":
قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ... (١٦٥)) (البقرة/١٦٥)
ومعنى" يحبونهم كحب الله": أي يسوون بين الأصنام وبين الله - تعالى- في المحبة. ... قال أبوالعباس ابن تيمية:
معلوم أن أصل الإشراك العملي بالله -تعالى -الإشراك في المحبة، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ
حُبّاً لِلَّهِ﴾
فأخبر أن من الناس من يشرك بالله -تعالى- فيتخذ أنداداً يحبونهم كما يحبون الله تعالى، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حباً لله -تعالى - من هؤلاء لأندادهم
стр. 896
ولله؛ فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين الأنداد.
والمؤمنون أخلصوا دينهم لله -تعالى-الذي أصله المحبة لله تعالى، فلم يجعلوا لله عدلًا في المحبة، بل كان الله ورسوله ﷺ أحب إليهم مما سواهما. (١)
قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن:
فكل من اتخذ نداً لله -تعالى- يدعوه من دون الله -تعالى-ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه، من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله -تعالى-
وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون لا إله إلا الله ويصلُّون ويصومون، فقد أشركوا في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.
فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله -تعالى- يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا " لا إله إلا الله " فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة. (٢)
٤ - الرابعة: شرك الطاعة:
وذلك بادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله سبحانه، فمن فعل ذلك فقد أثبت لله -تعالى- الند فى باب التشريع.
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:
" يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ، فَطَرَحْتُهُ، وَسَمِعْتُهُ " يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا "، فَقُلْتُ:
إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ:
" أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ. " (٣)
ويدخل فى ذلك ما كان معروفاً عند مشركي العرب من تحريمهم ما أحل الله
стр. 897
-تعالى- بسخافات العقول الباطلة، قال تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)) (المائدة: ١٠٣)
فكل من تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد تحاكم
إلى الطاغوت الذي أمر الله - تعالى- عباده المؤمنين أن يكفروا به; فإن التحاكم
ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن كان يحكم بهما، فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عمَّا شرعه الله ورسوله ﷺ ، وأنزله منزلة لا يستحقها. ويدخل فى هذا الباب كل من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله تعالى، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله عزوجل، ما لم يكن له تأويل سائغ يُعذر به. (١)
٥ - الخامسة: إدعاء القدرية خلق العباد لأفعالهم:
وقد وقع في ذلك القدرية نفاة القدر، الذين جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا (مجوس هذه الأمة) (٢)، بل أردأ من المجوس من حيث أن المجوس أثبتوا خالقين، خالقاً للخير وخالقاً للشر، وأما هؤلاء فقد أشركوا جميع العباد في الخلق، فقالوا هم يخلقون أفعالهم، وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فإن الله -تعالى-خالق كل شيء، قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)) [غافر: ٦٢]، وقال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) (الصافات: ٩٦)
ومن جملة مخلوقاته أفعال العباد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ولا يدل هذا على أن العبد ليس بفاعل على الحقيقة ولا مريداً ولا مختاراً، بل هو فاعل لفعله حقيقة، وأن إضافة الفعل إليه إضافة حق، وأنه يستوجب عليه المدح والذم والثواب
стр. 898
والعقاب، لكن لا يدل هذا أنه واقع بغير مشيئة الله وقدرته.
فأفعالهم لله -تعالى- خلق ولهم كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكاً ونداً ومساوياً له في نسبة الفعل إليه، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)) [البقرة: ٢٢]
وعليه فإنَّ القدرية داخلون تحت النهي الوارد فى هذه الأية، كما قددخل فيها المشركون.
*لذا فقد نبَّه ابن بطال على مقصود البخاري من ذكر حديث الباب فى كتاب التوحيد فقال:
غرضه في هذا الباب إثبات الأفعال كلها لله ، كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله خلق وللعباد كسب ولا ينسب شيء إلى غير الله تعالى فيكون شريكاً له ونداً مساوياً له في نسبة القول إليه، ونبَّه الله - تعالى -عباده على ذلك بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أنه الخالق لكم ولأفعالكم وأرزاقكم، رداً على من زعم من القدرية أنه يخلق أفعاله، فمن علم أن الله -تعالى- خلق كل شيء فقدَّره تقديراً، فلا ينسب شيئاً من الخلق إلى غيره. (١)
* ومن الحالات التى يكون اتخاذ الأنداد فيها شركاً أصغر:
قد ورد عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢] قال:
الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه:
ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان، فإن هذا كله به شرك. (٢)
فقد بيَّن ابن عباس-رضى الله عنهما- الحالات التى يقع فيها اتخاذ الأنداد شركاً أصغر،
стр. 899
ونذكر من ذلك:
١ - التشريك فى المشيئة بين الخالق والمخلوق:
وهو قول الرجل: "ما شاء الله وشئت":
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ :
مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ ". (١)
قال ابن رجب فى تفسيره لقول اللَّهُ تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي...) (آل عمران: ٨٠)
قال ﵀:
وكان رسول الله ﷺ ينكر على من لا يتأدب معه في الخطاب بهذا الأدب، كما قال: " لاتقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد"، وقال: لمن قال: ما شاء الله وشئت: "أجعلتنى لله ندا؟!، بل ما شاء الله
وحده "، فمن هنا كان خلفاء الرسل وأتباعهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده، وإفراده بالعبودية والإلهية. (٢)
٢ - يسير الرياء:
وعن شداد بن أوس ﵁ -قال:
«كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». (٣)
قال ابن القيم:
وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر،
стр. 900
بحسب قائله ومقصده. (١)
٣ - التطير والتمائم:
وأما التطير فهو التشاؤم بالطيور، والأسماء، والألفاظ والأرقام، والبقاع وغيرها، فنهى الشارع عن التطير بل قد جعله صنفاً من صنوف الشرك.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ "، قال ابْنُ مَسْعُودٍ رضى الله عنه: وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. (٢)
وإنما كانت شركاً أصغر لاعتقادهم أن رؤيتها يتسبب فى حصول المكروه للشخص، وأما إن كان اعتقاد المتشائم أن الطيرة تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً فلا شك أن هذا من الشرك الأكبر.
فكل من اعتقد أن شيئاً سوى الله -تعالى-ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركاً جلياً.
* ومما يدل على أن الطيرة من الشرك الأصغر:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو- ضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ "، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ:
" أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". (٣)
فلما جعل النبي ﷺ هذا الذكر كفارة للمتطير دل أنه من الشرك الأصغر، إذ لو كانت الطيرة شركاً أكبر على كل حال لم يكن لها كفارة إلا شهادة التوحيد.
* ويندرج كذلك تحت هذا الباب "التمائم":
وأما التمائم:
فهى لبس شيء من
стр. 901
الخيط أوالخرز أوالحلقة والخيط ونحو ذلك لرفع البلاء أو دفعه. عَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بن مسعود-رضى الله عنه- قَالَتْ:
فَرَأَى عبد الله فِي عُنُقِي خَيْطًا، قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟
قَلتْ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
" إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ " (١)
عن عروة قال: " دخل حذيفة -رضى الله عنه -على مريض، فرأى في عضده سيراً فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ". (٢)
وتلاوة حذيفة -رضى الله عنه- الآية دليل على أن الصحابة -رضى الله عنهم- يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر. (٣).
تم بحمد الله.
стр. 902
الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب
стр. 903
* حديث الباب:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ:
«إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ -تعالى- فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاس، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَاب»
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٧٣٧٢) باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎.
ومسلم (١٩) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
*أهم الفوائد المنتقاة من حديث الباب:
الفائدة الأولى:
قد كان من شأن النبي ﷺ أن يبعث أصحابه -رضى الله عنهم- ليعلموا الناس أمر دينهم، ويدعونهم إلى الإسلام، ومن ذلك حديث الباب، حيث بعث النبى ﷺ معاذ بن جبل-رضى الله عنه- إلى اليمن داعياً ومعلماً ومربياً.
وقد أرسله النبى ﷺ إلى اليمن سنة عشر من الهجرة، وذلك قبل حجه ﷺ ، فلم يزل على اليمن والياً وقاضياً إلى أن قدم في خلافة أبي بكر رضى الله عنه، ثم توجَّه معاذ -رضى الله عنه- إلى الشام فمات بها.
وكان مما قاله ﷺ لمعاذ رضى الله عنه:
" إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ... "، وفى رواية فى الصحيح: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة
стр. 904
أن لا إله إلا الله... "
* فإن قيل:
إن كانوا هم قوماً من أهل الكتاب، فلما يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؟ *والجواب:
أن المذكورين في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى، وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه.
فكان قولهم " لا إله إلا الله " لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة، كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليداً للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام. (١).
*الفائدة الثانية:
أول الواجبات على المكلف معرفة الله -تعالى- بالعبادة والتوحيد:
وهذا الذي عليه جماهير السلف من أهل السنة؛ فقد ورد فى حديث الباب قوله ﷺ :
" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ.. "، وفى رواية: " فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، ... "، وفى رواية:
" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، .. "
فدلت هذه الروايات فى مجموعها على أن أول الواجبات التى تجب على المكلف هي عبادة الله - تعالى- وتوحيده.
*وقد خالف فى ذلك جماعة المعتزلة والأشاعرة والشيعة الإمامية:
فقالت المعتزلة: إن أول واجب على المكلف هو النظر، وعلى هذا عامة المعتزلة،
كما قرر ذلك القاضي عبد الجبار فى كتابه "شرح الأصول الخمسة" (ص/ ١٥ - ٣٧).
стр. 905
واختلف قول الأشاعرة فى ذلك:
فمنهم من قال: أول واجب على المكلف هو المعرفة، وهو قول الأشعرى، وهو قول أكثر الأشعرية، كما نص عليه الإيجي فى المواقف (ص/٣٢)، والبيجورى في التحفة (ص: ٨٢).
وقال بعضهم: هو النظر الموصل إلى المعرفة، وهو قول السنوسي والإسفراينى. (١)
قال الآمدي:
أجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى، ووجوب معرفة الله -تعالى - لا يتم إلا بالنظر. (٢)
وقال بعضهم: القصد إلى النظر، وقال به الباقلاني والشيرازي، كما في الإشارة (ص/١٨١).
وأقبح من هذا وذاك من قال منهم:
إن أول واجب على المكلف هو الشك في الحقائق، فيشك المرء في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن أبا هاشم وطائفة معه قد أوجبوا الشك، وجعلوه أول الواجبات.!! (٣)
وذهب الأشاعرة إلى أن عوام المسلمين الذين لا يعرفون الله - تعالى - بالأدلة العقلية ليسوا بالمؤمنين في الحقيقة، وإنما تجري عليهم أحكام الشريعة، وهذه المسألة تعرف بمسألة وجوب الاستدلال على معرفة الله تعالى، فأوجبوا ذلك،
стр. 906
وجعلوه شرطاً في كون المرء من أهل القبلة. (١)
*وأما الشيعة الإمامية فقالوا:
إن النظر في معرفة الله - تعالى- واجب بالاتفاق، وفرض على كل مكلف بحكم العقل أن يتفكر في صفات الله - تعالى- ويعرفه بتلك الصفات وجوباً. (٢)
وأصل البلاء عند القوم جميعهم هو إنكارهم للمعرفة الفطرية، بل تصريحهم بأن وجود الله - تعالى - غير معلوم بالاضطرار، وإنما يُعلم بالنظر والاستدلال، وهذا ما قرره وصرح به القاضي المعتزلي عبد الجبار، وتبعه على ذلك الباقلاني. (٣)
*وأما الأشاعرة ففى تنصيصهم على إيجاب المعرفة أوالنظر فقد حددوا مسالك عقلية ينبنى عليها إثبات وجود الله تعالى.
وهذه المسالك تدور فى جملتها على مسألة الحدوث والإمكان، وأنه لإثبات وجود الخالق لابد من إثبات وجود الأجسام، والأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فكان حدوث العالم هو برهان وجوده تعالى. (٤)
стр. 907
* والراجح الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة، ومن نصوص السنة الدالة:
١ - الأول: حديث الباب:
فقد نصت روايات حديث الباب أن أول ما يجب على المكلف هو معرفة الله -تعالى- بالتوحيد والعبادة.
قال عبد الرحمن بن قاسم النجدي معلقاً على حديث الباب:
فلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علماً وعملاً، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله:
" فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله "، مع قوله:
"إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره
أن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك. (١)
قال ابن حجر:
وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله -تعالى- وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قُبِل منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا. (٢)
٢ - الثانى:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ-رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ... " (٣)
فقد بيَّن النبي ﷺ أنه يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.... "، فإذا قالوها كف عن قتالهم وقبل إسلامهم، ولم يقل " حتى يستدلوا على معرفة الله.. "، ولم يؤمر بمطالبتهم بالاستدلال على معرفة معبودهم.
ففي هذا دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه المحققون والجماهير من السلف
стр. 908
والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين.
ولأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي. (١)
* والواقع أننا إذا نظرنا في النصوص الواردة نجد أن الرسول ﷺ ما كان يأمر من يرد الدخول في الإسلام بالنظر والاستدلال ابتداءً، وما كان يدعو الناس إلى ذلك عندما يغزوهم ويدعوهم للإسلام، بل كانت أول ما يدعوهم إليه الشهادتان.
* الثالث:
عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ:
عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. (٢)
فأمر ﷺ بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين دون البحث أو النظر، ويدخل في ذلك مسائل الاعتقاد. (٣)
* الرابع:
أن النبي ﷺ قد أنكرعلى أسامة بن زيد ﵄
قتله الرجل بعد تلفظه بالشهادة، وقال له ﷺ :
" ﷺ ، فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. (٤)
فدل ذلك على أن من تلفظ بكلمة التوحيد دخل في الإسلام وحرم دمه، وإن لم
يستدل.
* الخامس:
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ - وهو ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ- مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ:
стр. 909
«صَدَقَ» ... ، فقال في آخره: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
... «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ». (١)
قال ابن الصلاح:
وفي هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أن العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزماً من غير شك وتزلزل، خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة.
وذلك أنه ﷺ قرر ضماماً على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ﷺ من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك قائلا له إن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم. (٢)
*الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه.
إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه لم يوجب هذا
على الأمة ولا أمرهم به بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة. (٣)
قال أبو المظفر السمعاني:
وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا:
أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري، وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف، وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها، لا منقولًا من النبي ﷺ ، ولا من الصحابة ﵃، وكذلك من التابعين بعدهم. (٤)
стр. 910
* والصحابة-رضى الله عنهم- الذين فتحوا البلدان لم يؤثر عنهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى النظر والاستدلال، وإنما كانوا يدعونهم إلى الشهادتين أولاً ويكتفون منهم بها، ويكفُّون عن قتال من قالها.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على بطلان هذه الدعوى الكلامية، وأبان اللوازم الباطلة لمن قال بها. (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل
أحد، والنبي ﷺ لم يدع أحداً من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا
إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه رضى الله عنهم. (٢)
قال ابن حزم:
فمن الباطل المتيقن أن يكون الاستدلال فرضاً لا يصح أن يكون أحد مسلماً إلا به ثم يغفل الله أن يقول لا تقبلوا من أحد أنه مسلم حتى يستدل.
وما قال قط رسول الله ﷺ لأهل قرية لا أقبل إسلامكم حتى أعلم المستدل من غيره، وكذلك أجمع الصحابة ﵃ -على الدعاء إلى الإسلام وقبوله من كل واحد دون ذكر استدلال. (٣)
*وها هو الغزالي - رغم سلوكه لهذا النهج- ينفض عن نفسه غبار هذا الطريق والطريقة، فيقول:
" فليت شعري متى نُقل عن رسول الله ﷺ أو الصحابة -رضى الله عنهم- إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: " الدليل على أن العالم حادث:
أنه لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ". (٤)
* و الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية:
"وأما الرب تعالى فهو معروف بالفطرة، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾، فالمشركون
стр. 911
من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرُّون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر. (١)
قال ابن القيم:
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. (٢)
** كما يقال إن المتكلمين مع ولوجهم التام غير المنقوص فى العقليات فما استطاعوا الفرار من شهادة الفطرة السليمة بمعرفة الله تعالى.
فقد أقر بهذا كبار رموز الأشاعرة، وهو الفخر الرازي، وهو من أكثر المتكلمين إغراقاً في المعقولات، فقد ذهب خلافاً لمعظم الأشاعرة إلى أن معرفة الله -تعالى- فطرية لا تحتاج إلى نظر.
فيقول في تفسيره:
" وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأنَّ الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول:
من الذي ضربني؟
وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، فبأن تشهد بافتقار
стр. 912
جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى. (١)
قال الغزالي:
بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا الله، وما أمروا أن يقولوا: " لنا إله وللعالم إله "؛ فإن ذلك كان مجبولًا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوئهم وفي عنفوان شبابهم، ولذلك قال تعالى ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. (٢)
*والمقصود:
أن النظر مشروع، بل مندوب إليه، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب يختلف باختلاف أحوال الناس.
فأول الواجبات على الكافر هو الشهادتان، وأما المسلم فعليه القيام بلوازم الشهادتين ومقتضياتها العملية والقولية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.
وأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهراً، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء. (٣)
* إذا كان كذلك فليعلم أن التقليد في هذا الباب نوعان:
١) الأول:
التقليد الذى ذمه الأشاعرة والمتكلمون والذى ينبنى - كما زعموا- على معرفة الله والعلم به من غير نظر ولا إعمال للعقل، وقد سبق الرد على بطلان ذلك.
٢) الثانى:
التقليد الذى ذمه أهل السنة والذى ينبنى على نطق الشهادتين دون العلم بمعانيهما، فالشارع قد اشترط في صحة الشهادتين العلم بمعانيهما، فهذا هو الذى يكون
стр. 913
شرطاً في عصمة الدم والمال.
أما النطق بها من غير معرفة لمعناها فغير نافع بالإجماع.
قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
فلابد أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى.
وقال تعالى (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
قال القرطبي:
إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. وشهادة الحق: " لا إله إلا الله ".. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به، فالشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، والتقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. (١)
*وعن عثمان بن عفان -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ " (٢)
قال سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب:
قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله". أي من تكلم بهذه الكلمة عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً كما دل عليه قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ٢٠]. وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٧].
أما النطق: بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع.
وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله: "من شهد"؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. (٣)
*الفائدة الثالثة:
خبر الآحاد حجة فى الاعتقاد:
وهو مذهب أهل السنة، وقد دل حديث الباب على ذلك؛ حيث بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل - رضى الله عنه- داعياً الناس إلى الشهادتين.
*ومن أدلة الكتاب على ذلك:
١ - قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
стр. 914
طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
(التوبة / ١٢٢)
أوجه الدلالة من الأية:
أ-قوله تعالى" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ... "
الطائفة فى اللغة تطلق على الواحد فصاعداً، فلما اعتبر الشارع إنذاره دل على أن قوله حجة معتبرة، وإلا فلم يكن لإنذاره فائدة.
ب- قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ):
الدين: اسم جنس محلى بـ " الـ " الاستغراقية، التي تفيد العموم، فتعم أبواب
الاعتقاد وأبواب الفقه وغير ذلك، ففيه رد على من فرَّق في حجية خبر الآحاد بين مسائل الاعتقاد وغيرها.
وقد بوَّب البخاري لهذه الأية: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.
٢ - قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)) (الإسراء: ١٥)، وقوله تعالى
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)
وجه الدلالة:
قد علَّق الله -تعالى- نفي التعذيب على إقامة الحجة، وجعل إقامة الحجة حاصلة ببعثة الرسول، وهو واحد فقط.
قال الشافعي:
أقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه ﵇ في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة، وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً، تقوم الحجة بالواحد منهم قياماً بالأكثر. (١)
стр. 915
٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ [الحجرات: ٦]
وجه الدلالة:
أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علِّل بالفسق؛ وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
، إذ لو كان معللًا بالغير لاقتضى حصوله به، فعلَّل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلِّية، فيكون التبيين معللًا بالفسق، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته. (١) أضف إلى ذلك أن قوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا):
فيه دلالة على حجية خبر الواحد فى مسائل الاعتقاد؛ لأنه قوله " بنبأ ":
يعم ما كان فى أمر الأصول وما كان في الفروع.
٤ - قَال تعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علماً، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقاً، فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافياً. (٢)
* ومن أدلة السنة:
١ - ما تواتر من فعل النبي - صلى الله ﵇ أنه كان يبعث بآحاد أصحابه - رضى الله عنهم- إلى الملوك ليدعوهم إلى دين الإسلام، ومن ذلك:
أ - ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب " كتاب أخبار الآحاد"، باب
"باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل، واحداً بعد واحد "، ثم قال البخاري:
"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: بَعَثَ