وعن أبي جمرة قال:
لمّا بلغني تحريق البيت خرجت إلى مكَّة، واختلفت إلى ابن عبَّاس -رضى الله عنهما- حتَّى عرفني، واستأنس بي، فسببت الحجَّاج عند ابن عبَّاس رضى الله عنه، فقال:
" لا تكن عونًا للشيطان ". (١)
-قال أنس بن مالك ﵁:
نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ، وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ». (٢)
ولما وقعت فتنة القول بخلق القرآن، وجُد الإمام أحمد بغير حق إلا أن يقول القرآن كلام الله تعالى، غير مخلوق، ومع لم يخلع يداً من طاعة.
وقد راوده فقهاء عصره على الخروج على الأئمة، وبكلمة منه تموج الأرض بأسراب من البشر، ولكنه أبى وصبر، واحتسب وغفر، فحقنت بذلك دماء فئام من البشر.
*قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق فقالوا:
" يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا، ولسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فقال لهم:
«عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماء المسلمين، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها
بالصبر". (٣)
*الوجه الرابع:
أن الإجماعات منعقدة على عدم عزل الإمام بفسقه، مما يكون دليلاً على صحة بيعته، وعدم جواز الخروج عليه أو قتاله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على
стр. 983
الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم، إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر. (١)
وممن نقل هذا الإجماع:
النووي و أبو الحسن الأشعري والقاضي عياض والكرماني وغيرهم. (٢)
ولقد كان أئمة السنة يجعلون مسألة الخروج على الولاة أحد العلامات الفارقة بين أهل السنة، وأهل البدعة كما نص على ذلك ابن المديني، والبربهاري، و غيرهما.
* وكان من أئمة الحديث من كان يترك الرواية عمن يقول بهذا المذهب:
١ - ترك أبو مسهر عبد الأعلى الغساني الرواية عن محمد بن راشد لأنه يرى الخروج على الأئمة.
٢ - قال ابن حجر: "كان الحسن بن صالح يرى السيف على أئمة الجور".
٣ - قال أبو داود: " علي بن أبي طلحة له رأي سوء، كان يرى السيف. (٣)
*الوجه الخامس:
أن الناظر والمستقرئ لأحوال الخارجين على أئمة الجور لا يرى إلا فساداً عمَّ البلاد والعباد، وفي هذا أبلغ رد على من يسعون إلى الإصلاح المتوهم من وراء الخروج على السلطان.
قال الحسن البصري:
"لو أنَّ الناس إذا ابتُلوا من قِبَلِ سلطانهم بشيء دعوا الله أوشك الله أن يرفع عنهم، ولكنهم فزعوا إلى السيف فوُكلوا إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم قرأ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] " (٤).
стр. 984
قال أبو العباس ابن تيمية:
ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ; لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته. (١)
وقال ابن القيم:
ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة، وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة؛ سداً لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة فى بقايا تلك الشرور إلى الآن. (٢)
قال ابن خلدون:
إنّ كثيراً من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدّين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والأمر بالمعروف رجاء في الثّواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم من الغوغاء والدّهماء، ويعرّضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السّبيل مأزورين غير مأجورين. (٣) قال الشيخ ابن العثيمين:
الحاكم لو كان أفسق عباد الله تعالى، عنده شرب خمر وغيره من المحرمات وهو فاسق، لكن لم يخرج من الإسلام، فإنه لا يجوز الخروج عليه، وإن فُسِّقَ؛ لأنَّ مفسدة الخروج عليه أعظمُ بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به. (٤)
стр. 985
* والتاريخ خير شاهد:
فالقارئ في وقائع الخارجين على أئمة الجور يرى أموراً يندى لها الجبين، ويشيب منها الجنين:
إنها واقعة الحرة المشهورة سنة ثلاث وستين من الهجرة، لما نقض أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وتهيأوا لقتاله. (١)
لكن قد انهزم أهل المدينة، ثم أباح مسلم بن عقبة، وهو أمير جيش يزيد، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة- قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، لا جزاه الله خيراً، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال.
وقتل خلقاً من أشرافها وقرائها، فقيل إنه قد قُتل سبعون رجلاً من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار، ومن الناس ما يقرب من أربعة آلاف.
ووقعوا على النساء، حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج، ووقع شر عظيم وفساد عريض. (٢)
* فإن قيل:
فما الجواب عمَّا وقع من حوداث الخروج على أئمة الجور، كخروج أهل المدينة على يزيد وخروج الحسين وابن الأشعث؟
فالجواب:
١ - أن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله،
وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد.
٢ - ولو تنزلنا أن الخروج على أئمة الجور كان مذهباً، فالأمر كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:
" استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم. (٣)
стр. 986
قال القاضي عياض:
وقد ادَّعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع -أي على عدم الخروج على أئمة الجور، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله أن لا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل.
وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيَّر من الشرع، وظاهر من الكفر، وقيل إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم. (١)
* فإن قيل:
أليس من شروط الإمام أن يكون عدلاً، فكيف نقر بالإمامة لفاسق؟
فالجواب:
أننا لا بد أن ننتبه للفرق بين أمرين:
الأول:
قد انعقد الإجماع على عدم جواز عقد الإمامة لفاسق، كما نقله القرطبي فقال:
لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ". (٢)
الثاني:
قد انعقد الإجماع الأول عدم عزل الإمام لفسقه، وأنه لا تسقط بذلك ولايته.
قال القاضي عياض:
فلو طرأ على الخليفة فسق؛ قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك. (٣)
فالقاعدة هنا: " يُغتفر في الاستدامة ما لا يُغتفر في الابتداء"
*شبهة والجواب عليها:
عَنْ طَارِقٍ بن شهاب -رضى الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
стр. 987
فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ ". (١)
أليس هذا يصلح أن يكون دليلاً على جواز الخروج على الحاكم الجائر؟
*الجواب:
أن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كلمة حق عند سلطان جائر ": تقتضي كون النصيحة للإمام عنده، وذلك على معنى "عندية المكان"، وهى الحضور الحسي والقرب، فليس تأويل الحديث أن يكون النصح على الملأ، ولابالجهر على المنابر، ولا في المحافل، فضلاً أن يكون بالخروج على السلطان والتشهير به، وتأليب العامة عليه.
فكلمة الحق عند السلطان الجائر، والتي هي أفضل الجهاد، لها ضوابط قد حددها الشرع، ولم يطلق لها العنان فتكون أداة لجلب المفاسد على الأمة.
فعن عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ -رضى الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال:
" مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ ". (٢)
* وقد ورد في رواية جابر -رضى الله عنه - أن النبي ﷺ قَالَ:
«سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَالَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ» (٣)
*وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ-رضى الله عنه- لما قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟
فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟!، وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ. (٤)
стр. 988
وهكذا يجب أن يعاتب الكبراء والرؤساء، يعظَّمون في الملأ إبقاءً لحرمتهم، ويُنصحون في الخلاء أداءً لما يجب من نصحهم؛ لأنَّه اتقى ما يكون عن المجاهرة بالإنكار والقيام على الأئمة؛ لعظيم ما يطرأ بسبب ذلك من الفتن والمفاسد، فينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد. (١)
وقد سئل ابن عباس ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال:
" إن كنت فاعلًا ولابد، ففيما بينك وبينه ". (٢)
قال ابن القيم:
ومن دقيق الفطنة أنك لا تردَّ على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ، وذلك خطأ ثانٍ، ولكن تلطّف في إعلامه به، حيث لا يشعر به غيره. (٣)
قال هارون الرشيد: يا أصمعي، وقرّنا في الملإ، وعلمنا في الخلاء. (٤)
*إنها وسطية الأمة مع الأئمة:
فترى الخوارج والمعتزلة قد جعلوا نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً عندهم تجويز الخروج على أئمة الجور، وهو الأصل الخامس من أصول المعتزلة: الذي هو: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، والذي يتضمن الخروج بالسيف على أئمة الجور.
- وعلى الجانب الآخر:
ترى المرجئة يقولون بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأئمة بكل حال؛ وذلك درءاً للمفاسد، ويدخل معهم الرافضة، الذين يقدِّسون الأئمة، ويجعلونهم ممن لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم، ولا من خلفهم.
وأما أهل السنة فيعملون بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط
стр. 989
الشرعية، التى تثمر ولا تفسد.
* تنبيه في الختام:
من الأقوال المحدثة التى تتعلق بمسألة الباب القول بشغور الزمان عن الإمام، والاعتقاد أن هذا الزمان قد خلا عن الإمام الشرعى الذي يُسمع له ويطاع، بل الحاكم عندهم هو موظف بعقد بينه وبين الرعية، وهو معيَّنٌ من قِبل الشعب.
لذا تراهم يحدثون جماعات للقيام بفروض الكفاية، ويجعلون البيعة بلسان الحال أو المقال لرئيس هذه الجماعة!!
* نقول:
ولا شك أن ذلك من محدثات الأمور؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم هو أن الأئمة والولاة الآن فى الدول الإسلامية أئمة شرعيون، وإن تعددت الولايات والأقطار، وأن هذا الزمان لم يخل عن الإمام، وأن من تولَّى الإمامة أو رئاسة البلاد بأى صورة من الصور التى يثبتها أهل السنة فإمامته صحيحة، ومنها أن يتغلَّب على الإمامة بالقوة والسيف فهو حاكم شرعي، وولى أمر يُسمع له ويطاع، وإن لم يكن مستجمعاً للصفات المطلوبة شرعاً فى الإمام.
قال الشوكاني:
بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدُّد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه. (١)
*وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ عمَّن يدَّعي أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم.
*فقال: لا شك أن هذا خاطئ، وإذا مات صاحبه فإنه يموت ميتة جاهلية؛ لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد.
стр. 990
فإذا لم يوجد خليفةٌ للمسلمين عموماً فمن كان ولي أمر في منطقة فهو ولي أمرها، وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضال - أي أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم - لكان الناس الآن ليس لهم خليفة، ولكان كل الناس يموتون ميتة جاهلية، ومن يقول بهذا؟!
فقد تفرقت الأمة الإسلامية من عهد الصحابة رضى الله عنهم، وتعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبنو أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هو فيه، ويبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك. (١)
تم بحمد الله.
стр. 991
الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: هل السحر حقيقة أم خيال ؟
ذهب بو إسحاق الإسفراييني من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وعامة المعتزلة وابن حزم الظاهري إلى أن السحر كله ضرب من التمويه والإيهام والتخييل، ولا حقيقة له. (١)
* ومما استدلوا به على ذلك:
قوله تعالى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)) (طه/٦٦)، وقوله تعالى (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)) (الأعراف: ١١٦)
* والصحيح في ذلك هو الذي عليه مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة أن السحر له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة.
فإن السحر عبارة عن عزائم ورُقى وعُقد تؤثر في بدن المسحور بالقتل أو بالمرض، أو بالإخلال بعقله، أو بالتفرّيق بين الزوجين، أو يأخذ الزوج عن زوجته، فلا يستطيع الوصول إليها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني: السواحر.
فالساحر يعقد العقد بالخيط ثمّ ينفث فيها من ريقه، ويستعين بالشيطان، ويؤثِّر هذا بإذن الله -تعالى- في المسحور إما قتلاً، وإما مرضاً، وإما تفريقاً بين المرء و زوجه، وإما أن يمنعه عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها.
إذن فالسحر له حقيقة، ويؤثر في بدن المسحور، ولكنه لا يؤثِّر إلاَّ بإذن الله القدريّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، أي: إذن الله -تعالى- القدريّ الكونيّ. (٢)
стр. 994
* ومن أدلة ذلك ما يلي:
١ - أولاً: أدلة القرآن:
١ - قَال تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ (الفَلَق: ٥)
ووجه الدلالة:
والنفاثات هنَّ السواحر اللاتي ينفثن في عُقَدِ الخيط حين يرقين عليها، والنَّفْث هو ما كان دون التفل، وهو نفخ بلا ريق.
والشاهد أن الله -تعالى- لما أمر بالاستعاذة من شر النفاثات، عُلم أن لهنَّ تأثيراً وضرراً على الحقيقة، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله -تعالى- بالاستعاذة منه.
يقَولَ الشَّاعِرُ:
" أعُوذُ برَبِّي من النَّافِثاتِ... ومن عَضَهِ العاضِهِ المُعْضِهِ ". (١)
*وقد ورد في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -رضى الله عنه-قَالَ:
" سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فنزل عليه بالمعوذتين، فَقَالَ:
إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَخْرَجَهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَيْهِ فَحَلَّلَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ. (٢)
وقد نقل القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول المعوذتين ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو اليهودي الذي سحر رَسُولَ اللهِ ﷺ .
стр. 995
قال ابن عباس -رضى الله عنهما- في قوله تعالى:
... (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، قال: ما خالط السِّحْرَ من الرُّقَي، وقال الحسن: " النفاثات " السواحر. (١)
قال ابن القيم:
النفاثات في العقد هنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث فعل الساحر فإذا تكيَّفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله -تعالى-الكوني القدري. (٢)
فلو كان السحر ليس بحقيقة -كما يزعم النفاة- لما أثّر في المسحور ولما تسبَّب في قتله، ولما أمرضه، ولما فرّق بينه وبين زوجه، فدلّ على أنه حقيقي، وعمل شيطاني، لأنه عُقد وعزائم، ولهذا يقول تعالى لنبيه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾.
٢ - قال تَعَالَى ﴿فَيَتَعَلَّمُوْنَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُوْنَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البَقَرَة: ١٠٢)
فقد ذكرت الأيه السحر وتعليمه، وأنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة، وأنه يؤثِّر ويفرِّق بين المرء وزوجه بإحداث البغضاء، ولو لم يكن له حقيقة لم يؤثِّر البغضاء، وإنما يقع أثره بإذن الله -تعالى- القدري الكوني.
وهذا موافق في الدلالة لما روى سَعْدُ بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ
أنه قال: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ». (٣)
فأثبت ضرراً بالسحر، كما هو واقع بالسم، وبالمفهوم فإن الضرر قد يقع لمن لم يأخذ بأسباب الشفاء.
стр. 996
*ثانياً: أدلة السنة: ومنها:
١ - حديث الباب:
وذلك في قول عائشة رضى الله عنها: " يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ"، وقوله ﷺ : " أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ "، وفي رواية زيد بن أرقم: " فَجَاءَ بِهَا، أي عقد السحر، فَحَلَّهَا، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ ". (١)
وقد ظل النبي ﷺ يعانى من أثر ذلك السحر ستة أشهر.
فقد نقل ابن حجر عن السهيلي قوله:
لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي ﷺ فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر "، ثم قال ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا بإسناد الصحيح، فهو المعتمد. (٢)
وعليه فإن للسحر أثراً، ومنه يقع الشفاء، ومثل هذا لا يكون إلا لشيء حقيقي له تأثير على البدن.
٢ - وعَنْ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ- ﵂ أَصَابَهَا مَرَضٌ، وَأَنَّ بَعْضَ بَنِي أَخِيهَا ذَكَرُوا شَكْوَاهَا لِرَجُلٍ يَتَطَبَّبُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَيَذْكُرُونَ امْرَأَةً مَسْحُورَةً سَحَرَتْهَا جَارِيَةٌ. (٣)
قال ابن عبد البر:
في حديث عائشة -رضى الله عنه- أن السحر حق، وأنه يؤثر في الأجسام، وإذا كان هذا لم يؤمن منه ذهاب النفس. (٤)
* الإجماع:
قال القرافي:
كان السحر وخبره معلوماً للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية. (٥)
стр. 997
قال القرطبي:
السحر مقطوع به بإخبار الله- تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. (١)
قال الخطابي:
السحر ثابت وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر الأمم على إثباته، وقد ذكر الله أمر السحر في كتابه في قصة سليمان، وأمر بالاستعاذة منه، فقال: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾، وورد في ذلك عن النبي ﷺ وعن الصحابة ﵃ أخبار كثيرة لا ينكرها لكثرتها إلا من أنكر العيان، وجحدوا الضرورة. (٢)
* الرد على المخالف:
أما القول بنفي وجود أصل السحر فهو قول مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن اسم الساحر اسم معروف في جميع الأمم. (٣)
وكانت قريش تعرف السحر، بل ورمت به رسول الله ﷺ ، كما في قوله تعالى
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)) (القمر: ١ - ٢). وقال تعالى عن تكذيب الوليد بن المغيرة للرسول ﷺ (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)) (المدثر: ٢٤ - ٢٥)
* وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
"انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فرقتين، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ اِبْنُ أَبِي كَبْشَةَ، اُنْظُرُوا السُّفَّارَ، فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ، فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ، قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ، وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ، فَقَالُوا: رَأَيْنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا، فَمَا
стр. 998
يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ ". (١)
قال ابن القيم:
قد دل قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، قالوا وإنما ذلك تخيُّل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك.
وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وحلاً وعقداً وحباً وبغضاً وتزييناً، وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقاً بما أصيب به منه. (٢)
* أما استدلال المخالف بقوله تَعَالَى: " يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى"، وقوله تعالى: "سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ"
فيقال:
إن السحر التخييلى قسم من أقسام السحر، وهو خيال وشعوذة، وهو ما يسمّى بالقُمْرة، فالساحر يخيِّل للناس شيئاً وهو ليس حقيقة، كأن يخيِّل للناس أنه دخل في النار، أو مشى على حبل، وليس الأمر كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يطعن نفسه بالسلاح ولا يؤثِّر فيه، وليس كذلك، والحقيقة أنه عمل شيئاً من التخييل فأثر به على الأبصار.
فإن سحر التخيلات والأخذ بالعيون مبني على أن القوة الباصرة قد ترى الشئ على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة.
ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة، ألا ترى أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة، والشط متحركاً.
стр. 999
ومن هذا الباب ما ورد عن قوم فرعون أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، فقد سحروا الأعين فقط، وذلك بما يفعلونه من الحِيَل، ويجعلون في العِصِيّ التي معهم ما يحرّكها، ويجعلها كأنها حيّة، وهي ليست كذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، حيث حشوَّها بشيء من الزِّئْبق، الذي يتمدد مع حرارة الشمس فيظهر للرائي أن الحبال صارت حيَّات تتحرك.
قال ابن حجر:
وقوله ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، (طه: ٦٦) عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل! ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل. (١)
٢ - الفائدة الثانية:
هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟
لا شك أن السحر يؤثر بلا شك وله حقيقة، كما سبق بيان أدلة ذلك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى; لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عزوجل، وإنما يخيَّل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى- ﵇ أمام سحرة فرعون، حيث كان يخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه، كمصير الخشب حيواناً حساساً متحركاً بالإرادة، يبلع عصِّياً وحبالًا ولا يتغير، فليس هذا من جنس مقدور البشر، لا معتاداً ولا نادراً، ولا يحصل بقوى نفس أصلاً؛ ولهذا لما رأى سحرة فرعون ذلك، علموا أنه خارج عن طريقة السحر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. (٢)
قال القرطبي:
والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيراً في القلوب، كالحب
стр. 1000
والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيواناً أو عكسه بسحر الساحر. (١)
قال البغوي:
والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم، ولكنَّ العمل به كفر... ، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار، ويجعل الحمار على صورة الكلب، والأصح أن ذلك تخييل، قال الله تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: ٦٦]
لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت أو الجنون، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس، وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يُحَمُّ منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه، فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان. (٢)
* ويمكن تلخيص هذه المسألة في طرفين ووسط:
١ - طرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر يبلغه، كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر، ونحو ذلك.
٢ - وطرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه، كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.
قال القرطبي:
أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله -تعالى- عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله الله -تعالى- عند إرادة الساحر. (٣)
стр. 1001
٣ - وأما الواسطة فهي قلب السحر للأعيان:
فلا شك أن الله -تعالى- قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع.
فغالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلاً إلى حقيقة أخرى، والله تعالى أعلم. (١)
٣ - الفائدة الثالثة: في حكم السحر و الساحر:
وأما السحر فهو أمر محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، وغالبه لا يحصل إلا بالشرك بالله عزوجل؛ وهذا هو سبب إدراج العلماء لباب السحر ضمن أبواب الاعتقاد.
وبيان ذلك أن السحر أحد أهم رؤوس الاستمتاع المتبادل بين الجن والإنس، كما قال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ (الأنعام: ١٢٨)
فإنَّ الشياطين لا تخدم الإنسان غالباً إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم بالوقوع في الشرك والمعاصي.
وكذلك تتحقق مصلحة الأنسي بتسخير الجني واستعماله ليحقق له الجني ما يشاء من إيذاء الناس وإضرارهم.
قال أبو العباس ابن تيمية:
فإذا تقرَّب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إلى الشياطين بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضه، ولهذا كثير من هذه الأمور
стр. 1002
يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم. (١)
* ونذكر من أدلة كفر الساحر:
١ - قال تعالى (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة: ١٠٢)
قال ابن حجر:
وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه... ، وهو التعبّد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به مَن تعلمه أصلاً.
وقال ﵀:
وفي إيراد المصنف -أي البخاري- هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر؛ لقوله فيها (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)؛ فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر. (٢)
* وقال تعالى (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خَلاقاً، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
وقال تعالى (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)) (طه: ٦٩)
قال الشنقيطي:
الفعل في سياق النفي من صيغ العموم... فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى..) يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله " حَيْثُ أَتَى "، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا
стр. 1003
ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمَّن لا خير فيه، وهو الكافر. (١)
* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ:
«اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:
«الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». (٢)
وعَنْ أبِي مُوسَى الأشعري-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ ". (٣)
قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع. (٤)
* أما حكم الساحر:
اختلف العلماء فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد أنه يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصَّل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقداً لجوازه أو معتقداً أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر.
وذهب الشافعي إلى أنه يقال للساحر صف سحرك، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئاً، وإن كان ما يسحر به كلاماً لا يكون كفراً، وكان غير معروف، ولم يضر به أحداً نهي عنه، فإن عاد عُزِّر. (٥)
* وتحقيق ذلك أن يقال:
١ - إن كان السحر مما يعظَّم فيه غير الله تعالى، كالكواكب والجن، أو يتضمن أنواعاً من المكفرات الاعتقادية والقولية والعملية، كأن يعتقد نفع الشياطين وضررهم
стр. 1004
بغير إذن الله تعالى، أو يعتقد أن الكواكب مدبرةً لأمر العالم، أو ينطق بكلمة الكفر كسب الله تعالى، أو الاستهزاء برسوله ﷺ ، فهذه الأقسام بلا شك من السحر المخرج من الملة.
وكذلك إذا تضمن هذا السحر شركاً في توحيد العبادة، فمن ذلك أن يدعو غير الله - تعالى- فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو يستعيذ بالشياطين أو يذبح لهم، أو يتقرب إليهم بالنذور، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع.
ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت، كما في قوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]
٢ - وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو معصية كبيرة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر؛ فإن هذا في الحقيقة ليس سحراً، وإن سمِّي سحراً فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحراً، ولكنه يكون حراماً لمضرته، ويعزَّر من يفعله تعزيراً بليغاً. (١)
وللإمام النووي عبارة جامعة في حكم السحر حيث قال:
قد يكون السحر كفراً، وقد لا يكون كفراً بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستتيب. (٢)
* أما عن حكم قتل الساحر:
فقد ورد عن نفر من الصحابة ﵃ أنهم أمروا بقتل السحرة، ولم يعرف لهم مخالف في ذلك.
стр. 1005
قَالَ أحمد: فثلاثة من أصحاب النبي- ﷺ فِي قتل الساحر. (١)
* قال بَجَالة التميمي: أتى كتابُ عمر -رضى الله عنه- قبل موتهِ بسنةٍ:
" أنِ اقتلوا كلَّ ساحرِ، قال: فقَتَلْنَا ثلاثَ سواحِرَ ". (٢)
يقول ابن قدامة تعليقاً على هذا الأثر:
وهذا اشتهر فلم ينُكَر، فكان إجماعاً. (٣)
*وقال جُنْدُبِ بن عبد الله رضى الله عنه: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ». (٤)
قال الترمذي بعد أن روى هذا الأثر مرفوعاً:
والصحيح عن جندب موقوفاً، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس.
* عن أبي الأسود أن الوليد بن عقبة كان أميراً بالعراق، وكان بين يديه ساحر يلعب، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به، فيقوم خارجاً فيرتدّ فيه رأسه، فقال الناس: سبحان اللَّه، يحيي الموتى!
ورآه رجل صالح من المهاجرين -وهو جندب بن كعب الأزدي -فنظر إليه، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبة ذلك فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقاً فليحي نفسه، ثم قرأ: " أتأتون السحر وأنتم تبصرون ". (٥)
* وعن ابن عمر ﵄ قال:
إن أم المؤمنين حفصة ﵂ سحرتها جارية لها، فأقرَّت بالسحر وأخرجته فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فغضب، وإنما كان غضبه
стр. 1006
لقتلها إياها بغير أمره. (١)
قال مالك:
الساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره أرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه. (٢) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله. (٣)
ولا شك أن قتل الساحر إنما شُرع لأنه يُفسد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالسحرة مفسدون في الأرض يجب قتلهم.
والقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية، كما ورد في قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ...) (المائدة: ٣٣)
فهم بلا شك ممن يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد.
وفساد السحرة قد تعدَّى بني آدم وتجاوزهم حتى وصل إلى إيذاء البهائم.
قال أبو حيَّان:
حدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عُقِدَتْ فيه عقد على فُصلان، فمنعت من رضاع أمهاتها بذلك، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع. (٤)
فإن كان سحره كفراً فقد وجب قتله لردّته.
قال الشافعي:
وأمرَ عمر ﵁ أن تقتل السُّحار - والله أعلم - إن كان السحر
стр. 1007
شركاً، وكذلك أمر حفصة ﵂. (١)
وإن كان سحره دون ذلك فالأمر مرجعه إلى ولي الأمر:
أ- إن رأى استشراء شرهم و اسْتفحَال فسادهم، ورأى أن المصلحة في قتلهم حداً فله ذلك، ويكون ذلك من باب قتل الصائل؛ وذلك لدفع أذاه وفساده في الأرض.
ب- وإن رأى تعزيرهم بما هو دون ذلك فالأمر إليه.
قال عمر بن السَّنَامي:
وفي الخانية رجل يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك اللعبة قالوا هو مرتد يحكم بردته، ويقتل إذا كان يعتقد لها أثراً، ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه كافر. (٢)
قال ابن العثيمين:
قتلهم -أي السحرة- واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم; لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قُتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر. (٣)
*فإن قيل:
قد ترك النبي ﷺ لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره، ولم يقتله!
* وجوابه من وجوه:
الأول:
أن اليهودي لم يقر بما فعل، ولم تقم عليه بينة، وبأنه خشي ﷺ أن يثير على الناس شراً بترك إخراج السحر من البئر، فكيف لو قتله؟! (٤)
* قلت:
ومن هذا الباب تركه ﷺ قتل ابن سلول الذي قال:
" أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَامَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" دَعْهُ يَا عُمَرُ، لَا
стр. 1008
يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ". (١)
الثاني:
ما نص عليه الإمام أحمد، حيث سئل عن قتل الساحر من أهل الكتاب من غير المسلمين؟
قال: ما فيه من الكفر أعظم، قد سحر النبي- ﷺ رجل من اليهود، فلم يقتله. (٢)
* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:
قد أنكر جماعة من العقلانيين والمتكلمين حادثة سحر اليهودي للنبي ﷺ ، كما قال بذلك أبو بكر الرازي ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم. (٣)
وقد استدلوا على ذلك بأمور، نذكر منها:
١ - أن القول بذلك يخالف ما ورد في قوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة: ٦٧)
٢ - أن القول بذلك سيكون تصديقاً لمن رمى به المشركون رسولَ الله ﷺ بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)) (الإسراء: ٤٧)
٣ - أن الحديث الوارد في ذلك لا يصح سنداً؛ وآفته من هشام بن عروة!
* فيقال إن الجواب عن ذلك من وجوه:
١ - الوجه الأول: وأما استدلالهم بقوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فيقال:
ننظر أولاً لسبب النزول:
فقد روى أبوهريرة -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ كان إِذا نزلَ منزلًا؛ ... نظروا أَعظمَ شجرة يرونها، فجعلوها للنبيِّ ﷺ ، فينزلُ تحتها، وينزلُ أَصحابُه بعد ذلك في ظلِّ الشجر، فبينما هو نازلٌ تحت شجرة - وقد علّقَ السيفَ
стр. 1009
عليها -؛ إِذ جاءَ أَعرابيّ، فأَخذَ السيفَ من الشجرة، ثمَّ دنا من النبيِّ ﷺ وهو نائم، فأَيقظه، فقال:
يا محمد! من يمنعك منّي الليلة؟ فقال النبيّ ﷺ :
"الله"، فأَنزلَ الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...﴾ الآية. (١)
فيتضح من سبب نزول الأية أنها تبين حفظ الله -تعالى- لنبيه ﷺ من الافتلات، وعصمة النفس من القتل، دون العوارض التى تعرض للبدن مع سلامة النفس. (٢)
وكذلك فقد شُج النبي ﷺ وكسرت رَباعيته يوم أحد، وأصابه السُّم عند اليهودية.
٢ - الوجه الثاني:
أن ذلك السحر لم يضره؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحي، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيُّل والتوَّهم، ثم لم يتركه الله -تعالى- على ذلك، بل تداركه وعصمه، وأعلمه بموضع السحر وأمره باستخراجه وحل عنه، فعصمه الله -تعالى- من الناس ومن شرهم، كما وعده، وكما دفع عنه أيضًا ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية أظهرها إليه، معجزة من كلام الذراع. (٣)
فإن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض فغير بعيد أن يخيَّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.
стр. 1010
وقد قيل إن أثر السحر أنه كان ﷺ يخيَّل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. (١)
قال المعلمي اليماني:
وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا، لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعاً، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة.
وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولتْ لكم أنفسُكُم أمراً)، يتهمهم بتدبير مكيدة، مع أنهم حينئذ أبرياء صادقون، وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر، وانظر قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه). (٢)
* وأما قولهم أن ذلك سيكون تصديقاً لمن رمى به المشركون رسولَ الله ﷺ بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧))
* فيقال:
إن المشركين إنما كانوا يرمون النبي ﷺ بالسحر فيما يبلغه عن رب العزة من القرآن، كما قال تعالى (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)) (ص: ٤ - ٥)
فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا﴾ أنّ أمر النبوة كله سحر، وأن ذلك ناشئ عن الشياطين الذين قد استولوا عليه -بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه وينهونه، فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه أنما يتلقى من الله وملائكته، ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم
стр. 1011
لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة، إذن تكذيب القرآن، وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث. (١)
ونحن قد ذكرنا قريباً الرد على ذلك، بأن غاية ما وقع للنبي ﷺ من السحر إنما هو عارض بشري، كغيره من الأسقام البدنية، فهو لا يعارض عصمة التبليغ والبيان.
*الوجه الثالث:
إن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون، ولهذا قالوا فيه مُعَلَّمٌ مجنونٌ، فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم، ... وهو أنهم قد سُحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة والمسحور أخرى. (٢)
٣ - وأما الطعن في الحديث فهو مردود على صاحبه:
فالقول في ذلك هو قول أئمة هذا الشأن من أهل الحديث وأحباره، وليس بقول من هم عالة عليه. فقد روى هذا الحديث الإمامان الجبلان: البخاري ومسلم، ممن أجمعت الأمة على قبول ما في كتابيهما، وتلقته بالقبول.
* ثم يقال كذلك:
إن من تكلم بالنقد على بعض الأحرف المروية في الصحيحين، كالإمام الدارقطني وأبي محمد بن حزم وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الجياني لم يتطرقوا بالتعقيب على ذلك الحديث.
وقال ابن القيم:
هذا الحديث
стр. 1012
ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقَّى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين. (١)
* وأما الطعن في هشام بن عروة فهو أمر مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاماً من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فكيف وقد رواه غير هشام عن عائشة رضى الله عنها؟!
فقد روته عمرة عن عائشة رضى الله عنها، كما نص على ذلك ابن حجر، وكذلك للحديث شاهد من حديث زيد بن أرقم رضى الله عنه. (٢)
قال الذهبي:
هشام بن عروة أحد الاعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرا.
نعم الرجل تغير قليلاً، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان؟!
ولما قدم العراق في آخر عمره حدَّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوِّدها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين، فهشام شيخ الإسلام. (٣)
قال مقبل الوادعي:
الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة منهم البصري، ومنهم الكوفي، ومنهم المكي، ومنهم المدني، ومنهم المصري، وناهيك بحديث من رواته يحيى بن سعيد القطان، وهو في غاية من التحرّى، وهذا الحديث لم ينتقده
стр. 1013
محدِّث، وهم الحجة لا أصحاب الأهواء فإنّهم أعداء السنن. (١)
* فرع:
حكم النشرة:
معنى النشرة في الاصطلاح:
هي نوع من الرقى والتعاويذ يعالج بها المريض والمجنون ونحوهما، وأصل هذه التسمية هو من نشر ما طوى الساحر، وتفريق ما جمعه، أي حل السحر عن المسحور وإزالته عنه.
*وأما حكم التداوي بالنشرة:
١ - الطريقة الأولى:
أن يكون حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوُّذات، والدعوات الصحيحة المأثورة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
فالسحر إنما يُحلّ بالرّقى الجائزة والتّعوّذ المشروع، كالفاتحة والمعوّذتين والاستعاذات المأثورة عن النّبيّ ﷺ ، أو غير المأثورة ولكنّها من جنس المأثور، فهذا النّوع جائز إجماعاً.
كما ذكرنا قريباً في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -رضى الله عنه-قَالَ:
" سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فنزل عليه بالمعوذتين فكان يقرأ بهما، فشفاه اللّه تعالى».
وقال ابن حجر:
وفي حديث زيد بن أرقم عند عبد بن حميد وغيره: فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين، وفيه فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل، حتى قام كأنما نشط من عقال. (٢)
قال ابن القيم:
ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها. فالقلب إذا كان
стр. 1014
ممتلئاً من الله -تعالى- مغموراً بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. (١)
٢ - الطريقة الثانية:
حل السحر عن المسحور بسحر مثله، حيث يستعين الساحر بالشياطين للتعرف على مكان السحر، ربما يقوم الساحر بالنفث على المسحور وقراءة شيء من القرآن أو الأدعية تمويهاً وتلبيساً عليه ليطمئن المسحور ويسكن إليه.
وكذلك يأمر الساحر المسحور بذبح شاة، وأن يذكر اسم الساحر أو الجني عليها،، أو غير ذلك من الأقوال والأعمال الشركية تقرباً إلى السحرة والشياطين.
وهذه الطريقة الثانية فيها قولان:
أحدهما: أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله جائز عند الحاجة إليه، ومنهم من قيَّده بحال الضرورة فقط. (٢)
* الثاني وهو الراجح -والله أعلم-أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله، أو بما لا يعرف أو يعقل معناه من الرقى، والعزائم، والتعاويذ لا يجوز مطلقاً، سواء كان للضرورة أو لعدمها، وإلى ذلك ذهب علماء الأمة كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وابن أبي العز الحنفي وغيرهم.
* ونذكر من أدلة ذلك:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ-رضى الله عنهما- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَالَ:
" مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ " (٣)
قال ابن القيّم:
حلّ السّحر بسحر مثله من عمل الشّيطان، فيتقرّب النّاشر والمنتشر
стр. 1015
إلى الشّيطان بما يحبّ فيبطل العمل عن المسحور. (١)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" إنّ الرُّقى والتَّمائِم والتِّوَلَةَ شِرْكٌ ". (٢)
قال المناوي:
والتولة بكسر المثناة الفوقية وفتح الواو كعنبة، ما يحبِّب المرأة إلى الرجل من السحر، وهى"شرك" أي من أنواع الشرك سمَّاها شركاً؛ لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير. (٣)
*أضف إلى ذلك أن سؤال السحرة حل السحر، ثم تصديقهم والعمل بما يخبرونه به من طرق الاستشفاء وأنواع الأدوية المزعومة، فإنه بهذا قد وقع فيما هو أشد وأخطر، وربما أفضى به ذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام، لقوله ﵊:
" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ". (٤)
* أضف إلى ذلك أن تلك الرقى والنشر ونحوها من الأدوية تحوي شيئا من
стр. 1016
أنواع الشرك، أو عملاً شيطانياً سحرياً، أو طلاسم وخزعبلات مجهولة، أو غير ذلك من الطرق والأفعال والأقوال المحظورة، فإن كانت كذلك، فهي داخلة في عموم ما نهى الشرع عن التداوي بالمحرمات.
قال ابن مسعود رضى الله عنه:
... «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». (١)
* لذا فإن الذي يقال فى النشرة المحرَّمة هو مثل ما قاله النَّبِيُّ ﷺ لما سُئل عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعَهَا الرجل لِلدَّوَاءِ، قَالَ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (٢)
قال أبو العباس ابن تيمية:
وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ... ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (٣)
* وفي التفصيل تأصيل:
وأن النشرة على أحد ضربين:
الأولى:
تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مقولة أو مكتوبة لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتعلق وتكون تميمة، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طب، أي: سحر أو عين أو مس أو عصب عن امرأته فهذه لا بأس بها؛ لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرة..
والثانية:
فهي حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودا من النشرة في الجاهلية.
وأما حكمها:
التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع.
وعلى هذا التفصيل يحمل قول أهل العلم الذين أجاز بعضهم النشرة - وعلَّل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية، ومنهم الأئمة:
سعيد بن المسيّب والمزني
стр. 1017
والشعبي والطبري، وكذلك يفسر بهذا التفصيل قول من منعها منهم كالحسن البصري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. (١)
* فإن قيل:
قد روى قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيَّب: " رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟
قال لا بأس، به إنما يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.
وعن قتادة عن سعيد بن المسِّيب أنه كان لا يرى بأساً إذا كان الرجل به سحر أن يمشي إلى من يطلق ذلك عنه، وقال: " لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر، ولم ينه عمَّا ينفع ". (٢).
*فالجواب أن يقال:
وأما أثر سعيد بن المسيِّب فليس فيما قاله ما يدل على أنه يجيز النشرة الممنوعة أو إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور أو نحو ذلك، وحاشاه من ذلك.
فالنشرة التي أجازها إنما هي المشروعة منها فحسب، والتي هي من جنس الرقى والتعاويذ،
لا النشرة الممنوعة.
فمن تلك الروايات أن قتادة قال لسعيد بن المسيِّب: رجل طب بسحر، نحل عنه؟
قال: نعم، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ". (٣)
وأما توجيه قوله " لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر ولم ينه عما ينفع "، فيقال:
أن النشرة المشروعة تنفع بإذن الله ولا تضر، ولو كان مراده النشرة الممنوعة وإتيان السحرة ونحوهم لخالف دليله فتواه؛ لأن قوله: " إنما نهى الله عما يضر ":
يقتضي حرمة ذلك؛ لأن الشرع قد نهى عن تلك النشرة، وعن إتيان السحرة ونحوهم، وأي ضرر على العبد أعظم من تكذيبه بالقرآن، وعدم قبول صلاته أربعين ليلة؟!
стр. 1018
وقد كان سعيد بن المسيِّب يفتي بقتل السحرة بعد إقرارهم (١)، فكيف يجوِّز إتيانهم؟!
فمن نسب إليه القول بجواز ذلك فقد قوَّله ما لم يقل، وأخطأ في فهم ما نقل عنه.
قال الشيخ سليمان بن عبدالله تعليقاً على أثر سعيد بن المسيب:
وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟
فأما أن يكون ابن المسيِّب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يُظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح. فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر، والله أعلم. (٢)
وأما قوله ﵀: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»:
فمراده ما شرع الانتفاع به، فهو عام مخصوص لا حجة لهم فيه.
قال الحافظ:
وقد تمسَّك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف: "لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيها شرك" أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً. (٣)
فكل رقية أو نشرة محرمة لا يشرع الانتفاع بها، لأنها داء وليست بدواء، وفي الحديث:
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه»
وأي نفع في إتيان السحرة والكهان ونحوهم والاسترقاء برقاهم ونشرهم المشبوهة؟!. (٤)
* ثم يقال هنا:
مع التنزل أن أثر الإمام سعيد بن المسيِّب دال على مشروعية حل السحر بالسحر فغاية ما فيه أنه قول تابعي، ولم يقل أحد من أهل العلم، إن قول
стр. 1019
التابعي حجة في دين الله.
وهذه كتب الأصول لدينا قد ذكرت الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف فيها، ومنها قول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان ونحوها، لكنهم لم يذكروا إن قول التابعي دليل شرعي يحتج به في شرع الله.
ومعلوم أنه لو قال بهذا القول صحابي، لوجب رده لمخالفته للنصوص، فكيف بقول التابعي، وقد خالفه غيره من التابعين، فما الذي جعل قول ذاك حجة؟!
وصلى الله على النبي.
تم بحمد الله.
стр. 1020
الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء