أنواع الشرك، أو عملاً شيطانياً سحرياً، أو طلاسم وخزعبلات مجهولة، أو غير ذلك من الطرق والأفعال والأقوال المحظورة، فإن كانت كذلك، فهي داخلة في عموم ما نهى الشرع عن التداوي بالمحرمات.
قال ابن مسعود رضى الله عنه:
... «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». (١)
* لذا فإن الذي يقال فى النشرة المحرَّمة هو مثل ما قاله النَّبِيُّ ﷺ لما سُئل عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعَهَا الرجل لِلدَّوَاءِ، قَالَ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (٢)
قال أبو العباس ابن تيمية:
وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ... ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (٣)
* وفي التفصيل تأصيل:
وأن النشرة على أحد ضربين:
الأولى:
تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مقولة أو مكتوبة لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتعلق وتكون تميمة، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طب، أي: سحر أو عين أو مس أو عصب عن امرأته فهذه لا بأس بها؛ لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرة..
والثانية:
فهي حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودا من النشرة في الجاهلية.
وأما حكمها:
التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع.
وعلى هذا التفصيل يحمل قول أهل العلم الذين أجاز بعضهم النشرة - وعلَّل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية، ومنهم الأئمة:
سعيد بن المسيّب والمزني
стр. 1017
والشعبي والطبري، وكذلك يفسر بهذا التفصيل قول من منعها منهم كالحسن البصري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. (١)
* فإن قيل:
قد روى قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيَّب: " رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟
قال لا بأس، به إنما يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.
وعن قتادة عن سعيد بن المسِّيب أنه كان لا يرى بأساً إذا كان الرجل به سحر أن يمشي إلى من يطلق ذلك عنه، وقال: " لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر، ولم ينه عمَّا ينفع ". (٢).
*فالجواب أن يقال:
وأما أثر سعيد بن المسيِّب فليس فيما قاله ما يدل على أنه يجيز النشرة الممنوعة أو إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور أو نحو ذلك، وحاشاه من ذلك.
فالنشرة التي أجازها إنما هي المشروعة منها فحسب، والتي هي من جنس الرقى والتعاويذ،
لا النشرة الممنوعة.
فمن تلك الروايات أن قتادة قال لسعيد بن المسيِّب: رجل طب بسحر، نحل عنه؟
قال: نعم، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ". (٣)
وأما توجيه قوله " لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر ولم ينه عما ينفع "، فيقال:
أن النشرة المشروعة تنفع بإذن الله ولا تضر، ولو كان مراده النشرة الممنوعة وإتيان السحرة ونحوهم لخالف دليله فتواه؛ لأن قوله: " إنما نهى الله عما يضر ":
يقتضي حرمة ذلك؛ لأن الشرع قد نهى عن تلك النشرة، وعن إتيان السحرة ونحوهم، وأي ضرر على العبد أعظم من تكذيبه بالقرآن، وعدم قبول صلاته أربعين ليلة؟!
стр. 1018
وقد كان سعيد بن المسيِّب يفتي بقتل السحرة بعد إقرارهم (١)، فكيف يجوِّز إتيانهم؟!
فمن نسب إليه القول بجواز ذلك فقد قوَّله ما لم يقل، وأخطأ في فهم ما نقل عنه.
قال الشيخ سليمان بن عبدالله تعليقاً على أثر سعيد بن المسيب:
وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟
فأما أن يكون ابن المسيِّب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يُظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح. فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر، والله أعلم. (٢)
وأما قوله ﵀: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»:
فمراده ما شرع الانتفاع به، فهو عام مخصوص لا حجة لهم فيه.
قال الحافظ:
وقد تمسَّك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف: "لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيها شرك" أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً. (٣)
فكل رقية أو نشرة محرمة لا يشرع الانتفاع بها، لأنها داء وليست بدواء، وفي الحديث:
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه»
وأي نفع في إتيان السحرة والكهان ونحوهم والاسترقاء برقاهم ونشرهم المشبوهة؟!. (٤)
* ثم يقال هنا:
مع التنزل أن أثر الإمام سعيد بن المسيِّب دال على مشروعية حل السحر بالسحر فغاية ما فيه أنه قول تابعي، ولم يقل أحد من أهل العلم، إن قول
стр. 1019
التابعي حجة في دين الله.
وهذه كتب الأصول لدينا قد ذكرت الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف فيها، ومنها قول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان ونحوها، لكنهم لم يذكروا إن قول التابعي دليل شرعي يحتج به في شرع الله.
ومعلوم أنه لو قال بهذا القول صحابي، لوجب رده لمخالفته للنصوص، فكيف بقول التابعي، وقد خالفه غيره من التابعين، فما الذي جعل قول ذاك حجة؟!
وصلى الله على النبي.
تم بحمد الله.
стр. 1020
الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء
стр. 1021
* نص حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (٢٩٨٥)، كتاب " الزهد والرقائق "، باب: " باب من أشرك في عمله غير الله ".
وهو عند أحمد في المسند (٧٩٩٩) بلفظ مقارب منْ رواية أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ، أَنَّهُ قَالَ:
" أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ "
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
الفائدة الأولى:
قوله: «من عمل عملاً....»:
يعم جميع أنواع المشركين وجميع أنواع الأعمال؛ لأن (عملاً) في قوله: " من عمل عملاً ":
نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية والمالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة، والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك.
لذا فإن شهادة " ألا إله إلا الله، لا شريك له... " ليست قاصرة على نفي الشريك عن الله -عزوجل- في الأسماء والصفات، بل تتضمن كذلك نفي الشريك عن الله -تعالى- في الطاعة والعبادة.
والله -تعالى- لا شريك له في استحقاق العبادة، وليس شأنه -تعالى- شأن الذين يأخذون نصيبهم
стр. 1022
من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم؛ فإنه أغنى من كل غني، وأغير من كل غيور، فلا يقبل إلا ما كان خالصاً مخلصاً ليس لأحد فيهم سهم أو نصيب. (١)
*الفائدة الثانية: قوله تعالى: " تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ":
قد دل حديث الباب على حرمة الرياء، والرياء مأخوذٌ من: الرؤية، وذلك بأن يزيِّن المرء العمل ويُحَسِّنه من أجل أن يراه النّاس ويمدحوه ويُثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمّى رياءً، لأنه يقصد رؤية النّاس له.
والرياء شرك كما ورد في حديث الباب.
وكذا فقد قال شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁:
... «كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». (٢)
وقول الصاحب: " كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نفعل كذا... ، هو من الموقوف الذي له حكم الرفع.
وقد سمَّى الله -تعالى- الرياء شركاً؛ وذلك لأنَّ فاعلَ الطاعة قد قصد بها الله تعالى، وأراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ -تعالى- لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركاً.
قال سليمان بن عبد الله:
لما كان المرائي قاصداً بعمله الله - تعالى - وغيره، كان قد جعل الله - تعالى- شريكاً، فإذا كان كذلك، فالله - تعالى- هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك؛ فإن كماله ﵎ وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك. (٣)
*ونذكر من أدلة هذا الباب:
قول الله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
стр. 1023
أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: ٢)
قال الفضيل بن عياض:
هو أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة. (١)
*وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥]
قال ابن القيم:
إن الله -سبحانه - إنما أمر بعبادته عبادة خالصة، فمن لم يخلص لله -تعالى- في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه. (٢)
*وقال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)) (الكهف: ١١٠)
فهذه الأية قد اشتملت على شرطين بهما يقبل العمل، وبفقدهما يطرح العمل ويُرد على صاحبه، فيصير هباء منثوراً، وهذان الشرطان قد وردا في حديثين عظيمين:
أحدهما حديث الباب: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ....... "
والثانى ما ورد في قوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (٣)
قال أبو العباس ابن تيمية:
والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: " إن الأصل في العبادات التوقيف "، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ
стр. 1024
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١). (١)
قال ابن القيم:
" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيَّد بالسنة. (٢)
وقال ﵀: العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقّله ولا ينفعه. (٣)
فالشرطان هما: "الإخلاص والاتباع ".
ولقد صدق القائل:
يا مبتغي الحمدَ والثوابَ. . . في عملٍ تبتغي محالًا
قد خيَّب اللهُ ذا رياءٍ. . . وأبطلَ السعي والكلالا
من كان يرجو لقاء ربه. . . أخلص من أجله الفعالا
الخلدُ والنارُ في يديه. . . فرائه يعطك النوالا. (٤)
* الفائدة الثالثة:
قوله تعالى في حديث الباب: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ":
معناه أن من عمل شيئاً لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، وصورته أن يعمل عملًا يختص لله -تعالى- فيرائي به غيره، فقد قصد بذلك العمل ذلك الغير، وأشركه مع الله -تعالى-في ذلك القصد. وحيث إن ذلك القصد ليس لطلب التقرب، ولا لطلب الأجر، ولا لكونه ربًّا وإلها، وإنما المقصود إثبات صلاحه وتقواه في نظره فقد جعل هذا القصد شركًا أصغر خفيًّا دون الشرك الحقيقي المخرج عن الملة، وأقل ما فيه أن عمله باطل لا
стр. 1025
أجر عليه، بل يأثم به أشد الإثم. (١)
* وهنا سؤال:
* هل الرياء مبطل للعمل ؟
*وجواب ذلك على تفصيل: أن الرياء باعتبار تعلّقه بذات العمل ينقسم إلى:
أولاً: الرياء بالأصول:
ويقصد به أن صاحبه يرائي بأصل كلمة التوحيد والشهادة، فيظهر الإيمان ويبطن الكفر، ولا شك أن هذا من النفاق الأكبر المخرج من الملة، وذلك لأن الرياء إذا كان في الإيمان فهو النفاق الأكبر المخرج من الملة.
قال عزوجل (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)) (التوبة: ٥٤)
وقالى تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)) (المنافقون: ١)
وقال تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)) (البقرة: ١٤)
قال ابن الجوزي:
يكثر نفاق من ينسل من الدين باطناً، فهؤلاء من المنافقين المرائين المخلَّدين في النار، وليس وراء هذا الرياء رياء، وحال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين؛ لأنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر. (٢)
ولما ذكر ابن القيم نوعي الشرك قال:
فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك الأكبر الذى لا يغفره الله ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. والمخففة: الشرك الأصغر، كيسير الرياء، ... (٣)
فدل ذلك على أن الرياء منه اليسير، وهو ما كان متلبَّساً بطاعات الجوارح،
стр. 1026
كالصلاة والصيام والصدقة، ومنه الكثير: وهو ما كان في أصل الاعتقاد.
ثانياً: الرياء بالفروع: ويقصد بها الطاعات:
فلا شك في حرمة هذا القسم من أقسام الرياء، كما دلت على ذلك الأدلة الشرعية، ونذكر من
ذلك:
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ-رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
" إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
" الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ". (١)
ولفظه عند ابن خزيمة مرفوعاً:
" أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ:
"يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ". (٢)
وفي رواية أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ " فَقُلْنَا: بَلَى، قَالَ: " الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ " (٣) قال بشر الحافي: سمعت خالداً الطحان يقول: اتقوا سرائر الشرك؟ فقلت: وما هي؟
قال: أن تصلَّي فلتحظك العيون فتطيل السجود. (٤)
* وإنما كان الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال لأمرين:
١ - الأمر الأول:
أن أمر المسيح الدجال أمر ظاهر بيِّن، أما الرياء فإنه يعرض للقلب كثيراً، ويقود العبد إلى أن يتخلى شيئاً فشيئاً عن مراقبة الله - جل وعلا - ويتجه إلى مراقبة المخلوقين.
стр. 1027
لذا تأتي خطورة الرياء في خفائه، فدخوله إلى القلب أشبه بدخول النمل إلى حجرة مظلمة.
قال ابن القيم:
وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه. (١)
قال الطيبي:
حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعبَّاد، والمشمِّرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة؛ فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله - تعالى-وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول النافذة. (٢)
٢ - الأمر الثاني:
أن الشرك الخفي الذي هو الرياء قَلّ من يسلم منه، فالرياء خطره على الجميع في كل عصر، في كل وقت، أما المسيح الدجال مع عِظَم فتنته -وقانا الله وإيّاكم من فتنته- فإنما ضرره على الذين يعاصِرونه ويخرج وهم أحياء. (٣)
*وأما عن حكمه: فهو على حالات:
١ - الحالة الأولى:
أن يكون الرياء في أصل العمل:
والمعنى: أن يكون منشأ النية في العمل متوجهاً لله -تعالى- ولغيره، فقد دل حديث الباب
стр. 1028
على حبوط العمل، وسقوط أجره، كما ورد في حديث الباب في قوله ﷺ يرفعه:
" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ":
ففيه دلالة واضحة على أن المرء إذا عمل عملاً لله -تعالى- ولغير الله، حيث كان الرياء حاصلاً في أصل العمل فإن الله -عزوجل - يتركه وما أشرك؛ وذلك لأن الرياء إذا شارك العبادة فإنه لا حظ للعبد فيها، ولا يقبلها الله .
ففي هذا دلالة بيِّنة أن حدوث الرياء في أصل العبادة يبطلها، وذلك حين يكون العمل في أصله ابتغاء وجه الله -تعالى- ووجه الناس.
قال ابن رجب:
واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضاً، بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]
وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضاً. (١)
قال ابن القيم:
أن يبتدئها -أي الصلاة - مريداً بها الله والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس، وهذا كمن يصلِّي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه يصلِّي لله وللأجرة،؛ فهذا لا يقبل منه العمل؛ فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عُدِمَ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود. (٢)
стр. 1029
* يؤيده:
ما رواه أبو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رضى الله عنه - أن رجلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَالَهُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا شَيْءَ لَهُ"، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"لَا شَيْءَ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ ". (١)
فهذا رجل خرج مجاهداً في سبيل الله تعالى، وفي سبيل مدح وثناء الناس فأخبر النبي ﷺ أنه " لَا شَيْءَ لَهُ "، وهذا نفي لوجود أصل الأجر؛ وذلك لتحقق الرياء من منشأ العمل إلى آخره.
* يؤيده:
ما رواه أَبو سَعِيدِ بنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قالُ:
" إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ:
مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَداً، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ". (٢)
-ووجه الدلالة:
أن قوله: " فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ " قد دل على بطلان العمل الذي يُبتغى به غير وجه الله تعالى؛ وذلك أن أمره بطلب الثواب من عند غير الله -عزوجل- دال على انتفاءه عند الله تعالى.
وهذا فيمن كانت نيته في أصل العبادة لله تعالى ولغيره، فمن كانت نيته خالصة للناس فهو أولى ببطلان عبادته.
*وعن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -يَقُولُ:
" إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:
فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ:
كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ،
стр. 1030
فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟
قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:
فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟
قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ". (١)
٢ - الحالة الثانية:
أن يكون أصل العمل لله تعالى، ثم طرأت عليه نية الرياء فينظر في ذلك:
١ - هذا إن تاب منه صاحبه في الحال ودفعه، وأخلص العمل لله -تعالى- فإنه لا يضر صاحبه قولاً واحداً.
ومثال ذلك:
رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء؛ بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه; فإنه لا يضره؛ لأنه جاهد نفسه حتى طرح ذلك الرياء.
٢ - إن كان الرياء خاطراً فاسترسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك؟
في ذلك تفصيل:
١ - أن يكون العمل الذي وقع فيه الرياء لا يرتبط آخره بأوله، كالقراءة أو الذِّكر أو إنفاق المال، ونَشْر العلم، فما سبق الرياء من القدر الذي وقع فيه الإخلاص فهو صحيح، وما كان بعده; فهو باطل.
مثال ذلك:
رجل عنده مائة جنيه، فتصدَّق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء; فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة; لأن آخرها منفك عن أولها.
стр. 1031
٢ - أن يكون العمل الذي وقع فيه الرياء يرتبط آخره بأوله، كالصلاة أو الصيام أو الحج، وفي ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، والراجح-والله أعلم-هو بطلان تلك العبادة.
وذلك مثل الصلاة; فالصلاة مثلاً لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، فمن قام يصلّي ثم طرأ عليه طارئ الرياء فاسترسل معه ولم يدافعه فحينئذ تبطل الصلاة كلها. (١)
٣ - أن يكون الرياء تابعاً لا أصلاً، بحيث أنه لو خلا دون رؤية الناس لفعل، ولكنه برؤيتهم يزداد. قال الغزالي:
أن تكون العبادة باعثة مستقلة، لو خلا بنفسه لفعل، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطاً، وخفَّ عليه العمل بسببه، فأرجو ألَّا يُحبِط ذلك القدر عمله، بل تصح عبادته ويثاب عليها، ويُعاقَب على قصد الرياء، أو ينقص من ثوابه. (٢)
* أمور ليست من الرياء:
١ - زيادة الطاعات برفقة الصالحين:
لا شك أن الشرع قد حث على لزوم الجماعة، وأخبر أن الشيطان إلى الواحد أقرب.
فقد قال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُم) (الكهف: ٢٨)
لذا فالمرء إذا رافق الصالحين فزاد من طاعته معهم ما لم يكن من دأبه الأول فليس هذا من الرياء في شيء.
قال ابن الجوزي:
قد يبيت الرجل مع المتهجدين، فيصلُّون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق؛ فكل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقة العوائق،
стр. 1032
وتستهويه الغفلة، فربما كانت مشاهدة الغير سبباً في زوال الغفلة واندفاع العوائق، فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكَّن من على فراش وثير، وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان غريب اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة العابدين، وهي موجبة لتحرك داعية الدين، وربما صعب عليه النوم لتغيير مكانه، فاغتنم زوال النوم، وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم الشهية في منزله، فإذا لم يجدها في غيره لم يشق عليه الصوم، وفي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة. (١)
٢ - ترك العمل لأجل الناس رياء:
وأما ترك بعض الأعمال الصالحة من باب مخافة الرياء فهو من تلبيس الشيطان، وهو حِبالة من حِبالات إبليس، وقد عدَّه أهل العلم من الرياء.
قال محمد بن عبد ربه،: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما " (٢)
والوجهة في ذلك أن من عزم على عبادة الله - تعالى - ثم تركها مخافة أن يطَّلع الناس عليه فهو مراءٍ؛ حاله في ذلك كحال من فعل الطاعة رياءٍ؛ والجامع بين الأمرين هو جعل نظر الناس مؤثراً إقداماً وإحجاماً، ولأنه لو كان عمله لله - تعالى- لم يضره إطلاع الناس عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فإنه يصلِّيه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله -تعالى- من قلبه أنه يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض:
ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك. (٣)
стр. 1033
قال ابن حزم:
لإبليس في ذم الرياء حبالة، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير مخافة أن يظن به الرياء، فإذا أطرقك منه هذا فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه. (١)
قال النووي:
من عزم على عبادة، وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مراءٍ؛ لأنَّه ترك العمل لأجل الناس. (٢)
*ولقد سار الناس في هذا الدرب بين مسلكين:
أ) بين مُسرفٍ قد علَّق قلبه بمدح الناس أو ذمهم، فلم يكن له في الآخرة من عمله نصيب.
ب) وبين تاركٍ للعبادة خشية الرياء والسمعة.
وقد تمادى أصحاب المسلك الثاني حتى قصدوا ذمّ الناس ولومهم، ففعلوا ما يلامون عليه، وسموا بـ (الملامية)، أرادوا بذلك مقابلة أهل الرياء والسمعة.
والحق وسط بين الأمرين:
بين الإخلاص في الطاعة، والحث على الإكثار من العمل الصالح، فالإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل قال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
٣ - ليس كل إظهارٍ للعمل رياءً:
إذا كان الشرع قد حث على إخفاء الأعمال الصالحة؛ وذلك لغلق الباب على النفس من دواعي الرياء والسمعة، وتحقيقاً لإخلاص القلب، ولكن قد تكون المصلحة فى إظهار العمل راجحة على مصلحة الإخفاء، كأن يكون في الإظهار مصلحة الإقتداء أو التعليم، أو الحث على المسارعة في الخيرات.
* ومن هذا الباب قوله ﷺ لما صلَّى على المنبر أمام الناس:
" فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ،
стр. 1034
إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي». (١)
* وفي حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رضى الله عنه- لما دعا الرسول ﷺ الناس إلى الصدقة جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يتصدقُ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى تجمع كَوْمَانِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ". (٢)
* وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وجهر حتى أسمعنا، فَقَالَ: «ليعلموا أِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ». (٣)
قال ابن قدامة:
في إسرار الأعمال فائدة للإخلاص والنجاة من الرياء، وفي الإظهار فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه، حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ينوي الاقتداء به، ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك.
فإن مثال الضعيف مثل الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة، فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم، وأقبل عليهم حتى تشبثوا به، فهلكوا وهلك معهم.
فأما من قوى وتم إخلاصه، وصغر الناس في عينه، واستوى عنده مدحهم وذمهم، فلا بأس بالإظهار له؛ لأن الترغيب في الخير خير. (٤)
قال ابن حجر:
قد يستحب إظهاره -يعني العمل- ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به أو لينتفع به، ككتابة العلم،
стр. 1035
وقال الطبري: "كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال فمن كان إماماً يستن بعمله عالماً بما لله -تعالى- عليه قاهراً لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف. (١)
٤ - الفرح بالثناء ليس من أبواب الرياء:
والمعنى أن المرء إذا عمل العمل لله -تعالى- خالصاً، ثم ألقى الله -عزوجل- له الثناء الحسن بين المؤمنين، فأثنوا عليه خيراً، ففرح واستبشر لم يضرّه ذلك.
وفي هذا المعنى قد ورد في حديث أبي ذرّ-رضى الله عنه- عن النبيّ ﷺ -أنه سئل: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ». (٢)
والمعنى أن هذه هي البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل البشرى المؤخَرة إلى الآخرة بقوله تعالى (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (الحديد: ١٢)
وهذه البشرى المعجلة دليل على رضا الله - تعالى- عنه ومحبته له فيحببه إلى الخلق.
قال ابن حزم:
لولا قول رسول الله ﷺ في الثناء الحسن (ذلك عاجل بشرى المؤمن) لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق، ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل، فإنما تجب البشرى بما في الممدوح لا بنفس المدح. (٣)
قال ابن حجر الهيتمي:
لو تمَّ عمله خالصاً فأُثني عليه ففرح لم يضر؛ لخبر مسلم: "تلك عاجل بشرى المسلم". (٤)
стр. 1036
وهو في ذلك لا يسعى لسماع مدح من أحد، بل قد جاء الأمر وفاقاً لا قصداً، فقد استوى عنده لإخلاصه مدح الناس وذمهم.
قال ابن القيم:
متى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همته، وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمهم، هذا وصف من خرج عن حظ نفسه، وتأهل للفناء في عبودية ربه، وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه. (١)
٥ - ليس رياءً خلط نية الطاعات بالمباحات:
وصورة المسألة فيمن تقرَّب بقربة ينوي فيها العبادة وأمراً آخر مباحاً، كمن صام بقصد التعبد لله - تعالى - والتداوي بالصوم، ومن توضأ لرفع الحدث والطهارة والتبرد به، فجمهور العلماء على جواز ذلك؛ وذلك لأن الغرض المباح لا يُنافي العبادة، وإن كان ينقص من أجرها.
فمن نوى نية دنيوية بعمل صالح لم يكن هذا قادحاً في أصل إخلاصه؛ فلا بد أن نفرق هنا بين الشرك الذي هو صرف العمل لغير الله تعالى، وبين التشريك في النية، وهو أن يجمع بين نية التعبد لله تعالى، وما أذن الشارع في قصده وطلبه من أمور الدنيا.
* ونذكر من أدلة ذلك:
١ - قال تعالى بعد ذكره لآيات الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:
كَانَ ذُو المَجَازِ، وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ ". (٢)
стр. 1037
وعن أَبي أُمَامَةَ التَّيْمِيُّ قَالَ:
كُنْتُ رَجُلًا أُكَرِّي، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ -رضى الله عنهما-فَقلت له:
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَجُلٌ أُكَرِّي فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لِي: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضى الله عنهما:
أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي الْجِمَارَ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:
فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
فأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: «لَكَ حَجٌّ». (١)
*٢ - وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ :
«مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (٢)
فقد حث الشارع على الجهاد في سبيل الله -تعالى- وحفَّز على ذلك بجعل سلب المقتول غنيمة خالصة لمن قتله، لذا فقد كان مالك يكره أن يقول الإمام قبل القتال: " من قتل قتيلًا فله سلبه "، لئلا يُفسد نيَّات المجاهدين، كما حكاه القرطبي، ولكنَّ الجمهور على خلافه، وظاهر النص معهم. (٣)
*٣ - وعن أنس بن مالك -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال:
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (٤)
وهذان نفعان دنيويان: السعة في الرزق، وإطالة العمر، أو طيب الذكر بعد الموت، على معنيين عند أهل العلم، فمن وَصَل رَحِمَه مستحضِراً الثواب عند الله تعالى، ومستحضِراً هاتين الثمرتين اللتين نصَّ عليهما النبي ﷺ فلا حرج عليه، ولا وِزْرَ عليه.
стр. 1038
٤ - عن عبد الله بن مسعود-رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ :
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». (١)
فأباح الشارع فعل طاعة عظيمة وهى الصوم بقصد قطع شهوة الشاب.
قال القرافي:
الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات:
من حيث إن التشريك فيها لا يحرم بالإجماع، بخلاف الرياء فيها فيحرم، هو أن التشريك فيها لما
كان بما جعله الله -تعالى- للمكلف في هذه العبادة، كمن جاهد لِيُحَصِّلَ طاعة الله بالجهاد
ولِيُحَصِّلَ السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو، وكمن صام ليصح جسده أو ليحصل زوال مرض، والصوم مقصود مع ذلك، وكمن يتوضأ بقصد التبرُّد أو التنظيف لم يضره في عبادته، ولم يحرم عليه بالإجماع؛ لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من
المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات. (٢)
قال السيوطي:
ولو نوى الوضوء أو الغسل والتبرُّد، ففي وجه لا يصح للتشريك; والأصح الصحة; لأن التبرُّد حاصل: قصده أم لا، فلم يجعل قصده تشريكاً وتركاً للإخلاص، بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها; لأن من ضرورتها حصول التبرد، ومنها: لو نوى الطواف وملازمة غريمه، أو السعي خلفه. (٣)
* ويبقى أن يقال هنا مسائل:
١ - الأولى:
أن من فعل العبادة خالصاً وقاصداً أجر الله -تعالى- وثوابه فقط أكمل وأفضل وأعظم أجراً ممن قصد مع الأجر الأخروي نفعاً دنيوياً، ولو كان ذلك تبعاً.
فمن خالطت نيّةَ جهاده نيةٌ أخرى غير الرياء، مِثْل أخْذه أجرة للخدمة، أو أخْذ
стр. 1039
شيء من الغنيمة، أو التجارة نَقَص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو-رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
««مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». (١)
٢ - الثانية:
قد حمل الغزالي الإشراك في حديث الباب على الأمور الدنيوية التي لا رياء فيها، وأن الشخص إذا أوقع عبادة وأشرك فيها بين أمرين: " ديني، ودينوني "، فهو داخل تحت الوعيد المذكور في قوله تعالى:
" تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "، وقد رجَّح مثل هذا ابن عبد السلام لظاهر الخبر. (٢)
*لكن يقال هنا:
أن هذا الإطلاق ليس مسلَّماً به؛ لأن حديث الباب إنما يراد به نوعٌ مخصوصٌ من الإشراك، وهو ما ابتغى به مراءاة الناس ومدحهم وثناؤهم على الفاعل، وإنما حملنا على هذا التخصيص ما ذكرنا من الأدلة السابقة التي أفادت مشروعية إشراك النفع الدنيوي مع الأعمال الأخروية.
٣ - الثالثة:
الطاعة إذا تمحَّضت فيها النية للنفع الدنيوي فقط لم يقع لصاحبها نصيب من الأجر، كمن يصوم لأجل الحمية والرجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة، فهؤلاء أعمالهم باطلة.
قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]
وعن أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ-رضى الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال:
"بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمِ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي
стр. 1040
الْآخِرَةِ نَصِيبٌ ". (١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (٢)، يَعْنِي رِيحَهَا.
ويدل عليه كذلك ما رواه عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال:
" مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (٣)
قال ابن القيم:
من أراد بعمله غير وجه الله -تعالى- ونوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيَّته وإرادته. (٤).
تم بحمد الله تعالى.
стр. 1041
الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب
стр. 1042
* حديث الباب:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا "، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٣١٩٩) كتاب " بدء الخلق "، باب "صفة الشمس والقمر بحسبان ".
ومسلم (١٥٩) كتاب " الإيمان "، باب " بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان "، واللفظ لمسلم.
*أهم الفوائد التى تتعلق بحديث الباب:
١ - الفائدة الأولى: طلوع الشمس من مغربها:
أجمع المفسرون على مسألة طلوع الشمس من مغربها، والأخبار في ذلك متواترة عن النبي ﷺ .
قال السفَّاريني:
طلوع الشمس من مغربها ثابت بالسنة الصحيحة، والأخبار الصريحة، بل وبالكتاب المنزَّل على النبي المرسل ﷺ ، وأجمع المفسِّرون أو
стр. 1043
جمهورهم على ذلك. (١)
* ونذكر من ذلك ما يلي:
قال الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ) [الأنعام: ١٥٨]
قال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسِّرين في هذه الآية:
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها. (٢)
* وعن أبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
" لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. (٣)
*عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ " لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ":
طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ ". (٤)
وهذا الحديث فيه دلالة على أن القرآن قد دل على خروج الدجال؛ وذلك أن النبي ﷺ قد ذكر الأية، وفيها " يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ "، ثم فصَّل هذه الآيات بذكر طُلُوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّال، وَدَابَّة الْأَرْضِ ".
*وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود- ﵁ أنه قرأ قَوْلَه : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قَالَ:
«طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ
стр. 1044
الْآيَةَ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ [القيامة: ١٠]. (١)
وقد أخرج ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال:
سمعت عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- يخطب، فقال:
" أيها الناس: إن الرجم حق، فلا تُخدَعنَّ عَنهُ، وإن آية ذلك أن رسول الله ﷺ قد رَجَم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وأنا قد رَجَمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذِّبون بالرجم، ويكذِّبون بالدجال، ويكذِّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذِّبون بالشفاعة "
ثم قال ابن عبدالبر:
الخوارج كلها والمعتزلة تُكذِّب بكل هذه الفصول، وأهل السنة على التصديق بها، وهم الجماعة والحجة على من خالفهم، بما هم عليه من استمساكهم بسنة نبيهم ﷺ . (٢)
قال أبو العباس القرطبي:
ومذهب أهل السنّة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها؛ إذ لا إحالة فيها، وهي أمور مُمكنة في نفسها، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشُهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها. (٣)
*تنبيه مهم:
قد سعى جماعة من المهتمين بالإعجاز العلمي بذكر الدلائل العلمية والنظريات الحديثة المثبتة لمسألة طلوع الشمس من مغربها. (٤)
стр. 1045
ولا شك أن الغنية في ذلك تحصل بما ورد من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأما النظريات العلمية فهذه مما يستأنس بها، ولكن لا يُركن ولا يستند إليها في الإثبات أو النفي؛ وذلك أنها نظريات بشرية قد يرد عليها الخطأ، ويدركها الوهم، ويعتريها التغيير، لذا فالركون إليها قد يسبِّب البلبلة لدى البعض في ثوابت الشرع، وهذا مقام بيِّن الخطورة لمن يتأمله.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
* الفائدة الثانية: غلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها:
*عَنْ أَبِي مُوسَى-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ:
«إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». (١)
قال ابن كثير بعد ذكره لقول الله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا...)،
وذكره لجملة من الأحاديث التي جاءت في طلوع الشمس من مغربها، قال:
فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيماناً وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه؛ وإنما كان كذلك - والله أعلم - لأن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها؛ فعُومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة. (٢)
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾
أي: إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك؛ فإن كان مصلحاً في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحاً؛ فأحدث توبة حينئذٍ لم يقبل منه
стр. 1046
توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يُحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾:
ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملاً به قبل ذلك". (١)
* تنبيه:
من العلماء من فصَّل في قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال:
أن من رأى طلوع الشمس من المغرب، أو ولد بعد ذلك وبلغ وسمع من جماعة حصل له يقين بقولهم إن الشمس طلعت من المغرب لا يقبل إيمانه ولا توبته.
وأما إن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلاً فيصير الخبر عنهم خاصاً وينقطع التواتر، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبِل منه. (٢)
وقد استدلوا على ذلك بما يُروى عن عبد الله بن عمرو -رضى الله عنهما- مرفوعاً:
" تبقى الناسُ بعدَ طلوعِ الشمسِ من مغربها عشرين ومائة سنة ".
** والراجح -والله أعلم-خلاف ذلك:
فحجب التوبة عن الكافر والعاصي لا يختص بيوم طلوع الشمس من مغربها، بل يمتد إلى يوم القيامة، خلافاً لمن زعم أنه يمتنع قبول الإيمان والتوبة وقت طلوع الشمس من المغرب أي في تلك الحالة، وأن من تاب بعد ذلك أو أسلم قُبل ذلك منه.
-ومما يدل على ذلك ما يلي:
١ - روى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاص-رضى الله عنهما- أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ ". (٣)
стр. 1047
وعن عبد الله بن عمرو-رضى الله عنهما- قال:
قِال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِى سِلْكٍ، فَإِنْ يُقْطَعِ السِّلْكُ يَتْبَعْ بَعْضُهَا بَعْضاً". (١)
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْآيَاتِ، طُرحت الْأَقْلَامُ، وَحُبِسَتِ الْحَفَظَةُ، وَشَهِدَتِ الْأَجْسَادُ عَلَى الْأَعْمَالِ ". (٢)
وهو وإن كان موقوفاً، فإن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا مما لا يقال من جهة الرأي، لأنه شيء غيبي، فلا بد أن يكون مستنداً على الوحي.
وقد ذكر ابن حجر جملة من الأثار المرفوعة والموقوفة في ذلك، ثم قال:
فهذه آثار يشد بعضها بعضاً، متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة. (٣)
فالنصوص دلت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرِّق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من وُجد بعدها ولم يشاهدها.
قال زين الدين العراقي:
كان شيخنا أبو حفص البلقيني يقول إذا تراخى الحال بعد طلوع الشمس من مغربها وتناساه أكثر الناس قُبلت التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطر الناس إلى الإيمان، وهذا يحتاج إلى دليل، وما أظن الزمان يتراخى بعد ذلك، ولا يبقى فيه مهلة وتطاوُل بحيث يطول العهد بذلك قبل يوم
стр. 1048
القيامة، والله أعلم. (١)
وأما ما استدلوا به بما يُروى عن عبد الله بن عمرو -رضى الله عنهما- مرفوعاً:
"تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة "
فقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٥/ ٥٠٦)، ونعيم بن حماد في "الفتن" (٢/ ٦٥٦) عن عبد الله بن عمرو موقوفاً.
قال ابن حجر:
رفعه لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره بسند جيد، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً. (٢)
ومن المقرر عند العلماء أن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما-كان ممن يحمل عن أهل الكتاب.
فقد حصل في حرب اليرموك على كتب لأهل الكتاب، فكان ينقل عنها الإسرائيليّات ويحدّث بها. قال ابن حجر:
وعبد الله بن عمرو بن العاص حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة، حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي ﷺ ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور الرفع لقوة الاحتمال، والله أعلم. (٣)
وقال ابن كثير بعد ذكره لحديث يرفعه عبد الله بن عمرو:
" يخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، مما أخذه من الزاملتين ". (٤)
стр. 1049
*وهنا سؤلان:
الأول: إن قيل: وما الحكمة من طلوع الشمس من مغربها؟
فيقال في الجواب:
أن طلوع الشمس من مغربها آية تعم الكل، وتدل على الصانع المقلِّب للأشياء، ولقد زعم الملحدون وأهل النجوم أن ذلك لا يكون، فيبيِّن بذلك كذبهم، ويظهر القدرة على ما طلبه الخليل من النمرود بقوله: ﴿فأتِ بها منْ المغَربِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
فيطلعها الله - تعالى- يوماً من المغرب ليُرِي المنكرين قدرته، وأن الشمس في ملكه، إن شاء أطلعها من المشرق، وإن شاء أطلعها من المغرب. (١)
*الثاني:
لماذ يغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها؟
* والجواب من وجوه:
-الأول:
أن من شاهد طلوع الشمس من المغرب لا تقبل توبته إن كان مذنباً، ولا يقبل إيمانه إن كان كافرًا؛ لأن الإيمان والتوبة بالغيب مقبول، وأمَّا بالمشاهدة فغير مقبول، فإن جميع الأمم التي أُهلكت بالعذاب؛ كقوم ثمودَ وصالح ولُوط وغيرِهم آمنوا حين رأَوا عذابَ الله تعالى، فلم يُقبل إيمانهم، وكذلك فقد آمن فرعونُ حين أدركه الغَرق، ولكن لم يقبل إيمانه، بل أجيب بقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]
- الثاني:
أنه لا ينفع نفساً إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه
стр. 1050
الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت. (١)
*الفائدة الثالثة: قول النَّبِيِّ ﷺ :
" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً... ":
وأما سجود الشمس فهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (الحج: ١٨)
ونحن نؤمن بذلك على الحقيقة، وإن كنا لا ندركه، كما أننا لا ندرك تسبيح الطيور، ولا نفقه تسبيح الجمادات ولكننا نوقن أنها تسبِّح لقوله تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤].
وكذلك فالشمس تسجد، وإن كنا لا ندرك سجودها ولا نراه، ولكنه سجود حقيقي.
* المخالفون في هذه المسألة:
من أهل الكلام والعقلانيين من أنكر ذلك بالتأويلات الباطلة؛ بدعوى أن الشمس لا تزال طالعة على الأرض، ولكنها تطلع على جهة منها، وتغرب عن الجهة الأخرى؛ فأين يكون مستقرها الذي إذا انتهت إليه سجدت، واستأذنت في الرجوع من المشرق؟!
* ومنهم من عمد إلى تحريف النص عن موضعه، فقالوا أن سجود الشمس تحت العرش ليس على حقيقته، بل هو تعبير وتصوير لانقيادها لأمر الله تعالى، حالها في ذلك حال انقياد الساجد من المكلَّفين وهو يخر إلى أسفل معلناً تمام انقياده، وغاية خضوعه لأمر ربه جل وعلا!! (٢)
стр. 1051
*والجواب عليهم أن يقال:
إنما ينكر ذلك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم عن القبول والإذعان لآيات الله -عزوجل -الشرعية والكونية.
فتراهم في ريبهم يترددون، وفي صدق النبي ﷺ يرتابون.
فقد زلَّت أقدامهم عن درَج التسليم للشرع، حتى ساغت بهم في الدرْك الأسفل من التعطيل والتحريف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
فحسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس، بل يكل علم ذلك إلى الله تعالى.
* ثم يقال هنا وجوه:
الوجه الأول:
أن يقال: قد نص النبي ﷺ على أن الشمس تسجد لربها نصاً لا يحتمل التأويل، وهذا النص يدل على أنها تسجد سجوداً حقيقياً لا مجازياً، ومن زعم أن سجودها كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى-واستجابتها له؛ فقد صرف النص عن ظاهره، ولا شك أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثاني:
أن النبي ﷺ نص على أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، وهذا النص يدل على أنها إنما تسجد في موضع مخصوص، وهو مستقرها تحت العرش، ولو كان سجود الشمس كناية عن تمام انقيادها لأمر الله -تعالى- واستجابتها له؛ لكانت ساجدة على الدوام، ولا يخفى ما في هذا القول من المخالفة لنص الحديث، وما خالف النص فهو قول باطل مردود، وكفى بالنص حجة على كل مبطل.
الوجه الثالث:
يلزم من هذا القول إلغاء فائدة النص على سجود الشمس إذا انتهت إلى مستقرها تحت العرش، وما لزم عليه إلغاء النص؛ فهو قول سوء يجب اطراحه. (١)
стр. 1052
*نكتة اعتزالية:
قال الزمخشري:
وقوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾
فلم يفرّق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أنَّ قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. (١)
* والجواب:
أن الزمخشري يروم الاستدلال على صحة عقيدته في أن الكافر، وهو المراد في قوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، والعاصي وهو المراد في قوله تعالى ﴿أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾
كلاهما سواءٌ في الحكم بالخلود في النار؛ إذ سوَّى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات.
* وهنا يقال:
أنه لا يتم له ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام اشتمل على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف.
وأصل الكلام:
" يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبل ذلك إيمانها بعد ذلك، ولا ينفع نفساً كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملاً صالحاً قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، إلا أنه لفُّ الكلامين فجعلهما كلاماً واحداً بلاغة واختصاراً وإعجازاً.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء: ١٧٢)
* لذا نقول:
لا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإنْ نفع الايمان المتقدِّم في السلامة من الخلود، فهذا بأن يدل على رد الاعتزال أجدر من أن يدل له. (٢)
والحاصل:
أن هذه الأية ليست دليلاً للمعتزلة على خلود صاحب الكبيرة في النار، بل غاية ما فيها الإخبار عن الختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها.
стр. 1053
فلا ينفع أصل الإيمان الذي يحدثه صاحبه بعد رؤيته لطلوع الشمس من مغربها، وكذلك لا ينفع ما يحدثه صاحب أصل الإيمان من توبة من معاصيه؛ لأن حكم الإيمان والعمل عند طلوع الشمس من مغربها كحكمه عند الغرغرة، فلا ينفع الإيمان ولا التوبة في هذين الموضعين بجامع أنه في كليهما قد عاين المرء أحوال الآخرة، فهو في حكم من حضره الموت.
فالمؤمنَ المقصِّر لن ينفعه أن يزداد خيرُه بعد طلوع الشمس من مغربها، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.
*الفائدة الابعة: قول النَّبِيَّ ﷺ :
" إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، ... "
وهنا نذكر أدلة ثبوت العرش، وما ورد في صفته:
١ - ما ورد من أدلة في إثبات العرش:
لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن في واحد وعشرين موضعاً، وكذلك فقد بلغت حد التواتر في السنة، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن أبي شيبة. (١)
* نذكر منها ما يلي:
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٤)
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ ... (التوبة: ١٢٩)
قال ابن كثير:
وهو رب العرش العظيم: أي هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب
стр. 1054
العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما فيها وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. (١)
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (هود: ٧)
* ومن أدلة السنة:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». (٢)
٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». (٣)
٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
«اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ». (٤)
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي
стр. 1055
كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». (١)
* أما الإجماع:
قال الأوزاعي:
كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله- تعالى - فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته. (٢)
قال أبو عمر الطلمنكي:
وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله -تعالى- عرشاً، وعلى أنه مستوٍ على عرشه. (٣)
٢ - ومما ورد في صفة العرش:
عرش الله -تعالى- على الماء:
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضى الله عنه- أن النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». (٤)
وقال ابْنِ مَسْعُودٍ رضى الله عنه:
«ما بَيْنَ السَّماءِ الدنيا والتي تليها مَسِيرة خمسمائة عام، وبين كلِّ سَماءَيْن مسيرة خمسمائة عام، وبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، والْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ". (٥)
* تنبيه:
عَنْ جَابِرٍ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
" إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً " (٦)