← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . فيشمل العموم المطلقة والمتوفى عنها زوجها، يؤيد ذلك ما روي عن أبي بن كعب (١) قال: قلت للنبي ﷺ ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] للمطلقة ثلاثا أو للمتوفى عنها زوجها، قال: (هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها) (٢) . ٢- ما روي (أن سبيعة الأسلمية (٣) نفست بعد وفاة زوجها (٤) بليال، فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته أن تنكح فأن لها، فنكحت) (٥) .

стр. 562

وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ أن الحامل تعتد بأبعد الأجلين، فإذا وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها وإن انتهت أربعة أشهر وعشر قبل الوضع تربصت إلى الوضع. وذلك للجمع بين عدة الوفاء أربعة أشهر وعشر، وبين عدة الحامل بوضع الحمل (١) . ونوقش هذا بما يلي: ١- ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ منقطع، وعلى هذا ففي صحته عنه نظر. ٢- وما روي عن ابن عباس ﵄ قد رجع عنه لما بلغه حديث سبيعة الأسلمية السابق الذكر (٢) . وعلى هذا يتحقق الإجماع على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل. ٣- وعلى فرض صحة هذا القول عنهما، فإن حديث سبيعة الأسلمية نص في أنها تنقضي عدة الحامل بوضع الحمل، وهذا حجة لا يمكن التخلص عنه بوجه من الوجوه (٣) والله أعلم. الحالة الثانية: أن تكون غير حامل. اتفق الفقهاء (٤) رحمهم الله تعالى في هذه الحالة أن عدة الحرة (٥) صغيرة كانت أم كبيرة مدخول بها أم لا، أربعة أشهر وعشر.

стр. 563

جاء في بداية المجتهد: اتفق المسلمون على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة اشهر وعشرا (١) . وفي المغني (أجمع أهل العلم أن عدة الحرة المسلمة غير ذات الحمل من وفات زوجها أربعة أشهر وعشرا، مدخول بها، أو غير مدخلو بها، كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ) (٢) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ٢- وعن أم حبيبة (٣) ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (٤) . واختلفوا في ابتداء العدة في هذه الحالة هل يكون من حين وفاة الزوج أم من حين علم الزوجة بوفاته إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها تعتد من يوم الوفاة وإن لم تعلم بالوفاة حتى مضت العدة لم يكن عليها شيء، وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.

стр. 564

جاء في التمهيد (أجمعوا على أن كل معتدة من وفاة تحسب عدتها من وفاة زوجها) (١) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ قال: (تعتد المطلقة والمتوفى عنها زوجها منذ يوم طلقت وتوفي عنها زوجها) (٢) . ٢- ولأنها لو وضعت حملها انقضت به عدتها وإن لم تعلم بطلاقها، فكذلك سائر أنواع العدد (٣) . ٣- ولأن العدة مجرد مضي المدة وذلك يتحقق بدون علمها (٤) . ٤- ولأن الوفاة هي السبب في العدة فيعتبر ابتداء العدة من وقت وجود السبب (٥) . القول الثاني: أنها تعتد من حين العلم بموته لا من حين وفاته. وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن الحسن البصري، وقتادة، وابن حزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي أن فريعة (٧) بنت مالك قتل زوجها في سفر، فلما علمت بقتله أتت النبي ﷺ فأخبرته، فقال لها: (امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله) فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا (٨) .

стр. 565

وجه الدلالة: أنه أمرها باستئناف العدة لوقتها ولم يعتبر ما مضى (١) . ونوقش هذا الاستدلال: بأنه يحتمل أنه أمرها باستئناف العدة لوقتها، ويحتمل الاستدامة واحتساب ما مضى، فلم يكن فيه مع الاحتمال دليل (٢) . ٢- ولأنها مأمورة في العدة بالحداد واجتناب الطيب وعدم الخروج من مسكنها، وهي قبل علمها غير قاصدة لأحكام العدة، فلذلك لم تكن في عدة (٣) . ونوقش هذا: بأن القصد في العدة غير معتبر بدليل أن المجنونة والصغيرة تنقضي عدتها من غير قصد، والحداد الواجب ليس شرطا في العدة فلو تركته قصدا أو من غير قصد لانقضت عدتها (٤) . القول الثالث: إن علمت الوفاة ببينة اعتدت بما مضى، كالقول الأول، وإن علمت بخبر اعتدت من وقتها كالقول الثاني، وهذا القول مروي عن عمر بن عبد العزيز (٥) وراية عن الإمام أحمد (٦) . واستدلوا على علمها بالبينة بما استدل به أصحاب القول الأول، وعلى علمها بالخبر بما استدل به أصحاب القول الثاني. الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول أنها تعتد من يوم الوفاة، لقوة ما استدلوا به ومناقشة أدلة المخالفين. والله أعلم.

стр. 566

المطلب الثاني في عدة زوجة المجاهد إذا فقد في المعركة وفيه فرعان: الفرع الأول: مدة الانتظار قبل أن تعتد . الفرع الثاني: عدة زوجة المجاهد بعد مدة الانتظار. الفرع الأول مدة الانتظار قبل أن تعتد اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى على أنه لا بد لها من وقت تنتظر فيه زوجها قبل أن تعتد، ثم اختلفوا في مدة الانتظار إلى قولين: القول الأول: أنها تنتظر أربع سنين من فقده ثم تعتد. وهذا المذهب عند الحنابلة، لأن الغالب عليه الهلاك (٢) والقديم عند الشافعية (٣) وقول للمالكية (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر سنين، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا) (٥) .

стр. 567

٢- وعن عمر وعثمان ﵄ قال: (امرأة المفقود تربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تنكح) (١) . ونوقش ما روي عن عمر ﵁: بأنه رجع عنه حين حكم في امرأة المفقود ثم رجع زوجها بعد ذلك، فصار رجوعه ومن قال بقوله من الصحابة إجماعا بعد خلاف (٢) . والجواب عن هذه المناقشة: أن عمر ﵁ لم يرجع عن قوله وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ القول برجوع عمر عن قوله في امرأة المفقود، وقال: زعموا أن عمر رجع عن هذا وهؤلاء الكذابين وحسن حديث عمر، وقال: هو عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ (٣) . القول الثاني: أن زوجة المفقود تنتظر حتى يتحقق لها موته، أو تمضي مدة لا يعيش فوقها عادة (٤) . وبهذا قال الحنفية (٥) وهو قول للمالكية (٦) والأظهر عند الشافعية (٧) ، ورواية عند الحنابلة (٨) وهو قول ابن حزم (٩) . واستدلوا بما يلي: ١- عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان) (١٠) . ونوقش هذا: بأنه ضعيف لم يثبت (١١) .

стр. 568

٢- ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في امرأة المفقود (امرأة المفقود ابتليت فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها يقين موته) (١) . ونوقش هذا: بأن المشهور عن علي ﵁ خلاف هذا، وأن هذه الرواية عن علي ﵁ ضعيفة (٢) . وعلى فرض صحة ما روي عن المغيرة وعن علي ﵄ فإن ذلك محمول على المفقود الذي ظاهر غيبته السلامة جمعا بين الأدلة (٣) . ٣- ولأن النكاح علم ثبوته، والغيبة لا توجب فرقة، والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك (٤) . ونوقش هذا: بأنه ممنوع هنا لأن الشك تتساوى فيه الاحتمالات، والظاهر في المفقود في المعركة هلاكه (٥) . الترجيح الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنها تنتظر أربع سنوات منذ فقده في المعركة ثم تعتد، لأن أربع سنوات كافية في العثور عليه لو كان حيا، ولأنها أكثر مدة الحمل فيبرأ الرحم، ولأن بقاء المفقود زوجها حتى يتحقق موته فيه ضرر عليها، وفساد في المجتمع إذا بقيت مدة طويلة دون زوج. والله أعلم الفرع الثاني عدة زوجة المجاهد بعد مدة الانتظار إذا تقرر رجحان انتظارها أربع سنوات، فإن عدتها بعد مدة الانتظار عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، باتفاق الفقهاء وقد سبق بيان ذلك بأدلته (٦) .

стр. 569

المبحث الثاني في النفقات وفيه مطلبان: المطلب الأول: نفقة زوجة المجاهد ونفقة أولاده . المطلب الثاني: فضل كفالة أولاد المجاهد وزوجته. المطلب الأول نفقة (١) زوجة المجاهد ونفقة أولاده اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على أن نفقة زوجة المجاهد ونفقة أولاده الصغار والذين يبلغون وهم عاجزون عن العمل واجبة عليه، ولا يختلف عن غيره في ذلك (٢) . جاء في بداية المجتهد: (اتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة) (٣) . وفي المغني (اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن (٤)) وقال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذي لا مال لهم) (٥) . يدل على ذلك الكتاب والسنة. أولاً: من الكتاب: ١- قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] . وجه الدلالة: أنه أمر بالإنفاق والأمر للوجوب (٦) .

стр. 570

٢- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . والمولود له: الأب، ورزقهن: الأمهات (١) . ٣- قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وجه الدلالة: أنه أوجب رضاع الولد على أبيه، فدل على أن النفقة واجبة على الأب (٢) . ثانيًا من السنة: ١- عن جابر ﵁ من حديث طويل في بيان حجة النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٣) ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف..» (٤) . ٢- عن عائشة ﵂ أن هندًا (٥) بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح (٦) وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال ﷺ «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٧) . فدل الحديثان السابقان على وجوب نفقة الزوجة والأولاد على الزوج.

стр. 571

إذا تقرر وجوب النفقة على المجاهد لزوجته وأولاده كغيره ممن تجب عليهم نفقة أزواجهم وأولادهم فإن للمجاهد حالتين. الحالة الأولى: أن يخرج للجهاد ويغيب عن زوجته وأولاده. الحالة الثانية: أن يقتل في المعركة أو يموت دون قتل. فأما الحالة الأولى: فإن خروجه للجهاد في سبيل الله لا يسقط عنه النفقة الواجبة لزوجته وأولاده بالاتفاق (١) بل يشترط لخروجه أن يترك ما يكفيهم من النفقة حتى يعود (٢) فإن لم يترك لهم نفقة وكان له مال أخذ من ماله ما يكفيهم من النفقة بالمعروف (٣) . يدل على ذلك ما يلي: ١- ما سبق من حديث هند بنت عتبة أن النبي ﷺ قال لها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٤) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أباح لهند أن تأخذ من مال زوجها نفقتها ونفقة ولدها بالمعروف، ولو لم يعلم الزوج، فكذلك إذا كان غائبا (٥) . ٢- أن الأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته، ينفق عليك من ماله حال غيبته (٦) ، فإن امتنع المجاهد عن النفقة أمر بأن ينفق أو يطلق زوجته. يدل على ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ (أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى) (٧) .

стр. 572

فإن لم يكن له مال فقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن للزوجة والأولاد أن يستدينوا عليه بالنفقة التي تكفيهم. وذلك للحاجة إلى النفقة (١) . أما الحالة الثانية: إذا قتل في المعركة، أو مات دون قتال، فهل ينفق على زوجته وأولاده من العطاء الذي كان يأخذه من ديوان الجند، أم لا؟ اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: أنه ينفق على زوجته وأولاده من عطائه في ديوان الجند حتى تتزوج الزوجة ويبلغ الابن، وتتزوج البنت، وإن بلغوا عاجزين أعطوا الكفاية، وهذا الأظهر عند الشافعية (٢) وهو قول الحنابلة (٣) . ودليلهم: أنه لو لم يعط ذريته وزوجته بعد موته كفايتهم لم يجرد نفسه للقتال، واشتغل بالكسب لعياله لأنه يخاف ضياعهم بعده، فإذا علم أنهم يعطون تجرد للجهاد في سبيل الله، وفي هذا مصلحة للجهاد (٤) . القول الثاني: أنه لا ينفق عليهم من عطائه في ديوان الجند، وإنما يحالون إلى مال العشر والصدقة، وهذا قول عند الشافعية (٥) . ودليلهم: أن ما كان يصل إليهم من نفقة كان على سبيل التبع لمن يعولهم، وقد زال الأصل وانقطع التبع فلا يعطون شيئا (٦) . الترجيح الراجح هو القول الأول أنهم يعطون نفقتهم من عطائه في ديوان الجند ما يكفيهم من النفقة. لأن في ذلك إحسانا إلى أسر الشهداء وترغيبا في الجهاد في سبيل الله. والله أعلم.

стр. 573

المطلب الثاني فضل كفالة (١) أولاد المجاهد وزوجته إن كفالة أولاد المجاهد وزوجته والإنفاق عليهم وتعهدهم بالرعاية فيه من الأجر والثواب مثل أجر المجاهد في سبيل الله. يدل على ذلك ما يلي: ١- عن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» (٢) . قال النووي: هذا الأجر يحصل بكل جهاد، وسواء قليلة وكثيرة، ولكل خالف له في أهله بخير من قضاء حاجة لهم وإنفاق عليهم ومساعدتهم في أمورهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته (٣) . ٢- عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من تكفل بأهل بيت غاز في سبيل الله حتى يغنيهم ويكفيهم عن الناس ويتعهدهم، قال الله تعالى يوم القيامة: مرحبا بمن أطعمني وسقاني وحاباني وأعطاني، اشهدوا يا ملائكتي أني أوجبت له كرامتي كلها، فما يدخل الجنة أحد إلا غبطة بمنزلته من الله تعالى» (٤) . إذا تقرر فضل كفالة أولاد المجاهد وزوجته، فإن الإساءة لهم وظلمهم وخيانة المجاهد في أهله، فيه إثم غليظ ووعيد شديد. يدل على ذلك ما يلي:

стр. 574

١- عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم (١) » (٢) . ففي هذا الحديث، تحريم التعرض لنساء المجاهدين بريبة من نظر محرم وخلوة وحديث محرم وغير ذلك، والإحسان إليهن وبرهن وقضاء حوائجهن التي لا يترتب عليها مفسدة ولا يتوصل بها إلى ريبة (٣) . ولأن المجاهد بخروجه للجهاد ناب عن القاعد، وأسقط بجهاد فرض الخروج عنه، ووقاه مع ذلك بنفسه، فكانت خيانته له في أهله أمرا عظيما يستحق عليها عقوبة مغلظة (٤) .

стр. 575

الباب الرابع أحكام المجاهد في الجنايات والديات والحدود والقضاء ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: أحكام المجاهد في الجنايات والديات والحدود. الفصل الثاني: أحكام المجاهد في القضاء.

стр. 576

الفصل الأول أحكام المجاهد في الجنايات والديات والحدود ويشتمل على ثلاث مباحث: المبحث الأول: أحكام المجاهد في الجنايات. المبحث الثاني: أحكام المجاهد في الديات. المبحث الثالث: أحكام المجاهد في الحدود.

стр. 577

المبحث الأول أحكام المجاهد في الجنايات وفيه ثلاث مطالب: المطلب الأول: أحكام المجاهد في القصاص . المطلب الثاني: قتل المجاهد نفسه في المعركة. المطلب الثالث: قتل المجاهد نفسه في الأسر. المطلب الأول أحكام المجاهد في القصاص وفيه نوعان: الفرع الأول: القصاص من المجاهد في النفس. الفرع الثاني: القصاص من المجاهد فيما دون النفس.

стр. 578

الفرع الأول القصاص (١) من المجاهد في النفس اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما أعلم أن المجاهد إذا قتل نفسا مسلمة معصومة مكافئة له في الحرية عمدا بما يقتل غالبا وليس المقتول ابنًا له، وكان ذلك في دار الإسلام، فإنه يقتص منه، كغيره ممن يفعل ما يوجب قصاصا في النفس. جاء في رحمة الأمة: (اتفقوا على أن من قتل نفسا مسلمة مكافئة له في الحرية ولم يكن المقتول ابنًا للقاتل، وكان في قتله له عمدًا وجب عليه القود) (٢) . واختلفوا في سقوط القصاص في النفس عن المجاهد إذا كان في أرض العدو إلى قولين: القول الأول: أنه يقتص منه ولا يسقط عنه القصاص لكونه في أرض العدو، وبهذا قال المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) وابن جزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- عموم الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب القصاص في النفس.

стр. 579

فمن الكتاب الكريم: أ- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . ب- وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ... [المائدة: ٤٥] ومن السنة: أ- عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (١) . ب- عن ابن عباس ﵄ من حديث طويل مرفوع إلى النبي ﷺ «ومن قتل عمدا فهو قود (٢) ..» (٣) . ٢- ولأنه قتل من يكافئه عمدا ظلما فوجب القود، كما لو قتله في دار الإسلام (٤) .

стр. 580

وقد اختلف أصحاب هذا القول في مكان إقامة حد القصاص هل يكون في أرض العدو، أم بعد الرجوع إلى أرض الإسلام؟ وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في مبحث إقامة الحدود في أرض الحدود. القول الثاني: يسقط القصاص عن المجاهد في أرض العدو إذا لم يكن الإمام مع الجيش، وبهذا قال الحنفية (١) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي عن النبي ﷺ «لاتقام الحدود في دار الحرب» (٢) . وجه الدلالة: أنه ﷺ لم يرد بهذا الحديث حقيقة عدم الإقامة حسا، لأنه كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحدود في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد ولا يجب بعد ذلك إذا خرجنا إلى دارنا (٣) . نوقش هذا الحديث: بأنه غير ثابت ولا أصل له (٤) قال ابن الهمام (٥) من الحنفية: (لا يعلم له وجود) (٦) . وعلى فرض ثبوته فلا دليل فيه على سقوط القصاص في النفس عن المجاهد في أرض العدو، وذلك من وجهين:

стр. 581

الوجه الأول: أن الحنفية أوجبوا القصاص على المجاهد إذا كان الإمام خارجا مع الجيش. وهذا الحديث ينافي ما ذهبوا إليه (١) . الوجه الثاني: أن عدم إقامة حد القصاص في دار الحرب لا يستلزم سقوطه، بل يحتمل التأخير إلى القفول من الغزو ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، بل معناه في تأخير الحد أظهر لقضاء الصحابة ﵃ بذلك (٢) . ٢- تعذر إقامة القصاص على المجاهد لانقطاع ولاية الإمام، فإن وجوب إقامته مشروطة بالقدرة، والإمام لا قدرة له على من تلبس بما يوجب القصاص في دار الحرب، فلا قصاص (٣) . أما إذا كان الإمام مع الجيوش، فإن له إقامة الحدود، ويمكنه القصاص بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له، فكان لعسكره حكم دار الإسلام (٤) . نوقش هذا: بأن شرط إقامة الحد القدرة عليه مسلم بذلك، لكن ما الذي يسقط الحد بالكلية والمسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة تكون ثابتة عليه، ثم القول بعدم إقامة الحدود إهدار لمقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود (٥) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم سقوط القصاص في النفس عن المجاهد في دار الحرب لما يأتي: ١- عموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب القصاص فلا يكون وجود المجاهد في دار الحرب مانعا لما أوجبته النصوص من القصاص. ٢- مناقشة ما استدل به الحنفية في إسقاط القصاص عن المجاهد وبيان ضعف ذلك. ٣- في إسقاط القصاص عن المجاهد وسيلة إلى قتل الأنفس البريئة وقد جاء القصاص لحفظ الأنفس قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] والله أعلم.

стр. 582

الفرع الثاني القصاص من المجاهد فيما دون النفس اتفق الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى فيما أعلم أنه يقتص من المجاهد فيما دون النفس فيما يتأتى فيه القصاص إذا كان في دار الإسلام، كغيره ممن يفعل ما يوجب قصاصا فيما دون النفس. جاء في رحمة الأمة: (اتفق الأئمة على أن الجروح قصاص في كل ما يتأتى فيه القصاص) (٢) . يدل على ذلك الكتاب، والسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] . ومن السنة حديث أنس ﵁ (أن ابنه النضر (٣) لطمت جارية (٤) فكسرت ثنيتها، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص) (٥) .

стр. 583

واختلفوا في القصاص فيما دون النفس من المجاهد إذا كان في دار الحرب فقال الجمهور: يقتص منه، وقال الحنفية: يسقط القصاص فيما دون النفس عنه، إلا إذا خرج الإمام مع العسكر فيقتص منه. وقد سبق ذكر هذا الخلاف مفصلا بأدلته في القصاص من المجاهد في النفس وما قيل هناك يقال هنا (١) ، والله أعلم. المطلب الثاني قتل المجاهد نفسه في المعركة إذا قتل المجاهد نفسه في المعركة فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يقتل نفسا خطأ بأن يرجع عليه سلاحه فيقتله. الحالة الثانية: أن يقتل نفسه عمدا، بأن يجزع مما أصابه من الجروح، أو خوفا من الأسر ونحو ذلك. فأما الحالة الأولى: إذا قتل نفسه خطأ في المعركة، وهو يقاتل في سبيل الله فهو شهيد. يدل على ذلك ما يلي: ١- عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذبابة (٢) سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، قال: فلما قفلوا قال: سلمة رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، قال النبي ﷺ كذب من قاله (٣) إن له لأجرين وجمع بين أصبعيه أنه لجاهد مجاهد (٤) قل عربي مشي بها (٥) مثله) (٦) .

стр. 584

وفي لفظ لمسلم وقد بارز عامر ملك خيبر مرحبا، قال: (فاختلفتا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له (١) فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله (٢) فكانت فيها نفسه، قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه، قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر، قال رسول الله ﷺ من قال ذلك؟ قال: قلت: أناس من أصحابك، قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين..) . (٣) وجه الدلالة: أن عامرا قتل نفسه خطأ، وهو يقاتل في سبيل الله، فلما فهم بعض الصحابة أن ذلك محبط للعمل، أخبر ﷺ أن عامرا مجاهد، وأن له الأجر مرتين فدل أن من قتل نفسه خطأ في المعركة شهيد. ٢- وعن سلام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (أغرنا على حي من جهينة (٤) فطلب رجل من المسلمين رجلا فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف فقال رسول الله ﷺ : «أخوكم يا معشر المسلمين» فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: «نعم، وأنا له شهيد» ) (٥) . أما الحالة الثانية: أن يقتل نفسه عمدا. اتفق الفقهاء (٦) -رحمهم الله تعالى- أن قتل الإنسان نفسه عمدا فعل محرم، وكبيرة يستحق عليها العقاب الأخروي. يدل على ذلك الكتاب والسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩، ٣٠] .

стр. 585

قال أهل التفسير: النهي في الآية يتناول من قتل نفسه عمدا (١) . ومن السنة: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ (أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل (٢) لا يدع لهم شاذة ولا فاذة (٣) إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه من أهل النار. فقال رجل (٤) من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحا شديا، فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال الرجل ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدوا للناس وهو من أهل الجنة) (٥) . وفي رواية أبي هريرة ﵁ قال: (شهدنا خيبر (٦) فقال رسول الله ﷺ : لرجل ممن معه يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها

стр. 586

أسهما فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه، فقال: قم يا فلان (١) فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر) (٢) . المطلب الثالث قتل المجاهد نفسه في الأسر القول في هذا المطلب كالقول في المطلب السابق، وهو قتل المجاهد نفسه في المعركة. فإن قتل الأسير نفسه خطأ لم يكن عليه شيء، ويرجى له الشهادة في سبيل الله. وإن قتل نفسه عمدا، للخوف من التعذيب في الأسر فقد فعل محرما وكبيرة من كبائر الذنوب يستحق العقاب على ذلك، وقد سبق ذكر الأدلة من الكتاب والسنة فلا حاجة لذكرها هنا (٣) . أما إن قتل نفسه عمدا، لأنه يعذب من أجل الإفضاء بأسرار المجاهدين وكشف خطط الجيش ومواقع السلاح، فقد ذهب بعض من كتب عن الجهاد حديثا إلى أنه يجوز للأسير أن يقتل نفسه عمدا، حتى يحفظ أسرار المجاهدين (٤) . واستشهدوا على ذلك بأقوال الفقهاء على جواز أن يلقي المجاهد بنفسه على العدو وإن كان يعلم أنه مقتول لا محالة، لأنه يرى في ذلك خيرا للمسلمين (٥) . وكذلك بما جاء عن ابن قدامة في المغني: أن المحاربين لو ألقوا على مركب المجاهدين نارا فاشتعلت فيه وأيقنوا بالهلاك فإن لهم أن يبقوا في المركب حتى يموتوا ولهم أن يلقوا بأنفسهم في الماء ليموتوا غرقا (٦) .

стр. 587

وقيد بعضهم الجواز، بأن يكون الأسير يحمل أسرارا مهمة يترتب على كشفها ضرر كبير بالمجاهدين، وأن لا يمكنه المقاومة حتى يقتلوه هم، وأن يكون مقصده من قتل نفسه دفع الضرر عن المسلمين لا الهروب من التعذيب (١) . والذي يظهر أنه لا وجه لهذا القول. وما استشهدوا به من جواز أن يلقي المجاهد نفسه على العدو وإن كان يعلم أنه يقتل لا وجه له على ما ذهبوا إليه؛ لأن المجاهد في هذه الحالة لم يقتل نفسه بيده، وإنما قتله العدو، ثم أنه قد يلقى بنفسه على العدو وينجو من القتل. وما ذكروه عن ابن قدامة في المغني، لا وجه له كذلك على ما ذهبوا إليه من جواز قتل الأسير نفسه. لأن موتهم بالنار في السفينة التي أحرقها العدو محقق، فهم انتقلوا إلى الماء طلبا للنجاة لا ليقتلوا أنفسهم، فهم هربوا من سبب شديد إلى سبب أخف قد يكون معه النجاة إذا تقرر هذا، فإن الواجب في حق الأسير أن يقاوم العدو بكل ما يستطيع حتى يقدر عليهم، أو يقتلوه هم بأيديهم، فإن لم يقدر على مقاومتهم فليصبر ويتحمل ويحتسب مهما بلغ تعذيبه وليبشر بالمثوبة والأجر العظيم من الله ، ولا يكشف للعدو أسرار المجاهدين ومواقعهم وعددهم وعدتهم مهما بالغوا في تعذيبه، وله أن يخبرهم بخلاف الواقع تلميحا وتورية فقد كان ﷺ (قلما يريد غزوة يغزوها، إلا ورى بغيرها) (٢) . وقال ﷺ «الحرب خدعة» (٣) أو تصريحا إذا اضطروه إلى ذلك، لأنه مكره على الكذب وقد أبيح للمكره على التلفظ بالكفر أن يتلفظ بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فإذا جاز للمكره على الكفر أن يتلفظ به مع بغضه له وطمأنينة قلبه بالإيمان فكذلك المكره على الكذب. قال القرطبي: ﵀: لما سمح الله بالكفر وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشرعية كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم (٤) والله أعلم.

стр. 588

المبحث الثاني أحكام المجاهد في الديات وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: دية الشهيد . المطلب الثاني: دية المقتول خطأ في المعركة. المطلب الثالث: ضمان المجاهد قتل من تترس به العدو من المسلمين. المطلب الرابع: ضمان المجاهد من قتله خطأ أو عمدا ممن لا يجوز له قتله من العدو. المطلب الأول دية (١) الشهيد للشهيد الذي يقتل في سبيل الله في ميدان المعركة مع الكفار ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يقتله الكفار. وفي هذه الحالة لم أجد -حسب ما اطلعت عليه- من تحدث عن دية الشهيد يقتله الكفار في ميدان المعركة، إلا ما ذكره صاحب الحاوي الكبير: أن المجاهد إذا مات أو قتل لم يلزم غرم ديته (٢) . وعلى هذا فلا دية للشهيد يقتل بأيدي الكفار في ميدان المعركة. الحالة الثانية: أن يقتله مسلم خطأ وفي هذه الحالة اتفق الفقهاء ﵏ أن فيد الدية على عاقلة القاتل. وسيأتي بيان ذلك قريبا إن شاء الله، في دية المقتول خطأ في المعركة. الحالة الثالثة: أن يقتله مسلم وقد جعله الكفار ترسا لهم من ضربات المسلمين. وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة هل يلزم المقاتل دية، أم لا؟ وسيأتي بيان ذلك قريبا إن شاء الله، في ضمان المجاهد قتل من تترس به العدو من المسلمين.

стр. 589

المطلب الثاني دية المقتول خطأ في المعركة اتفق الفقهاء (١) -رحمهم الله تعالى- أن المجاهد إذا قتل مسلما في المعركة خطأ أن عليه الدية تحملها العاقلة. يدل على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . قال القرطبي (فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ على ذلك، وأجمع أهل العلم على القول به) (٢) . ٢- عن محمود بن لبيد (٣) قال: (اختلفت سيوف المسلمين على اليمان (٤) أبي حذيفة ولا يعرفونه فقتلوه، فأراد رسول الله ﷺ أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين) (٥) .

стр. 590

المطلب الثالث ضمان المجاهد قتل من تترس به العدو من المسلمين اتفق الفقهاء (١) -رحمهم الله تعالى- فيما أعلم أن العدو إذا تترس بأسرى المسلمين في حال التحام القتال وإقبال العدو على الحرب وخوف المسلمين أن يحيط بهم العدو، أنه يجوز الرمي نحو الترس ويقصد بالرمي الكفار. فإن قتل المجاهد أحدا من المسلمين الذين تترس بهم الكفار في هذه الحالة، فقد اختلف الفقهاء في ضمان دية المقتول ولزوم الكفارة (٢) على المجاهد إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يلزم المجاهد دية ولا كفارة، وبهذا قال الحنفية (٣) والمالكية إذا لم يعلم الرامي أن الترس من المسلمين (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- عن بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش قال له: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبو، فاستعن بالله وقاتلهم) (٥) . وجه الدلالة: أن الحديث أفاد جواز محاربة العدو مطلقا وإن تترسوا بالمسلمين، وعلى هذا فالرمي يكون مباحا ولا يبقى على الرامي تبعة من كفارة أو دية (٦) . ٢- بأنه لما مست الضرورة لرفع المؤاخذة لإقامة فرض القتال، مست الضرورة إلى نفي الضمان، لأن وجوب الضمان يمنع إقامة الفرض خوفا من لزوم الضمان، وإيجاب ما يمنع من إقامة الواجب متناقض، وفرض القتال لم يسقط فدل على أن الضمان ساقط (٧) .

стр. 591

ونوقش هذا: بأن الضرورة تنفي المؤاخذة ولا تنفي الضمان، كتناول مال الغير في حال المخمصة، فقد رخص في تناوله لكنه يجب عليه ضمانه (١) . والجواب: أن وجوب الضمان في المخمصة لا يمنع تناول الطعام، لأنه لو لم يتناوله هلك، وإذا لم يمنع من التناول فلا يؤدي إلى التناقض ثم في المخمصة يجب عليه الضمان مقابل ما حصل له (٢) . القول الثاني: أن على المجاهد الدية والكفارة، وهذا قول المالكية إذا علم أن الترس من المسلمين (٣) ، وقول للشافعية (٤) ورواية عندالحنابلة (٥) وقول الحسن بن زياد من الحنفية (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . وجه الدلالة: أنه قتل مؤمنا خطأ فيدخل في عموم الآية فتجب الدية والكفارة (٧) . ٢- أنه قتل معصوما بالإيمان والقاتل من أهل الضمان فتلزم الدية كما لو لم يتترسوا به (٨) . القول الثالث: تلزم المجاهد الكفارة ولا تلزمه الدية وهذا قول للشافعية (٩) ورواية عند الحنابلة هي المذهب (١٠) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] .

стр. 592

وجه الدلالة: أنه ذكر الكفارة ولم يذكر الدية في الآية وتركه لذكرها في هذا النوع مع ذكرها في الآية التي قبلها دليل ظاهر أنه لا تجب في هذه الآية، ولا تدخل في عموم وجوب الدية في القتل الخطأ (١) . ٢- ولأنه قتل في دار الحرب برمي مباح فلا دية (٢) . الترجيح الذي يظهر بعد ذكر هذه الأقوال أن هناك حالتين: الحالة الأولى: أن يقصد المجاهد بالرمي العدو، ثم لا يعلم هل أصاب مسلما، أم لا؟ وفي هذه الحالة يظهر أن الراجح القول الأول أنه لا دية عليه ولا كفارة. لأنه يحتمل أنه أصاب مسلما ويحتمل أنه لم يصبه، ومع الاحتمال لا يثبت الحكم، فلا دية ولا كفارة، ولأن إيجاب الدية والكفارة على المجاهد في أمر لا بد أن يفعله للضرورة إليه ولم يقصد المسلم ولم يعلم هل أصابه أم لا؟ مدعاة لترك الجهاد. الحالة الثانية: أن يقصد المجاهد بالرمي العدو ثم يقتل من يعلمه مسلما في صف الكفار (٣) ففي هذه الحالة يظهر رجحان القول الثاني أن الدية واجبة، وعليه كفارة القتل الخطأ لأن هذا قتل خطأ والآية واضحة وصريحة في ذلك. إلا إن الذي يتحمل الدية عن المجاهد بيت مال المسلمين، لأن النبي ﷺ أراد أن يدي اليمان بعد أن قتله المسلمون وهم لا يعرفونه فتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين (٤) ولأن المجاهد إنما فعل ذلك مضطرا لما فيه مصلحة المسلمين ونصر الدين، فإن لم يكن فيه بيت مال للمسلمين، فتكون الدية على العاقلة والله أعلم.

стр. 593

المطلب الرابع ضمان المجاهد من قتله خطأ أو عمدا ممن لا يجوز له قتله من العدو سبق بيان من لا يجوز للمجاهد قتله من العدو ممن لم يشارك في المعركة بالنفس، أو الرأي، أو التحريض، كالنساء والأطفال والشيوخ وغيرهم (١) . فإذا قتل المجاهد أحدا ممن لا يجوز قتله من العدو خطأ أو عمدا فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قتله لهم في أثناء المعركة، أو الإغارة عليهم. الحالة الثانية: أن يكون قتلهم لهم بعد الأسر. فأما الحالة الأولى: إذا قتلهم في أثناء المعركة، أو في حال الإغارة عليهم سواء كان القتل خطأ أو عمدا فإنه لا شيء عليه في قتلهم لا دية ولا كفارة، وإنما عليه التوبة والاستغفار ولم أجد من خالف من الفقهاء في ذلك -حسب ما اطلعت عليه- (٢) . يدل على ذلك ما يلي: ١- عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: (هم منهم) (٣) . وجه الدلالة: أن قوله ﷺ (هم منهم) يعني: أن ذراري المشركين ونساءهم منهم في أنه لا عصمة لهم ولا قيمة لذمتهم (٤) . ٢- ولأن مجرد حرمة القتل لا توجب الضمان وذلك لانتفاء العاصم وهو: الإسلام أو الإحراز بالأسر (٥) .

стр. 594

الحالة الثانية: أن يكون قتله لهم بعد الأسر. عامة الفقهاء (١) -رحمهم الله تعالى- أنه لا دية على من قتلهم بعد الأسر ولا كفارة وعليه الاستغفار والتوبة من فعله ما لا يجوز، وللإمام أو القائد تعزير القاتل بما يراه مناسبا ورادعا، لأن القاتل فعل ما لا يجوز له (٢) . يدل على أنه لا دية عليه ولا كفارة ما سبق من الأدلة في الحالة الأولى (٣) . واتفق الفقهاء (٤) -فيما أعلم- في هذه الحالة أن المجاهد يضمن قيمة من قتله منهم ويوضع في الغنيمة، لأنه أتلف مال تعلق به حق الغانمين أشبه إتلاف عروض الغنيمة (٥) .

стр. 595

المبحث الثالث أحكام المجاهد في الحدود وفيه مطلبان: المطلب الأول: إقامة الحدود على المجاهد في أرض العدو . المطلب الثاني: إقامة الحدود على المجاهد في الثغور. المطلب الأول إقامة الحدود (١) على المجاهد في أرض العدو سبق عند الحديث عن القصاص من المجاهد في النفس أن الجمهور قالوا: لا يسقط القصاص عن المجاهد في أرض العدو، وكذا سائر الحدود، وقال الحنفية يسقط القصاص وسائر الحدود إذا لم يخرج الإمام مع الجيش، وقد سبق ذكر الأدلة والمناقشة والترجيح هناك (٢) . وفي هذا المطلب اختلف الجمهور القائلون بعدم سقوط الحدود عن المجاهد هل تقام على المجاهد في أرض العدو أم تؤجل حتى يرجع إلى بلد الإسلام؟ فذهب الحنابلة إلى أنها لا تقام الحدود على المجاهد في أرض العدو، وإنما تؤجل حتى يرجع إلى بلد الإسلام ثم تقام عليه (٣) .

стр. 596

واستدلوا بما يلي: ١- عن بسر بن أبي أرطاة (١) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو» (٢) . وجه الدلالة: أن هذا حد من حدود الله تعالى، نهى ﷺ عن إقامته في الغزوة خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تأخيره، كأن يلحق من أقيم عليه الحد بالمشركين حمية، أو غضبا (٣) . ٢- ما روي أن عمر ﵁ (أنه كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار) (٤) . ٣- إجماع الصحابة: قال ابن قدامة ﵀ (ولأنه إجماع الصحابة ﵃ (٥) .

стр. 597

والمراد بالإجماع هنا الإجماع السكوتي (١) فإن القول بعدم إقامة الحد في أرض العدو على المجاهد حتى يرجع قد ورد عن جملة من الصحابة ﵃ في مواجهة آخرين منهم، فلم يظهر في سياق الأخبار خلاف أحد منهم فصار ذلك إجماعا على تأخير الحد (٢) . ٤- القياس الأولى (٣) . ووجه ذلك: أنه إذا جاء تأخير الحدود لأمر عارض من مرض أو برد أو حر أو حمل ونحو ذلك مما فيه مصلحة للمحدود، فإن تأخير الحد عن المجاهد إلى الرجوع إلى دار الإسلام لمصلحة الإسلام، كحاجة المسلمين إلى المحدود في القتال، أو الخوف من ارتداده ولحوقه بالكفار جائز من باب أولى (٤) . وذهب المالكية إلى أن الحدود تقام على المجاهد في دار الحرب مطلقا (٥) . واستدلوا بأن أدلة إقامة الحدود جاءت مطلقة في كل زمان وكل مكان فتقام الحدود في دار الحرب ودار الإسلام. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] .. وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .

стр. 598

وقال ﷺ : «من قتل عمدا فهو قود» (١) . فهذه نصوص جاءت مطلقة لم تحدد الزمان ولا المكان الذي تقام فيه الحدود. ونوقش استدلال المالكية بإطلاق النصوص بما يلي: ١- أن هذا الإطلاق مقيد بما ثبت من النصوص التي استدل بها الحنابلة، أنه لا يقام الحد في أرض الحرب (٢) . ٢- أن المالكية يقولون بجواز تأجيل الحد لمصلحة المحدود، كبرد شديد، أو حر شديد، أو مرض، فهم بذلك قيدوا النصوص المطلقة (٣) فكذلك النصوص المطلقة في إقامة الحدود فيلزم تأخير الحد عن المجاهد في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام لمصلحة الإسلام والخوف عليه من اللحوق بالكفار. وذهب الشافعية (٤) إلى إقامة الحدود على المجاهد في دار الحرب إلا إذا وجد مانع من إقامة الحد، كالتشاغل بتدبير الحرب، أو الحاجة إلى المحدود في القتال، فإنه يؤجل الحد إلى دار الإسلام، ولم يعتبروا الخوف على المجاهد أن يلحق بالمشركين مانعا من إقامة الحد عليه في دار الحرب. جاء في الأم (يقام عليه الحد ولا يمنعنا الخوف عليه من اللحوق بالمشركين أن نقيم حد الله تعالى، ولو فعلنا توقيا أن يغضب ما أقمنا عليه الحد أبدا، لأنه يمكنه من أي موضع أن يلحق بدار الحرب فيعطل عنه حكم الله وحكم رسوله ﷺ ... ) (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- (أن النبي ﷺ أقام الحد بالمدينة والشرك قريب منها، وحد شارب الخمر يوم حنين والشرك قريب منه) (٦) .

стр. 599

٢- أن الحدود تجب في دار الإسلام، فاقتضى أن تجب في دار الحرب (١) . ٣-أنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي ووجوب العبادات، وجب أن تستويا في لزوم الحدود (٢) . ويمكن مناقشة أدلتهم بما يلي: ١- أن النبي ﷺ أقام الحد بالمدينة وهي دار إسلام لا دار حرب. ٢- أن الحدود تجب في دار الإسلام ولا يقتضي ذلك وجوبها في دار الحرب لوجود مانع أو مصلحة، كما ذكر الشافعية ذلك. ٣- أن تحريم المعاصي ووجوب العبادات مطلقا في كل زمان وكل مكان، أما إقامة الحدود فمقيد كما سبق. الترجيح الذي يظهر أنهم متفقون على جواز تأخير الحد عن المجاهد حتى يرجع إلى دار الإسلام إذا وجد مانع من إقامته في دار الحرب فالحنابلة، والشافعية ظاهر قولهم فيما سبق. أما المالكية فجاء في حاشية الدسوقي بعد أن أوجب إقامة الحد في دار الحرب ما يدل على جواز تأجيل الحد، قال: (والظاهر أنه إذا خيف من إقامة الحد ببلدهم حصول مفسدة فإنه يؤخر ذلك للرجوع لبلدنا، ولا سيما إن خيف عظمها) (٣) . والخلاف إنما هو فيما إذا لم يوجد ما يمنع من إقامة الحد، إلا الخوف من لحوقه بالمشركين فالمالكية والشافعية قالوا: تقام عليه الحدود، والحنابلة قالوا: لا تقام عليه الحدود حتى يرجع والراجح ما ذهب إليه الحنابلة أنها لا تقام عليه الحدود في دار الحرب وتؤخر حتى يرجع إلى دار الإسلام للنصوص الواردة في ذلك والآثار عن الصحابة ﵃ وإجماعهم على ذلك، ولأن إقامة الحدود على المجاهد في دار الحرب تؤدي إلى إضعاف روحه المعنوية وربما طمع العدو في المسلمين واستغلوا إقامة الحدود في إثارة الفتنة بينهم وإضعافهم وتفريق صفهم والله أعلم.

стр. 600

المطلب الثاني إقامة الحدود على المجاهد في الثغور (١) اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى فيما أعلم- على وجوب إقامة الحدود على المجاهد في الثغور. قال في المغني: (وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه..) (٢) . يدل على ذلك ما يلي: ١- أن ثغور من بلاد الإسلام (٣) . ٢- أن الحاجة داعية إلى زجر أهلها بالحدود، كالحاجة إلى زجر غيرهم (٤) . أن عمر بن الخطاب ﵁ (كتب إلى أبي عبيدة، أن يجلد من شرب الخمر ثمانين، وهو بالشام، وهو من الثغور) (٥) .
следующие страницы →