← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1933

أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي

مرعي الشهري

Полный текст (646 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وجه الدلالة: أن أداء الأمانات والحقوق واجب، فتكون الوصية به واجبة، لأنه ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب (١) . ٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٢) . فالحديث يدل على وجوب الوصية لمن عليه واجب، أو عنده وديعة ولا بينة على ذلك (٣) . الوجه الثاني: الوصية المستحبة: وهي: الوصية بالتطوعات والقربات (٤) . يستحب للمجاهد أن يوصي في سبل الخير قبل خروجه للجهاد، وأن يكتب وصيته ويشهد عليها، لأن ذلك أحفظ لها، وأحوط لما فيها (٥) . وقد اتفق الفقهاء فيما أعلم على أنه لا يجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة، إلا أن يجيز الورثة الزيادة. قال النووي ﵀: أجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث، إلا بإجازته (٦) . وجاء في بداية المجتهد: اتفق العلماء أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن ترك ورثة (٧) .

стр. 527

يدل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة..، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون (١) الناس) (٢) . واختلفوا فيمن لم يترك ورثة إلى قولين: القول الأول: أنه يجوز له أن يوصي بكل ماله في سبل الخير، وبهذا قال الحنفية (٣) وهو رواية عند الحنابلة قال في الإنصاف: هي المذهب (٤) . واستدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص السابق. ووجه الدلالة منه: أن المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة به، بدليل قوله ﷺ : «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس..» (٥) . فإذا لم يكن له ورثة جاز أن يوصي بكل ماله في سبل الخير. ونوقش: بأن قوله ﷺ (إنك إن تدع ورثتك ... إلخ) . ليس تعليلا لرد الزيادة على الثلث، ولو كان ذلك تعليلا لجازت الزيادة على الثلث مع غناهم إذا لم يصيروا عالة (٦) . ويمكن الجواب: بأن الحديث دل على أن العلة في عدم الزيادة على الثلث هو الإضرار بالورثة (٧) ولو كانوا أغنياء حال الوصية، لأنهم قد يحتاجون المال بعد ذلك.

стр. 528

القول الثاني: لا يجوز الزيادة على الثلث في الوصية، وبهذا قال المالكية (١) والشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- عن عمران بن الحصين ﵁ (أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثا ثم أقرع (٤) بينهم فأعتق اثنين وأرق (٥) أربعة، وقال له قولا شديدا) (٦) . وجه الدلالة: أنه ﷺ رد الزيادة على الثلث، وهذا عام فيمن له وارث ومن ليس له وارث، ويمكن مناقشة هذا: بأن رد الزيادة على الثلث محمول على أن له ورثة، ولا خلاف في ردها لمن وارث كما سبق (٧) . ٢- عن المقدام (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا وارث من لا وارث له أعقل (٩)

стр. 529

عنه وأرثه» (١) . وجه الدلالة: أن من لا وارث له يجعل ماله في بيت مال المسلمين وتدفع عنه الدية من بيت المال (٢) . ويمكن مناقشته بأن مال من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يوص به، أما إذا أوصى به فهو على وصيته. الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول الذي يجيز الزيادة على الثلث، إذا لم يكن له ورثة، لما سبق من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ ولأن سبل الخير وخاصة في هذا العصر من هيئات وجمعيات تقوم بمهام عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين وتحتاج إلى الدعم، فالأولى في حق من لا وارث له أن يوصي بماله في هذه السبل. ولأن الوصية بماله لا تخرج عن المسلمين، وإن كانت لبعضهم، والله أعلم.

стр. 530

الفرع الثاني الوصية للمجاهد في سبيل الله تجوز الوصية للمجاهد في سبيل الله، ولا يختلف عن غيره ممن تجوز له الوصية ولا أعلم خلافا بين الفقهاء (١) رحمهم الله تعالى في ذلك، بل هو أولى بالوصية من غيره. جاء في المغني: إن أوصى للمجاهد بدابة يقاتل عليها، أو بسهم لها، انصرف ذلك إلى الخيل (٢) . وفي روضة الطالبين: إذا أوصى له بقوس أعطي ما يرمى به من النبل وغيره (٣) . وفي حاشية الخرشي: الشخص إذا أوصى بثلث ماله للغزاة فلا يلزم تعميم الجميع إذ يتعذر ذلك عادة (٤) . إذا تقرر جواز الوصية للمجاهد بالسلاح وبالمال سواء كان لمجاهد بعينه، أو لعموم المجاهدين دون تخصيص، فإن المجاهد لا يمتلك الوصية، إلا بالشروط الآتية: ١- أن يموت الموصي قبل موت المجاهد الموصى له. فإن مات المجاهد الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، وهذا قول جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) .

стр. 531

لأنها عطية صادفت المعطي ميتا، والميت غير أهل للتمليك فلا يصح صرفها إليه (١) . ٢- أن يقبل المجاهد الموصى له إن كان معينا (٢) الوصية بعد موت الموصي، فإن ردها بطلت الوصية. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا (٣) . لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، فأشبه عفو الشفعة بعد البيع (٤) . ٣- أن لا يكون المجاهد الموصى له وارثا للموصي، فإن كان وارثا للموصي ولم يجز الورثة الوصية لم تصح الوصية باتفاق الفقهاء فيما أعلم. جاء في المغني: إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها الورثة لم تصح، بغير خلاف بين العلماء (٥) . يدل على ذلك ما رواه أبو أمامة (٦) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) (٧) .

стр. 532

أما إذا أجاز الورثة الوصية فجمهور الفقهاء على القول بجواز ذلك (١) . لما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» (٢) . فقوله (إلا أن يجيز الورثة) استثناء، والاستثناء من النفي إثبات، فيكون ذلك دليلا على صحة الوصية عند الإجازة، ولو خلا من استثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة (٣) . ولأنه تصرف صدر من أهله في محله فصح (٤) . وذهب الشافعية في قول عندهم (٥) وهو رواية عند الحنابلة (٦) وقول ابن حزم (٧) أن الوصية باطلة ولو أجازها الورثة، للنهي عنها في قوله ﷺ «لا وصية لوارث..» . ولثبوت الحكم بنسخها فلو أجزناها لكنا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائز (٨) والراجح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم أنه إذا أجازها الورثة صحت.

стр. 533

المطلب الثاني في الميراث وفيه فرعان: الفرع الأول: قسمة مال المفقود في المعركة . الفرع الثاني: إرث المفقود قبل الحكم بموته. الفرع الأول قسمة مال المفقود (١) في المعركة اتفق الفقهاء (٢) -رحمهم الله تعالى-: على أن المفقود في المعركة لا يقسم ماله بين الورثة حتى يضرب له مدة يتأكد منها من حاله ويبحث فيها عنه. لأن حياته كانت معلومة وما علم ثبوته فالأصل بقاؤه على ما كان (٣) . ثم اختلفوا في مقدار مدة الانتظار إلى قولين: القول الأول: التفريق بين ما كان الغالب عليه السلامة (٤) وما كان الغالب عليه الهلاك فالغالب عليه السلامة ينتظر تسعون سنة من ولادته، والغالب عليه الهلاك ينتظر أربع سنوات.

стр. 534

وهذا المذهب عند الحنابلة (١) وقول عند المالكية (٢) . والمفقود في المعركة الغالب عليه الهلاك، فينتظر أربع سنوات فإن لم يظهر خبره قسم ماله بين الورثة. واستدلوا بما يلي: ١- أن الظاهر هلاكه فأشبه ما لو مضى مدة لا يعيش إلى مثلها (٣) . ٢- اتفاق الصحابة ﵃ على تزويج امرأته إذا مضت أربع سنوات واعتدت فإذا ثبت ذلك في النكاح مع الاحتياط للأبضاع ففي المال أولى (٤) . القول الثاني: أنه ينتظر المفقود إلى أن يتيقن موته، أو يمضي مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش إلى فوقها، وبهذا قال الحنفية (٥) . والمشهور عند المالكية (٦) والصحيح عند الشافعية (٧) ورواية عند الحنابلة (٨) وقول ابن حزم (٩) . واستدلوا لقولهم: بأن حياة المفقود كانت معلومة، وما علم ثبوته فالأصل بقاؤه على ما كان باعتبار استصحاب الحال (١٠) . ولم يفرق أصحاب هذا القول بين حال المفقود الذي يغلب عليه السلامة أو الهلاك (١١) .

стр. 535

وأختلف أصحاب هذا القول في تحديد المدة التي يغلب على الظن أن المفقود لا يعيش فوقها، فظاهر مذهب الحنفية (١) ، والصحيح عند الشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) : أنها لا تقدر بمدة معينة والمرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي أو الحاكم، لأنه لا دليل على التقدير بمدة معينة، فينظر القاضي أو الحاكم في الأقران، والزمان والمكان، ويجتهد في بيان المدة (٤) وكل حالة لها ظروفها لخاصة بها. وذهب المالكية (٥) وقول عند الحنفية (٦) وقول عند الشافعية (٧) إلى أنها تقدر بمدة محدودة، لأن الحياة بعد هذه المدة نادرة ولا عبرة للنادر، ثم اختلفوا في تحديد هذه المدة فالمعتمد عند المالكية أنها سبعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون (٨) . وعند الحنفية تسعون سنة، وقيل: مائة سنة، وقيل: مائة وعشرون سنة، وقيل: غير ذلك (٩) وفي وجه عند الشافعية، أنها تسعون سنة (١٠) . الترجيح الراجح القول الأول: أنه ينتظر المفقود في المعركة أربع سنوات، لأنها مدة كافية في معرفة مصيره، إذا تقرر هذا فإن مال المفقود في المعركة بعد تيقن موته، أو الحكم بعد مضي مدة الانتظار يقسم بين ورثته الأحياء الموجودين حين الحكم بموته، لا من مات منهم في مدة الانتظار، وذلك باتفاق الفقهاء -فيما أعلم- لأن الحكم بموت المفقود جاء متأخرا عن وفاتهم ومن شرط الإرث حياة الوارث حين موت المورث، والأصل حياة المفقود في مدة الانتظار، والله أعلم.

стр. 536

الفرع الثاني إرث المفقود من غيره قبل الحكم بموته الأصل حياة المفقود في زمن الانتظار قبل الحكم بموته، فإن مات مورثه في زمن الانتظار فله مع مورثه حالتان: الحالة الأولى: أن لا يكون للمورث وارث غير المفقود. وفي هذه الحالة يوقف جميع المال إلى أن يتضح أمر المفقود، لأنه لا يتضرر أحد بوقفه (١) . الحالة الثانية: أن يكون للمورث ورثة غير المفقود. اختلف الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في الوقف للمفقود في هذه الحالة إلى قولين: القول الأول: أنه يوقف للمفقود ويعامل الورثة معه بالأضر فمن يسقط سهمه ولا يعطى شيئا حتى يتبين حاله، ومن يقل سهمه على تقدير موته أو حياته يعطى الأقل، وهذا قول جمهور الفقهاء (٢) وذلك لمراعاة حق المفقود. القول الثاني: لا يوقف للمفقود شيء ويعتبر كأنه مات قبل مورثه، لأن الظاهر أنه لو كان حيا لتواصل خبره، ولأن استحقاق الورثة مستيقن فإن تبين أنه كان حيا بعد موت مورثه نقض الحكم وأعطي نصيبه من مال مورثه، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣) .

стр. 537

ونوقش هذا القول بما يلي: ١- أن فيه نقضا للحكم. ٢- أن فيه ضياعا لحق المفقود، لأنه قد لا يجد شيئا مع الورثة بعد القسمة (١) . وعلى هذا فالراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، أنه يوقف للمفقود ويعامل الورثة معه بالأضر، لأنه أحوط، وأضمن لحق المفقود والورثة، والله أعلم. إذا تقرر هذا وانتهت مدة انتظار المفقود، وحكم الحاكم بموته فإن له مع ما وقف له من مال مورثه ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يعلم أن المفقود كان حيا حين موت مورثه، ففي هذه الحالة يكون المال الموقوف له يدفع إلى ورثته حين الحكم بموته (٢) . الحالة الثانية: أن يعلم أنه قد مات قبل موت مورثه، ففي هذه الحالة لا يعطى من المال الموقوف شيئا ويعاد إلى ورثة الميت الأول (٣) . الحالة الثالث: أن لا يعلم عنه حياة ولا موت. اختلف الفقهاء في هذه الحالة فيمن يستحق المال الموقوف للمفقود إلى قولين: القول الأول: أن المال الموقوف يكون للمفقود فيدفع إلى ورثته، وهذا الصحيح من مذهب الحنابلة (٤) لأن الأصل حياة المفقود في مدة الانتظار قبل الحكم بموته (٥) . القول الثاني: أن المفقود لا يستحق شيئا من المال الموقوف له، فيرد إلى ورثة الميت الأول وهذا قول الحنفية (٦) والمالكية (٧) والشافعية (٨) وقول عند الحنابلة اختاره ابن قدامة (٩) .

стр. 538

واستدلوا بما يلي: ١- أنه لا يعلم أيهما مات أولا المفقود أم مورثه، ولا توريث مع الشك (١) . ٢- أن المفقود في مدة الانتظار ميت في حق غيره، فلا يرث أحدا، واستصحاب حال الحياة لا يصلح حجة لإثبات استحقاقه الإرث (٢) . الترجيح الراجح القول الأول، أن المال الموقوف يدفع إلى ورثة المفقود. لأن الأصل حياته قبل الحكم بموته، وموت المفقود في مدة الانتظار قبل مورثه مشكوك فيه فلا يمنع مما أوقف له للشك. والله أعلم.

стр. 539

الفصل الثاني أحكام المجاهد في النكاح ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: نكاح المجاهد في دار الحرب. المبحث الثاني: نكاح المجاهد في الأسر. المبحث الثالث: وطء الأسير زوجته أو أمته في أرض العدو. المبحث الرابع: أطول مدة يغيب فيها المجاهد عن زوجته.

стр. 540

المبحث الأول نكاح (١) المجاهد في دار الحرب للمجاهد في سبيل الله في دار الحرب حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مقاتلا مع جيش المسلمين. الحالة الثانية: أن يكون في أسر العدو. فأما الحالة الأولى إذا كان مقاتلا مع جيش المسلمين فمباح له أن ينكح (٢) لما يأتي: ١- عن سعيد بن أبي هلال (٣) ﵀ أنه بلغه (أن رسول الله ﷺ زوج أبا بكر الصديق ﵁ بأسماء بنت عميس (٤) تحت الرايات) (٥) . ٢- ولأن الكفار لا يد لهم عليه، فأشبه من في دار الإسلام (٦) . أما الحالة الثانية فسيأتي الحديث عنها في المبحث الآتي:

стр. 541

المبحث الثاني نكاح المجاهد في الأسر اختلف الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في نكاح المجاهد في الأسر إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يحل للمجاهد النكاح ما دام في الأسر. وهذا الظاهر من كلام الإمام أحمد (١) رحمه الله تعالى لما يأتي: ١- أن الأسير إذا ولد له ولد كان رقيقا للعدو. ٢- أنه لا يأمن أن يطأ العدو امرأته، فيؤدي ذلك إلى اختلاط نسبه (٢) . القول الثاني: يجوز للأسير أن ينكح وهو في الأسر، ولا كراهة في ذلك. وهذا قول المالكية (٣) . لأن الأسير لا يمكنه الخروج من دار الحرب (٤) . ويمكن مناقشة هذا القول من وجهين: الأول: أن المالكية كرهوا نكاح المسلم المستأمن في دار الحرب حتى لا يبقى ولده في أرض الحرب (٥) فكذلك الأسير من باب أولى. الثاني: أنهم كرهوا وطء الأسير زوجته وأمته في الأسر (٦) مع صحة النكاح والملك في الأمة، فكراهية انعقاد العقد في الأسر ابتداء أولى. القول الثالث: يكره للمجاهد النكاح ما دام في الأسر، إلا إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا فلا بأس أن يتزوج.

стр. 542

وهذا رواية عند الحنابلة وشرطوا أن يعزل عنها (١) وهو قول الحنفية (٢) والشافعية بناء على أن الأسير مثل المستأمن المسلم في دار الحرب. واستدلوا على الكراهية بما استدل به أصحاب القول الأول (٣) . وأما الجواز عند خوف الوقوع في الزنا، فلأن التحرز من الزنا فرض ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح (٤) . الترجيح الذي يظهر رجحان القول الأول، أنه لا يباح له النكاح ما دام في الأسر حتى لا يكون ولده رقيقا، ولا يختلط نسبه، فإن خاف على نفسه الوقوع في الزنا جاز له للضرورة، ويعزل عنها، والله أعلم.

стр. 543

المبحث الثالث وطء (١) الأسير زوجته أو أمته (٢) في أرض العدو سبق ذكر اختلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى في نكاح المجاهد في الأسر وهذه المسألة مبنية على ما سبق هناك (٣) . فعند الحنابلة لا يجوز له أن يطأ زوجته أو أمته (٤) . جاء في المغني: سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أسير أسرت معه امرأته، أيطأها؟. فقال: كيف يطأها، ولعل غيره منهم يطأها (٥) . ولأن الأسير إذا ولد له ولدا كان رقيقا (٦) . وذهب المالكية إلى جواز وطء الأسير زوجته أو أمته مع الكراهية، على أن يتيقن سلامتها من وطء العدو (٧) . ووجه الجواز: أن سبي العدو لا يهدم نكاحنا، ولا يبطل ملكنا (٨) . ووجه الكراهية، حتى لا يبقى الولد في أرض العدو فيسترق وتفسد أخلاقه (٩) .

стр. 544

وأما الحنفية (١) والشافعية (٢) فبناء على قولهم في المسلم المستأمن في دار الحرب أنه يجوز له أن يطأ زوجته أو أمته مع الكراهة، فكذلك الأسير يجوز له وطء زوجته أو أمته مع الكراهة. جاء في المبسوط: (أكره للرجل أن يطأ أمته أو امرأته في دار الحرب مخافة أن يكون له فيها نسل فيتخلق ولده بأخلاق المشركين) (٣) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو: قول الحنابلة أنه لا يجوز للأسير أن يطأ زوجته أو أمته لما سبق من التعليلات القوية، فإن خاف على نفسه الزنا جاز له الوطء للضرورة، على أن يعزل عنها حتى لا يلد له ولد فيكون رقيقا (٤) والله أعلم.

стр. 545

المبحث الرابع أطول مدة يغيب فيها المجاهد عن زوجته حدد عمر بن الخطاب ﵁ المدة التي يغيبها المجاهد عن زوجته في الغزو والمرابطة في الثغور بأربعة أشهر، وشهر للذهاب وأخر للعودة. جاء في سنن ابن منصور، أن عمر ﵁ قال: (يغزو الناس يسيرون شهرا ذاهبين ويكونون في غزوهم أربعة أشهر ويقفلون شهرا، فوقت ذلك للناس من سنتهم في غزوهم) (١) . وهذا التحديد اجتهاد من عمر ﵁ بناء على سؤال وجهه إلى بعض النساء، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفذ الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: (ألا تحبسوا رجلا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر) (٢) . وهذه المدة قابلة للزيادة والنقصان، على حسب ما يراه قائد المجاهدين، وحسب الأحوال والأزمان والأماكن، فالتحديد في المسألة مبناه على اجتهاد والي المسلمين وقائد جيوشهم والله أعلم.

стр. 546

الفصل الثالث أحكام المجاهد في الإيلاء والرجعة ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في الإيلاء. المبحث الثاني: في الرجعة.

стр. 547

المبحث الأول في الإيلاء وفيه مطلبان: المطلب الأول: مدة الإيلاء . المطلب الثاني: إذا آلى من زوجته، ثم خرج للجهاد ولم يتمكن من الفيئة حتى انتهت مدة الإيلاء. المطلب الأول مدة الإيلاء (١) المقصود من هذا المطلب: بيان المدة التي يكون الزوج فيها موليا، وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى، أن من حلف أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر أن يكون موليا (٢) واتفقوا كذلك على أن ما كان دون أربعة أشهر لا يكون موليا (٣) .

стр. 548

واختلفوا فيمن حلف أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، هل يكون موليا، أم لا؟ إلى قولين: القول الأول: لا يكون موليا، وهذا قول جمهور الفقهاء (١) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] . وجه الدلالة: أن ظاهر الآية يدل على أن الفيئة بعد أربعة أشهر لذكر الفيئة بعدها بالفاء المقتضية للتعقيب في قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ فلا يطالب بالفيئة ولا يقع عليها الطلاق إلا بعد مضي الأربعة أشهر (٢) ، فلا يكون موليا في الأربعة أشهر. ٢- ولأن الأربعة أشهر فسحة للزوج لا حرج عليه فيها، ولا يطالب بالفيئة فيها ولا يقع الطلاق إلا بعدها، فلا يكون فيها موليا (٣) . القول الثاني: أنه يكون موليا، وبهذا قال الحنفية (٤) وقول عند المالكية خلاف المشهور (٥) ورواية عند الحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] .

стр. 549

وجه الدلالة: أن الله سبحانه جعل هذه المدة تربصا للفيء فيها ولم يجعل له التربص أكثر منها، فمن امتنع من جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم الإيلاء ولا فرق بين الحلف على الأربعة أشهر والحلف على أكثر منها، إذ ليس له تربص أكثر من هذه المدة (١) . ٢- ما رواه ابن عباس ﵄ قال: (كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقته الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء) (٢) . وجه الدلالة: أن ما كان أربعة أشهر فأكثر إيلاء. ٣- ولأنه يمتنع عن الوطء باليمين أربعة أشهر، فكان موليا كما لو حلف على ما زاد (٣) . الترجيح الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور أنه لا يكون موليا. لأن مدة التربص المنصوص عليها أربعة أشهر كاملة هي حق للزوج لا يطالب فيها بشيء، فإذا انتهت الأربعة الأشهر كان للمرأة الحق في مطالبة الزوج بالفيء أو الطلاق والله أعلم.

стр. 550

المطلب الثاني آلى من زوجته ثم خرج للجهاد ولم يفئ (١) حتى انتهت مدة الإيلاء اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى أن من فاء قبل أن تنتهي مدة الإيلاء فإن فيئته صحيحة ويسقط بها الإيلاء عنه (٢) . واختلفوا فيما إذا لم يفئ حتى انتهت مدة الإيلاء، هل يوقف المولي ويطلب منه الفيئة أو الطلاق، أم تطلق منه بمجرد انتهاء المدة طلقة بائنة؟ وهذا الخلاف مبني على الخلاف في مدة الإيلاء الذي سبق بيانه (٣) . فالجمهور من الفقهاء (٤) الذين يرون أن مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر قالوا: إذا انتهت الأربعة أشهر التي هي مدة التربص طلب من الزوج إما أن يفيء ويكون الفيء بالجماع اتفاقا وبالقول لمن عجز عنه، كمن خرج للجهاد ولا يستطيع العودة إلا بعد انتهاء مدة الإيلاء (٥) ، أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم (٦) ؛ لأن ما دخلته النيابة وتعين مستحقه وامتنع من هو عليه، قام الحاكم فيه مقامه، كقضاء الدين (٧) وهذا كله بناء على مطالبة المرأة. واستدل الجمهور لقولهم بما يلي:

стр. 551

١- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] . والاستدلال بهذه الآية من وجوه: الوجه الأول: أن الله سبحانه جعل مدة التربص في الآية حقا للزوج دون الزوجة فأشبهت مدة الأجل في الدين حق للمدين (١) . الوجه الثاني: أن الفاء في قوله تعالى (فإن فاءوا) ظاهرة في معنى التعقيب فدل على أن الفيئة بعد انتهاء المدة (٢) . الوجه الثالث: أن الله تعالى خير في الآية بين الفيئة والعزم على الطلاق، فيكونان في وقت واحد بعد مضي المدة، فلو كان الطلاق يقع بمضي المدة والفيئة بعدها لم يكن تخييرا (٣) . ٢- عن ابن عمر ﵄ قال: (إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق) (٤) . ٣- وعن سليمان بن يسار (٥) ﵀ قال: (أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب محمد ﷺ كلهم يقول: يوقف المولي) (٦) .

стр. 552

٤- وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه (١) أنه قال: (سألت اثنى عشر من أصحاب النبي ﷺ فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى يتربص أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق) (٢) . وذهب الحنفية الذين يرون أن مدة الإيلاء أربعة أشهر فأكثر إلى أن مدة الإيلاء إذا انتهت ولم يفيء بالجماع، أو بالقول إذا عجز عن الجماع، فإن المرأة تطلق بمجرد مضي المدة طلقة بائنة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] . وجه الدلالة: أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ للتعقيب فيقتضي أن يكون الفيء عقب اليمين في مدة التربص، فإن فات الفيء بمضيها، وجب حصول الطلاق إذ غير جائز له أن يمنع الفيء والطلاق جميعا (٤) وعزيمة الطلاق في قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ انقضاء الأربعة الأشهر (٥) .

стр. 553

٢- عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت (١) ﵄ قالا في الإيلاء: (إذا مضت الأربعة أشهر فهي تطليقة بائنة) (٢) . ٣- عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة) (٣) . ٤- أن الله تعالى جعل مدة التربص أربعة أشهر، والوقف وتخيير الزوج يوجب الزيادة على المدة المنصوص عليها، وهي مدة اختيار الفيء أو الطلاق فلا يجوز الزيادة إلا بالدليل (٤) . الترجيح الذي يظهر بعد عرض الأقوال والأدلة، أن الراجح قول الجمهور، أن الزوج يوقف ويطلب منه الفيء أو الطلاق، لما يأتي: ١- أن ظاهرة آية التربص يدل على أن الأربعة أشهر كاملة من حق الزوج، ولا سبيل للمرأة في المطالبة بالفيء أو الطلاق حتى تنتهي ثم تطالب بعد ذلك.

стр. 554

٢- الآثار التي جاءت عن بعض الصحابة ﵃ واستدل بها الحنيفة أنه بمجرد مضي المدة تطلق المرأة طلقة بائنة (١) قد ورد عنهم كذلك، أن الزوج المولي يوقف بعد انتهاء المدة فيطلب أن يفي أو يطلق (٢) . ٣- أكثر الصحابة قالوا بالوقف للمولي بعد انتهاء مدة التربص أربعة، أشهر فيطلب منه أن يفيء أو يطلق، والترجيح قد يقع بقول الأكثرية إذا سانده ظاهر القرآن (٣) ، وظاهر القرآن يدل على أن المولي يطلب منه بعد مضي مدة التربص الفيء أو الطلاق. إذا تقرر هذا فالمجاهد في سبيل الله كغيره في هذه المسألة، فإذا خرج للجهاد وقد آلى من زوجته وانتهت المدة ولم يفيء فإنه يطلب منه أن يفيء بالجماع فإن عجز عنه لبعد المسافة بينه وبين زوجته أو انشغاله بالعدو، فإنه يفيء بالقول فيقول: فئت أو أبطلت إيلاءها لأن وعده بالفعل عند القدرة عليه دليل ترك قصد الإضرار، وفيه نوع من الاعتذار، وإخبار بإزالة الضرر عند إمكانه (٤) والله أعلم.

стр. 555

المبحث الثاني في الرجعة وفيه مطلبان: المطلب الأول: مراجعة المجاهد زوجته وهو في المعركة . المطلب الثاني: إذا لم تعلم الزوجة بمراجعته لها، فاعتدت ثم تزوجت. المطلب الأول مراجعة (١) المجاهد زوجته وهو في المعركة لا يختلف المجاهد عن غيره في أنه يجوز له مراجعة زوجته من طلاق رجعي ما دامت في العدة كرهت ذلك المرأة، أم لا، علمت، أم لم تعلم، وهذا باتفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى. قال ابن المنذر: اتفق الفقهاء على أن للزوج مراجعة زوجته من طلاق رجعي ما دامت في العدة وإن كرهت المرأة (٢) . وفي المغني لابن قدامة: والمراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد راجعت امرأتي، ولا يفتقر ذلك إلى صداق، ولا ولي ولا رضي المرأة، ولا علمها بإجماع أهل العلم (٣) . ويدل على هذا الكتاب والسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .

стр. 556

ومن السنة عن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال ﷺ «مره فليراجعها..» (١) . المطلب الثاني إذا لم تعلم الزوجة بمراجعته لها فاعتدت ثم تزوجت إذا خرج المجاهد للقتال في سبيل الله وزوجته في العدة من طلاق رجعي، ثم راجعها قبل أن تنتهى عدتها، ولم تعلم أنه راجعها فلما انتهت عدتها تزوجت اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في صحة النكاح الثاني إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن النكاح باطل ويفرق بينهما وهي زوجة الأول سواء دخل بها الثاني، أم لا. وهذا قول الحنفية (٢) والشافعية (٣) والصحيح من مذهب الحنابلة (٤) إلا أن الحنابلة اشترطوا إقامة البينة على الرجعة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١- عن علي بن أبي طالب ﵁ في الرجل يطلق امرأته ثم يشهد على رجعتها ولم تعلم بذلك فنكحت قال: (هي امرأة الأول دخل بها الآخر أم لم يدخل) (٦) .

стр. 557

٢- أن الله جعل للزوج المطلق الرجعة في العدة، ولا يبطل ما جعل الله له منها بباطل من نكاح غيره، ولا بدخول لم يكن يحل على الابتداء (١) . ٣- ولأن الرجعة قد صحت بدون علمها، وتزوجت وهي زوجة الأول، فلم يصح نكاحها، كما لو لم يطلقها (٢) . القول الثاني: أن النكاح الثاني صحيح دخل بها، أم لا، ولا حق للأول عليها. وهذا قول للمالكية (٣) وقول ابن حزم (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه قال: (مضت السنة في الذي يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها حتى تحل فتنكح زوجا غيره أنه ليس له من أمرها شيء ولكنها لمن تزوجها) (٥) . ونوقش هذا: بأنه لم يرو إلا عن ابن شهاب الزهري فيكون من قوله، وليس في ذلك حجة (٦) . ٢- روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في المرأة يطلقها زوجها وهو غائب عنها، ثم يراجعها فلا يبلغها مراجعته، -وقد بلغها طلاقه- فتزوجت: (أنه إذا دخل بها زوجها الآخر أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول الذي كان طلقها إليها) (٧) .

стр. 558

ونوقش هذا الأثر: بأنه منقطع، قال ابن حزم: ما روينا من طرق عن عمر كلها منقطعة (١) . القول الثالث: إن الزوج أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، فإن دخل بها فلا سبيل للأول عليها، وهذا قول للمالكية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال فيمن طلق امرأته ثم سافر وأشهد على رجعتها قبل انقضاء العدة ولا علم لها بذلك حتى تزوجت (أنه إن أدركها قبل أن يدخل بها فهي امرأته، وإن لم يدركها حتى دخل بها الثاني فهي امرأة الثاني) (٤) . ونوقش هذا الأثر عن عمر ﵁ بأنه أثر منقطع (٥) . ٢- أن كل واحد منهما عقد عليها، وهي ممن يجوز له العقد عليها في الظاهر، ومع الثاني ميزة الدخول فقدم بها (٦) . ويمكن مناقشة هذا: بأن الثاني عقد عليها وهي زوجة الأول لصحة الرجعة عليها بالاتفاق، فعقد الثاني باطل. الترجيح الذي يظهر أن الراجح القول الأول، أنها زوجة الأول وأن نكاح الثاني باطل ويفرق بينهما، سواء دخل بها، أم لا؟ ويلزم الزوج أن يعلمها بالرجعة وهي في العدة ما استطاع إلى ذلك سبيلا (٧) والله أعلم.

стр. 559

الفصل الرابع أحكام المجاهد في العدة والنفقات ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في العدة. المبحث الثاني: في النفقات.

стр. 560

المبحث الأول في العدة وفيه مطلبان: المطلب الأول: في عدة زوجة المجاهد إذا قتل في سبيل الله. المطلب الثاني: في عدة زوجة المجاهد إذا فقد في المعركة المطلب الأول عدة (١) زوجة المجاهد إذا قتل في سبيل الله لا تختلف زوجة المجاهد في العدة عن غيرها ممن مات عنها زوجها في غير الجهاد. ولها في العدة حالتان: الحالة الأولى: أن تكون حاملا. وعدتها في هذه الحالة تنقضي بوضع الحمل، وهذا قول جمهور أهل العلم من السلف والخلف (٢) ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. جاء في المغني (أجمعوا على أن المتوفي عنها زوجها إذا كانت حاملا أجلها وضع حملها..) (٣) .

стр. 561

واستدلوا بما يلي: ١- عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . فيشمل العموم المطلقة والمتوفى عنها زوجها، يؤيد ذلك ما روي عن أبي بن كعب (١) قال: قلت للنبي ﷺ ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] للمطلقة ثلاثا أو للمتوفى عنها زوجها، قال: (هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها) (٢) . ٢- ما روي (أن سبيعة الأسلمية (٣) نفست بعد وفاة زوجها (٤) بليال، فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته أن تنكح فأن لها، فنكحت) (٥) .

стр. 562

وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ أن الحامل تعتد بأبعد الأجلين، فإذا وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها وإن انتهت أربعة أشهر وعشر قبل الوضع تربصت إلى الوضع. وذلك للجمع بين عدة الوفاء أربعة أشهر وعشر، وبين عدة الحامل بوضع الحمل (١) . ونوقش هذا بما يلي: ١- ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ منقطع، وعلى هذا ففي صحته عنه نظر. ٢- وما روي عن ابن عباس ﵄ قد رجع عنه لما بلغه حديث سبيعة الأسلمية السابق الذكر (٢) . وعلى هذا يتحقق الإجماع على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل. ٣- وعلى فرض صحة هذا القول عنهما، فإن حديث سبيعة الأسلمية نص في أنها تنقضي عدة الحامل بوضع الحمل، وهذا حجة لا يمكن التخلص عنه بوجه من الوجوه (٣) والله أعلم. الحالة الثانية: أن تكون غير حامل. اتفق الفقهاء (٤) رحمهم الله تعالى في هذه الحالة أن عدة الحرة (٥) صغيرة كانت أم كبيرة مدخول بها أم لا، أربعة أشهر وعشر.

стр. 563

جاء في بداية المجتهد: اتفق المسلمون على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة اشهر وعشرا (١) . وفي المغني (أجمع أهل العلم أن عدة الحرة المسلمة غير ذات الحمل من وفات زوجها أربعة أشهر وعشرا، مدخول بها، أو غير مدخلو بها، كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ) (٢) . والأدلة على ذلك ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ٢- وعن أم حبيبة (٣) ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (٤) . واختلفوا في ابتداء العدة في هذه الحالة هل يكون من حين وفاة الزوج أم من حين علم الزوجة بوفاته إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها تعتد من يوم الوفاة وإن لم تعلم بالوفاة حتى مضت العدة لم يكن عليها شيء، وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.

стр. 564

جاء في التمهيد (أجمعوا على أن كل معتدة من وفاة تحسب عدتها من وفاة زوجها) (١) . واستدلوا بما يلي: ١- عن ابن عمر ﵄ قال: (تعتد المطلقة والمتوفى عنها زوجها منذ يوم طلقت وتوفي عنها زوجها) (٢) . ٢- ولأنها لو وضعت حملها انقضت به عدتها وإن لم تعلم بطلاقها، فكذلك سائر أنواع العدد (٣) . ٣- ولأن العدة مجرد مضي المدة وذلك يتحقق بدون علمها (٤) . ٤- ولأن الوفاة هي السبب في العدة فيعتبر ابتداء العدة من وقت وجود السبب (٥) . القول الثاني: أنها تعتد من حين العلم بموته لا من حين وفاته. وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن الحسن البصري، وقتادة، وابن حزم (٦) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روي أن فريعة (٧) بنت مالك قتل زوجها في سفر، فلما علمت بقتله أتت النبي ﷺ فأخبرته، فقال لها: (امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله) فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا (٨) .

стр. 565

وجه الدلالة: أنه أمرها باستئناف العدة لوقتها ولم يعتبر ما مضى (١) . ونوقش هذا الاستدلال: بأنه يحتمل أنه أمرها باستئناف العدة لوقتها، ويحتمل الاستدامة واحتساب ما مضى، فلم يكن فيه مع الاحتمال دليل (٢) . ٢- ولأنها مأمورة في العدة بالحداد واجتناب الطيب وعدم الخروج من مسكنها، وهي قبل علمها غير قاصدة لأحكام العدة، فلذلك لم تكن في عدة (٣) . ونوقش هذا: بأن القصد في العدة غير معتبر بدليل أن المجنونة والصغيرة تنقضي عدتها من غير قصد، والحداد الواجب ليس شرطا في العدة فلو تركته قصدا أو من غير قصد لانقضت عدتها (٤) . القول الثالث: إن علمت الوفاة ببينة اعتدت بما مضى، كالقول الأول، وإن علمت بخبر اعتدت من وقتها كالقول الثاني، وهذا القول مروي عن عمر بن عبد العزيز (٥) وراية عن الإمام أحمد (٦) . واستدلوا على علمها بالبينة بما استدل به أصحاب القول الأول، وعلى علمها بالخبر بما استدل به أصحاب القول الثاني. الترجيح الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول أنها تعتد من يوم الوفاة، لقوة ما استدلوا به ومناقشة أدلة المخالفين. والله أعلم.
следующие страницы →