أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله في الفقه الإسلامي
تأليف
الدكتور مرعي بن عبد الله بن مرعي
الأستاذ المساعد بقسم الدرسات الإسلامية في كلية المعلمين، بأبها
стр. 2
أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل درجة العالمية العالية "الدكتوراه" من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
стр. 3
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل سبحانه في محكم الآيات ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] والقائل ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] .
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أفضل الرسل وخاتمهم، وأفضل من جاهد في سبيل الله بنفسه حتى كسرت رباعيته وشج وجهه الكريم، القائل ﷺ «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي» (١) .
فصلاة ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار الذين جاهدوا في سبيل الله بأنفسهم فسجلوا على جبين التاريخ أعظم الانتصارات، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما أما بعد:
стр. 4
فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومن أفضل الأعمال التي تقرب العبد إلى الملك العلام. به يحفظ الدين وينشر نور الإسلام في بقاع المعمورة، وبه يعز أولياء الرحمن ويذل أولياء الشيطان، وبه يدفع العدوان ويرفع الظلم عن المظلومين ويحكم شرع الله في الأرض، فينتشر العدل، ويسود الأمان، ويعم الرخاء، به تسود الأمة، وتسمع الكلمة وتصان الكرامة.
ولما كان باب الجهاد واسعا فهو يشمل جهاد الكفار بالنفس، وبالمال، وباللسان، وبالقلب، ويشمل جهاد البغاة من المسلمين، وجهاد العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشمل كذلك جهاد النفس على طاعة الله وجهاد الشيطان، ولما كان كذلك، قصرت البحث على أشرف هذه الأنواع وهو الجهاد بالنفس للكفار وبينت أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله في أبواب الفقه تحت عنوان:
(أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله في الفقه الإسلامي)
والسبب في اختيار هذا الموضوع يعود إلى أمور منها:
١- انحراف الجهاد بالنفس عن معناه الحقيقي وباعثه عند بعض المسلمين اليوم إلى قتال لشهوة دنيا، أو منصب، أو وطن، أو قومية على أساس من النظم الوضعية المستوردة، فأردت بيان المجاهد الحق الذي يجاهد بنفسه في سبيل الله يرجو نصرة دينه، وعلو كلمته في أي مكان وفي أي زمان، وبيان أحكامه.
٢- لم أجد حسب علمي من أفرد المجاهد بالنفس في سبيل الله ببحث مستقل يبين أحكامه في أبواب الفقه، ويكشف هدفه وغايته من الجهاد، فلعلي أسهم بجهد المقل في بيان ذلك.
٣- وجود مباحثه في أكثر أبواب الفقه مما يفيد الباحث ويوسع اطلاعه.
٤- البحث العلمي لذاته، فهو مقصد نبيل يقصده العلماء.
стр. 5
أما أهمية الموضوع فيمكن بيانها فيما يلي:
١- الحديث عن المجاهد بالنفس وبيان أحكامه في كل تصرفاته في جهاد العدو يكشف زيف المغرضين وادعاءات المبطلين الذين يصفون المجاهد في سبيل الله بأنه سفاك دماء ومفسد في الأرض وظالم لحقوق الإنسان.
٢- بيان أحكام المجاهد فيما يجوز له قتاله ومن لا يجوز له قتاله من العدو يبرز رحمة الإسلام بالإنسان، ودعوته لاحترام النفس الإنسانية، ومعاملتها بما يليق بها، وأن هدف الجهاد تحرير الإنسان من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وتحكيم شريعته في الأرض.
٣- في بيان أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله يظهر الفرق بين من يجاهد في سبيل الله ومن جاهد في سبيل غيره.
٤- بيان أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله في أبواب الفقه في مؤلف واحد يسهل على المجاهد مراجعة ما يحتاج إليه من الأحكام فيما يخصه.
وقد نهجت في كتابة هذا البحث المنهج الآتي:
١-أذكر أقوال الفقهاء في مسائل الخلاف على المذاهب الأربعة، ومذهب ابن حزم مع ذكر الأدلة ومناقشتها ما أمكن، ثم الترجيح حسب الدليل دون تعصب لقول معين أو مذهب معين.
٢- في الغالب أضع القول الراجح في الأول.
٣- إذا قلت: اتفق الفقهاء فالمقصود الأئمة الأربعة، وقد يكون اتفاقا لجميع العلماء والفقهاء دون استثناء.
٤- الأمانة العلمية في نقل المعلومات والأقوال والأدلة من المصادر والمراجع، والاعتماد في نقل المعلومات على المراجع والمصادر المعتمدة في كل مذهب ونقل الأقوال منها.
стр. 6
٥- استعنت ببعض ما كتب حديثا عن الجهاد وخاصة فيما لم يتعرض له الفقهاء القدماء.
٦-إذا نقلت المعلومات من المراجع بالنص جعلتها بين قوسين تمييزا لها.
٧- التعريف بما يحتاج إلى تعريف من مفردات غامضة، وأسماء أماكن وردت في البحث، وعناوين البحث، وكل ذلك في الهامش.
٨- مراعاة قواعد اللغة في كتابة البحث.
٩- عزو الآيات الواردة في البحث إلى السور وبيان أرقامها.
١٠- تخريج الأحاديث والآثار من كتب السنة المعتمدة، ونقل أقوال أهل العلم في صحتها أو ضعفها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، إلا ما كان في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما فاكتفى بتخريجه منهما أو من أحدهما فقط.
١١- الترجمة للأعلام الواردة في البحث عند الحاجة إلى ذلك بشيء من الاختصار.
١٢- وضع الفهارس العامة المتعارف عليها في البحث، فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث والآثار، فهرس التعريفات والمفردات الغامضة، فهرس الأماكن، فهرس الأعلام، فهرس المراجع، فهرس الموضوعات.
خطة البحث:
اقتضت خطة البحث في هذا الموضوع أن تكون في مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب وخاتمة، وذلك على النحو الآتي:
المقدمة:
وتشمل ما يلي:
-سبب اختيار الموضوع.
- أهمية الموضوع.
-المنهج في كتابة البحث.
- خطة البحث.
стр. 7
التمهيد:
ويشمل خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الجهاد وبيان أنواعه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجهاد.
المطلب الثاني: بيان أنواعه.
المبحث الثاني: مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله ومراحله، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله.
المطلب الثاني: مراحل تشريع الجهاد بالنفس في سبيل الله.
المبحث الثالث: فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله.
المبحث الرابع: هدف الجهاد بالنفس في سبيل الله.
المبحث الخامس: التعريف بالمجاهد وشروطه وحكم الجهاد في حقه، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالمجاهد.
المطلب الثاني: شروط المجاهد.
المطلب الثالث: حكم الجهاد في حقه.
الباب الأول
أحكام المجاهد بالنفس في العبادات، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أحكام المجاهد في الطهارة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: طهارة المجاهد بالماء وهو جريح.
стр. 8
المبحث الثاني: طهارة أعضاء المجاهد المقطوعة.
المبحث الثالث: تيمم المجاهد، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تيمم المجاهد لخوفه من العدو.
المطلب الثاني: تيمم المجاهد في الأسر إذا منعه العدو من الماء
المطلب الثالث: تيمم المجاهد بالغبار.
المطلب الرابع: تيمم المجاهد بغير التراب مما هو من جنس الأرض كالرمل والحصي ونحو ذلك
المبحث الرابع: مسح المجاهد وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسح على الخفين ونحوهما وفيه أربعة فروع:
الفرع الأول: المراد بالخف في اللغة والشرع.
الفرع الثاني: جواز المسح على الخفين للمجاهد.
الفرع الثالث: مسح المجاهد على الخف المصنوع من غير الجلود
الفرع الرابع: توقيت المسح على الخفين للمجاهد في سبيل الله.
المطلب الثاني: المسح على الجبيرة، وفيه فرعان:
الفرع الأول: مشروعية المسح على الجبيرة.
الفرع الثاني: كيفية المسح على الجبيرة وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المسح على جميع أجزاء الجبيرة.
المسألة الثانية: الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم.
المطلب الثالث: في مسح المجاهد على ما يوضع على الرأس.
الفصل الثاني: أحكام المجاهد في الصلاة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أحكام المجاهد في صلاة الخوف، وفيه ثمانية عشر مطلبا:
стр. 9
المطلب الأول: مشروعية صلاة الخوف.
المطلب الثاني: شروط صلاة الخوف.
المطلب الثالث: وقت صلاة الخوف.
المطلب الرابع: كيفية صلاة الخوف.
المطلب الخامس: الصلاة على الدواب والآليات إيماء.
المطلب السادس: ترك التوجه إلى القبلة في صلاة الخوف.
المطلب السابع: اشتراط الجماعة لصلاة الخوف.
المطلب الثامن: كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف، وفيه فرعان:
الفرع الأول: كيفية قراءة الإمام في صلاة الخوف من حيث السر والجهر.
الفرع الثاني: التخفيف في القراءة.
المطلب التاسع: سهو الإمام في صلاة الخوف.
المطلب العاشر: قطع الصلاة لسماع صفارات الإنذار.
المطلب الحادي عشر: هجوم العدو أثناء الصلاة.
المطلب الثاني عشر: المشي في صلاة الخوف.
المطلب الثالث عشر: المتلطخ بالدم في صلاة الخوف
المطلب الرابع عشر: حمل السلاح في صلاة الخوف.
المطلب الخامس عشر: حمل السلاح المتنجس في صلاة الخوف.
المطلب السادس عشر: حصول الأمن أثناء صلاة الخوف.
المطلب السابع عشر: حصول الآمن بعد صلاة الخوف.
المطلب الثامن عشر: الصلاة لخوف ثبت توهمه.
المبحث الثاني: أحكام المجاهد في قصر الصلاة وجمعها، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قصر الصلاة للمجاهد، وفيه أربعة فروع:
стр. 10
الفرع الأول: قصر الصلاة للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور.
الفرع الثاني: قصر الصلاة في السفن الحربية الثابتة في البحر.
الفرع الثالث: قصر الصلاة في السفن الحربية المتحركة في البحر.
الفرع الرابع: قصر الصلاة للمجاهد في الأسر.
المطلب الثاني: الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما للمجاهد.
المبحث الثالث: أحكام المجاهد في الجنائز، وفيه خمسة مطالب.
المطلب الأول: ما يستحق به المجاهد وصف الشهادة وفيه سبعة فروع.
الفرع الأول: التعريف بالشهيد.
الفرع الثاني: موت المجاهد بعد خروجه للجهاد وقبل المعركة.
الفرع الثالث: موت المجاهد في الأسر.
الفرع الرابع: موت المجاهد بعد انتهاء المعركة.
الفرع الخامس: موت المجاهد متأثر بإصابته في المعركة.
الفرع السادس: قتله خطأ من قبل مسلم.
الفرع السابع: قتل المجاهد نفسه خطأ.
المطلب الثاني: غسل الشهيد، وفيه خمسة فروع:
الفرع الأول: غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة.
الفرع الثاني: غسل الشهيد إذا قتل جنبا.
الفرع الثالث: غسل الشهيد يحمل وفيه رمق حياة ثم يموت.
الفرع الرابع: غسل الشهيد يحمل ويبقى أياما ثم يموت.
الفرع الخامس: غسل الشهيد الملوث بالمواد الكيميائية.
المطلب الثالث: تكفين الشهيد، وفيه أربعة فروع:
стр. 11
الفرع الأول: فيما يكفن فيه.
الفرع الثاني: في نزع الدروع والحديد والخفاف ونحو ذلك منه.
الفرع الثالث: في كيفية تكفين الشهيد.
الفرع الرابع: في تكفين المجاهد الملوث بالمواد الكيمائية.
المطلب الرابع: الصلاة على الشهيد. وفيه خمسة فروع:
الفرع الأول: الصلاة عليه إذا قتل في ميدان المعركة.
الفرع الثاني: الصلاة عليه إذا حمل وفيه رمق حياة ثم مات.
الفرع الثالث: الصلاة عليه يبقى أياما بعد الإصابة ثم يموت.
الفرع الرابع: الصلاة على من رجع عليه سلاحه فقتله.
الفرع الخامس: الصلاة على من اختلط بموتى الكفار.
المطلب الخامس: دفن الشهيد. وفيه خمسة فروع:
الفرع الأول: دفنه وعليه شيء من السلاح والحديد ونحو ذلك.
الفرع الثاني: دفن أكثر من شهيد في قبر واحد.
الفرع الثالث: نبش قبر الشهيد.
الفرع الرابع: إبقاء الشهيد في الثلاجة مدة طويلة.
الفرع الخامس: كتابة اسم المجاهد وفصيلة دمه وتعليقها في العنق أو في اليد حتى يعرف.
الفصل الثالث: أحكام المجاهد في الزكاة والصوم والحج، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أحكام المجاهد في الزكاة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أخذ المجاهد من الزكاة.
المطلب الثاني: إخراج الزكاة من مال المجاهد في غيبته.
المبحث الثاني: أحكام المجاهد في الصوم، وفيه مطلبان:
стр. 12
المطلب الأول: إفطار المجاهد في رمضان، وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: إفطار المجاهد المسافر للجهاد.
الفرع الثاني: إفطار المجاهد المقيم.
الفرع الثالث: إجبار المجاهد على الإفطار في رمضان.
المطلب الثاني: صوم الأسير إذا لم يعرف بدء الشهر.
المبحث الثالث: أحكام المجاهد في الحج، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فضل الجهاد على الحج.
المطلب الثاني: ترك الجهاد للحج بأهله.
الفصل الرابع: أحكام المجاهد في باب الجهاد، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: في خروج المجاهد للجهاد، وفيه سبعة مطالب.
المطلب الأول: إذن الإمام في خروجه للجهاد.
المطلب الثاني: إذن الوالدين في خروجه للجهاد.
المطلب الثالث: إذن الدائن في خروجه للجهاد.
المطلب الرابع: إذن القائد في الخروج من المعسكر.
المطلب الخامس: خروج المجاهد مع القائد الفاجر.
المطلب السادس: خروج النساء مع المجاهد.
المطلب السابع: خروج المجاهد بالقرآن إلى أرض العدو.
المبحث الثاني: أحكام المجاهد في مواجهة العدو، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: ما قبل بدء المعركة والالتحام بالعدو وفيه ستة فروع:
الفرع الأول: دعوة العدو قبل القتال.
الفرع الثاني: الإنذار بالهجومِِِِِ.
стр. 13
الفرع الثالث: معرفة مواقع العدو وقدارته عن طريق الاستطلاع للأخبار وإرسال العيون.
الفرع الرابع: تبييت العدو في الليل.
الفرع الخامس: الحرب النفسية والخديعة بالعدو، وفيه أربعة مسائل:
المسألة الأولى: الإعلام.
المسألة الثانية: إشاعة الفرقة وبث الرعب بين الأعداء.
المسألة الثالثة: إظهار القوة.
المسألة الرابعة: مخادعة العدو.
الفرع السادس: الاستعانة بالكفار في قتال العدو.
المطلب الثاني: في بدء المعركة والالتحام مع العدو، وفيه أحد عشر فرعا:
الفرع الأول: الدعاء والتكبير.
الفرع الثاني: علاقة القادة بالجند واتباع الخطط المرسومة.
الفرع الثالث: الفرار من الزحف.
الفرع الرابع: قتل المشارك في الحرب من العدو.
الفرع الخامس: قتل من لم يشارك في الحرب من العدو.
الفرع السادس: قتل المجاهد قريبه الكافر.
الفرع السابع: قتل العدو إذا تترسوا بالنساء والأطفال أو بأسرى الحرب من المسلمين.
الفرع الثامن: الاعتداء على أعراض العدو.
الفرع التاسع: المثلة بموتى العدو.
الفرع العاشر: إقحام المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه الهلكة.
الفرع الحادي عشر: استسلام المجاهد للأسر.
стр. 14
المبحث الثالث: فيما يستخدمه المجاهد من الأسلحة في مواجهة العدو، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: التحريق بالنار.
المطلب الثاني: التغريق بالماء.
المطلب الثالث: الرمي وفيه أربعة فروع.
الفرع الأول: الرمي بالمنجنيق.
الفرع الثاني: الرمي بالمدافع والدبابات والطائرات.
الفرع الثالث: الرمي بالسهام والنبال المسمومة.
الفرع الرابع: الرمي بالأسلحة ذات الدمار الشامل، وفيه مسألتان.
المسألة الأولى: الرمي بالأسلحة النووية.
المسألة الثانية: الرمي بالأسلحة الكيمائية والجرثومية.
المطلب الرابع: التحصينات لردع العدو، وفيه أربعة فروع.
الفرع الأول: حفر الخنادق.
الفرع الثاني: وضع الأسلاك الشائكة.
الفرع الثالث: زراعة الألغام.
الفرع الرابع: نصب الصواريخ.
المبحث الرابع: إتلاف المجاهد لأموال العدو، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: إتلاف مال العدو إذا خشي أن يسترده.
المطلب الثاني: إتلاف مال العدو إذا لم يخش استرداده.
المطلب الثالث: إحراق المدن والزرع وقطع الأشجار ونحو ذلك.
المطلب الرابع: إتلاف الكتب وفيه فرعان:
стр. 15
الفرع الأول: إتلاف الكتب الضارة.
الفرع الثاني: إتلاف الكتب النافعة.
المطلب الخامس: قتل الحيوانات.
المطلب السادس: إراقة الخمور ونحو ذلك.
المطلب السابع: إتلاف سلاح العدو.
المبحث الخامس: في إطلاق المجاهد من الأسر، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: فداء الأسرى.
المطلب الثاني: قتل أسرى العدو إذا قتلوا أسرى المسلمين.
المطلب الثالث: هرب المجاهد من الأسر بعد قتل العدو وأخذه ماله.
المطلب الرابع إذا أطلقه العدو على أن يبقى في ديارهم.
المطلب الخامس: إذا أطلقه العدو على أن ينفذ لهم في دار الإسلام ما يريدون وفيه فرعان.
الفرع الأول: إذا أطلقه العدو على أن يحمل له من بلاد الإسلام الفداء.
الفرع الثاني: إذا أطلقه العدو ليكون جاسوسًا لهم على المجاهدين.
المبحث السادس: في أحكام الغنيمة والفيء والنفل، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في أحكام الغنيمة وفيه أربعة فروع:
الفرع الأول: الغلول في الغنيمة، وفيه ثلاث مسائل.
المسألة الأولى: المراد بالغلول.
المسألة الثانية: حكم الغلول.
المسألة الثالثة: عقوبة الغال.
الفرع الثاني: ما يجوز للمجاهد أخذه من الغنيمة قبل القسمة، وفيه أربعة مسائل:
стр. 16
المسألة الأولى: استعمال سلاح العدو.
المسألة الثانية: الأكل بقدر الحاجة.
المسألة الثالثة: تموين المركوب في أرض العدو.
المسألة الرابعة: استعمال الأدوية للعلاج.
الفرع الثالث: قسمة الغنيمة قبل أن يكون للجند راتب من الدولة، وفيه ثلاث مسائل.
المسألة الأولى: تخميس الغنيمة.
المسألة الثانية: سهم الفارس.
المسألة الثالثة: سهم الراجل.
الفرع الرابع: قسمة الغنيمة بعد أن أصبح للجند راتب.
المطلب الثاني: في أحكام الفيء، وفيه فرعان:
الفرع الأول: حكم أخذ الفيء
الفرع الثاني: قسمة الفيء على الجنود في الماضي والحاضر.
المطلب الثالث: في أحكام النفل للمجاهد، وفيه ثلاثة فروع.
الفرع الأول: حكم النفل.
الفرع الثاني: فائدة النفل.
الفرع الثالث: النفل في الماضي والحاضر.
الباب الثاني
أحكام المجاهد في المعاملات، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أحكام المجاهد في البيع، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: بيع المجاهد السلاح على العدو
стр. 17
المبحث الثاني: شراء المجاهد السلاح من العدو.
المبحث الثالث: شراء المجاهد ما يحتاجه من تجار العدو غير السلاح.
المبحث الرابع: التعامل بالربا بين المجاهد والحربي في أرض العدو.
المبحث الخامس: تصرف المجاهد ببيع شيء من الغنيمة.
المبحث السادس: بيع الحربي ولده على المجاهد في دار الحرب.
الفصل الثاني: أحكام المجاهد في الإجارة والجعالة والعارية واللقطة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في الإجارة وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أخذ الأجرة على الجهاد.
المطلب الثاني: استئجار من ينوب عنه في الجهاد.
المطلب الثالث: استئجار آلات الحرب.
المطلب الرابع: استئجار كافر لمساعدته.
المبحث الثاني: في الجعالة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أخذ الجعل على الجهاد.
المطلب الثاني: وقت استحقاق الجعل على الجهاد.
المبحث الثالث: استعارة المجاهد آلات الحرب.
المبحث الرابع: أخذ المجاهد لقطة دار الحرب.
الفصل الثالث: أحكام المجاهد في الرهن والضمان، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: رهن المجاهد سلاحه للعدو في شراء الطعام ونحوه.
المبحث الثاني: في الضمان وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضمان المجاهد السلاح المستعار إذا تلف.
المطلب الثاني: ضمان لقطة دار الحرب.
стр. 18
الباب الثالث
أحكام المجاهد في فقه الأسرة، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أحكام المجاهد في الوقف والهبة والوصية والميراث، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في الوقف، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: وقف المجاهد ماله على المجاهدين في سبيل الله.
المطلب الثاني: نفقة الفرس الموقوف على الجهاد في سبيل الله.
المبحث الثاني: قبول المجاهد الهبة على الجهاد.
المبحث الثالث: في الوصية والميراث، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في الوصية وفيه فرعان:
الفرع الأول: وصية المجاهد قبل الخروج للجهاد.
الفرع الثاني: الوصية للمجاهد.
المطلب الثاني: في الميراث وفيه فرعان:
الفرع الأول: قسمة مال المفقود في المعركة.
الفرع الثاني: إرث المفقود قبل حكم الحاكم بموته.
الفصل الثاني: أحكام المجاهد في النكاح، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: نكاح المجاهد في دار الحرب.
المبحث الثاني: نكاح الأسير في الأسر.
المبحث الثالث: وطء الأسير زوجته أو أمته في أرض العدو.
المبحث الرابع: أطول مدة يغيب فيها المجاهد عن زوجته.
стр. 19
الفصل الثالث: أحكام المجاهد في الإيلاء والرجعة وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في الإيلاء وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مدة الإيلاء.
المطلب الثاني: آلى من زوجته ثم خرج للجهاد ولم يفيء حتى انتهت مدة الإيلاء.
المبحث الثاني: في الرجعة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مراجعة المجاهد زوجته وهو في المعركة.
المطلب الثاني: إذا لم تعلم الزوجة بمراجعته لها فاعتدت ثم تزوجت.
الفصل الرابع: في أحكام المجاهد في العدة والنفقات، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في العدة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عدة زوجة المجاهد إذا قتل في سبيل الله.
المطلب الثاني: عدة زوجة المجاهد إذا فقد في المعركة، وفيه فرعان:
الفرع الأول: مدة الانتظار قبل أن تعتد.
الفرع الثاني: عدة زوجة المجاهد بعد مدة الانتظار.
المبحث الثاني: في النفقات وفيه مطلبان.
المطلب الأول: في نفقة زوجة المجاهد ونفقة أولاده.
المطلب الثاني: فضل كفالة أولاد المجاهد وزوجته.
الباب الرابع
أحكام المجاهد في الجنايات والديات والحدود والقضاء، وفيه فصلان:
الفصل الأول: أحكام المجاهد في الجنايات والديات والحدود، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أحكام المجاهد في الجنايات، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: أحكام المجاهد في القصاص وفيه فرعان:
стр. 20
الفرع الأول: القصاص من المجاهد في النفس.
الفرع الثاني: القصاص من المجاهد فيما دون النفس.
المطلب الثاني: قتل المجاهد نفسه في المعركة.
المطلب الثالث: قتل المجاهد نفسه في الأسر.
المبحث الثاني: في أحكام المجاهد في الديات، وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: في دية الشهيد.
المطلب الثاني: دية المقتول خطأ في المعركة.
المطلب الثالث: ضمان المجاهد قتل من تترس به العدو من المسلمين.
المطلب الرابع: ضمان المجاهد من قتله خطأ أو عمدا من لا يجوز له قتلهم من العدو.
المبحث الثالث: في أحكام المجاهد في الحدود، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: إقامة الحدود على المجاهد في أرض العدو.
المطلب الثاني: إقامة الحدود على المجاهد في الثغور.
الفصل الثاني: أحكام المجاهد في القضاء، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: خروج القاضي للجهاد.
المبحث الثاني: مطالبة المجاهد بالدين الحال.
المبحث الثالث: مطالبة المرأة له بالطلاق.
المبحث الرابع: قبول شهادة المجاهد على غير المجاهد.
المبحث الخامس: قبول شهادة المجاهدين بعضهم لبعض.
الخاتمة: وتشمل:
١- أهم نتائج البحث. ... ٢- الفهارس.
стр. 21
هذا وحسبي أني بذلت غاية جهدي في إخراج هذا البحث على الوجه الذي رجوت فيه السداد والصواب من الله ما استطعت، مع العلم بأن الكمال لا يكون إلا لله وحده، والخطأ والنقص والتقصير من طبيعة البشر، فلا يمكن الكمال وما كتب أحد كتابا في يومه إلا رأى في غده أنه لو قدم أو أخر أو زاد أو نقص لكان أفضل.
فما كان من توفيق في هذا البحث إلى الصواب فهو من الله وحده، وما كان من خطأ ونقص وتقصير فهو مني ومن الشيطان، واستغفر الله وأتوب إليه من خطئي وتقصيري وأسأله إخلاص النية في القول والعمل في السر والعلن.
ثم إني هنا بعد شكر الله ، أتقدم بالشكر الجزيل وخالص التقدير وخالص الدعاء لشيخي وأستاذي الوالد الفاضل الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش، حفظه الله ورعاه، الذي أشرف على هذه الرسالة، فنلت من بحر علمه وسديد توجيهاته، ونقده الهادف المبني على العلم والدراية ما كان خير معين لي، بعد توفيق الله، في إخراج هذا البحث بهذه الصورة مع ما أسبغه عليَّ من جميل أخلاقه، وحسن مقابلته، وسعة صدره، وحلمه، فجزاه الله عني وعن جميع طلبة العلم وعن جميع المسلمين خير الجزاء، وأجزل له الأجر والمثوبة، والشكر موصول لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في المعهد العالي للقضاء، هذا الصرح الشامخ الذي تخرج منه جهابذة العلم والفقه والقضاء والسياسة، وأخص بالشكر عميده ووكيله ورئيس قسم الفقه المقارن وجميع أعضاء هيئة التدريس بالمعهد الذين يولون العلم وأهله جل اهتمامهم ووقتهم وجهدهم.
ولا يفوتني هنا أن أشكر وزارة المعارف ممثلة في كلية المعلمين في أبها التي منحتني الفرصة لمواصلة دراستي العليا فجزاهم الله خير الجزاء.
ثم إني أشكر لجنة المناقشة التي تكرمت بدراسة الرسالة ومناقشتها وإبداء الملاحظات القيمة التي ستؤخذ بعين الاعتبار، وهما فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد المطلق، وفضيلة الدكتور محمد فضل المراد، فجزاهما الله خير الجزاء.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف/
د. مرعي بن عبد الله الشهري
стр. 22
تمهيد
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الجهاد، وبيان أنواعه.
المبحث الثاني: مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله، ومراحله.
المبحث الثالث: فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله.
المبحث الرابع: هدف الجهاد بالنفس في سبيل الله.
المبحث الخامس: التعريف بالمجاهد، وشروطه وحكم الجهاد في حقه.
стр. 23
المبحث الأول
تعريف الجهاد، وبيان أنواعه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجهاد.
المطلب الثاني: بيان أنواعه.
стр. 24
المطلب الأول
تعريف الجهاد
أولا: تعريفه في اللغة:
الجهاد: مصدر جاهد جهاد ومجاهدة، قاتل العدو وجاهد في سبيل الله، وهو من الجهد، أي: المشقة والطاقة.
يقال: أجهد دابته إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها.
والجهد - بالضم- الوسع والطاقة (١) .
ففي الجهاد مشقة، وتعب ومبالغة في بذل الوسع في قتال الكفار أو غيرهم، فهو عام يشمل الأقوال والأفعال.
جاء في لسان العرب: (الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان أو ما أطاق من شيء) (٢) .
ثانيا: عند الفقهاء:
عرفه الحنفية بأنه: بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله بالنفس، والمال، واللسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك (٣) .
أو بأنه: الدعاء إلى الدين الحق، وقتال من لم يقبله (٤) .
стр. 25
وعرفه المالكية بأنه: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له، أو دخوله أرضه (١) .
وعرفه الشافعية، والحنابلة بأنه: بذل الجهد في قتال الكفار (٢) .
ونخلص من هذه التعريفات إلى أن الجهاد يأتي بمعنيين:
الأول: معنى عام يشمل قتال الكفار بالنفس والمال واللسان، وغير ذلك كما عرفه به الحنفية استنادا على المعنى اللغوي للجهاد، وما جاء في بعض النصوص الشرعية من إطلاق الجهاد على غير قتال الكفار بالنفس كقوله ﷺ «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله (٣) » «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (٤) .
стр. 26
الثاني: معنى خاص وهو: قتال الكفار بالنفس وهذا ما عرفه به الجمهور، وهذا المعنى للجهاد هو المراد عند الإطلاق ولا ينصرف إلى غير قتال الكفار بالنفس إلا بقرينة.
جاء في المقدمات الممهدات: (فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (١) . وهذا المعنى الخاص هو الذي يدور عليه بحثنا إن شاء الله.
المطلب الثاني
أنواع الجهاد
من خلال تعريف الجهاد في اللغة وعند الفقهاء اتضح أن الجهاد بالمعنى العام يشمل عدة أنواع حصرها بعض العلماء في أربعة أنواع (٢) :
النوع الأول: جهاد النفس:
وهو: أن يجاهد النفس على تعلم أمور الدين وعلى العمل بما تعلم، ثم الدعوة إليه، والصبر على مشاق الدعوة.
стр. 27
عن فضالة بن عبيد (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٢) .
النوع الثاني: جهاد الشيطان:
وهو: مجاهدة الشيطان على دفع ما يأتي به من شبهات، وذلك باليقين، ودفع ما يزينه من الشهوات، وذلك بالصبر عن الشهوات.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] .
النوع الثالث: جهاد البغاة، وأرباب الظلم والبدع، والمنكرات:
ويكون ذلك باليد إذا قدر، فإن عجز فباللسان، فإن عجز جاهد بقلبه.
عن أبي سعيد الخدري (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٤) .
стр. 28
النوع الرابع: جهاد الكفار والمنافقين (١) :
ويكون بالسيف وبالمال، وباللسان، وبالقلب، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان (٢) .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .
وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] .
وعن أنس بن مالك (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (٤) .
وقد قصرت البحث كما في عنوان الكتاب على جهاد الكفار بالنفس والأحكام المتعلقة بالمجاهد بالنفس في سبيل الله فخرجت الأنواع الأخرى من إطار البحث.
стр. 29
المبحث الثاني
مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله ومراحله
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله .
المطلب الثاني: مراحل تشريع الجهاد بالنفس في سبيل الله.
المطلب الأول
مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله
الجهاد بالنفس في سبيل الله مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
أولا: من الكتاب.
الآيات الدالة على مشروعية الجهاد من القرآن الكريم كثيرة منها:
١- قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
٢- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
٣- قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] .
٤- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
стр. 30
ثانيا: من السنة.
أ- السنة القولية.
جاءت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله منها:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله» (١) .
٢- عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم وألسنتكم» (٢) .
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه به، مات على شعبة من النفاق (٣) » (٤) .
ففي الحديث الأول أمر النبي ﷺ بالجهاد في سبيل الله بنفسه، وفي الحديث الثاني أمر النبي ﷺ أصحابه بالجهاد في سبيل الله بالنفس، والمال، واللسان، وهو أمر للأمة إلى أن تقوم الساعة.
стр. 31
وجاء الحديث الثالث بالتحذير والوعيد الشديد لمن ترك الجهاد، أو تهاون فيه، أو غفل عنه، وأن من مات ولم يحدث نفسه بالجهاد في سبيل الله، ولم ينفق على الجهاد في سبيل الله، مات على شعبة من النفاق.
ب- السنة الفعلية:
أمر النبي ﷺ بالجهاد في سبيل الله، وقتال الكفار حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فجاهد بنفسه الكريمة وقاد الغزوات في سبيل الله (١) وباشر القتال حتى شج (٢) وجهه الكريم ﷺ وكسرت رباعيته ففي غزوة أحد (٣) أبلي النبي ﷺ بلاءً حسنًا.
يصف سهل بن سعد (٤) ﵁ ما حصل للنبي ﷺ فيقول: (جرح وجه النبي ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة (٥) على رأسه..) (٦) .
стр. 32
ثالثا: إجماع الأمة:
أجمعت الأمة على مشروعية الجهاد بالنفس في سبيل الله، وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء.
قال ابن حزم (١) في مراتب الإجماع: (اتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة أهل الإسلام، وقراهم، وحصونهم، وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين، فرض على الأحرار البالغين المطيقين) (٢) .
وقد جاهد الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ وجهزوا الجيوش وفتحوا الأمصار واستقرت سيرة الخلفاء الراشدين أن تكون لهم في كل سنة أربع غزوات في الصيف والشتاء والربيع والخريف (٣) .
وتابعهم من جاء بعدهم فرفعوا رايات الجهاد، ولا يزال الجهاد ماضيا بإذن الله إلى قيام الساعة.
стр. 33
المطلب الثاني
مراحل تشريع الجهاد بالنفس في سبيل الله
تمهيد:
لم يؤمر النبي ﷺ في مكة قبل الهجرة إلى المدينة بقتال الكفار، وإنما أمر بالعفو، والصفح وتحمل الأذى، والمجادلة بالتي هي أحسن، والصبر، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] وقال تعالى: ... ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ (فكان النبي ﷺ في أول الأمر مأمورا أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادا كبيرا. قال تعالى في سورة الفرقان وهي
стр. 34
مكية ﴿فلا تطع- كبيرا﴾ [الفرقان: ٥٢] وكان مأمورا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك ... ) (١) .
وقال الجصاص (٢) ﵀: (ولم تختلف الأمة أن القتال كان محظورا قبل الهجرة) (٣) .
إذا تقرر هذا فإن الجهاد بالنفس في سبيل الله شرع بعد الهجرة النبوية إلى المدينة وقد نقل ابن حجر (٤) في الفتح الاتفاق على ذلك (٥) فقال: (.. فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا) (٦) .
стр. 35
وجاء في تفسير ابن كثير (.. وإنما شرع الله الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا في مكة كان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم.. فلما استقروا بالمدينة، وأفاهم رسول الله ﷺ واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء..) (١) .
وقد تدرج الجهاد بالنفس في سبيل الله في ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: إباحة القتال في سبيل الله دون أن يفرض (٢) .
يدل على هذه المرحلة قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠] .
قال غير واحد من السلف، هذه أول آية نزلت في الجهاد (٣) .
ووجه الدلالة من الآية: أن الإذن معناه الإباحة، والمباح هو: ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل (٤) .
стр. 36
فهذه المرحلة لك أن تقاتل الأعداء، ولك أن لا تقاتلهم ولا شيء عليك، وهذه مرحلة إعداد وتهيئة للمرحلة التالية لها، وهي المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية:
الأمر بقتال من قاتل المسلمين من الكفار والكف عمن كف عن قتالهم (١) ويمكن أن تسمى مرحلة الدفاع (٢) .
стр. 37
يدل على هذه المرحلة ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] .
فهذا أمر من الله بقتال من قاتلهم من الكفار، والكف عمن كف عنهم (١) .
٢- قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠] .
أي: إن اعتزلوكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم وألقوا إليكم السلم، فإن الله لم يجعل لكم عليهم طريقا فلا تعرضوا لهم (٢) .
ويدل على هذه المرحلة من السنة:
ما جاء في سيرة النبي ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة، فعند قدومه إلى المدينة لم يبدأ بقتال، وإنما كان يوادع، ويتألف الناس حتى اليهود، ولم يعهد أنه قاتل عدوه وهو لم يقاتله (٣) .
وقد كتب بينه وبين اليهود كتابا جاء فيه (.. وإنه من تبعنا من اليهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ... ) (٤) .
стр. 38
هكذا كانت هذه المرحلة، مرحلة دفاع ومعاهدات وتألف للناس، فلما قوي أمر المسلمين وكثر جمعهم وقويت نفوسهم بما شاهدوه من نصر الله في بدر وغيرها، جاءت المرحلة الحاسمة والنهائية في مراحل تشريع الجهاد بالنفس، وهي المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة: الأمر بقتال جميع الكفار وابتداؤهم بالقتال أينما كانوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية (١)
عن يد وهم صاغرون (٢) ويخضعوا لحكم الإسلام، ويدخلوا في حماية المسلمين.
ويدل على هذه المرحلة الكتاب، والسنة، ويؤيد ذلك أقوال الفقهاء من الأئمة الأربعة، وغيرهم.
أولا: من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] .
стр. 39
والمعنى: فاقتلوهم حيث ثقفتموهم من الأرض، في الحرم وغير الحرم، وفي الأشهر الحرم وغيرها، وأسروهم، وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ومن دخول مكة، واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم وأسرهم من قاتلنا منهم ومن لم يقاتلنا (١) .
٢- وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
هذه الآية أمر بقتال الكفار وخص أهل الكتاب لكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع خصوصا محمد ﷺ وملته وأمته، فلما أنكروا تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة، ثم القتال إلى أن يسلموا، أو يعطوا الجزية بدل القتل (٢) .
٣- وقوله سبحانه ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
المراد بالفتنة: الشرك والكفر.
والمعنى: إن انتهوا عن الشرك والكفر، إما بالإسلام، أو إعطاء الجزية، فكفوا عنهم (٣) .
стр. 40
ثانيا: السنة.
الأدلة من السنة على هذه المرحلة كثيرة منها:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (١) .
٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال (٢) لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل..» (٣) .
ثالثا: أقوال الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم.
اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على ابتداء الكفار بالقتال وإن لم يبدؤنا وعلى قتالهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، ويدخلوا في حماية المسلمين.
جاء في أحكام القرآن للجصاص (ولا نعلم خلافا بين الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين..) (٤) .