← Общие книги

Общие книги · id 1936

المعلم الأول صلى الله عليه وسلم

فؤاد الشلهوب

Полный текст (185 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على المعلم الأول - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -. أما بعد ... هذا كتاب حوى جملة نافعة من أخبار المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أثناء تعليمه لأمته أمر دينهم وما يستقيم به أمرهم، ولقد رأيت خلال ممارستي للتعليم ومطالعتي لسنن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن هناك كمًّا هائلًا من الأقوال والأفعال النبوية تفيد المدرس بالدرجة الأولى، فاستعنت بالله في جمع ما ييسره لي الباري جل وعلا.

стр. 2

ثم أنني لم أحط - خلال جمعي وبحثي - بكل ما ورد عن النبي ﷺ في أمر التربية والتعليم، ولكن حسبي أني قد جمعت ما إذا وقف الناظر عليه رأى ما يبهج قلبه ويكفيه ويشفيه - بإذن الله -. ولقد تطرق بعض العلماء قديماً إلى هذا أو قريباً منه، كابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وابن مفلح في الآداب الشرعية، والغزالي في إحياء علوم الدين، وغيرهم ولكنهم لم يقصروا كتبهم وبحوثهم على أفعال النبي ﷺ وأقواله في التربية والتعليم بلك كانوا يحشدون أقوال الصحابة والتابعين والعلماء الأجلاء وغيرهم، وهم أيضاً ﵏ كانوا يتوسعون في ذلك فيدخلون في كتبهم هذه كل ما يتعلق بالعلم والتعليم، كما يتبين للناظر في كتبهم. ولعلك بعد أن تطالع كتابنا هذا يتبين لك ما قلناه آنفاً. ويجدر بنا الإشارة إلى أن هناك رسائل وبحوثاً معاصرة قيمة ومفيدة، وهي قريبة من هذا المسلك الذي اتخذته في عمل هذه الرسالة.

стр. 3

فعسى الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وأن ينفعنا وينفع المسلمين به. والله الموفق، ولا حول لنا ولا قوة إلا به. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين. كتبه: فؤاد الشلهوب الرياض: ص. ب ٨٨١٠ الرمز البريدي: ١١٤٩٢

стр. 4

مدخل مهنة التعليم لا تساويها مهنة في الفضل والرفعة، ووظيفة المعلم من أشرف الوظائف وأعلاها. وكلما كانت المادة العلمية أشرف وأنفع، ارتفع صاحبها شرفاً ورفعة ً، وأشرف العلوم على الإطلاق العلوم الشرعية، ثم العلوم الأخرى كل بحسبه. والمعلم إذا أخلص عمله لله، وعني بتعليمه نفع الناس، وتعليمهم الخير، لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنما الأعمال بالنيات» . ولعل حديث أبي أمامة ﵁ يبين لنا فضل تعليم الخير. يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير» (١) .

стр. 5

ومهمة المعلم لا تقتصر على طرح المادة العلمية على طلابه فقط، بل هي مهمة عسيرة وشاقة - وهي يسيرة على من يسرها لله عليه - فهي تتطلب من المعلم صبراً، وأمانة، ونصحاً، ورعاية لمن تحته، ولو عددنا ما الذي ينبغي توفره في المعلم لطال بنا المقام (١) . وقبل أن ندخل في فصول هذا الكتاب أحب أن أنوه إلى مسألة توضح مقصود هذا الكتاب، وهو أنني جعلت من أفعال النبي ﷺ وأقواله، مستنداً لي في استنباط صفات المعلم، وطرق التدريس المختلفة، وذلك لأن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) ، ولأنه ﷺ المعلم الأول الذي علم وربى صحابته فكانوا خير طلاب لخير معلم. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) .

стр. 6

ولعلك بعد تطالع كتابنا هذا يتبن لك أن ما ادعاه منظروا التربية والتعليم من إحداث طرق وأساليب متنوعة، في التربية والتعليم ليس بمستقيم لهم ولا مسلم به على كل حال، بل إن المعلم الأول ﷺ سبقهم بذلك بأربعة عشر قرناً. والله الموفق.

стр. 7

[١] إخلاص العلم لله أمر عظيم غفل عنه كثير من المعلمين والمربين، ألا وهو تأسيس وغرس مبدأ إخلاص العلم والعمل لله. وهو أمر لا يفطن له لبعد فئام من الناس عن المنهج الرباني. ولعمر الله كم من علوم مفيدة وأعمال جليلة للأمة، لم يستفد أصحابها منها شيئاً وذهبت أدراج الرياح وكانت هباءً منثوراً. وذلك لأن أصحابها لم يخلصوا في علومهم وأعمالهم، ولم يجعلوها في سبيل الله، ولم يكن همهم نفع إخوانهم المسلمين بهذه العلوم والمعارف والأعمال، إنما كانت أغراضهم نيل منصب أو جاه ونحو ذلك، ولذلك استحقت أن تكون هباءً منثوراً، أي نعم قد ينتفع أولئك بعلومهم ومعارفهم في الدنيا، من مدح وثناء ونحو ذلك ولكن ذلك عاقبته إلى زوال ولعل الحديث الذي رواه أبو هريرة يجسد ذلك المعنى:

стр. 8

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ ".. «ورجل تعلم العلم، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها فقال: ما عملت فيها، قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» .. الحديث " (١) . ولذا كان حري بالمربين والمعلمين أن يغرسوا في نفوس ناشئتهم إخلاص العلم والعمل لله، وابتغاء الأجر والثواب من الله، ثم إن حصل بعد ذلك مدح وثناء من الناس فذلك فضل من الله ونعمة والحمد لله. قال ابن رجب: فأما إذا عمل العمل لله خالصاً، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه «سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: " تلك عاجل بشرى المؤمن» أخرجه مسلم. أهـ. ومدار ذلك كله على النية، والنية محلها الصدور والله لا تخفى عليه خافية ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ

стр. 9

اللَّهُ﴾ (١) فمن كانت نيته لله خالصة فليبشر بقبول عمله، وأجر من الله ومثوبة. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قول «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٢) الخلاصة: (١) المعلم أن يغرس في نفوس طلابه حقيقة الإخلاص. (٢) وعلى المعلم استصحاب تلك الحقيقة في بدايات الأعمال، والتذكير بها دائماً.

стр. 10

[٢] صدق المعلم إن الصدق تاج على رأس المعلم، إذا فقده فقد ثقة الناس بعلمه، وبما يمليه عليهم من معلومات. لأن الطالب في الغالب يتقبل من معلمه كل ما يقوله، فإذا بان للطلاب كذب معلمهم في بعض الأمور، فإن ذلك ينعكس عليه مباشرة، ويؤدي إلى سقوطه من أعين طلابه. والصدق منجاة للعبد في الدنيا والآخرة، وقد أثنى الله على الصادقين، ورغب المؤمنين أن يكونوا من أهله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) ، وأرشد المعلم الأول إلى أن الصدق يهدي إلى الجنة بقوله:

стр. 11

١- «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» (١) وعند تأمل السيرة النبوية، نجد أن نبيكم ﷺ كان يسمى بالصادق الأمين، ولم يعهد منه كفار مكة كذبة واحدة. ولما بعث وظهر أمره، عاداه سادات قريش وأعيانهم، لا لكذبه عليهم، ولكن استكباراً وتجبراً، وخوفاً من سقوط هيبتهم وجاههم ومقامهم بين القبائل، وقد صرح بحقيقة ذلك بعض أعيانهم. ولقد كان لا تصافه ﷺ بالصدق أثراً كبيراً في دخول كثير من الناس في دين الله، ورحم الله ذلك الصحابي (٢) الذي عندما رأى النبي ﷺ لأول وهلة قال: لما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب!!

стр. 12

و (١) صدق المعلم يدعو المتعلم إلى الثقة به وبما يقول، ويكسبه احترام المعلمين، ويرفع من شأنه في عمله، ويتمثل صدق المعلم في مستلزمات المسئولية الملقاة على عاتقه، والتي منها نقل المعرفة بما فيها من حقائق ومعلومات للأجيال، فإن لم يكن المعلم متحلياً بالصدق فإنه سينقل لهم علماً ناقصاً ومبتوراً، وحقائق ومعلومات مغايرة للصورة التي يجب أن ينقلها، وإذا تعود التلميذ على قبول هذا السلوك السيء من المعلم فإنه ربما يستحسن هذا العمل حتى يصبح ملازماً له، وهو أمر خطير على المجتمع أهـ.

стр. 13

وإليك أيها المعلم مثالاً يبين أثر الكذب على الطلاب. يقول الشيخ محمد جميل زينو: حدث أن سأل أحد الطلاب معلمه مستنكراً تدخين أحد المعلمين، فأجاب المعلم مدافعاً عن زميله، بأن سبب تدخينه هو نصيحة الطبيب له، وحين خرج التلميذ من الصف قال: إن المعلم يكذب علينا. (قال محمد جميل) وحبذا لو صدق المعلم في إجابته، وبين خطأ زميله، بأن التدخين حرام، لأنه مضر بالجسم، مؤذ للجار، متلف للمال، فلو فعل ذلك لكسب ثقة الطلاب وحبهم، ويستطيع أن يقول هذا المعلم إلى طلابه: إن هذا المعلم فرد من الناس تجري عليه الأعراض البشرية، فهو يصيب ويخطئ.. . (١) الخلاصة: (١) الصدق نجاة للمعلم في الدنيا والآخرة. الكذب على الطلاب، عائق عن التلقي، وفاقد للثقة. الكذب أثره يتعدى إلى المجتمع، ولا يقتصر على منتحله.

стр. 14

[٣] مطابقة القول العمل قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . (١) أي: لم تقولون الخير، وتحثون عليه، وربما تمدحتم به، وأنتم لا تفعلونه. وتنهون عن الشر، وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون متصفون به. فهل تليق بالمؤمنين، هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله، أن يقول العبد ما لا يفعل؟ . ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس مبادرة إليه، والناهي عن الشر، أن يكون أبعد الناس عنه، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أهـ (٢) .

стр. 15

ورسولنا ﷺ كان يأمر الناس بالخير وهو أول من يأتيه، وكان ينهاهم عن الشر وهو أول من يجتنبه ويبتعد عنه، وهذا من كمال خلقه ﵊، ولا عجب فقد كان خلقه القرآن. ومطاقة القول العمل، أسرع في الاستجابة من مجرد القول بمفرده، يتبين لنا ذلك من خلال عرض هذا الحدث الذي وقع للنبي ﷺ ، والمسلمين معه في قصة الحديبية. فعندما صالح المشركون المسلمين على شروط معينة ومنها أن يرجع المسلمون من عامهم هذا عن مكة ويحجوا في عامهم المقبل. قال ابن القيم: (١) فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ : «قوموا فانحروا، ثم احلقوا " فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد (٢) ، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي منه الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله: أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام، فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً» .

стр. 16

وهنا يتضح لنا جلياً كيف أن الصحابة تأخروا عن تنفيذ قوله ﷺ ، ولكن لما رأوا أنه بادر إلى ذلك قبلهم، تبعوه ولم يتخلف منهم أحد. والمعلم هو أحوج الناس إلى التزام ذلك المنهج في واقع حياته، لأنه قدوة يحتذى، وطلابه يأخذون عنه الأخلاق، والأدب، والعلم ولعمر الله أي فائدة ترجى من معلم ينقض قوله عمله! (١) . ثم إن التناقض الذي يشاهده الطالب من قبل معلمه يوقعه في حيرة عظيمة، وكأني بذلك الطالب المحتار وهو يسأل نفسه: لقد احترت في أمري، ماذا أفعل، هل أصدق قوله، أم فعله الذي يناقض قوله؟ ، فهو يقول لنا: الكذب عادة سيئة مذمومة وعاقبتها إلى الخسران، ثم نسمعه بعد ذلك مراراً يكذب علينا! . من أجل ذلك كان النهي الشديد في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . فالواجب على المربين والمعلمين أن يتقوا الله في فلذات الأكباد، فهم أمانة في أعناقهم، فليحرصوا على تعليمهم ما ينفعهم، ومطابقة أقوالهم لأعمالهم، لأن في ذلك ترسيخاً للعلم الذي تعلموه من معلميهم ومربيهم.

стр. 17

قال الغزالي (١) : الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر. فإذا خالف العمل العلم منع الرشد وكل من تناول شيئاً وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به. ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه ومتى استوى الظل والعود أعوج؟ قال أبو الأسود الدؤلي (٢) : يا أيها الرجل المعلمُ غيرهَ ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ لا تنه عن خلق وتأتيَ مثلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك تُقبل إن وعظت ويُقتدى ... بالقول منك وينفع التعليمُ تصفُ الدواءَ لذي السقام الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيمُ وأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحاً وأنت من الرشادِ عديمُ الخلاصة:

стр. 18

الحالة الذميمة التي يتحلى بها من خالف قوله عمله، وكفى بقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فإنه فيه عظة وعبرة لمن عقل. إن مخالفة القول للعمل توقع الطالب في حيرة، وتجعله لا يستقر على حال. عظم المهمة الملقاة على المعلمين والمربين.

стр. 19

[٤] العدل والمساواة .

стр. 20

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وقال تعالي: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٤) . . ففي الآية الأولى يأمر الله بالعدل ويوجبه على العباد فالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقه، وفي حق عبادة.. ويعامل الخلق بالعدل التام فيؤدي كل والٍ ما عليه، تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي. أهـ (٥) وقس على ذلك الولاية التي تكون للمعلم على تلميذه فإن له ولاية على طلابه بحسبها. وفي الآية الثانية أمر الله رسوله ﷺ بأن يعدل بين أهل الكتاب، وأن لا تكون هذه العداوة مانعة من العدل في الأحكام، وكذلك الآية الثالثة تحث على إقامة العدل

стр. 21

مع الأعداء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي لا يحملنكم بغضكم لهم على ألا تعدلوا. ثم أخبر تعالى في ختام الآية أن تحقيق العدل وإقامة القسط ولو كان مع العدو فإنه سبب في كمال التقوى. وفي قوله تعالى ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم فإن تم العدل كملت التقوى. أهـ (١) . وفي الآية الرابعة أمر الله سبحانه بالعدل مع القريب والبعيد. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وكذا التي تشبهها في سورة النساء يأمر الله تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل كل حال.

стр. 22

أهـ (١) . فمما سبق يتبين أن القيام بالقسط والعدل بين الناس، شأنه عظيم، ولذلك جاءت الآيات في بيان أمره والتعظيم من شأنه. ورسولنا ﷺ يضرب أروع الأمثلة في تحقيقه للعدل بين أفراد أمته. انظر للحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - ١- قالت: «إن قريش أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال: رسول الله " أشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب، ثم قال: " إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا، إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم والله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢) الله أكبر! انظر إلى من بلغ الذروة في تحقيق العدالة «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وحاشاها أن تفعل ذلك

стр. 23

٢- «عن النعمان بن بشير قال: تصدق علي أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي. فقال له رسول الله ﷺ : " أفعلت هذا بولدكم كلهم؟ " قال: لا. قال:" اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ". فرجع أبي فرد تلك الصدقة» (١) . وجاء في رواية أخرى: «فلا تشهدني إذًا. فإني لا أشهد على جور» . (٢) والمعلمون، يتعرضون لمواقف كثيرة من قبل طلابهم، سواء في توزيع المهام والواجبات إن كانت هناك أعمال تحتاج إلى مشاركات جماعية أو تفضيل بعضهم دون بعض ونحو ذلك. ويتأكد العدل عند وضع العلامات ورصد الدرجات، فلا مجال لمحاباة أحد، أو تفضيل أحد على أحد سواء لقرابته أو معرفته أو لأي أمر كان، فإن هذا من الظلم الذي لا يرضاه الله وصاحبه متوعد بالعقوبة. إن اختلال هذا الميزان عند المعلم، أي وجود التميز بين الطلاب، كفيل بأن يخلق التوتر وعدم الانسجام والعداوة والبغضاء بين الطلاب، وكفيل بأن يجعل هناك هوة واسعة بين المعلم وطلابه الآخرين الذين بين طلابه لكي يشيع الإخاء والمحبة بينهم.

стр. 24

أيها المعلم: إن كانت لك علاقة قربى أو صداقة مع أحد طلابك، فلتكن بعيدة عن مسمع ومرأى الطلاب الآخرين. روي عن مجاهد قال: (المعلم إذا لم يعدل كتب من الظلمة) ... ويروى عن الحسن البصري قوله: (إذا قوطع المعلم على الأجر فلم يعدل بينهم - أي الطلاب - كتب من الظلمة) (١) . الخلاصة: عظم شأن العدل، حيث أمر الله به وأوجبه مع القريب والبعيد، ومع العدو أيضاً أهمية تحقيق العدل والمساواة بين الطلاب، لما فيه من إشاعة المحبة والمودة بينهم. يتأكد العدل ويتعين، عند وضع العلامات ورصد الدرجات. الحرص على إبقاء علاقات القرابة أو الصداقة، بعيدة عن مسمع ومرأى الطلاب الآخرين.

стр. 25

[٥] التحلي بالأخلاق الفاضلة والحميدة . لا شك أن الكلمة الطيبة والعبارة الحسنة تفعل أثرها في النفوس، وتؤلف القلوب، وتذهب الضغائن والأحقاد من الصدور، وكذلك التعبيرات التي تظهر على وجه المعلم تحدث مردوداً إيجابياً أو سلبياً لدى الطالب، وذلك لأن انبساط الوجه وطلاقته مما تأنس به النفس وترتاح إليه. وأما عبوس الوجه وتقطيب الحاجبين فهو مما تنفر منه النفس وتنكره. والرسول ﷺ كان أطيب الناس روحاً ونفساً، وكان أعظمهم خلقاً ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) ولم يكن فظاً غليظاً حاد الطباع بل كان سهلاً سمحاً ليناً رءوفاً بأمته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) .

стр. 26

١- «فعن عطاء بن يسار قال: (لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبض الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: (لا إله إلا الله) ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً» (١) تلكم كانت بعض صفات النبي ﷺ ، خلق عظيم، وبالمؤمنين رءوف رحيم، ليس بفظ ولا غليظ القلب ... إلخ وتلك صفات كانت من لوازم الدعوة إذ إن المدعوين يحتاجون إلى من يرفق بهم ن ويعلمهم أمور دينهم، ففيهم الجاهل وفيهم الصغير وفيهم الكبير، وكل أولئك يلزمهم رفق، وخلق، وحلم، وأناة، ولطف، وحسن تصرف وإلا انفضوا وغضبوا ولم يتبعوا الهدى ممن جاء به. ولقد ضرب رسولنا الكريم - بأبي هو وأمي ﷺ أروع الأمثلة في حسن الخلق، كيف لا

стр. 27

وربنا هو الذي امتدحه بذلك ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وكانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تقول: «كان خلقه القرآن» (١) . وتعال معنا لنرى ذلك الموقف الذي يرويه «أنس بن مالك: ٢-قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله ﷺ ثم ضحك ثم أمر له بعطاء» (٢) . ما أعظم ذلك الخلق الرفيع الذي امتاز به النبي ﷺ ، كان في مقدوره أن يؤدب ذلك الأعرابي على صنيعه، ولكن لم تكن تلك من شيم ولا أخلاق المعلم الأول ﷺ ، كيف يفعل ذلك وهو الذي قال: «من كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيره في أي الحور العين شاء» (٣) .

стр. 28

والمربون والمعلمون حري بهم أن يترسموا خطى المعلم الأول ﷺ ، في التحلي بالأخلاق الفاضلة والأدب الرفيع، وهي من أنجع الوسائل في التعليم والتربية، حيث إن الطالب في الغالب يتأثر وتخلق بأخلاق معلمه ويتقبل منه أكثر من غيره، فإذا كان المعلم يتحلى بأخلاق حميدة أثر ذلك على طلابه إيجاباً، وعملت في نفوسهم ما لم تعمله عشرات النصائح والدروس، ومن هنا نفهم سر قوله ﷺ «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» (١) وقوله: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل، وصائم النهار» (٢) . لأن حسن الخلق سجية تعمل عمل السحر في أسر القلوب، واستمالة النفوس، وإشاعة المحبة بين أفراد المجتمع. والمعلمون هم أولى الناس بذلك! . الخلاصة: الأخلاق صفة حميدة ينبغي للمعلم أن يتحلى بها، ويحث طلابه على التخلق بها. الكلمة الطيبة، والبشاشة وطلاقة الوجه، من الأسباب التي تزيل الحاجز النفسي بين المعلم وتلميذه. الحلم والأناة، وانشراح صدر المربي، في مقابل جهل الطالب.

стр. 29

[٦] تواضع المعلم التواضع خلق حميد، يضفي على صاحبة إجلالاً ومهابة، ومن ظن أن التواضع خلق مرذول ينبغي تجنبه وترك التخلق به فقد أخطأ وأبعد النجعة، وحسبك بإمام الأتقياء مثلاً (١) ﷺ والتواضع وإن كان من لوازمه الذل، فهو إن كان في جانب الله فما ألذه من ذل وما أطيبه، لأن العبودية لا تتحقق ولا تكمل إلا بالذل لله والانكسار بين يديه، وأما الذل الذي يكون في جانب المخلوقين فهو في حق المؤمنين خاصة، قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢) فهم للمؤمنين أذلة، من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم، ورفهم، ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم.. (٣) والمعلم في أمس الحاجة إلى التخلق بهذا الخلق العظيم، لما فيه من تحقيق الاقتداء بسيد المرسلين، ولما فيه من نفع عظيم للمتعلمين.

стр. 30

(و) إذا كان الإنسان المسلم يحتاج إلى التواضع للنجاح في علاقته مع الله ثم مع المجتمع فإن حاجة المعلم إلى التواضع أشد وأقوى، لأن عمله العلمي والتعليمي والتوجيهي يقتضي الاتصال بالمتعلمين والقرب منهم حتى لا يجدوا حرجاً في سؤاله ومناقشته والبوح له بما في نفوسهم، لأن النفوس لا تستريح لمتكبر أو متجبر أو مغتر بعمله. أهـ (١) وإليك بعض الأمثلة من تواضعه ﷺ : قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (٢) . وعن أنس ﵁ قال: «إن الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت» . (٣) وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم " قال أصحابه: وأنت؟ فقال: " نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (٤) . وعنه عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٥) .

стр. 31

وعن قيس بن مسعود «أن رجلاً كلم رسول الله ﷺ يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال النبي ﷺ : " هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» ! (١) ويبلغ التواضع ذروته عند فتح مكة: ٦- يقول ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: ... إن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل (٢) وقال الحافظ البيهقي.. عن أنس قال: «دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعاً» (٣) . أرأيتم تواضعاً أعظم من ذلك؟ قائد يظفر بخصومه الذين أخرجوه من بلده، وقاتلوه، وسبوه.. ثم يظفر بهم ويدخل معقلهم دخول الفاتحين، ومع ذلك يطأطىء رأسه عند انتصاره على عدوه تواضعاً لله وشكراً فما أعظمه من قائد، وما أجله من مربِ!! والتواضع يضاد التكبر، وهي خصلة ذميمة لا تعود على صاحبها بالنفع. ومن آثار التكبر الذي يصيب بعض المعلمين في المجتمعات الإسلامية: جحوده للحق وعدم الخضوع له. الغرور بما لديه من علم مع أنه قليل. ترك طلب العلم لظنه أنه قد علم وفهم كل شيء.

стр. 32

. . ثم إن المعلم المتكبر لا يستطيع أن يصل إلى أهداف التعليم، ولا يمكنه تكبره من أن يعرف ما تحقق منها لأنه بعيد عن مخالطة طلابه، والدنو منهم حتى يستطيع أن يعرف مشكلاتهم وما يعوق بلوغهم الأهداف التربوية المرسومة , وما يحتاجه من مراجعة للطريقة وترتيب المعلومات وتبسيطها وما إلى ذلك. كما أن الطلاب لا يرتاحون إلى المعلم المتكبر المتغطرس فلا يصدقونه مشاعرهم وأحاسيسهم وما يواجهونه من صعوبات، مما يجعل الفائدة التي يحصلون عليها من مثل هذا المعلم قليلة جداً. أهـ الخلاصة: أثر التواضع ليس قصراً على المعلم، بل يتعداه إلى الطلاب، ويؤثر فيهم إيجاباً. التواضع سبب في إزالة الحواجز بين المعلم وتلميذه. التكبر سبب لنفور الطلاب من معلمهم، والإعراض عن تلقي العلم منه. بمقدار ما يكون الطالب قريباً من معلمه، يتحصل الطالب على العلم بشكل أفضل، والتواضع يحققه.

стр. 33

[٧] شجاعة المعلم قد يستغرب الكثيرون هذا العنوان، وقد يقول قائل: ما دخل الشجاعة بالتعليم، فضلاً عن المعلم! نقول: الشجاعة التي نرمي إليها، هي الشجاعة الأدبية كما يحلو للكثيرين أن يسميها بهذا الاسم، ولا مشاحة في الاصطلاح، فأما الشجاعة التي يذهب الذهن إليها عندما نسمع هذه الكلمة لأول وهلة، فلقد كان نبيكم صلوات الله وسلامه عليه، أشجع الناس، حتى إن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحتمون ويلوذون به إذا اشتدت رحى الحرب لشجاعته ﵊ (١) . وأما الشجاعة المقصودة هنا، فهي شجاعة الكلمة، والاعتراف بالخطأ والقصور البشري، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد، أما التدليس، والجبن، والمراوغة فليست أمراً محموداً، ويحسن بالمعلم أن ينأى عنه. ولعل الصورة تتضح بعد تأمل الأمثلة.

стр. 34

«عن أبي رافع بن خديج قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يأبرون النخل. يقولون يلقحون النخل. فقال: (ما تصنعون؟) قالوا: كنا نصنعه. قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً لكم) فتركوه. فنفضت (١) أو فنقصت. قال فذكروا ذلك له فقال: " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتك بشيء من رأي. فإنما أنا بشر» وفي بعض الروايات قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (٢) . من سياق الحديث يتضح لنا بشرية النبي ﷺ ، وأنه يخضع للأحوال التي تعتري البشر من النسيان والخطأ وغير ذلك. أما في مقام التشريع فلا يجوز عليه ذلك، نعم قد يحصل منه نسياناً في مقام التشريع لكي يشرع للأمة، كما سلم من ركعتين في صلاة رباعية، فلما أخبر بذلك قام وأتى بالباقي وسجد سجدتين للسهو، ومحل بسط ذلك في كتب الأصول. الحاصل أن النبي ﷺ بين أنه بشر وأن رأيه في الأمور الدنيوية التي ليس فيها تشريع قد يصيب وقد يخطئ. قال النووي: (قوله) : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» قال العلماء: قوله ﷺ من رأيي أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع. فأما ما قاله باجتهاده

стр. 35

صلى الله عليه وسلم ورآه شرعاً يجب العمل به وليس من أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله.. (١) ولو أننا أعدنا النظر إلى سياق الحديث مرة أخرى، فإننا لا نجد فيه أن النبي ﷺ ، حاول أن يجد لنفسه العذر عندما رأى هذا الرأي - وحاشاه ذلك - بل اعترف ببشريته، وأن هذه الأحكام تجرى على البشر. وتعالوا بنا لننظر إلى صحابة رسول الله ﷺ لنرى كيف ترسموا خطى نبيهم عليه أفضل الصلاة والتسليم فمن ذلك:

стр. 36

ما رواه مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس ما أكثركم في صدق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم. فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم فقالت أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية قال: فقال اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب (١) .

стр. 37

عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل علياً بن أبي طالب عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا كذا، فقال علي ﵁: أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم (١) الله أكبر انظر إلى تلامذة محمد ﷺ ، يضربون أروع الأمثلة في الشجاعة، والإنصاف، ولو كان على حساب النفس، وهذا والله ليزيد المرء عزاً ورفعة، ولا ينقص من قدره شيئاً، ومن ظن غير ذلك فقد حاد عن جادة الصواب. والمعلم بحكم وظيفته وبشريته، معرض لمثل هذه المواقف، فيا ترى ماذا يقول المعلم إذا أخطأ في مسألة ما وعارضه بها أحد طلابه، ثم بان له الصواب، فهل يبادر إلى شكر الطالب والاعتراف بالخطأ؟ أم أنه يراوغ، ويقلب الكلام بعضه على بعض، حتى يبرهن لهم صحة قوله؟ أترك لك الجواب! يقول ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم، ولم يفهم. (٢) الخلاصة: اتصاف المعلم بالشجاعة، مطلب لكل معلم. الاعتراف بالخطأ، ليس فيه تنقيص لصاحب الخطأ، بل هو رفعه له، ودليل على شجاعته. الاعتراف بالخطأ معناه إصلاح الخطأ، وعكسه الاستمرار عليه والعناد فيه.

стр. 38

[٨] مزاح المعلم مع تلاميذه: من المعلوم أن المواد العلمية تتميز بالجفاف في مادتها، وهي تستلزم حضوراً عقلياً وقلبياً، فتجد الطالب يشحذ حواسه كلها لاستيعاب المادة العلمية المطروحة، ومهما يتميز به المعلم من حسن في الأداء، وجودة في الطرح، فإن عقل التلميذ له قدرة محدودة في استقبال المعلومات، ولذا كان حري بالمعلم أن يدخل الطرفة بين ثنايا الدروس العلمية لكي يطرد السآمة والملل الذي قد يخيم على أجواء الفصل من جراء تتابع عرض المواد العلمية. ومن فوائد بث الطرفة بين ثنايا الدرس من حين لآخر: أنها تطرد السآمة والملل، ومنها أنها تريح الذهن قليلاً من عناء المتابعة الدقيقة للمعلم، ومنها أنها تفيد المعلم أيضاً في أخذ قسط من الراحة، ومنها أنها تشحذ الذهن وتعطيه جرعة جديدة لمواصلة استقبال المعلومات، ومنها أنها تغير جو الفصل الذي خيم عليه الجفاف.. إلى غير ذلك.

стр. 39

والمزاح: بكسر الميم الانبساط مع الغير من غير تنقيص أو تحقير له (١) يقول النووي: اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله على الندرة، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سنة مستحبة، فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه اهـ (٢) . وقال الغزالي في الإحياء: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقاً ولا تؤذي قلباً ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحياناً على الندور فلا حرج عليك فيه، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليها ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول ﷺ .. (٣) ولقد وردت أخبار عن النبي ﷺ في مداعبته لأهله، ومزاحه مع أصحابه، وسوف نتخير منها - إن شاء الله - ما يكفي ويشفي:

стр. 40

عن أبي هريرة ﵁ قال: «قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا. قال: " نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً» (١) . وعن أنس بن مالك «أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : " إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه ". وكان ﷺ يحبه، وكان رجلاً دميماً فأتاه النبي ﷺ وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني.فالتفت، فعرف النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، فجعل النبي ﷺ يقول: " من يشتري هذا العبد؟ " فقال: يا رسول الله إذاً تجدني كاسداً. فقال النبي ﷺ : " لكن عند الله لست بكاسد " أو قال: " أنت عند الله غال» (٢) . وعن أنس بن مالك «أن رجلاً استحمل (٣) رسول الله ﷺ فقال: " إني حاملك على ولد ناقة "! فقال: يارسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : " وهل تلد الإبل إلا النوق» ؟ " (٤) .
следующие страницы →