← Общие книги

Общие книги · id 1936

المعلم الأول صلى الله عليه وسلم

فؤاد الشلهوب

Полный текст (185 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما رواه مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس ما أكثركم في صدق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم. فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم فقالت أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية قال: فقال اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب (١) .

стр. 37

عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل علياً بن أبي طالب عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا كذا، فقال علي ﵁: أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم (١) الله أكبر انظر إلى تلامذة محمد ﷺ ، يضربون أروع الأمثلة في الشجاعة، والإنصاف، ولو كان على حساب النفس، وهذا والله ليزيد المرء عزاً ورفعة، ولا ينقص من قدره شيئاً، ومن ظن غير ذلك فقد حاد عن جادة الصواب. والمعلم بحكم وظيفته وبشريته، معرض لمثل هذه المواقف، فيا ترى ماذا يقول المعلم إذا أخطأ في مسألة ما وعارضه بها أحد طلابه، ثم بان له الصواب، فهل يبادر إلى شكر الطالب والاعتراف بالخطأ؟ أم أنه يراوغ، ويقلب الكلام بعضه على بعض، حتى يبرهن لهم صحة قوله؟ أترك لك الجواب! يقول ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم، ولم يفهم. (٢) الخلاصة: اتصاف المعلم بالشجاعة، مطلب لكل معلم. الاعتراف بالخطأ، ليس فيه تنقيص لصاحب الخطأ، بل هو رفعه له، ودليل على شجاعته. الاعتراف بالخطأ معناه إصلاح الخطأ، وعكسه الاستمرار عليه والعناد فيه.

стр. 38

[٨] مزاح المعلم مع تلاميذه: من المعلوم أن المواد العلمية تتميز بالجفاف في مادتها، وهي تستلزم حضوراً عقلياً وقلبياً، فتجد الطالب يشحذ حواسه كلها لاستيعاب المادة العلمية المطروحة، ومهما يتميز به المعلم من حسن في الأداء، وجودة في الطرح، فإن عقل التلميذ له قدرة محدودة في استقبال المعلومات، ولذا كان حري بالمعلم أن يدخل الطرفة بين ثنايا الدروس العلمية لكي يطرد السآمة والملل الذي قد يخيم على أجواء الفصل من جراء تتابع عرض المواد العلمية. ومن فوائد بث الطرفة بين ثنايا الدرس من حين لآخر: أنها تطرد السآمة والملل، ومنها أنها تريح الذهن قليلاً من عناء المتابعة الدقيقة للمعلم، ومنها أنها تفيد المعلم أيضاً في أخذ قسط من الراحة، ومنها أنها تشحذ الذهن وتعطيه جرعة جديدة لمواصلة استقبال المعلومات، ومنها أنها تغير جو الفصل الذي خيم عليه الجفاف.. إلى غير ذلك.

стр. 39

والمزاح: بكسر الميم الانبساط مع الغير من غير تنقيص أو تحقير له (١) يقول النووي: اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله على الندرة، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سنة مستحبة، فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه اهـ (٢) . وقال الغزالي في الإحياء: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقاً ولا تؤذي قلباً ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحياناً على الندور فلا حرج عليك فيه، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليها ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول ﷺ .. (٣) ولقد وردت أخبار عن النبي ﷺ في مداعبته لأهله، ومزاحه مع أصحابه، وسوف نتخير منها - إن شاء الله - ما يكفي ويشفي:

стр. 40

عن أبي هريرة ﵁ قال: «قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا. قال: " نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً» (١) . وعن أنس بن مالك «أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : " إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه ". وكان ﷺ يحبه، وكان رجلاً دميماً فأتاه النبي ﷺ وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني.فالتفت، فعرف النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، فجعل النبي ﷺ يقول: " من يشتري هذا العبد؟ " فقال: يا رسول الله إذاً تجدني كاسداً. فقال النبي ﷺ : " لكن عند الله لست بكاسد " أو قال: " أنت عند الله غال» (٢) . وعن أنس بن مالك «أن رجلاً استحمل (٣) رسول الله ﷺ فقال: " إني حاملك على ولد ناقة "! فقال: يارسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : " وهل تلد الإبل إلا النوق» ؟ " (٤) .

стр. 41

الخلاصة: الأثر الإيجاب الذي يحدثه المزاح في تلطيف جو الدراسة، وقطع الملل الذي يعتري الطلاب. مراعاة عدم الإكثار منه، كي لا يخرج الدرس عن مساره , وتضيع الفائدة المرجوة منه. الإكثار من المزاح، يزيل الهيبة والوقار. المزاح لا يكون إلا حقاً أي صدقاً عدم إيذاء أو إهانة أحد التلاميذ بالمزاح.

стр. 42

[٩] الصبر واحتمال الغضب: الصبر لغة بمعنى المنع والحبس (١) ، وهي منزلة رفيعة لا ينالها إلا ذوو الهمم العالية، والنفوس الزكية. والغضب هو ثورة في النفس، يفقد فيها الغاضب اتزانه، وتنقلب الموازين عنده، فلا يكاد يميز بين الحق والباطل، وهي خصلة غير محمودة، إلا ما كان منها غضباً لله، وهو ما كان يتصف به الرسول ﷺ ، فإنه لم يكن يغضب لنفسه ولم ينتصر لها قط، إنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله.

стр. 43

ووجه تعلق ذلك بالتعليم: أن المعلم يتعامل مع أفراد يختلفون في الطباع، والأفكار، فمنهم الجيد، ومنهم الضعيف، هذا بالإضافة إلى انشغال المعلم بعمليات التحضير، والتصحيح، والتدريس المتواصل أغلب فترات اليوم الدراسي، مع ما يتبع ذلك من تحمل لمشاكل الطلاب المتكررة، إلى غير ذلك من المهام المنوطة بالمعلم. فكل الأمور السالفة الذكر وغيرها، تستلزم من المعلم صبراً وتحملاً، وهذا الصبر ليس سهل المنال، بل إنه يحتاج إلى طول ممارسة من المعلم حتى يعتاد ذلك ويألفه. وفقدان الصبر يوقع المعلم في حرج شديد، خصوصاً إذا كان ذلك أثناء ممارسته للتعليم، فإن المعلم يواجه عقليات متفاوتة في الإدراك والتصور، والاستجابة، إلى غير ذلك. فقد يظل المعلم يلقي درسه لمدة ساعة متواصلة، ثم يفاجأ بقول أحد طلابه بأنه لم يفهم هذا الدرس كله، أو قد يتعرض المعلم إلى أسئلة تافهة أو في غير محلها، أو قد يفاجأ المعلم أثناء إلقائه بأن أحد طلابه نائم أو يبتسم.. الخ. بل إن من أشدها وقعاً وأثراً على المعلم وهو ما إذا تعرض المعلم لكلمة نابية من أحد طلابه، وليس ذلك بمستغرب لاختلافهم في الطباع، والإدراك ونحو ذلك.

стр. 44

إن احتواء الغضب والسيطرة عليه، علامة قوة للمعلم، وليست علامة ضعف، خصوصاً إذا كان ذلك المعلم قادراً على إنفاذ ما يريد، أخبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: «ليس الشديد بالصرعة (١) ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢) " ويجسد ذلك فعل النبي ﷺ وقوله فإنه - بأبي وأمي - كان أملك الناس لغضبه. «عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، عليه رداء نجراني غليظ شديد الحاشية، فأدركه أعرابي. فجبذه بردائه جبذة شديدة. نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته. ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر بعطاء» (٣) . علق النووي على هذا الحديث بقوله: فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة (٤) قلت: ولا شك أنه مهما بلغ من أمر الطالب ما بلغ، فهو دون فعل ذلك الأعرابي بكثير!! .

стр. 45

«عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسماً. فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله: فأتيت النبي ﷺ فساررته. فغضب من ذلك غضباً شديداً واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له. قال: ثم قال: " قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر» (١) . ولك أن تسأل عن أثر الغضب على المرء في جسمه، ولسانه، وأعضائه، وقلبه. يقول صاحب الإحياء (٢) :

стр. 46

ومن أثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته، واستحالة خلقته.. وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ. وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة.. وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمساءات والحزن بالسرور.. أهـ. وعلاج ذلك يكون بالعلاج الرباني والنبوي: أما العلاج الرباني فقد أثنى الله على الذين يكظمون غيظهم وليس ذلك فقط بل مع العفو عن الناس. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) . وأما العلاج النبوي فقد عالج النبي الغضب بعدة طرق. أن يقول الغاضب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢) .

стр. 47

أن يسكت الغاضب ولا يتكلم، حتى لا يتمادى به الغضب فيقع في المحذور (١) . إذا كان الغاضب قائماً فليجس، وإن لم ينطفئ غضبه فليضطجع. أن يتوضأ الغاضب وضوءه للصلاة، فإن الغضب يطفأ بالماء (٢) . قال علي بن ثابت (٣) : العقل آفته الإعجاب والغضب ... والمال آفته التبذير والنهب وقال أبو العتاهية (٤) : ولم أر في الأعداء حين خبرتهم ... عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب الخلاصة: الصبر عامل قوي في نجاح المعلم. الغضب ثورة في النفس، واختلال في الموازين وضعف في التمييز، وعواقبه وخيمة. براعة المعلم تكمن في كيفية امتصاص غضبه عند حدوثه والسيطرة على أعصابه. التدرج، وطول المران يكسبان المعلم، قوة ومنعة. المبادرة بعلاج الغضب عند حدوثه، وأفضله على الإطلاق العلاج الرباني النبوي.

стр. 48

[١٠] تجنب الكلام الفاحش البذيء: الفحش في القول، والسباب، والسخرية من الآخرين، خصال ممقوتة، تلفظها النفوس، وتشمئز منها الطباع، وتنأى عنها النفوس الكريمة. والمعلم يفترض فيه أنه قدوة يقتفى أثره، ويسلك سبيله. فإن اتصف المعلم ببعض هذه الخصال فهي نقيصة وأي نقيصة، وإن اجتمعت في معلم فهي طامة كبرى، لأن الطالب يتأثر بمعلمه سلباً وايجاباً، فإذا كان هذا حال معلمه، فماذا نرجو من الطالب؟! . وفائدة القول أن اللعن، والفحش، والسخرية، تستلزم تنقيص الآخرين، وتقتل فيهم روحهم المعنوية، وتفسد عليهم فطرهم وألسنتهم، وتوغر صدور بعضهم على بعض. . إلى غير ذلك. هذا إلى جانب - وهو الأهم - أنها أمور مرفوضة شرعاً وصاحبها متوعد بالعقوبة. بيان ذلك: أ- السخرية:

стр. 49

١- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ بكل كلام، وقول وفعل دال على إعجاب الساخر بنفسه. وعسى أن يكون المسخور به خيراً من الساخر، وهو الغالب والوقع. فإن السخرية، لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساويء الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، متخل من كل خلق كريم ن ولهذا قال النبي ﷺ : «بحسب امرىء من الشر، أن يحقر أخاه المسلم» (٢) . ب - اللعن والسباب:

стр. 50

١- عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) وفي هذا الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق ... (٢) ٢- عن أنس بن مالك قال: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ماله ترب جبينه» (٣) . ٣- عن أبي الدرداء قال: قال النبي: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» (٤) وحسبك بهذا ففيه غنية عن كثير من الآثار التي وردت في هذا الباب، وفيه كفاية لمن أعطاه الله فهماً وعقلاً. ت - الفحش البذيء: ١- عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء» (٥) " (٦) . الخلاصة: هذه الخصال الذميمة، تتعدى آثارها إلى الغير، فتؤثر فيه. السخرية فيها تنقيص للمسخور به وإزدراء له، وهذا جالب للعداوة والبغضاء، فكيف إن كان هذا دأب المعلم؟ اللعن خلق ذميم وصاحبه متوعد بالعقوبة إن لم يتب. القول الفاحش ينبئ عن سوء الطوية وفساد النية.

стр. 51

[١١] استشارة المعلم لغيره: تواجه المعلم مسائل مشكلة، وقضايا معقدة، يحتار معها المعلم، ولا يجد لها حلاً أو مخرجاً. فقد يصعب على المعلم في بعض الأحيان فهم مسألة ما، أو قد يطرح عليه سؤال من أحد طلابه ولا يجد له حلاً أو تفسيراً. ومن جهة أخرى قد يجد المعلم نفسه أمام مشكلة عند أحد طلابه أو بعضهم وتحتاج من المعلم أن يفصل فيها، ويحل إشكالها. وهنا قد يسلك المعلم عدة مسالك فمنها: أن يجتهد في إيجاد حل لها، أو يعتذر عنها وهذا حسن بالنسبة إلى المعلم لأنه لم يخض فيها بغير علم وإن كان ذلك مشكلاً للطالب لأن مشكلته لم تحل بعد. ومنها أن يخوض فيها بغير علم فهذا مذموم وهو يفسد أكثر مما يصلح، ومنها أن يبحث عن حلها إما عن طريق المطالعة والبحث، وإما عن طريق طلب الاستشارة وهو مقصودنا. والاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها، وقيل من قولهم: شرت العسل إذا أخذته من موضعه. أهـ (١) .

стр. 52

قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) يقول ابن سعدي عند هذه الآية: أي في الأمور التي تحتاج إلى استشارة، ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية، ما لا يمكن حصره.. ومنها: أن في الاستشارة، تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ومنها ما تنتجه الاستشارة، من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله. وإن أخطأ، أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم. فإذا كان الله يقول لرسوله ﷺ وهو أكمل الناس عقلاً وأعزرهم علماً وأفضلهم رأياً - ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فكيف بغيره (٢) . عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال رسول الله ﷺ : «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن الله جعلها رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً» (٣) .

стр. 53

فأنت ترى في هذا الحديث، كيف كانت المشورة سبباً في القرب من إصابة الحق، ما في تركها من مقاربة الخطأ والوقوع فيه، فحري بكل معلم أن يسأل ويشاور من هو أعلم منه فيما أشكل عليه، ليحصل له بذلك مقاربة الصواب وإصابة الحق، وليبتعد عن الترفع، والأنفة، وتعاظم النفس من سؤال غيره وطلب رأيه ومشورته، فإن ذلك ترفع في غير محله، ولو كان ذلك محموداً لكان النبي ﷺ أولى الناس به! . فعليك أيها المعلم أن تسأل عما أشكل عليك فهمه، أو تعسر عليه حله، ولا تقل إن هذا تهوين من شأني، أو نقص من قدري. لا. بل هو دليل على كمال العقل ورجاحته. الخلاصة: المشورة معين للمعلم فيما يشكل عليه من المسائل والقضايا التي ترد عليه. طلب الإستشارة من الغير ليست دليلاً على نقص في المرتبة أو في العلم، بل هو دليل على رجاحة العقل ورزانته. في المشورة القرب من الحق، وفي تركها البعد عنه.

стр. 54

[١] غرس العقيدة الصحيحة وتقوية الإيمان خلال التعليم:

стр. 55

قليل من المعلمين الذين يتفطنون إلى هذه الطريقة، وهي تتلخص في ترسيخ العقيدة في نفوس الطلاب، عند تعليمهم مواد العلوم الطبيعية، والمواد (الجغرافية) والفلكية، ونحوها وقبل أن نورد خبر المعلم الأول ﷺ ، تعال لنتأمل ونتدبر كلام الله . قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) أي ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ لا نبات فيها ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أي المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ (٢) ثم: أنبتت من كل زوج بهيج فأحيا بها العباد والبلاد. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بعد موتها وهمودها ﴿لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ من قبورهم إلى يوم بعثهم، فنشورهم ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فكما لم تعجز قدرته عن إحياء الأرض بعد موتها، لا تعجز عن إحياء الموتى. أهـ (٣) . فيا ليت المعلمين يحسنون الربط بين الظواهر الطبيعية وبين أمور العقيدة (٤) كما جاء في الآية السابقة، حيث بين الله

стр. 56

سبحانه وتعالى حال الأرض الميتة التي لم تمطر، من الجفاف وموت النبات فيها، وأثر الماء عليها إذا جاءها وغمرها من ظهور الحياة عليها وتحرك النبات فيها، ثم بين الله سبحانه لعباده أن هذا الإحياء الذي يشاهده العباد له نظير يوم القيامة وهو إحياء الموتى، كما جاء في التفسير السابق قوله: فكما لم تعجز قدرته عن إحياء الأرض بعد موتها، لا تعجز عن إحياء الموتى. وفي هذا رد شاف على منكري البعث. ومثله لو أراد المعلم أن يتكلم عن الجبال فيحسن به أن يذكر فائدتها، والحكمة من إيجادها وهو تثبيت الأرض ومنعها من الاضطراب، ثم يذكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (٢) وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (٣) .

стр. 57

والقرآن الكريم مليء بذكر مثل ذلك وفيما ذكرنا غنية لمن عقل. ولعلنا نعرج على سنة المصطفى، لنرى كيف كان النبي يرسخ العقيدة عند صحبه رضوان الله عليهم. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا عدوى ولا صفر ولا هامة ". فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ : " فمن أعدى الأول» ؟ (١) . قال الحافظ ابن حجر قوله: (فيجربها) وهو بناء على ما كانوا يعتقدون من العدوى، أي يكون سبباً لوقوع الجرب بها، وهذا من أوهام الجهال، كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم فنفى الشارع ذلك وأبطله، فلما أورد الأعرابي الشبهة رد عليه ﷺ بقوله: «فمن أعدى الأول» ؟

стр. 58

وقال بعد قوله: «فمن أعدى الأول» ؟) وهو جواب في غاية البلاغة والرشاقة. وحاصله من أين جاء الجرب للذي أعدى بزعمهم؟ فإن أجيب من بغير آخر لزم التسلسل أو سبب آخر فليفصح به، فإن أجيب بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدعى، وهو أن الذي فعل بالجميع ذلك هو الخالق القادر على كل شيء وهو الله (١) . (٢) . الخلاصة: إن غرس العقيدة عن طريق عرض العلوم غير علوم الشريعة، وسيلة نافعة جداً في ربط المسلم بدينه في كل مجالات الحياة. إن هذه الطريقة، تؤدي إلى تقوية الإيمان لدى الطلاب عموماً، فتنشئ لنا جيلاً قوياً في معتقده، وثيق الصلة بربه.

стр. 59

[٢] إسداء النصيحة للمتعلم: يخطئ المعلم عندما يظن أن علاقته بالطالب، تقتصر على توصيل المعلومات فقط. والحقيقة أن هناك أمراً لا يقل أهمية عن التحصيل، ألا وهو النصح والتوجيه للطالب. فالمعلم موجه، ومربي، وناصح، وأب. ولو أننا قارنا بين عدد الساعات التي يعيشها الطالب مع معلمه وهي قد تصل إلى خمس أو ست ساعات يومياً، لوجدنا أنها أكثر من عدد الساعات التي يلتزمها مع والديه، وهو معلوم عند الكل. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المعلم يرى من الأحوال والتصرفات التي تصدر من الطالب قد تخفى - بل إنها تخفى فعلاً على والديه، ولذا كان حري بك أيها المعلم أن تبذل ما في وسعك، لإصلاح المعوج، وتقويم المائل، وتهذيب الأخلاق، وتصحيح الأفكار. . وجماع ذلك كله، بذل النصيحة. والنصيحة: هي كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له (١) . وبذل النصيحة مطلب شرعي، قبل أن يكون تعليمياً تربوياً. ١-عن تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢) .

стр. 60

يقول الحافظ ابن حجر: والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود بالنفع عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. (١) ولا شك أن الطلاب من عامة المسلمين. ٢- «وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» . (٢) ٣- وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣) والنقول في هذا الباب كثيرة وحسبنا بما ذكرنا.

стр. 61

يقول ابن رجب: ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم، إيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل، بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحبتة إزالة فسادهم.. (١) ثم إنه من المتعين على المعلم، أن يبذل نصيحته إلى طلابه سراً إن كانت خاصة بفرد معين، لأن ذلك أبلغ في قبول النصيحة، وأسرع للاستجابة، أما إن كانت علانية فهو توبيخ في قالب نصح! يقول ابن رجب: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سراً، حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس، فإنما وبخه. (٢) ومن النصح الذي يتعين على معلم بذله تجاه طلابه، هو تصحيح (كراس الواجبات المدرسية) (٣) بأمانة وإخلاص، ومراعاة الأخطاء النحوية والإملائية ونحوها. وباب النصح واسع ولكن يضبطه قول النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤) أيها المعلم: قدم إليك الأب ثمرة فؤاده، وفلذة كبده، فهي عندك أمانة. فماذا عملت فيها؟ هل رعيتها وأديت حق الأمانة؟ أم ماذا؟ الخلاصة:

стр. 62

النصح والتوجيه، لا يقل أهمية عن التعليم، فلتعط حظها من الاهتمام. النصيحة مطلب شرعي، قبل أن تكون مطلباً تربوياً تعليمياً. توجيه الطالب وجهة سليمة، وأمره بما يصلحه، وتقويمه إذا مال عن الطريق المستقيم.. وغير هذه الأمور، كلها من واجبات المعلم. تقديم النصيحة سراً سبب في القبول، وسرعة الاستجابة.

стр. 63

[٣] الرفق بالمتعلم وتعليمه بالأسلوب الحسن: لقد كان ﷺ أرفق الناس للناس، وكان ﷺ يراعي نفسياتهم وأحوالهم، كيف لا وهو الذي قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١) وقال ﵊: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» (٢) والرفق هو: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف (٣) . والنفس البشرية تميل إلى الرفق ولين الجانب وطيب الكلام وتأنس به، وتنفر من الجفوة والغلظة. ولذا كان حري بالمعلمين والمربين أن يعوا هذا الجانب ويطبقوه على تلاميذهم وطلابهم. والشدة على المتعلمين مضرة بهم (٤) وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة.. (٥) . ولقد ضرب الرسول ﷺ أروع الأمثلة وأعلاها في حسن تعليمه ورفقه بصحابته رضوان الله عليهم، فمنها:

стр. 64

«عن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. (١) فقال رسول الله ﷺ : " لا تزرموه (٢) ، دعوه " فتركوه حتى بال، ثم أن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن " أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: وأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء فسنه (٣) عليه» . رواه مسلم. وعند أحمد وابن ماجه زيادة وهي: قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: «فقام النبي ﷺ إلي بأبي هو وأمي فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب» . ففي هذا الحديث بيان لرفق النبي ﷺ بالأعرابي وحسن تعليمه له، وذلك لأن الأعرابي كان يجهل ذلك الحكم بطبيعة الحال ولهذا السبب لم يعنفه النبي ﷺ ولم يوبخه، بل دعاه وعلمه برفق الأمر الذي يجهله.

стр. 65

ولقد صور الأعرابي ذلك الموقف بعد أن فقه، بقوله: «بأبي هو وأمي فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب» . وفي هذا القول دليل على تأثر الأعرابي برفق النبي ﷺ به، وحسن تعليمه له. قال الحافظ ابن حجر بعد حديث أنس: وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عناداً، ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى استئلافه. وفيه رأفة النبي ﷺ وحسن خلقه. أهـ (١) .

стр. 66

«وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت وا ثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني (١) ، ولا ضربني، ولا شتمني (٢) قال: " إن هذه الصلاة، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن "، أو كما قال رسول الله.. (ثم قال معاوية في تمام الحديث) .. قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية (٣) فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله فعظم ذلك علي قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة» (٤) .

стр. 67

قال النووي في شرحه لهذا الحديث: فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم وفيه التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه واللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه. أهـ. ثم إنك لك أن تقارن بين الموقفين السابقين الذين وقعا لمعاوية بن الحكم ﵁، وكيف عامل الرسول ﷺ معاوية في كلا الموقفين. ففي الحادثة الأولي: لم يعنفه الرسول ﷺ ولم يوبخه. لأنه كان جاهلاً والدليل على ذلك، الحديث الذي أخرجه البخاري (١) وأبو داود من رواية عطاء بن يسار «عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لما قدمت على رسول الله، ﷺ علمت أموراً من أمور الإسلام، فكان فيما علمت أن قال لي: إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله. قال: فبينا أن قائم مع رسول الله في الصلاة» ،.. الحديث) وفي الحادثة الثانية: عامله الرسول ﷺ بنقيض ذلك، حيث أنكر ذلك الفعل على معاوية ويؤخذ هذا من قوله: «فعظم ذلك علي» .

стр. 68

وإنكار الرسول ﷺ هذا الفعل من معاوية وهو ضرب الجارية، يحتمل وجهان وقد يحتمل أكثر من ذلك: الأول: وهو أن معاوية لم يعد جاهلاً حيث أمضى فترة في الإسلام وعلم شرائعه وآدابه. الثاني: وهو أن هذا الصنيع من معاوية ليس من الأمور التي تجهل عادة، فالرفق والإحسان إلى الناس من الأمور المركوزة في الفطر وليست من باب العلم المكتسب. والله أعلم. الخلاصة: الرفق بالطالب يتأكد عندما يكون جاهلاً. تقدير الخطأ الذي يقع من الطالب، وهل هو من الخطأ الذي يعذر بجهله، أم لا. وذلك يرجع إلى تقدير المعلم. معالجة الخطأ الذي يقع من الطالب الجاهل كما حدث ذلك في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث نهى النبي ﷺ صحابته أن يقطعوا عليه بوله لئلا يتضرر، ثم أمر رجلاً من أصحابه أن يزيل أثر النجاسة بالماء، ثم دعا الأعرابي وأخبره بخطئه، ثم دعاه الرسول ﷺ وعلمه ما الذي ينبغي عليه فعله وتركه في الصلاة.

стр. 69

أما الخطأ الذي لا يعذر بجهله، فعلى المربي أو المعلم أن ينكر ذلك الخطأ أو الفعل الذي بدر من الطالب، كما جاء في قول الصحابي «فعظم ذلك علي» ، ثم إن على المربي بعد ذلك أن يسعى في إصلاح ذلك الخطأ ومساعدة الطالب في إصلاح خطئه، وذلك يتجلى في إقرار الرسول ﷺ لمعاوية عندما أراد أن يعتق الجارية، حيث قال له: «أعتقها فإنها مؤمنة» .

стр. 70

[٤] عدم التصريح بالأسماء أثناء التوبيخ غالباً ما يكون التوبيخ له أثر في نفس الموبخ، ويعظم هذا الأثر إن كان التوبيخ بحضور جماعة من الناس، فإنه حينئذ يتضاعف. والنبي ﷺ كانت له طريقة فريدة من نوعها في معالجة الأخطاء الظاهرة التي تحدث من صحابته، إذ إن الغاية من تشهيره ﵊ بالخطأ ليس التشفي من المخطئ، بل هو تحذير من الوقوع في الخطأ، وذم للخطأ نفسه. وقصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة الرسول ﷺ مشهورة: ١-عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه (١) فقال: " مابال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام.وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) .

стр. 71

تأمل قوله ﷺ : «ما بال أقوام» ، فهو لم يصرح بأسمائهم وإن كان بعض الصحابة يعرفونهم ومع ذلك فالنبي ﷺ لم يصرح بأسمائهم لأن الغرض - كما قلنا سابقاً - ليس هو التشهير بالمخطئ أو بصاحب الفعل المذموم، وإنما هو بيان ذلك الفعل المذموم أو القول المذموم والتحذير منه. قال النووي عند قوله: (أن النبي ﷺ حمد لله تعالى وأثنى عليه فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» هو موافق للمعروف من خطبه ﷺ في مثل هذا أنه إذا كره شيئاً فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله، وهذا من عظيم خلقه ﷺ فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه على الملأ (١) . وإليك قصة أخرى يرويها أبو حميد الساعدي:

стр. 72

٢- قال: «استعمل النبي ﷺ رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي: فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا» ؟ .. " الحديث (١) . وفي هذه الواقعة، قوله ﷺ : «ما بال العامل نبعثه» ، حيث لم يفصح الرسول ﷺ عن اسمه مع أن كثيراً من الصحابة يعلمون هذا الذي عناه الرسول ﷺ بقوله: «ما بال العامل نبعثه» ، ولكن لما كان القصد هو التحذير من الفعل المذموم وبيان ضرره وسوء عاقبته حتى لا يقع في الآخرون، شهر بالفعل دون الفاعل، إذ ليس هناك مصلحة ترجى من ذكر اسم الفاعل. وحول هذا الحديث وهذا المعنى يشير ابن حجر بقوله: وفيه أن من رأى متأولاً أخطأ في تأويل يضر من أخذ به أن يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به (٢)

стр. 73

والمعلمون كذلك يجب أن تكون طريقتهم في علاج الأخطاء التي تقع من الطلاب، عن طريق التشهير بالخطأ وذمه وبيان سوء عاقبته، والتحذير منه، مع عدم التصريح باسم المخطئ خصوصاً إذا كان الخطأ عن غير تعمد من الطالب نفسه، لكي لا يستغلها ضعاف النفوس في تحقيره ورميه بالنقائص، ولكي لا يوجد حالة من الكراهية والبغضاء بين المعلم والطالب، أما إن كان المخطئ متعمداً عالماً فهذه حالة يقدرها المعلم، هل يشهر به أمام الآخرين لردعه عما هو فيه - مع ملاحظة تجرد النفس من قصد التشفي والانتصار لها -؟ أم يستعمل أساليب أخرى لعلاج هذه الحالة؟ وهذه كما قلت سابقاً، راجعة إلى تقدير المعلم. وعموماً فإن طريقة التعريض بالخطأ دون التصريح باسم صاحبه مهمة ليست بيسيرة، إذ فيها تكمن براعة المعلم في علاج الخطأ دون التعرض لكرامة الطالب (١) . وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح. وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار. أهـ. الخلاصة:

стр. 74

ليس القصد من إعلان الخطأ التشهير بالمخطىء، بل هو تحذير وبيان لسوء الفعل أو القول، لكي لا يغتر به. عدم التصريح بالاسم أثناء بيان الخطأ، وإن كان المخطئ معلوماً عند البعض. إذا كان المخطئ عامداً عالماً، فللمعلم أن يجتهد في إيجاد السبيل الأقوم في معالجة وتأديب المخطئ. براعة المعلم تكمن في كيفية علاج الخطأ، دون التصريح باسم المخطئ. .

стр. 75

[٥] إلقاء السلام على المتعلم قبل الدرس وبعده يغفل كثير من المعلمين عن سنة عظيمة من سنن المصطفى ﷺ ، وهي سنة السلام، وقد ورد في فضلها آثار كثيرة. والعجب أن يعدل المعلمون عن السلام المشروع وهو سنة إلى غيرها من التحيات، ولا بأس أن يصبح بالخير، أو يمسي بالخير ولكن يكون ذلك بعد السلام، أما أن تكون هذه التحيات ونحوها هي المعتمد في كل حال فلا. ثم إنه قد يحدث من بعض المعلمين أمراً مخالفاً للشرع وهو جعل الطلاب يقومون له عند مجيئه لهم. (١) (وقد وقع فيه كثير من المعلمين - سامحهم الله - تأثراً بالعادات والتقاليد، وهو تمثل الطلبة قياماً لمعلمهم زاعمين أن هذا من الأدب المطلوب، وأنه رمز لتوقير المعلم وتبجيله، وقد أخطأوا، فلا يسمى خلاف الشرع أدباً إلا في قاموس المعرضين عن شرع الله، ذلك أن: ١- أنس بن مالك ﵁ قال: «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك» . (٢) ٢- وقال الرسول ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار» (٣) أهـ.
следующие страницы →