تأمل قوله ﷺ : «ما بال أقوام» ، فهو لم يصرح بأسمائهم وإن كان بعض الصحابة يعرفونهم ومع ذلك فالنبي ﷺ لم يصرح بأسمائهم لأن الغرض - كما قلنا سابقاً - ليس هو التشهير بالمخطئ أو بصاحب الفعل المذموم، وإنما هو بيان ذلك الفعل المذموم أو القول المذموم والتحذير منه. قال النووي عند قوله: (أن النبي ﷺ حمد لله تعالى وأثنى عليه فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» هو موافق للمعروف من خطبه ﷺ في مثل هذا أنه إذا كره شيئاً فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله، وهذا من عظيم خلقه ﷺ فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه على الملأ (١) . وإليك قصة أخرى يرويها أبو حميد الساعدي:
стр. 72
٢- قال: «استعمل النبي ﷺ رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي: فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا» ؟ .. " الحديث (١) .
وفي هذه الواقعة، قوله ﷺ : «ما بال العامل نبعثه» ، حيث لم يفصح الرسول ﷺ عن اسمه مع أن كثيراً من الصحابة يعلمون هذا الذي عناه الرسول ﷺ بقوله: «ما بال العامل نبعثه» ، ولكن لما كان القصد هو التحذير من الفعل المذموم وبيان ضرره وسوء عاقبته حتى لا يقع في الآخرون، شهر بالفعل دون الفاعل، إذ ليس هناك مصلحة ترجى من ذكر اسم الفاعل. وحول هذا الحديث وهذا المعنى يشير ابن حجر بقوله: وفيه أن من رأى متأولاً أخطأ في تأويل يضر من أخذ به أن يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به (٢)
стр. 73
والمعلمون كذلك يجب أن تكون طريقتهم في علاج الأخطاء التي تقع من الطلاب، عن طريق التشهير بالخطأ وذمه وبيان سوء عاقبته، والتحذير منه، مع عدم التصريح باسم المخطئ خصوصاً إذا كان الخطأ عن غير تعمد من الطالب نفسه، لكي لا يستغلها ضعاف النفوس في تحقيره ورميه بالنقائص، ولكي لا يوجد حالة من الكراهية والبغضاء بين المعلم والطالب، أما إن كان المخطئ متعمداً عالماً فهذه حالة يقدرها المعلم، هل يشهر به أمام الآخرين لردعه عما هو فيه - مع ملاحظة تجرد النفس من قصد التشفي والانتصار لها -؟ أم يستعمل أساليب أخرى لعلاج هذه الحالة؟ وهذه كما قلت سابقاً، راجعة إلى تقدير المعلم. وعموماً فإن طريقة التعريض بالخطأ دون التصريح باسم صاحبه مهمة ليست بيسيرة، إذ فيها تكمن براعة المعلم في علاج الخطأ دون التعرض لكرامة الطالب (١) . وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح. وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار. أهـ.
الخلاصة:
стр. 74
ليس القصد من إعلان الخطأ التشهير بالمخطىء، بل هو تحذير وبيان لسوء الفعل أو القول، لكي لا يغتر به.
عدم التصريح بالاسم أثناء بيان الخطأ، وإن كان المخطئ معلوماً عند البعض.
إذا كان المخطئ عامداً عالماً، فللمعلم أن يجتهد في إيجاد السبيل الأقوم في معالجة وتأديب المخطئ.
براعة المعلم تكمن في كيفية علاج الخطأ، دون التصريح باسم المخطئ. .
стр. 75
[٥] إلقاء السلام على المتعلم قبل الدرس وبعده
يغفل كثير من المعلمين عن سنة عظيمة من سنن المصطفى ﷺ ، وهي سنة السلام، وقد ورد في فضلها آثار كثيرة. والعجب أن يعدل المعلمون عن السلام المشروع وهو سنة إلى غيرها من التحيات، ولا بأس أن يصبح بالخير، أو يمسي بالخير ولكن يكون ذلك بعد السلام، أما أن تكون هذه التحيات ونحوها هي المعتمد في كل حال فلا. ثم إنه قد يحدث من بعض المعلمين أمراً مخالفاً للشرع وهو جعل الطلاب يقومون له عند مجيئه لهم. (١) (وقد وقع فيه كثير من المعلمين - سامحهم الله - تأثراً بالعادات والتقاليد، وهو تمثل الطلبة قياماً لمعلمهم زاعمين أن هذا من الأدب المطلوب، وأنه رمز لتوقير المعلم وتبجيله، وقد أخطأوا، فلا يسمى خلاف الشرع أدباً إلا في قاموس المعرضين عن شرع الله، ذلك أن:
١- أنس بن مالك ﵁ قال: «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك» . (٢)
٢- وقال الرسول ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار» (٣) أهـ.
стр. 76
وبذل السلام أجر وغنيمة يستفيد منه المسلم في تكثير حسناته، ولذا رغب النبي ﷺ صحابته إلى ذلك وحثهم عليه:
٣- قال ﵊: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة، أو جدار، أو حجر ثم لقيه، فليسلم عليه» (١) .
وإلقاء السلام سبب في إشاعة المحبة بين الأفراد والجماعات، والمعلم يحتاج إلى ذلك من باب أولى.
٤- قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢) .
والمحبة إذا شاعت بين المعلم وطلابه، كان ذلك علامة على قبول العلم الذي يبثه ذلك المعلم، لأن النفس بطبعها تميل إلى الشيء الذي تحبه وتهواه، وهذا شيء متعارف عليه.
بقي ثمة أمر آخر لا يخطر ببال الكثيرين، وهو أن يسلم المعلم على طلابه، عند إرادة الانصراف من الدرس:
٥- قال النبي ﷺ : «إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (٣)
الخلاصة:
البدء بالسلام عند لقاء الطالب.
стр. 77
السلام سبب في جلب المغفرة، وتكثير الحسنات.
السلام سبب في إشاعة المحبة بين المعلم وطلابه.
إلقاء السلام عد الدخول على الطلاب، وعند الانصراف.
стр. 78
[٦] استخدام العقوبات أثناء التعليم
يتفق المعلمون في وجوب معاقبة المخطئ وردعه عند تكرار خطئه، ولكنهم يختلفون في مسألة العقاب البدني للتلميذ، فالمانعون يقولون: إن هذا الأسلوب غير مجد، ويؤدي إلى حدوث أمراض نفسية لدى الطالب، وتجعل الطالب يتخوف من العلم لأدنى سبب، وكذلك هذا الأسلوب يدعو الطالب إلى الكذب للفرار من عقاب المعلم، قالوا: ولذا نرى عدم السماح للمعلم بمعاقبته بدنياً مطلقاً.
والفريق الآخر المؤيدون يقولون: إن إلغاء العقاب البدني بتاتاً له عواقب وخيمة، منها أن الطالب لا يأبه للمعلم، ولا يضع له اعتباراً، وبالتالي لن يلقي اهتماماً للعلم أي (للمادة الدراسية) ، وعملية إلغاء العقاب البدني ينشئ لنا جيلاً مستهتراً بالقيم والمثل والعلم.
стр. 79
والتحقيق أن يقال: أنه لا بد من التفصيل في هذه المسألة، وأن نتناولها من جوانب عدة. أولاً: إلغاء الضرب بالكلية مرفوض، وإطلاق العنان للمعلم بالضرب في كل الأحوال مرفوض أيضاً، ومستندنا في جواز الضرب هو قول النبي: «مروا الصبي بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (١) . قال العلقمي: إنما أمر بالضرب لعشر لأنه حد يتحمل فيه الضرب غالباً، والمراد بالضرب ضرباً غير مبرح وأن يتقي الوجه في الضرب. انتهى (٢) . فهذا الحديث صريح في جواز ضرب من بلغ عشر سنين تأديباً له. ثانياً: الضرب للتأديب فقط: وليس للانتقام والتشفي، ولذلك يخطئ بعض المعلمين عندما يضرب أحد طلابه ضرباً شديداً مبرحاً لخطأ وقع فيه، فيظن المعلم أنه يؤدبه، وفي الحقيقة أنه ينتصر لنفسه! يقول محمد جميل زينو: (٣) ولقد رأيت بعض المعلمين يرفسون بأرجلهم ونعالهم، وربما أصاب ذلك الرفس محلاً خطيراً أودى بحياة الطالب. اهـ. وهل هذا إلا بدافع الغضب والانتصار للنفس وحظوظها. ثالثاً: اتقاء ضرب الوجه: قال الرسول ﷺ : «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه» (٤) وذلك لأن الوجه هو أشرف الأعضاء في جسم
стр. 80
الإنسان، وهو مكان التكريم، فالضرب على الوجه يبعث على الكراهية وحب الانتقام. رابعاً: هناك عقوبات أخرى تسبق الضرب: أورد الشيخ محمد جميل زينو (١) بعض العقوبات التربوية المفيدة نأخذ منها على سبيل الاختصار:
النصح والإرشاد (لأن البعض تؤثر فيه الكلمة والتوجيه) .
التعبيس (أي تعبيس الوجه وتقطيب الحاجبين للتعبير عن الاستياء) .
الزجر
الإعراض (الإعراض عن طلابه أو عن أحدهم حتى يرجع عن خطئه) .
التوبيخ.
جلوس القرفصاء (أو إيقاف الطالب مع رفع يديه ونحو ذلك) .
(تكليف الطالب بواجبات منزلية ونحو ذلك)
تعليق العصي:.. لحديث «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه آدب لهم» (٢)
(المرحلة الأخيرة) الضرب الخفيف.
وبعد فإن على المعلم أن يتدرج في استعمال العقوبات، ولا يلجأ للضرب لأول زلة يقع فيها الطالب، بل عليه أن يستعمل الحكمة في استخدام الأسلوب الأمثل لمعالجة الخطأ كما بيناه سابقاً. ثم إن لم يجد بداً من الضرب، فليضرب ولكن بالشروط السالفة الذكر. ولا عبرة بقول، ولا حجة لمن أنكر الضرب مطلقاً.
الخلاصة:
التدرج في معاقبة المخطئ، وعدم اللجوء إلى الضرب إلا في الحالات القصوى.
стр. 81
عدم القسوة في الضرب، واتقاء الوجه.
القصد من الضرب هو التأديب، وليس لإطفاء نار الغضب.
стр. 82
[٧] تقديم المكافآت للمتعلم
المكافآت بأنواعها لها فعل عجيب في أسر القلوب، وتجديد النشاط، وكسر طوق الخمول، وباعث على الاستزادة من العلم، إلى غير ذلك من الآثار التي تحدثها المكافآت وعلى المعلم أن يوجد هذا الأسلوب كلما وجد فتوراً بين طلابه، أو رأى مصلحة في تقديمها. وتختلف المكافآت اختلافاً متبايناً، ولكنها تشترك في الأثر الذي تحدثه مع اختلاف في مقدار هذا الأثر. وإليك بعضاً منها:
(أ) المكافآت المادية: وهي أقوى المكافآت والحوافز تأثيراً على المتعلم وإثارةً له، لأن فيها معنى زائداً على حيازة المكافأة المادية، وهو التفوق على الأقران، ورضى المعلم عنه، وحصوله على الثناء الحسن من قبل معلميه. ولقد فعل ذلك رسول الله ﷺ .
١- فعن عبد الله بن الحارث قال: «كان رسول الله ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله وكثيراً من بني العباس ثم يقول: " من سبق إلي فله كذا وكذا " قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم» . (١)
стр. 83
(ب) المكافأة بالدعاء: وهو الدعاء للطالب بالبركة والخير والتوفيق ونحوه. وهذا الأسلوب عزيز ونادر وجوده بين المعلمين، ولا أدري أهو رغبة عنه أم جهل به؟ . فإن كان رغبة عنه فلقد فعله خير البشر ﷺ وإن كان جهلاً به فهاك علمه:
١- «عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوءاً. قال: من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: " اللهم فقهه في الدين» (١) . قال الحافظ ابن حجر: قال التيمي: فيه استحباب المكافأة بالدعاء. وقال ابن المنير: مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أولا يفعل شيئاً، فرأى الثاني أوفق، لأن في الأول تعرضاً للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، فعله يدل على ذكائه، فناسب أن يدعى له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع. (٢)
стр. 84
(ت) المكافأة بالثناء الحسن (المدح) : وهو قولك للطالب أحسنت، ممتاز، ونحوه.. وهذا الأسلوب يزرع في المتعلم الثقة بعلمه، ويحث غيره لنيل هذا الاستحسان من المعلم، ويبعث في الطالب الشعور بالارتياح لما يبذله من جهد في التعلم ومثاله:
١- «عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " يا أبا المنذر! أتدري آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: " والله! ليهنك العلم أبا المنذر» (١) قال النووي: فيه منقبة عظيمة لأبي، ودليل على كثرة علمه، وفيه تبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف عليه إعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى (٢) . قلت ومن المصلحة ما تقدم آنفاً.
стр. 85
٢- عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو بالبطحاء. فقال أحججت؟ . قلت نعم. قال: بما أهللت. قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ . قال: أحسنت.. الحديث. (١)
يقول محمد بن جميل زينو: (٢) على المعلم الناجح أن يثني على الطالب إذا رأى منه أي بادرة حسنة في سلوكه، أو في اجتهاده، فيقول للطالب الذي أحسن الجواب: أحسنت، بارك الله فيك، أو نعم الطالب فلان، فمثل هذه الكلمات اللطيفة تشجع الطالب وتقوي روحه المعنوية، وتترك في نفسه أحسن الأثر، مما يجعله يحب معلمه ومدرسته ويتفتح ذهنه للتدريس، ويكون في نفس الوقت مشجعاً لرفاقه أن يقتدوا به في أدبه وسلوكه واجتهاده لينالوا الثناء والتشجيع من معلمهم.. أهـ (٣)
الخلاصة:
المكافآت لها أثر فعال في دفع المتعلمين وتحفيزهم على طلب العلم.
يجب أن تكون الحوافز والمكافآت وسيلة لا غاية.
المكافأة بالدعاء أمر محمود، وكلما كان الدعاء مناسباً للفعل كان أفضل.
مكافأة الطالب بالثناء عليه، أسلوب حسن، ودافع جيد للاستزادة من العلم.
стр. 86
[١] تهيئة المتعلم لاستقبال العلم
لا يختلف اثنان أن إعراض الطالب وانشغاله عن معلمه لأي سبب كان، صارف له عن تلقي العلم، وسبب يمنعه من فهم كلام معلمه. وإقبال الطالب بكليته على معلمه عامل هام في تحصيل العلم وفهمه على طريق صحيح. ولذا يستحب للمعلم أن يلفت أنظار طلابه إليه بين الفينة والفينة، وله - أي المعلم - أن يستخدم أساليب عدة وطرائق متنوعة في جذب طلابه إليه، نقتصر على ثلاث منها تاركين لك البحث عن غيرها:
أ - أسلوب الاستنصات: وهو طلب السكوت والاستماع من المتعلمين، وهذا أسلوب مباشر يستخدم غالباً قبل البدء في إلقاء الدرس، وعند تعذر الأساليب الأخرى غير المباشرة. يوضح ذلك حديث جرير بن عبد الله البجلي:
стр. 87
«إن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس (١) فقال: " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (٢) يقول الحافظ ابن حجر: وذلك أن الخطبة المذكورة كانت في حجة الوداع والجمع كثير جداً، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحج ... فلما خطبهم ليعلمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات (٣) . ولو أعدت النظر في الحديث وفي كلام الحافظ لتبين لك الحاجة التي دعت النبي ﷺ لأن يطلب من الصحابي أن يستنصت الناس، ففي الحج يكثر الناس ويكونون منهمكين في أداء مناسكهم ولذا كان من المتعذر أن يخطب النبي ﷺ ويعلمهم أمور دينهم وهم على هذه الحال، فناسب أن يأمر جرير بن عبد الله البجلي ﵁ باستنصات الناس.
ب - أسلوب النداء (طريقة مباشرة) : وهذه الطريقة تستخدم في نداء المتعلمين قبل بدء الدرس، وقد تستخدم في أثنائه، وهذا الأسلوب يكثر استعماله من قبل المعلمين. ومثاله:
стр. 88
١- عن ابن عباس ﵄ قال: «صعد النبي ﷺ المنبر وكان آخر مجلس جلسه متعطفاً ملحفة على منكبيه قد عصب رأسه بعصابة دسمة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إلي. فثابوا إليه. ثم قال: أما بعد فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس. فمن ولي شيئاً من أمة محمد ﷺ فاستطاع أن يضر فيه أحداً فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم» . (١) ونلحظ في هذا الحديث قوله ﷺ «أيها الناس إلي» وهو نداء منه ﷺ وأمره لهم بالاجتماع والإنصات لما سيلقي عليهم. وقوله: «فثابوا إليه» أي اجتمعوا. و (ثاب) الناس (أي) اجتمعوا وجاءوا (٢) .
ت - أسلوب الحث على الاستماع والإنصات (طريقة غير مباشرة) :
وهذا أسلوب جميل في جذب النفوس وحثها على الاستماع لأن النفس البشرية في الغالب تنفر من العبارات التي تكون على هيئة الأمر والإلزام، ولذا كان من المناسب أن يعمد المعلم إلى طرق غير مباشرة في جذب واستدعاء الحواس، لكي يحصل التلقي بنفس طيبة. وقد ضرب لنا المعلم الأول ﷺ أروع الأمثلة في بيان هذه الطريقة:
стр. 89
١- عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً. (١) البكر بالبكر. جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم» (٢)
ولك أن تتأمل قوله: «خذوا عني، خذوا عني» وما فيه من عنصر الجذب، وشحذ النفس، وترغيبها في الاستماع إلى هذا الشيء المراد بثه وإرساله. وأيضاً فيه ميزة أخرى وهو التكرار - وسوف يأتي بيانه.
الخلاصة:
تهيئة الطالب لاستقبال المعلومات، قد تكون بأسلوب مباشر وقد تكون غير مباشرة.
طريقة طلب السكوت من الطلاب من أقوى الوسائل في جذب الانتباه.
للمعلم أن يستخدم أسلوب النداء المباشر، كقولك (يا طلاب انتبهوا) أو (يا طالب انتبه) ونحو ذلك.
أسلوب النداء المباشر قد يكون في بداية الدرس، وقد يكون في أثنائه.
الطريقة غير المباشرة تحتاج إلى براعة من المعلم، وهي قد تكون في بداية الدرس وفي أثنائه.
стр. 90
أولاً: الاتصال السمعي: منها:
أ- طريقة الكلام (السرد - الشرح) :
عن عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه» (١) قولها: «ما كان رسول الله ﷺ يسرد» ..) بضم الراء من السرد وهو الإتيان بالكلام على الولاء والاستعجال فيه.. والمعنى لم يكن رسول الله ﷺ يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض لئلا يلتبس على المستمع.. وقوله: (فصل) أي بين ظاهر يكون بين أجزائه فصل. (٢)
إن عرض المادة العلمية بسرعة يسبب إرباكاً لدى الطالب، ويشتت ذهنه، ويحرمه الانتفاع بكثير من الفوائد والمسائل التي قد تمر سريعاً ولا يتصيدها الذهن، وهذه الطريقة يقع فيها كثير من المعلمين، ولذا وجب التنبيه لها. وعكس ذلك البطء الشديد الممل، الذي يبعث على الاسترخاء والنوم، ويولد الضجر والسآمة لدى الطالب.
والطريق الأمثل، هو الفصل بين الكلمات، حيث يفصل بين الكلمة وأختها فلا تتداخل الكلمات والحروف لكي لا تشكل وتصعب على الطالب، وكذلك التوسط في السرد فلا هو بالسريع المفرط ولا البطيء المخل.
стр. 91
ب- عدم التشدق في الكلام وتكلف السجع:
التشدق: هو التوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل المتشدق المتكلف في الكلام فيلوي به شدقيه، والشدق جانب الفم (١) . وتكلف الكلام، والإتيان بغرائبه، والمبالغة في إخراج حروفه، أمر مذموم شرعاً، ومرفوض عقلاً، لأن من كانت هذه صفته لا بد وأن يرى في نفسه التعاظم على الغير وازدراء الآخرين لكونهم أقل منه بلاغة وفصاحة. ولعل حديث جابر ﵁، وحديث عبد الله بن عمرو يغنيان عن كثير من الكلام في هذا الباب:
١- عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً. وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون " قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: (المتكبرون» (٢)
стр. 92
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها» . / (١) يقول الغزالي في الإحياء: التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة. وكل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت.. ثم بعد أن ساق أخباراً عن النبي ﷺ قال: بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده: ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك من تصنع مذموم. ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب (٢) .
قلت: هذا إذا كان المتكلم ممن يحسن التحدث بالعربية ولكن بلينا بقوم فرطوا في لغتهم، فادخلوا عليها ما ليس فيها كقول بعضهم (أوكي / ok) ، و (يس / yes) ونحو ذلك، فلا لغتهم نصروا، ولا لغة عدوهم دفعوا! .
ت - رفع الصوت (أو تغيير نبرات الصوت) بالتعليم:
стр. 93
١- «عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) مرتين أو ثلاثاً» (١) هذا الحديث بوب عليه البخاري في صحيحة بقوله: باب من رفع صوته بالعلم. قال الحافظ: واستدل المصنف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله: «فنادى بأعلى صوته» وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك، ويلحق بذلك ما إذا كانت موعظة كما ثبت ذلك في حديث جابر «كان النبي ﷺ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته» .. الحديث) أخرجه مسلم. (٢)
يستفاد مما سبق من رفع الصوت أثناء التعليم، في بيان المسائل المهمة جداً التي تستلزم جذب انتباه السامعين، لكي تطرد الغفلة والشرود عن أذهانهم وتهيئتهم لما سيلقى إليهم، وكذلك يستفاد من رفع الصوت في الإنكار كما جاء في الحديث المتقدم، وقد يستفاد من رفع الصوت قليلاً أثناء الشرح، إذا أراد المعلم أن ينبه فرداً أو أفراداً معينين من الطلاب، ولم يرد أن يقطع حديثه.
ث - استمرار المعلم في الإلقاء وعدم قطعه:
стр. 94
يلجأ بعض الطلاب إلى أيقاف شرح المعلم لتوضيح نقطة غامضة، أو إعادة لشرح مضى، وقد يستجيب المعلم لهذا الطلب وقد لا يستجيب، وفي استجابة المعلم عدة محاذير. أولاً: تقديم رغبة طالب واحد أو اثنين على حساب مجموعة كبيرة وهي الأغلبية. ثانياً: قطع الحديث بعضه عن بعض وكان حقه أن يكون متصلاً. ثالثاً:التشويش على أذهان الطلاب بهذا القطع الطارئ. رابعاً: التشويش على المعلم نفسه وقطع تسلسل أفكاره. ومستندناً في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قال:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال ها أنا يا رسول الله. قال: " فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» (١) .
تأمل هذا الحديث يتضح لك ما قلناه آنفاً، وفيه زيادة أن الرسول ﷺ أجاب على سؤال السائل بعد فراغه من حديثه، ونستنبط من هذا عدم قطع الحديث المتصل (٢) ، وإجابة السائل بعد الفراغ من الحديث المتصل.
стр. 95
ج- السكوت أثناء الإلقاء (الشرح)
للسكوت أثناء شرح المعلم فوائد يحسن بنا الوقوف عندها قليلاً فمنها: أنها تجذب انتباه الطلاب، فكون المعلم يتكلم في موضوع معين ثم يسكت فجأة فإن هذا وبلا شك يستلزم انتباهاً من المستمع، ومنها: أنها تسمح بتراد نفس المعلم وأخذ قسط قليل من الراحة ومنها: أنها تعطي المعلم فرصة لترتيب أفكاره وهي عملية ذهنية لا تستغرق سوى ثوان معدودة. ولعل الحديث الآتي يقرب ما قلناه آنفاً:
«عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أي شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد وأحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» .. الحديث " (١)
стр. 96
فأنت ترى أثر هذا السكوت على الصحابة، وكيف جذب حواسهم وانتباههم، ولك أيها المعلم أن تستخدم هذه الطريقة أثناء شرحك، بعد كل نقطة رئيسة للفصل بين النقاط، وللتهيؤ لشرح النقطة التي تليها.
стр. 97
ثانياً: الاتصال البصري: منه:
أ - إدامة الاتصال النظري بين المعلم والمتعلم:
стр. 98
إن المحافظة على الاتصال النظري بين المعلم وتلميذه، مفيد جداً للمعلم وللمتعلم. فالمعلم يبقي طلابه تحت سيطرته من خلال متابعته لهم بنظره، ومن ثم يلاحظ الغافل فينبهه، والناعس فيوقظه، والمتلاعب فيزجره.. إلخ. ولذا كان حري بالمعلم أن يوزع نظره على عموم طلابه حتى يعتقد كل طالب أنه المعني بالكلام، ولا يغفل عن طلابه أثناء الشرح، فإن بعض المعلمين يصوب بصره على جهة معينة أثناء تدريسه، وهذا خطأ يؤدي إلى فقدانه السيطرة على طلابه، ومن ثم يعطي الطالب الفرصة بالتشاغل عن الاستماع والإنصات للدرس. ويستحب أن يكون مكان المعلم مرتفعاً ولو قليلاً عن طلابه لتحصل المتابعة الجيدة من قبله، ولكي يتسنى لكل طالب متابعة معلمه دون عناء أو مضايقة ممن حوله. وأما المتعلم فمن خلال رؤيته المستمرة وإدامته لنظره لمعلمه، يحصل له فهم أقوى لما يطرح ويقال في الدرس، لأن اشتراك حاستين وهما السمع والبصر أقوى في التلقي من الاقتصار على واحدة. ولنا أن نلمس السبب من جعل المنبر عالياً. ولقد كان منبرة ﷺ بارتفاع ثلاث درجات وهي كافية جداً في تبادل النظر بين الخطيب والمصلين.. يوضح ذلك:
стр. 99
١- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يافلان؟ قال: لا. قال قم فاركع» (١)
٢- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله» (٢) والجلوس حول الخطيب يقتضي النظر إليه، وكذا الجلوس حول المعلم يقتضي النظر إليه. وهذا الحديث أورده البخاري في صحيحه وعقد عليه باباً بقوله: باب (يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب) قال الحافظ ابن حجر معلقاً: ومن حكمة استقبالهم للإمام التهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه كان أدعى لتفهم موعظته ومافقته فيما شرع له القيام لأجله. (٣)
ب - استخدام تعابير الوجه:
стр. 100
يغفل كثير من المعلمين عن توظيف هذه الطريقة في التعليم، بل إنك لا تكاد تجد من يعمل بها، إما لجهله بها أو لغفلته عنها. وهذه الطريقة تغني المعلم عن الإنكار باللسان، أو ترديد عبارات الرضا والارتياح تجاه عمل معين أو قول معين، وهذه الطريقة نافعة جداً مع فئة معينة من الناس، فإن هناك من تؤثر فيه النظرة الحادة، وهي كافية في زجرة وردعه، وهناك من تؤثر فيه الابتسامة والبشاشة أكثر مما لو قلت له: أحسنت أو هذا جيد هكذا دون مشاركة تعابير الوجه التي تدل على الارتياح والرضا. وهناك من لا يؤثر فيه ذلك كله، فيعامل كل بحسبه. ونبينا ﷺ كان يعرض الغضب في وجهه.
١- «قالت عائشة ﵂ دخل علي رسول الله ﷺ وفي البيت قرام فيه صور. فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه. وقالت قال النبي ﷺ : " من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورن هذه الصور» (١)
стр. 101
٢- «ويروي أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكها بيده فقال: " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه " ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض فقال: " أو يفعل هكذا» (١) وفي قوله: «حتى رؤي في وجهه» يقول الحافظ: (٢) أي شوهد في وجهه أثر المشقة، وللنسائي «فغضب حتى احمر وجهه» وللمصنف.. «فتغيظ على أهل المسجد» أهـ. فهذه الألفاظ كلها تدل على أن هذا الغضب أحدث عند الصحابة علماً جازماً بأن هذا الفعل الذي غضب منه الرسول ﷺ منكراً، ولو سكت النبي ﷺ ولم يزد على ذلك، لكان كافياً في الإنكار والردع، ولكنه ﵊ بين سبب الغضب لأنه في مقام التبليغ والتعليم.. والله أعلم.
أما التبسم:
٣- فيقول جرير بن عبد الله البجلي: «ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٣) ولا يخفى أثر ذلك الابتسام على جرير بن عبد الله ﵁ وأرضاه.
الخلاصة:
стр. 102
مراعاة القصد في الكلام - أثناء الشرح - والترسل فيه، والتوسط، لا سريع مفرط، ولا بطيء مخل
الغاية من التوسط في الكلام وعد السرد السريع، هو ضمان وصول المعلومات إلى ذهن الطالب بعيداً عن الإثارة والتشويش.
تكلف الكلام خصلة ذميمة شرعاً وحساً وعقلاً.
تكلف الكلام والإتيان بغرائبه، يوجب النفرة بين المعلم والمتعلم.
رفع الصوت أثناء التعليم، وسيلة جيدة في جذب انتباه السامعين وفي الإنكار.
قطع الشرح يسبب إرباكاً للطلاب، ويفسد على المعلم تسلسل أفكاره ورط بعضها ببعض.
على المعلم أن يطلب من طلابه أن يؤخروا أسئلتهم إلى أن يفرغ من الشرح.
السكوت أثناء الشرح له فوائد منها: جذب انتباه الطلاب، وتراد نفس المعلم، وترتيب الأفكار.
تبادل النظر بين المعلم والمتعلم، عامل هام في سيطرة المعلم على طلابه، وفي فهم المتعلم لما يلقى إليه من مسائل وعلوم.
توظيف تعابير الوجه في التعليم، يساعد المعلم في تحقيق أغراضه.
مراعاة اختلاف الطلاب، ومقدار تأثرهم بهذه الانفعالات، فإن بعضهم لا تجدي معه مثل هذه التعابير الظاهرة.
стр. 103
[٣] الأسلوب العملي في التعليم
لا شك أن عرض المادة وتقديمها عن طريق الإلقاء، وسيلة جيدة في التحصيل والتعلم، ولكن هذه الوسيلة تبلغ ذروتها إذا أنضاف إليها وسيلة أخرى، وهي الأسلوب العملي، فإذا اشترك الأسلوب النظري مع الأسلوب العملي في آن واحد أثناء التعليم، كان ذلك عاملاً قوياً في ترسيخ المعلومات في ذهن الطالب، ومثبت لها من النسيان. والأسلوب العملي قد يكون من جهة المعلم، وقد يكون من جهة المتعلم، أي أن الفعل قد يكون من المعلم، وقد يكون من المتعلم، وإليك بسطاً لكل منهما:
أ - الأسلوب العملي من قبل المعلم:
١- حديث «سهل بن سعد (وفيه صلاة النبي ﷺ على المنبر) قال:.. (ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس: إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (١)
стр. 104
٢- عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه " ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض فقال: (أو يفعل هكذا» (١) قال الحافظ عند قوله: «ثم أخذ طرف ردائه» .. الخ) فيه البيان بالفعل ليكون أوقع في نفس السامع. (٢)
стр. 105
٣- ومثله الحديث الذي رواه البخاري، وفيه أن عثمان بن عفان ﵁ توضأ ثم قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) قال ابن حجر: وفي الحديث التعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم (٢) ومثله قوله ﵊ في الحج «خذوا عني مناسككم» والأمثلة كثيرة في هذا الباب، وفيما سبق غنية عن الإطالة. فعلى المعلم أن يعتني بهذا الأسلوب فإنه ناجع ومفيد. وزيادة على ما مضى فإن هذا الأسلوب يختصر المسافة على المعلم في ضرب الأمثلة، ويوفر الوقت والجهد، فبدلاً من أن يحفظهم صفة الوضوء - مثلاً - ويستهلك وقتاً طويلاً في تعليمهم، يكفيه أن يحض الماء ويطبقه عملياً أمامهم ثم يجعلهم يفعلون ذلك عملياً بتطبيق ما شاهدوه من معلمهم على أنفسهم. وكذلك الأمر في تعليم الصلاة ونحوها.
وعلى المعلم أن يتذكر أن استخدام الأسلوب العملي في التعليم لا يتأتى لكل مادة علمية، ولكن عليه أن يبذل جهده في استخدام هذا الأسلوب أثناء أداءه لمهمته التعليمية، فإنه مجرب ومفيد في حفظ المعلومات واستدامتها في الذهن.
стр. 106
ب - الأسلوب العملي من قبل المتعلم:
стр. 107
١- عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فرد النبي ﷺ ﵇ قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى. ثم جاء إلى النبي فسلم عليه. فقال رسول الله ﷺ (وعليك السلام) ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل) حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق! ما أحسن غير هذا. علمني. قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر. ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن. ثم اركع حتى تطمئن راكعاً. ثم ارفع حتى تعتدل قائماً. ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً. ثم ارفع حتى تطمئن جالساً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١) فهذا الحديث فيه تعليم الرسول ﷺ ، لذلك الذي أساء في صلاته ولم يحسن فيها، بأسلوب عملي يجعل المتعلم يكتشف الخطأ الذي وقع فيه بنفسه، وذلك يتبين من رد النبي ﷺ ، لذلك المصلي ثلاث مرات، لعله يكتشف سبب أمر النبي ﷺ له بإعادة الصلاة. يقول القاضي عياض: فإن قيل لم سكت النبي ﷺ عن تعليمه أولاً حتى افتقر الى
стр. 108
المراجعة كرة بعد أخرى، قلنا لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغتراً بما عنده سكت عن تعليمه زجراً له وإرشاداً إلى أنه ينبغي له أن يستكشف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال.. وقال ابن دقيق العيد: لا شك في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجود المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم الخوف (١) وقال النووي: وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة (٢) .
٢- عن أنس بن مالك، «أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن وقت صلاة الفجر، فقال: صلها معنا غداً، فصلاها النبي ﷺ بغلس، فلما كان اليوم الثاني أخر حتى أسفر، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا نبي الله فقال النبي ﷺ : أليس قد حضرتها معنا أمس واليوم؟ قال: بلى. قال: فما بينهما وقت» . (٣) قال ابن عبد البر (٤) . وقد يكون البيان بالفعل أثبت أحياناً فيما فيه عمل من القول، وقد قال ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» . (٥)
الخلاصة:
стр. 109
الجمع بين الأسلوب النظري والأسلوب العملي في التعليم، من الوسائل النافعة في التربية والتعليم.
هذه الطريقة تختصر الطريق على المعلم، وتوفر الوقت والجهد.
إشراك الطلاب في التطبيق العملي، لكي تتم الفائدة.
على المعلم أن يجعل طلابه يكتشفون الخطأ بأنفسهم، كأن يعيد المعلم كراسة الواجبات إلى الطالب بدون تصحيح لكي يعيد النظر فيها ويكتشف الخطأ بنفسه.
ممارسة الشيء وتطبيقه، عامل قوي في حفظ المعلومة وصيانتها عن النسيان.
стр. 110
[٤] عرض المادة العلمية بأسلوب يناسب عقل الطالب وفهمه