قال القاسمي في تفسير آية الإسراء: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية ٢٦) أي: بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم أو مكروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه إحسانًا إلى نفسك أو غيرك. قال: وفي الكشاف: كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٧) أي: أمثالهم في كفران نعمة المال بصرفه فيما لا ينبغي، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان.
وقال: قال أبو السعود: وتخصيص هذا الوصف بالذكر من بين سائر أوصافه القبيحة، للإيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله - تعالى - إلى غير مصرفها، من باب الكفران المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له، والتعرض لوصف الربوبية للإشعار بكمال عتوه، فإن كفر نعمة الرب، مع كون الربوبية من أقوى الدواعي إلى شكرها، غاية الكفران، ونهاية الضلال والطغيان.
وقال: وقد استدل بالآية مع منع إعطاء المال كله في سبيل الخير، ومن منع الصدقة بكل ماله (١) .
стр. 317
وقال الطبري مبينًا مدلول آية الأنعام، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) قال: بعد أن ذكر أقوال العلماء: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله - تعالى - نهى بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حده في الزيادة، وإما بتقصير عن حده الواجب (١) كان معلومًا أن المفرق ماله مباراةً، والباذلَه للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له.
وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة، إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها.
وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه.
كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم. (٢) .
стр. 318
وبهذا يتضح لنا أن البخل والإِسراف ضدان قد نهى الله عنهما، وحرمهما على عباده، كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وإذا كانت الآيات السابقة، بينّت كل واحدة منها أحد طرفي الانحراف وحذّرت منه، فإنها تدل بمفهومها على أن طريق الوسط، هو طريق الاستقامة، وبخاصة إذا نظرنا إلى مجموع الآيات السابقة التي تدل على أن الإِسراف والبخل لا يمثلان المنهج الصحيح.
ومع ذلك فقد جاءت آيات تدلّ صراحة على انحراف كل من الطرفين المذكورين، وينصّ بعضها على طريق الوسط، وأنه المنهج الحق الذي يجب الالتزام به والسير فيه.
قال - تعالى - في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء:٢٩) .
стр. 319
قال ابن كثير في الآية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (الفرقان: من الآية ٦٧) أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل عدلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا.
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: من الآية ٦٧) كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) (١) .
وقال الطبري في آية الإسراء: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) .
стр. 320
وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئًا، إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها. ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) يقول: ولا تبسطها بالعطية كل البسط، فتبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئًا تعطيه سائلك. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلوم نفسك على الإسراع في مالك وذهابه (١) .
ومما يدل على الوسطية في النفقة قوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: من الآية ٧) . وهذا من الوسطية النسبية التي يراعى فيها حال المنفق، وما جرت العادة به ونحو ذلك.
стр. 321
قال القرطبي: فتقدّر النفقة بحسب الحالة من المنفِق، والحاجة من المنفَق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفَق عليه، ثم ينظر إلى حالة المنفَق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، وإن اقتصرت حالته على حالة المنفق عليه ردّها إلى قدر احتماله (١) .
من خلال ما سبق ظهر لنا منهج الوسطية واضحًا جليًّا في الجمع والكسب، وإنفاق المال.
ودلتّ الآيات السابقة على النهي على الإِفراط والتفريط، ووجوب الالتزام بالمنهج الوسط، وجماع ذلك قول الله العظيم، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧) . ومن أصدق من الله قيلا.
ومما سبق في تقرير وسطية الإسلام في جمع المال وكسبه وإنفاقه يتّضح انحراف كل من المنهج الرأسمالي والمنهج الاشتراكي (٢) .
فالنظام الرأسمالي يقوم على حرية الفرد في عمل ما يروق له من الأعمال التجارية.
فهي تعني حرية الاستثمار، وحرية الفرد في التملك، الحرية المطلقة، فهو حرّ في البحث عن الربح بشتى الوسائل والطرق.
стр. 322
والملكية الفردية مقدّسة، لا تمسّ، ولا يحدّها ضابط أو قيد، حتى لو أدّت هذه الملكية لاحتكار المالك للسلعة.
إن هذه الحرية بل هذه الفوضوية المطلقة - كان لها نتائج عكسية على المجتمع، حيث أوقدت نار الاحتكار والأنانية الفردية.
وبالتالي تحوّلت الحياة الاقتصادية إلى شريعة غاب، يأكل فيها القوي الضعيف.
وأدّى هذا إلى تكدس رءوس الأموال في يد طبقة معينة من أصحاب رءوس الأموال، ويقابلهم طبقة العمال الذين لا حول لهم ولا قوّة.
ويقابل المنهج الرأسمالي المنهج الاشتراكي، حيث قام على فكرة وفلسفة انتقال السيطرة على المال من أيدي أصحاب رءوس الأموال إلى أيدي الطبقة العاملة. حيث قامت على أسس من أبرزها:
١- إلغاء الملكية الفردية، وتأميم الممتلكات التجارية والصناعية، بدعوى مصلحة الجميع، والأفراد يؤدون أعمالا للدولة نظير أجور متساوية.
٢- توزيع السلع والمنتوجات الاستهلاكية كل وفق حاجته.
فالاقتصاد الاشتراكي يعتمد على - دعوى - تغليب مصلحة المجتمع، ويجعل الدولة مالكة لكل شيء، وموجهة للاقتصاد، فلا يكاد يوجه للأفراد حقوق تذكر، من التملك والتنقل أو اختيار العمل، فأفقر الغني ولم يُغن الفقير.
стр. 323
وبهذا فإن في هذين النظامين يتمثل الإفراط والتفريط في أبشع صورة.
أمّا الإِسلام - فكما سبق بيان منهج القرآن في ذلك - يختلف عن هذين النظامين اختلافًا جذريًّا.
فهو آخذ بمصلحة الفرد ومصلحةَ المجتمع في وقت واحد، فهو يحترم الملكية الفردية ويقرّها، لأنها توافق الفطرة الإنسانية، ولكنه لا يقرّها مطلقة من كل قيودها، بل جعل لها ضوابط وقيود تحول دون الاعتداء على مصلحة المجتمع، وكذلك يحترم مصلحة المجتمع دون التعدي على مصلحة الفرد.
ففيه الإِرث والوصية والزكاة والصدقة وغير ذلك من وجوه الإنفاقُ المشروعة.
كما حرّم الاحتكار والرّبا والغشّ وغيرها من وجوه الاكتساب المحرّمة (١) .
وبهذا تحقّقت الوسطيَّة في أبهى صورها، الوسطية التي توافق الفطرة وتنميها: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: من الآية ٣٠) .
стр. 324
مطالب النفس وشهواتها
قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤) .
قال سيد قطب: صياغة الفعل للمجهول - هنا - تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمّن هذا الميل، فهو محبّب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإِنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية، كي تتأصل وتنمو وتطرد (١) .
стр. 325
وقال رشيد رضا بعد أن بين اختلاف المفسرين في إسناد التزيين في هذا المقام، فأسنده بعضهم إلى الله، وأسنده بعضهم إلى الشيطان. قال: وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر، وبيان حقيقة الأمر في نفسه، لا في جزئياته، وأفراد وقائعه، فالمراد أن الله - تعالى - أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه، ومثل هذا لا يجوز إسناده إلى الشيطان بحال، وإنّما يسند إليه ما قد يعدّ هو من أسبابه، كالوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحًا، ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال - تعالى -: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية ٤٨) وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية ٤٣) .
وأمّا الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلاّ إلى الخالق الحكيم، الذي لا شريك له، قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف:٧) (١) .
وبعد أن تقّررت هذه الحقيقة: وهي أن الميل إلى شهوات الدنيا أمر فطري مركوز في خلق الإنسان، فإن الناس أمام هذه الحقيقة طرفان ووسط.
стр. 326
فهناك من وقف أمام هذا الميل موقفًا مغاليًا، فحرّم على نفسه الطيبات وغيرها، ومنعها من الملاذّ، وما فُطرت عليه من الزواج والمال وأطايب الملابس والمآكل، وهؤلاء يمثلهم رهبان النصارى وغلاة الصوفية، وابتدع النصارى رهبانية قاسية على النفس، تحرم الزواج، وتكبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الرزق، وتراها رجسًا من عمل الشيطان، وأصبح هذا النزوع مذهبًا رائجًا (١) .
فهؤلاء رأوا الجسد سجنًا للروح، يحول بينها وبين أشواقها العالية، وشفافيتها السامية، فاخترعوا الرياضيات الروحية الشاقة، التي تقوم على إرهاق الجسد وتعذيبه، وتحوّله إلى شبح هزيل، يسكن المغاور والمقابر والكهوف، وينفر من كل الصلات الإِنسانية (٢) .
وهؤلاء أفرطوا وغلوا، وخرجوا عن سواء السبيل.
والطرف المقابل لهؤلاء، هم الذين انساقوا وراء شهوات أنفسهم، واعتبروا الحياة الدنيا هي الغاية والنهاية، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: من الآية ٢٤) .
فأغرقوا في الشهوات، وعبدوا أنفسهم للماديات، ولم يعرفوا لهم هدفًا ساميًا يسعون إليه، غير منافع الدنيا العاجلة، ولذائذها الفانية.
стр. 327
وأصبحوا كالأنعام، بل هم أضلّ سبيلا.
وهذا المنهج سقطت فيه الكثير من الأيديولوجيات، وتبعه ملايين البشر، الذين ارتموا في أحضان النفعية الغربية المادية، أو سقطوا في مخالب المادية الماركسية، التي تعيث في الأرض فسادًا من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
وهؤلاء فرّطوا وضيّعوا، وضلّوا عن سواء السبيل.
وبين هؤلاء وأولئك جاء القرآن بالمنهج العدل الوسط، فاعترف بحاجة الإِنسان إلى تلبية فطرته، وتحقيق بعض رغباته، دون حجر أو كبت.
ولكنه لم يترك له الحبل على غاربه، بل وضع الضوابط والحدود، وبينّ أنّ له مهمة سامية يسعى إليها أشرف من الدنيا وما فيها.
ونبينّ الآن ما جاء في القرآن تجاه كل طرف، ثم تقريره للمنهج الوسط.
أمّا الطرف الأول وهم الذين غلوا وأفرطوا، فقد جاءت بعض الآيات التي تردّ هذا المنهج وتبين انحرافه، فقال - سبحانه -: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:٣٢) .
يقول - تعالى - ردًّا على من حرّم شيئًا من المآكل والمشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يُحّرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٢) أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار (١) .
وقال الطبري في قوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٣) .
يقول الله - تعالى - ذكره لنبيه محمد، ﷺ قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه، أيّها القوم إن الله لم يحرّم ما تحرمونه، بل أحّل ذلك لعباده المؤمنين وطيّبه لهم، وإنّما حرم ربيّ القبائح من الأشياء، وهي الفواحش، ما ظهر منها فكان علانية، وما بطن منها فكان سرًّا في خفاء.
стр. 330
ثم فسرّ - قوله تعالى - في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٣) فقال: يقول وأن تقولوا: إن الله أمركم بالتعري والتجرد للطواف بالبيت، وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيبتموها، وجعلتموها وصائل وحوامي، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرمه، أو أمر به أو أباحه، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحظره والأمر به.
فإن ذلك - أي هذا القول - هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلًا منكم بحقيقة ما تقولون، وتضيفونه إلى الله (١) .
وقال رشيد رضا مفسرًا قوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٢) .
стр. 331
حرمت العرب في جاهليتها زينة اللباس في الطواف تعبدًا وقربة، وحرم بعضهم أكل بعض الطيبات من الأدهان وغيرها في حال الإحرام بالحج كذلك، وحرّموا من الحرث والأنعام ما بيّنه - تعالى - في سورة الأنعام، وحرّم غيرهم من الوثنيين وأهل الكتاب كثيرًا من الطيبات والزينة كذلك، فجاء دين الفطرة الجامع بين مصالح البشر في معاشهم ومعادهم، المطهر المربي لأرواحهم وأجسادهم، ينكر هذا التحكم والظلم للنفس، فالاستفهام في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٢) إنكاري، يدل على أن هذا التحريم من وساوس الشيطان، لا مما أوحاه - تعالى - إلى من سبق من المرسلين (١) .
وبهذا يتّضح انحراف هذا المنهج وبعده عن الصّراط المستقيم.
ومثلما جاءت الآيات مبينة حكم الله في هذا الطرف، جاءت كذلك تبين انحراف الطرف المقابل وميله عن الحق، وهم الذين تركوا العنان لأنفسهم تعبث كيفما تشاء، وترتع كالأنعام فيما اشتهت وهوت، دون حسيب أو رقيب أو ضابط.
قال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم:٥٩) .
стр. 332
وقال - جلّ وعلا -: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٢٧) .
وقال عزّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: من الآية ١٢) .
وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:٣) .
وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف:٢٠) .
وقال - سبحانه -: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة: من الآية ٢٠٠) .
فهذه الآيات وأمثالها تدّل على ضلال هؤلاء وانحرافهم، حيث فرّطوا بركونهم إلى الحياة الدنيا وشهواتها، وتفصيلا لهذا الانحراف أذكر بعض أقوال المفسرين حول معنى هذه الآيات.
стр. 333
قال الطبري في قوله - تعالى -: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: من الآية ٢٧) يقول: يريد الذين يطلبون لذّات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها، أن تميلوا عن أمر الله ﵎ فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرّم عليكم، وركوبكم معاصيه ميلا عظيمًا، جورًا وعدولا عنه شديدًا.
ثم قال بعد أن ذكر أقوال العلماء في المراد بالذين يتبعون الشهوات: فأولى المعاني بالآية ما دلّ عليه ظاهرها دون باطنها الذين لا شاهد عليه من أصل أو قياس.
وإذا كان ذلك كذلك كان داخلا في الذين يتّبعون الشهوات: اليهود والنصارى والزّناة، وكل متبع باطلا، لأن كل متبع ما نهاه الله عنه فمتبع شهوة نفسه (١) .
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ (محمد: من الآية ١٢) . قال: أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام خضمًا وقضمًا، وليس لهم همة إلا ذلك، ولذلك ثبت في الصحيح: «المؤمن يأكل في معي واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (٢) .
стр. 334
وقال القرطبي في قوله - تعالى -: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الأحقاف: من الآية ٢٠) . أي: تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات، يعني المعاصي.
وقيل: أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي.
قال ابن بحر: الطيبات: الشباب والقوة، مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه، أي: شبابه وقوّته.
قال القرطبي: قلت: القول الأول أظهر، ثم ساق الأدلة على صحة هذا القول، وذلك بتفسير عمر ﵁ للآية وغيره من السلف (١) .
وقال القرطبي - أيضًا - في قوله - تعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (مريم: من الآية ٥٩) عن علي، ﵁ هو من بني المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور.
قلت - أي القرطبي -: الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان، يشتهيه ويلائمه ولا يتقيه، وفي الصحيح: «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات» (٢) .
وما ذكر عن علي ﵁ جزء من هذا (٣) .
стр. 335
وأختم أقوال المفسرين بما قاله سيد في تفسير قوله - تعالى -: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الأحقاف: من الآية ٢٠) قد كانوا يملكون الطيبات إذن، ولكنهم استنفذوها في الحياة الدنيا، فلم يدّخروا للآخرة منها شيئًا، واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للآخرة حسابًا.
استمتعوا بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة بالمتاع، غير ناظرين فيها للآخرة، ولا شاكرين لله نعمته، ولا متورعين فيها عن فاحش أو حرام، ومن ثمّ كانت لهم دنيا ولم تكن لهم آخرة (١) .
وهذه الآيات وكلام المفسرين حولها بيّنت أنّ التفريط مذموم، وعاقبته وخيمة، وأنّه مجافاة للطريق السوي، والصراط المستقيم.
وننتهي بعد ذلك إلى نتيجة محدّدة لا لبس فيها ولا غموض، وهي أن تحريم الطيبات وما أحلّ الله لعباده غلو وإفراط، ومثل ذلك - في الذّم - اتباع الشهوات وعدم منع النفس مما تشتهي حلالا كان أو حرامًا، فهذا تفريط. والطريق العدل والمنهج الوسط ما بين ذلك، وهو ما تحدّده وتُبيّنه الآيات التالية:
стр. 336
قال - تعالى -: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:٣١) . فهذه من أوضح الآيات دلالة على المراد، حيث حددت معالم هذا المنهج، فلباس الزينة مشروع، ومثل ذلك الأكل والشرب مما أباح الله، ولو كان فيه زيادة على الحاجة والضرورة، ولكن المنهي عنه أن يكون هناك إسراف وتبذير، سواء كان الإسراف في النوع أو الكم أو العادة.
وما أجمل ما قاله القرطبي في هذا الباب، حيث قال: والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا، ولا يتكلّف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي، ﷺ يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمد أصلا، ولا يجعله ديدنًا، ومعيشة النبي، ﷺ معلومة، وطريقة الصحابة منقولة (١) .
стр. 337
وقال الطبري في هذه الآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) من الكساء واللباس، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) من طيبات ما رزقتكم وحللته لكم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) من حلال الأشربة، ولا تُحرّموا إلا ما حرّمت عليكم في كتابي، أو على لسان رسولي محمد، ﷺ .
ثم قال: عن ابن عباس قال: أحلّ الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة.
وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) .
قال: في الطعام والشراب.
وقال السدي: لا تسرفوا في التحريم.
وقال ابن زيد: لا تأكلوا حرامًا، ذلك الإسراف.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) يقول: إن الله لا يحب المتعدين حدّه، في حلال أو حرام، الغالين فيما أحلّ الله أو حرّم بإحلال الحرام، وبتحريم الحلال، ولكنه يجب أن يُحلّل ما أحلّ ويحرّم ما حرّم، وذلك العدل الذي أمر به (١) .
стр. 338
وقال ابن كثير: قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: من الآية ٣١) وقال البخاري قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة (١) .
ومن الأدلة على الوسطية والاعتدال في مطالب النفس قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:١٦٨) . فقوله: ﴿كُلُوا﴾ (البقرة: من الآية ١٦٨) إباحة لما قد يتوهّم من التحريم جهلا أو غلوًّا. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: من الآية ١٦٨) نهى عن الحرام، والإسراف حرام، فهو منهي عنه.
قال الطبري في الآية: يا أيها الناس كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد، ﷺ فطيبته لكم، مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل، وما أشبه ذلك، مما لم أحرّمه عليكم، دون ما حرّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته؛ من ميتة ودم ولحم خنزير، وما أُهل به لغيري. ودعوا خطوات الشيطان الذي يوبقكم فيهلككم ويوردكم موارد العطب.
стр. 339
ثم قال بعد أن بيّن أقوال العلماء في المراد بخطوات الشيطان: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض، غير أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بيّنت من أنها بُعد ما بين قدميه، ثم تستعمل في جميع آثاره وطرقه على ما قد بيّنت (١) .
ومن الأدلة قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (البقرة:٢٠١، ٢٠٢) .
قال ابن كثير في هذه الآية:
جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شرّ، فإن كل الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هيّن، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا.
وأمّا الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة (٢) وتوابعه، من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.
стр. 340
وأمّا النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (١) .
ومن الأدلة التي تصلح في هذا المقام قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (المؤمنون:٥-٧) .
قال ابن كثير في تفسيره للآية: أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنهم من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحلّه الله فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: من الآية ٦) (٢) .
ووجه الاستدلال من هذه الآية على منهج الوسطيَّة أنه أباح لهم بعض مطالب أنفسهم كالزواج والتسري، وهذا هو الطريق المشروع لإشباع هذه الغريزة، ولكنه - أيضًا - حرّم التعدي والإسراف والإفراط والتفريط، وذلك بإتيان ما حرم الله من الزنا واللواط، بل والاستمناء على القول الراجح من أقوال العلماء (٣) .
стр. 341
وأختم الكلام في هذا المبحث بما قاله سيد قطب أثناء تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤) حيث قال:
في الآية واحدة يجمع السياق القرآني أحبّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام، وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤) فهي شهوات مستحبة مستلذة، وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها، إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى.
стр. 342
وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشريّة، وقبوله بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها، إننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من الصراع بين شطري النفس البشرية، بين نوازع الشهوة واللذة، وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال (١) .
هذه هي الوسطية التي رسمها القرآن الكريم فيما يتعلق بمطالب النفس وشهواتها.
وهو بهذا يمثل الواقعية والحكمة، ويوازن بين نوازع النفس البشرية وحقائق العبودية وتكاليفها.
стр. 343
عاشرًا: شواهد أخرى
وبعد أن ذكرت الآيات التي جاءت تقرّر منهج الوسطيَّة في إطار الأبواب الماضية، فإن هناك آيات أخرى ليست داخلة في أي باب من الأبواب السابقة دخولا مباشرًا. وهي تدلّ دلالة واضحة على هذا المنهج وتؤكده (١) .
ولذلك سأذكر بعض هذه الآيات دون استطراد في التفسير أو التعليق، وإنما سأكتفي بذكر الآية مع الإشارة إلى وجه الدلالة، وذكر قول لأحد المفسرين أو قولين، بما يؤدي الغرض ويحققه.
١- قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية ٩) .
قال ابن كثير: يمدح الله - تعالى - كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد، ﷺ وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل (٢) .
وقال القرطبي: ومعنى ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية ٩) أي الطريقة التي هي أسدّ وأعدل وأصوب (٣) .
وبهذا التفسير فإن الوسطيَّة داخلة في هذه الهداية من باب أولى، لأنها متضمنّة للعدل والاستقامة.
стр. 344
٢- قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ (المعارج:١٩- ٢٢) .
قال القرطبي: الهلع في اللغة: أشد الحرص، وأسوأ الجزع وأفحشه.
والمعنى: أنه لا يصبر على خير ولا شرّ حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي.
والمنوع: هو الذي أصاب المال منع منه حق الله - تعالى -.
وقال أبو عبيدة: الهلوع: هو الذي إذا مسّه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضرّ لم يصبر (١) .
٣- قال - تعالى -: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (عبس:٥-١٠) .
قال ابن كثير مبينًا دلالتها على الوسطية:
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ (عبس:٥،٦) أي: أمّا الغني فأنت تعرض له لعله يهتدي، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ (عبس:٧) أي: بمطالب منه إذا لم يحصل له زكاة - وهي الهداية -.
стр. 345
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ (عبس:٨، ٩) أي: يقصدك ويؤمك، ليهتدي بما تقول له، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (عبس:١٠) أي: تتشاغل.
ومن هنا أمر الله تعالى رسوله، ﷺ ألا يخصّ بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (١) .
٤- قال - تعالى -: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي﴾ ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي﴾ (الفجر:١٥،١٦) .
وهذا الأمر فيه إفراط وتفريط، قال ابن كثير مبينًا ذلك، وموضحًا طريق الاستقامة في ذلك.
стр. 346
يقول - تعالى - منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسّع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال -تعالى-: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون:٥٥، ٥٦) .
وكذلك في الجانب الآخر، إذا ابتلاه وامتحنه وضيّق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له.
(كَلَّا) أي ليس الأمر كما زعم، لا في هذا، ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحبّ ومن لا يحبّ، ويضيق على من يحب ومن لا يحبّ، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر (١) .
٥- قال - تعالى - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: من الآية ٦) .
والموقف من الخبر إذا جاء من الفاسق إمّا قبوله مطلقًا، وهذا إفراط، أو ردّه مطلقًا، وهذا تفريط، فقد يصدق خبره، وإما التثبت والتبين، وهذا هو الوسط وهو المشروع.
стр. 347
قال القرطبي: في الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبيت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعًا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها، وقد استثنى الإجماع من ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير (١) .
وقال ابن كثير: يأمر - تعالى - بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبًا أو مخطئًا (٢) .
٦- قال - تعالى -: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (لقمان: ١٤، ١٥) والأمر يدورعلى ثلاثة أوجه:
إما الطاعة وحسن الصحبة والإحسان، وإما البراء منهما مطلقًا فلا طاعة ولا صحبة ولا إحسان، وإما التوسط، وهو عدم الطاعة في معصية الله، مع الإحسان إليهما، وحسن الصحبة، وهذا هو الوسط وهو المشروع.
стр. 348
وقريب من هذا المعنى ما جاء في سورة الممتحنة، قال - سبحانه -: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: ٨: ٩) .
والدلالة في الآية واضحة جلية.
٧- ومشاقة الله ورسوله خروج عن منهج الوسطيَّة، ولذلك جاء ذمها في القرآن في أكثر من موضع، قال - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:١٣) . وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر:٤) .
стр. 349
قال سيد قطب في تفسيره للآية الثانية: والمشاقة أن يأخذوا لهم شقًّا غير شق الله، وجانبًا غير جانبه، وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله، ﷺ حين وصف علّة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية، فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده، فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها.
ثم ليقف المشاقّون في ناحية أمام الله - سبحانه - وهو موقف فيه تبجّح قبيح، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يُشاقّونه (١) .
٨- قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى:٢٧) .
قال الطبري: ولو بسط الله الرزق لعباده، فوسّعه وكثّره عندهم لبغوا، فتجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم إلى غير ذلك الذي حدّه لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزّل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه (٢) .
وقال ابن كثير: أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان، من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا.
وقال قتادة: كان يقال: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك (٣) .
стр. 350
ودلالة هذه الآية: أن وسطيَّة الرزق تؤدي إلى وسطية العمل والعبادة، والإفراط يؤدي إلى الإفراط والتفريط، فأصبحت وسطيَّة الرزق مانعة من الطغيان والبغي.
٩- ومما يُدلّ على ذمّ الإِفراط والتفريط قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم:٣٦) . ومثل هذا المعنى قوله - تعالى - عن المنافقين.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (التوبة:٥٨) ثم يبين لهم المنهج الحق الذي يجب أن يسلكوه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (التوبة:٥٩) .
قال القاسمي في الآية الأولى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ (الروم: من الآية ٣٦) أي: نعمة من صحة وسعة ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ (الروم: من الآية ٣٦) أي: بطرًا وفخرًا، لا حمدًا وشكرًا.
стр. 351
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ (الروم: من الآية ٣٦) أي: شدّة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (الروم: من الآية ٣٦) أي: من المعاصي والآثام: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: من الآية ٣٦) أي: ييأسون من روح الله.
قال: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفقّه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (هود: من الآية ١٠) أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره.
وإذا أصابته شدّة قنط وأيس أن يحصل بعد ذلك خير بالكلية، ثم بين المنهج الوسط.
قال الله - تعالى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (هود: من الآية ١١) أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرّخاء، كما ثبت في الصحيح: «عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» (١) .
стр. 352
وأشير إلى الآية التي وردت قبل هذه الآية، وهي تدل على فساد مسلك من خرج عن منهج الاستقامة، وانحراف يُمنة ويُسرة، قال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (الروم:٣٣) .
١٠- وانظر نتيجة الخروج عن منهج الوسطية والاعتدال وشكر النعمة فيما قصه الله علينا في هذه الآيات: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (سبأ:١٨، ١٩) .
стр. 353
قال ابن كثير: وذلك أنهم بطروا هذه النعمة، وأحبّوا مفاوز ومهامة يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تُنبت الأرض، من بقلها وقثّائها وفُومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد، في منّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب، وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) .
وقال ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (القصص: من الآية ٥٨) .
وانظر ماذا كانت النتيجة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (سبأ: من الآية ١٩) قال ابن كثير: أي جعلناهم حديثًا للناس. وسمرًا يتحدثون به من خيرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرّق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر (١) .
стр. 354
أمّا بنو إسرائيل فكان أمرهم كما أخبر الله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) .
١١- الطغيان خروج عن الاستقامة، بل هو مضاد لها ومباين، ولذلك جاءت الآيات تذمّ الطغاة وتنهى عن الطغيان، وتأمر بالاستقامة:
قال - تعالى - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ (هود: من الآية ١١٢) .
وقال عن فرعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (طه:٤٣) . وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٣٧-٣٩) .
وقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (الشورى: من الآية ١٥) .
وقال: ﴿لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (الجن:١٦) .
ومن ترك الطغيان واستقام فقد التزم منهج الوسط والاعتدال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) .
стр. 355
وإلى هنا نصل إلى نهاية بيان القرآن لمنهج الوسطيَّة، وتقريره لذلك والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.