ومن الآيات التي جاءت تنهي عن بعض الأخلاق الممقوتة، قوله - تعالى -: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:١٩) .
ونهى الله - سبحانه - عن كتمان الشهادة لما لها من آثار في إضاعة الحقوق وسوء المعاملة بين الناس، فقال - جل وعلا -: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٣) .
ومن سوء أخلاق بني إسرائيل ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: من الآية ٥٥) .
قال عبد الرحمن بن سعدي:
وهذه غاية الجرأة على الله وعلى رسوله (١) .
وقال ابن عاشور:
تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفا طبع (٢) .
стр. 282
ونقض العهد والميثاق خلق فاسد ومعاملة ممقوتة (١) ولذلك جاء ذم الناكثين العهود الخائنين للمواثيق والعقود، قال - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد:٢٥) . وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (المائدة: من الآية ١٣) .
وفي مقابل الكبر نجد الذل والضعف والخور، وبخاصة أمام أعداء الله، فإنه خلق لا يرضاه الله - جل وعلا -، فلذلك قال - سبحانه -: واصفًا المؤمنين بما هم عليه من خلق رفيع: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: من الآية ٥٤) .
ومن هنا، ودلالة على أن الذل مسبة وعار، وليس خلقًا رفيعًا وسيرة محمودة، بين الله أنه جعله عقوبة لمن عصاه، وتكبر على رسله وهداه، فقال - سبحانه -: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٦١) .
стр. 283
وقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: من الآية ١١٢) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٢) .
قال سيد قطب مبينًا أثر الذل على هؤلاء اليهود، إن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا.
وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد، استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.
وهكذا كانت إسرائيل، وهكذا هي في كل حين (١) .
стр. 284
وإذا كان هؤلاء قد ضرب الله عليهم الذلة في الحياة الدنيا، فإن الذلة - أيضًا - جزاء هؤلاء وغيرهم ممن دُعي إلى عبادة الله فاستكبر وأبى، قال - تعالى -: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم:٤٣) . وقال: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (المعارج:٤٤) .
وقال - سبحانه - ممتنًا على عباده حيث أعزهم بعد الذلة والانكسار: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران:١٢٣) .
وخلاصة الأمر: أن هذه الآيات تدل على أن تلك الأخلاق مما لا يقره الشرع لمخالفتها للمنهج الحق والطريق السوي، ولذلك جاءت الآيات تبين ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق صادق وحسن في المعاملة، بعيدًا عن الخلق الذميم سواء كان إفراطًا أو تفريطًا، وهذه الآيات هي التي ترسم المنهج الوسط في الأخلاق والمعاملة.
قال - تعالى - مثنيًا على نبيه، ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) .
وقال - جل وعلا - واصفًا عباده المؤمنين وما هم عليه من خلق رفيع، ومعاملة حسنة: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان:٦٣) ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان:٧٢) وهذا قمة الخلق وحسن الطوية، ولذلك قال في آيات أخرى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السجدة:١٥) . أما غيرهم فكما أخبر الله عنهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥) ، وفرق شاسع بين الخلقين.
ومما أمر الله به عباده، تربية على الخلق الحسن، ودفعًا لكيد الشيطان ونزغه ما قاله - سبحانه - في سورة المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:٩٦) .
стр. 287
وقال في سورة فصلت: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت:٣٤-٣٦) .
وكذلك أمر الله بالوفاء بالعهود والمواثيق والعقود، وذلك من صميم المعاملة التي يجب أن تكون بين المسلمين، بل حتى ولو كانت مع الكافرين، فقال - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية ١) وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية ٤) .
стр. 288
وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (الرعد:١٩، ٢٠) . وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل:٩١) . وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: من الآية ٣٤) .
ومن الأخلاق التي أمر الله بها، ما أمر به الزوج عندما يطلق زوجته طلاقًا رجعيًا، حيث قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٣١) . ومثل ذلك الآية التي جاءت في سورة الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: من الآية ٢) .
стр. 289
وكذلك من العدل وحسن الخلق في المعاملة ما جاء بالأمر بالوفاء بالكيل، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (الإسراء: من الآية ٣٥) وقال: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: من الآية ٨٥) .
ولذلك شنع الله على أولئك الذين حادوا على المنهج الوسط في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (المطففين:١-٥) .
ومن الخلق التي أمر الله بها ما جاء في سورة المجادلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (المجادلة: من الآية ١١) .
стр. 290
وإذا تأملنا سورة الحجرات وما فيها من أخلاق عالية أمر الله بها، ونهى عن سيئ الأخلاق وأرذلها، علمنا الجهد المبذول لتربية هذه الأمة على الأخلاق القويمة، وتجنيبها ما وقعت فيه بعض الأمم السابقة من أراذل الأخلاق وسفسافها كأهل الكتاب عمومًا واليهود خصوصًا.
وتأمّل هاتين الآيتين لترى كيف يرسم القرآن الكريم منهج الوسطية.
قال - تعالى - في سورة القصص مخبرًا عما جرى بين موسى وشعيب (١) ﵉: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القصص:٢٧) .
وقال في سورة النساء: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء:١٤٨) .
وأختم هذا المبحث بهذه الوقفة المهمة:
لما أثنى الله على رسوله، ﷺ لحسن خلقه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) قال بعد عدة آيات: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم:٩) .
стр. 291
قال ابن عباس:
لو ترخص لهم فيرخصون (١) .
والوقفة هنا: هناك من يتصور أن من لوازم حسن الخلق المداهنة والمصانعة.
بل تعجب إذا سمعت من يرى أن ذلك من أسس الدعوة وأساليبها.
وهذا خلل في الفهم، وقصور في التصور، وذلك أنه في السورة التي أثنى الله فيها على رسوله، ﷺ لأخلاقه الرفيعة العظيمة، نفى عنه المداهنة والمصانعة. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (القلم:٩، ١٠) مع التنبيه إلى أن هناك فرقا بين المداهنة المحرمة، والمدرارة المشروعة فليعلم ذلك (٢) .
هذه بعض الأخلاق التي ذكرها الله في القرآن الكريم، جاءت لتربي الأمة على الأخلاق الفاضلة، والمعاملة المستقيمة دون تكبر وبطر وغمط لحقوق الناس، أو ضعف وخور وذلة.
لقد اتصف اليهود بالكبر والتعالي والغطرسة حتى على أنبيائهم، ورسلهم، ﵈، بل على ربهم - جلا وعلا -: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء: من الآية ١٥٣) ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (البقرة: من الآيات٦٨،٦٩، ٧٠) ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة: من الآية ٢٤) .
стр. 292
واتصف النصارى بالذل والجبن، حتى كان مما يتوارثونه. "إذا صفعك أحد على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن". أما هذه الأمة فقد ربيت على العزة والكرامة، مع سمو الخلق وحسن التعامل، حتى مع الأعداء، بل وأثناء القتال والطعان، وهذه درجة لم تصل إليها أمة من الأمم الماضية، ولن تصل إليها أي أمة حاضرة: ولا عجب في ذلك فإنها أمة الإسلام، الأمة الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) ورسولها، ﷺ قال فيه مولاه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) .
стр. 293
كسب المال وإنفاقه
قضية المال من القضايا الكبرى التي عني بها الإسلام كسبًا، وحفظًا، وإنفاقًا.
وذلك أن المال عصب الحياة، وهو بالنسبة للحياة الدنيا كالماء الذي يمشي في غصون الشجر، وكالدماء التي تجري في عروق البشر.
ولقد سلك الناس - ولا يزالون - مسالك شتى في هذا المال، كسبًا، وجمعًا، وإنفاقًا.
والكثرة الكاثرة، والغالبية العظمى ضلوا الطريق، وحادوا عن سواء السبيل.
ولذلك جاء القرآن الكريم مبينًا خطورة هذا الانحراف، وهاديًا إلى الصراط المستقيم.
وفي ضوء المنهج الذي أشرت إليه مرارًا، سأذكر بعض ما ورد في كتاب الله من آيات تبين خطوط الانحراف، وطريق الوسط الذي يجب أن يسلكه المؤمنون. (أ) في جمع المال وحبه:
وردت عدة آيات تبين خطورة الانهماك في جمع المال والمبالغة، والإفراط في حبه، وقد وردت هذه الآيات في سياق الذم لذلك. ومن تلك الآيات:
قال - تعالى -: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر:١٩، ٢٠) .
стр. 294
وقد برر المتخلفون عن الجهاد من المنافقين وغيرهم سبب تخلفهم، بانشغالهم بأموالهم وأولادهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ (الفتح: من الآية ١١) .
وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات:٦-٨) .
وقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر:١ - ٤) .
وقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (الهمزة:١-٤) .
وقال - جل وعلا - عن أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (المسد:١-٣) .
وقال - سبحانه - مخبرًا عمن سيؤتى كتابه بشماله يوم القيامة حيث سيقول متحسرًا: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ (الحاقة:٢٧، ٢٨) .
وقصة قارون فيها العظة والعبرة، والتحذير من الإفراط في حب الدنيا، وعدم أداء حق الله فيها: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص: من الآية ٧٦) ثم يذكر الله حالة من حالات بطره وفرحه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص:٧٩) . وماذا كانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص:٨١) ولم يخسر الدنيا فقط بل والآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:٨٣) .
стр. 297
وقال - سبحانه -: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ (الحديد: من الآية ٢٠) .
هذه بعض الآيات التي تبين خطوط الانحراف عن الصراط المستقيم في جمع المال وحبه، والآيات كثيرة جدًا.
ولأجل المزيد من إلقاء الضوء على هذه القضية فسأذكر شيئًا من أقوال المفسرين حول بعض هذه الآيات:
قال الطبري في قوله - تعالى -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (التكاثر:١) ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم.
وروي عن النبي، ﷺ كلام يدل على أن معناه التكاثر بالمال (١) .
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (الهمزة:١، ٢) الهماز بالقول واللماز بالفعل، يعني يزدري الناس وينتقص بهم.
стр. 298
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (الهمزة:٢) أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عده، كقوله - تعالى -: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (المعارج:١٨) قال السدي وابن جرير وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (الهمزة: من الآية ٢) ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة.
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (الهمزة:٣) أي: يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار. ﴿كَلَّا﴾ (الهمزة: من الآية ٤) أي: الأمر ليس كما زعم ولا كما حسب (١) .
وقال في قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات:٨) . أي: وإنه لحب الخير وهو المال لشديد، وفيه مذهبان:
أحدهما: أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال.
والثاني: وإنه لحريص بخيل من محبة المال.
وكلاهما صحيح (٢) .
وقال القرطبي في الآية نفسها: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ (العاديات: من الآية ٨) أي: المال، ومنه قوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (البقرة: من الآية ١٨٠) ﴿لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: من الآية ٨) أي لقوي في حبه للمال.
وقيل: لشديد: لبخيل. ويقال للبخيل: شديد ومتشدد.
стр. 299
قال ابن زيد: سمي المال خيرًا، وعسى أن يكون شرًا وحرامًا، ولكن الناس يعدونه خيرًا، فسماه الله خيرًا لذلك (١) .
وقال في قوله - تعالى -: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (المسد:٢) أي: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا كسب من جاه.
قال ابن عباس: لما أنذر رسول الله، ﷺ عشيرته بالنار قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، فنزل: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (المسد:٢) (٢) .
وقال الطبري في قوله - تعالى -: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر:٢٠) وتحبون المال أيها الناس واقتناءه حبًا كثيرًا شديدًا.
من قولهم: حم الماء في الحوض: إذا اجتمع.
قال قتادة: "حبًا جمًا" أي: حبًا شديدًا.
وقال الضحاك: يحبون كثرة المال (٣) .
стр. 300
وقال القاسمي في آية الكهف: "وكان له" أي: لصاحب الجنتين، "ثمر" أي أنواع من المال غير الجنتين، من "ثمر ماله" إذا كثر، ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (الكهف: من الآية ٣٤) أي: يراجعه الكلام، تعبيرًا له بالفقر، وفخرًا عليه بالمال والجاه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: من الآية ٣٤) أي أنصارًا وحشمًا. ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ (الكهف: من الآية ٣٥) أي بصاحبه يطوف به فيها، ويفاخره بها (١) .
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق:٦،٧) يخبر - تعالى - عن الإنسان أنه ذو فرح، وأشر بطر، وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه، فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق:٨) (٢) .
وأختم أقوال المفسرين بما قاله سيد قطب في مطلع تفسيره لآيات سورة القصص، في قصة قارون، حيث قال: والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر، والاستكبار على الخلق، وجحود نعمة الخالق.
стр. 301
وتقرر حقيقة القيم، فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح، مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد.
ثم فسر قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ (القصص: من الآية ٧٦) (١) قائلا: لا تفرح فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ.
لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال، وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران.
لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد (٢) .
والآيات التي مضت وكلام المفسرين حولها يُعطي الدلالة على المنهج الخاطئ الذي يسلكه كثير من الناس في جمع المال، حيث أفرطوا في ذلك وبالغوا فيه، وكانت النتيجة الطبيعية أن أصبح هذا المال وبالا عليهم في الدنيا والآخرة.
стр. 302
إن الإسلام ليس ضد جمع المال - كما قد يتوهم البعض - بل إنه أمر مشروع جاءت الآيات الكثيرة تبين مشروعيته وأهميته، ومن ذلك قوله - تعالى - مبينًا أن المال من الله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية ٣٣) وقال ممتنًا على بني إسرائيل: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية ٦) . ويقول نوح لقومه داعيًا إياهم إلى الإيمان، ومبينًا عاقبة ذلك في الدنيا قبل الآخرة: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (نوح:١١، ١٢) .
وقال - سبحانه - آمرًا بالمحافظة على المال الذي هو من الله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: من الآية ٥) وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: من الآية ٤٦) وقال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (الأحزاب: من الآية ٢٧) .
стр. 303
إذن فكما أن القرآن الكريم يحذر من الإغراق في حب المال، وقضاء الحياة في جمعه وتحصيله دون أداء حق الله فيه، ويبين عاقبة من كانت هذه حاله، فإنه لا يرضى بالرهبنة والتصوف والإعراض عن المال بالكلية. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية ٧٧) بل إنه يقر جمع المال وتحصيله، ويشرع السبل الصحيحة لذلك، وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية:
(ب) في كسب المال
стр. 304
توصلنا في الفقرة السابقة إلى أن القرآن الكريم بين لنا خطوط الانحراف في جمع المال وحبه، واتضح لنا أن جمع المال مشروع، ولكن الانحراف يكون في الإفراط فيه أو التفريط، وكذلك فإن حب المال ليس رجسًا أو عارًا، بل هو أمر جبلي فطري، لا ينفي ذلك إلا مكابر أو شاذ، والشذوذ يؤكد القاعدة: وإنما الأمر المنهي عنه هو الغلو في حبه وتقديسه، والتوسط في ذلك هو المشروع: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف:٤٦) ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤) .
ومن هنا جاءت الآيات تبين الخطوط العريضة والمنطلقات الشرعية في كسب المال وتحصيله، وجاءت القاعدة التي تفرعت عنها كل القواعد: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٧٥) .
стр. 305
إذن فكسب المال مشروع، ولكن ليس كل طريق يؤدي إلى ذلك جائز ومحمود.
فلا نحرم ما أحل الله من وسائل الكسب المباحة، ولا نبيح ما حرم الله من الوسائل الممنوعة: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل:١١٦) .
وسأذكر بعض ما ورد من آيات تنهي عن بعض أوجه الكسب المحرمة، ليتضح من خلال ذلك أن هناك منهجًا وسطًا في ذلك لا إفراط ولا تفريط:
فقد نهى الله عن الربا، وبين أنه من الكسب المحرم بل غلظ الله في عقوبة هذا الكسب، الذي أفرط فيه كثير من الناس، - وبخاصة في عصرنا الحاضر - حتى قل أن يسلم أحد من الربا أو من غباره، والله المستعان.
وكذلك من طرق الكسب المحرمة: الميسر، وهو القمار، كما قال ابن كثير وغيره (١) . وقد جاءت بعض الآيات تبين حكمه وأن الله قد حرمه. قال - تعالى -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: من الآية ٢١٩) وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩٠، ٩١) .
وبالجملة فكل مال أُخذ بالباطل فهو محرم، ولذلك جاءت الآيات تنهى عن أكل المال بالباطل. فقال - سبحانه -: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:١٨٨) .
وقال مبينًا سبب تحريم الطيبات على بني إسرائيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء:١٦٠، ١٦١) .
وقال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (التوبة: من الآية ٣٤) .
وقال - سبحانه -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٢٩) .
стр. 310
قال ابن الجوزي مبينًا معنى الباطل هنا: لا يأكل بعضكم أموال بعض، قال القاضي أبو يعلى:
والباطل على وجهين: أحدهما أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة، والغضب، والخيانة.
والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه، كالقمار والغناء، وثمن الخمر (١) .
وقال القرطبي: والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة، وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي، وحُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك، ثم قال: من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، وهذا إجماع في الأموال (٢) .
ومما سبق يتضح أن هناك منهجًا وسطًا في كسب المال.
فالقول بإباحة جميع المعاملات قول باطل، وهو من التفريط. وكذلك التشديد، وجعل أن الأصل في الاكتساب هو التحريم إلا ما ورد نص في إباحته قول باطل، وهو من الإفراط.
стр. 311
والقول الصحيح وهو الوسط أن الأصل في البيوع والمعاملات الحل والإباحة، إلا ما ورد النص بتحريمه ومنعه (١) سواء كان المنع بدليل خاص أو عام، فمن الخاص تحريم الميسر والربا والسرقة ونحوها، ومن العام ما يدخل تحت الضرر أو الظلم أو الغرر ونحو ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه والأحكام.
(جـ) إنفاق المال
وبعد أن تبين لنا تقرير القرآن لمنهج الوسطية في جمع المال وكسبه، نقف أخيرًا مع المنهج الشرعي في إنفاق المال كما قرره القرآن الكريم.
والناس في هذه المسألة طرفان ووسط:
فهناك القابضون أيديهم، البخلاء بأموالهم، المقترون على أنفسهم وأهليهم، فضلا عمن سواهم.
وعلى النقيض من هؤلاء، آخرون مسرفون مترفون، باسطو أيديهم كل البسط.
وبين هؤلاء وأولئك قلة من الناس سلكوا السبيل القويم، والتزموا العدل والاعتدال، واتخذوا بين ذلك سبيلا (٢) .
وقد نزلت الآيات من لدن عليم حكيم، تبين سلامة هذا المنهج، وتأمر به، وتحث عليه، مع النهي عن سلوك أي من المنهجين المنحرفين، وبيان عاقبة ذلك عاجلا وآجلا (٣) .
وسأذكر من الآيات ما يبين هذا المنهج ويقرره، دون إيجاز مخل أو إطناب ممل، بل سأتخذ بين ذلك سبيلا:
стр. 312
فبالنسبة للطرف الأول، وهم القابضون أيديهم، البخلاء بأموالهم، جاءت الآيات تبين انحراف هذا المنهج، وتنهى عن هذا المسلك، فقال - سبحانه -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٨٠) وقال - جل وعلا -: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحديد:٢٣، ٢٤) .
وقال مبينًا خصلة من خصال المنافقين: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (التوبة:٧٦) .
стр. 313
وقال سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٨) .
وقال : ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء:١٠٠) .
قال ابن كثير في هذه الآية: يقول - تعالى - لرسوله، ﷺ قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي: الفقر خشية أن تُذهبوها، مع أنها لا تنفد ولا تفرغ أبدًا، لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ". قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلا منوعًا.
стр. 314
وقال - تعالى -: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (النساء:٥٣) . أي: لو أن لهم نصيبًا في ملك الله ما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار نقير.
والله - تعالى - يصف الإنسان من حيث هو - إلا من وفقه الله وهداه - فإن البخل والجزع والهلع صفة له، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه (١) .
وقال القرطبي في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١٨٠) هذه الآية نزلت في البخل بالمال، والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة.
والبخل في اللغة: أن يمنع الإنسان الحق الواجب، فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل، لأنه لا يذم بذلك. ثم قال: واختلف في البخل والشح، هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: البخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك.
والشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك.
стр. 315
وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص، وهو الصحيح، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله، ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم»
وهذا يردّ قول من قال: إن البخل منع الواجب، والشح: منع المستحب، إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة (١) .
وكما جاءت الآيات محذرة من عاقبة البخل والتقتير، فقد جاءت ناهية عن الطرف المقابل وهو الإسراف والتبذير.
فقال - سبحانه -: وَآتِ ﴿ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء:٢٦، ٢٧) .
وقال - جل وعلا -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) .
стр. 316
قال القاسمي في تفسير آية الإسراء: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية ٢٦) أي: بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم أو مكروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه إحسانًا إلى نفسك أو غيرك. قال: وفي الكشاف: كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٧) أي: أمثالهم في كفران نعمة المال بصرفه فيما لا ينبغي، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان.
وقال: قال أبو السعود: وتخصيص هذا الوصف بالذكر من بين سائر أوصافه القبيحة، للإيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله - تعالى - إلى غير مصرفها، من باب الكفران المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له، والتعرض لوصف الربوبية للإشعار بكمال عتوه، فإن كفر نعمة الرب، مع كون الربوبية من أقوى الدواعي إلى شكرها، غاية الكفران، ونهاية الضلال والطغيان.
وقال: وقد استدل بالآية مع منع إعطاء المال كله في سبيل الخير، ومن منع الصدقة بكل ماله (١) .
стр. 317
وقال الطبري مبينًا مدلول آية الأنعام، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) قال: بعد أن ذكر أقوال العلماء: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله - تعالى - نهى بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حده في الزيادة، وإما بتقصير عن حده الواجب (١) كان معلومًا أن المفرق ماله مباراةً، والباذلَه للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له.
وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة، إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها.
وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه.
كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأنعام: من الآية ١٤١) في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم. (٢) .
стр. 318
وبهذا يتضح لنا أن البخل والإِسراف ضدان قد نهى الله عنهما، وحرمهما على عباده، كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وإذا كانت الآيات السابقة، بينّت كل واحدة منها أحد طرفي الانحراف وحذّرت منه، فإنها تدل بمفهومها على أن طريق الوسط، هو طريق الاستقامة، وبخاصة إذا نظرنا إلى مجموع الآيات السابقة التي تدل على أن الإِسراف والبخل لا يمثلان المنهج الصحيح.
ومع ذلك فقد جاءت آيات تدلّ صراحة على انحراف كل من الطرفين المذكورين، وينصّ بعضها على طريق الوسط، وأنه المنهج الحق الذي يجب الالتزام به والسير فيه.
قال - تعالى - في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء:٢٩) .
стр. 319
قال ابن كثير في الآية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (الفرقان: من الآية ٦٧) أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل عدلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا.
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: من الآية ٦٧) كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) (١) .
وقال الطبري في آية الإسراء: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) .
стр. 320
وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئًا، إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها. ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) يقول: ولا تبسطها بالعطية كل البسط، فتبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئًا تعطيه سائلك. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: من الآية ٢٩) يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلوم نفسك على الإسراع في مالك وذهابه (١) .
ومما يدل على الوسطية في النفقة قوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: من الآية ٧) . وهذا من الوسطية النسبية التي يراعى فيها حال المنفق، وما جرت العادة به ونحو ذلك.