← Общие книги

Общие книги · id 1939

الوسطية في ضوء القرآن الكريم

ناصر العمر

Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي الحديث الآخر: «مّنْ بدا جفا» (١) . بالدّال المهملة، خرج إلى البادية، أي: من سكن البادية غلظ طبعه، لقلّة مخالطة النَّاس. والجفاء غلظ الطّبع. وفي صفته، ﷺ ليس بالجافي المهين، أي ليس بالغليظ الخلقة، ولا الطّبع (٢) . وقال - تعالى -: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ (الرعد: من الآية ١٧) . قال الطبري: وأمَّا الجفاء، فإني حدّثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنَّى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: يُقال: قد أجفأت القدور، وذلك إذا غلت فانصبّ زبدها، أو سكنت فلا يبقى منه شيء. وقد زعم بعض أهل العربيَّة من أهل البصرة أن معنى قوله: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ (الرعد: من الآية ١٧) تنشفه الأرض، وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى: في معنى نشف (٣) . وقال - تعالى -: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (السجدة: من الآية ١٦) . قال الطبري: تتنحَّى جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله، الذين وصفت صفتهم، وترتفع عن مضاجعهم التي يَضْطَجعون لمنامهم، ولا ينامون. وتتجافى: تتفاعل من الجفاء، والجفاء: النبو. وإنَّما وصفهم - تعالى ذكره - بتجافي جُنوبهم عن المضاجع لتركهم الاضطجاع للنوم شغلا بالصّلاة.

стр. 72

ثم قال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأنَّ جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلا منهم بدعاء ربّهم وعبادته، خوفًا وطمعًا، وذلك نبوّ جنوبهم عن المضاجع ليلا.. إلخ (١) . ومما سبق يتَّضح أن الجفاء هو النبوء والتَّرك والبعد، وهو غالبًا ما يحدث خلاف الأصل والعادة. وأكثر ما يرد الجفاء لما هو محظور ومنهيّ عنه، كالجفاء بما يقابل الصلة والبّر، والجفاء الذي هو من الشّدة والغلظة، ونحو ذلك.

стр. 73

وسأذكر بعض الأمثلة التي يتَّضح فيها معنى التَّفريط والجفاء: ١- تأخير الصلاة عن وقتها تفريط، ولذلك ورد في الحديث: «أمَّا إنّه ليس في النوم تفريط، إنَّما التَّفريط على من لم يصلّ الصّلاة حتى يجيء وقت الصَّلاة الآخر» (١) . ٢- رؤية المنكرات وعدم إنكارها مع القدرة تفريط. ٣- إهمال تربية الأولاد، تفريط. ٤- ترك الأخذ بالأسباب، تفريط. ٥- تأخير عمل اليوم إلى الغد - دون سبب - تفريط. ٦- الغلظة في المعاملة، جفاء. ٧- عقوق الوالدين، جفاء. ٨- قطع الأرحام وعدم صلتهم، جفاء وتفريط. ٩- عدم القيام بحقوق العلماء وضعف الصلة بهم، جفاء وتفريط. ١٠- السلبيَّة مع واقع المسلمين وشئونهم وشجونهم، جفاء وتفريط. وبهذا يتبيَّن معنى التّفريط والجفاء، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا. وهما يُقابلان معنى الغلوّ والإفراط. وعند التَّأمّل في استعمال العرب لهما يلحظ أن الجفاء يستعمل - غالبًا - فيما فيه قصد الأمر من التَّرك والبعد وسوء الخلق. أمَّا التَّفريط فمنشؤه - غالبًا - التَّساهل والتَّهاون.

стр. 74

و الخلاصة: أنَّ كل أمرٍ اتَّصف بالتَّفريط أو بالجفاء، فإنَّه يُخالف الوسطيَّة، وبمقدار اتّصافه بأيّ من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطيَّة وتجافيه عنها.

стр. 75

ثالثًا: الصراط المستقيم بعد أن عرفنا مدلول الغلوّ والجفاء والإفراط والتَّفريط، نأتي للحديث عن الصّراط المستقيم. إنَّنا بدون فهم معنى (الصّراط المستقيم) ، وتحديد مدلوله، لا نستطيع فهم (الوسطيَّة) على معناها الصّحيح. وقد ورد لفظ (الصّراط المستقيم) ، في القرآن الكريم عشرات المرَّات، وجاء - أيضًا - بلفظ ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء: من الآية ٦٨) و ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٦) و ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) ونحو ذلك. ففي سورة الفاتحة نجد قوله - تعالى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) ثم يفسّره بأنه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة:٧) .

стр. 76

وفي البقرة جاء قوله - تعالى-: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٢) . وجاء بعد هذه الآية مباشرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . وسيأتي بيان العلاقة بين هاتين الآيتين. وعيسى، ﵇، في سورة آل عمران يقول لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران:٥١) .

стр. 77

ونجد أن سورة الأنعام من أكثر السّور التي ورد فيها الحديث عن الصّراط المستقيم: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ٣٩) ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٧) ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٢٦) ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ١٦١) وفي سورة إبراهيم سمَّاه صراط العزيز الحميد. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: من الآية ١) وفي طه، وصفه بالسّويّ، فقال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ (طه: من الآية ١٣٥) وفي الحجّ أضافه للحميد فقال: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج:٢٤) وفي المؤمنون عرَّفه دون وصف أو إضافة: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

стр. 78

بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (المؤمنون:٧٤) وفي مريم يقول إبراهيم، ﵇، لأبيه: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: من الآية ٤٣) ويقول الله في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) . هذه بعض الآيات التي وردت في "الصّراط" فما معناه؟: قال الطبري: في قوله - تعالى-: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) . أجمعت الأمَّة من أهل التَّأويل جميعًا على أنَّ الصّراط المستقيم هو الطّريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب، من ذلك قول جرير الخطفي: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم (١) وقال ابن عباس: قال جبريل لمحمد، ﷺ (( ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ )) : يقول: ألهمنا الطّريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عَوِجَ له)) (٢) . قال الطبري: وإنّما وصفه الله بالاستقامة، لأنَّه صواب لا خطأ فيه (٣) . وقال: كل حائد عن قصد السّبيل، وسالك غير المنهج القويم فضالّ عند العرب، لإضلاله وجه الطّريق (٤) .

стр. 79

وقال ابن كثير: واختلفت عبارات المفسّرين من السَّلف والخلف في تفسير الصّراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله ورسوله (١) . وأعرِضُ الآن بعض أقوال المفسّرين الذين أشار إليهم ابن كثير ﵀ (٢) . فقد روى الطبري عن عليّ بن أبي طالب ﵁ عن النبي، ﷺ أنَّه قال: ((وذكر القرآن فقال: هو الصّراط المستقيم)) (٣) . وقال أبو العالية: هو رسول الله، ﷺ وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر، قال الحسن: صدق أبو العالية ونصح. وقال القاسمي في تفسير لهذه الآية في سورة الفاتحة: أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مبحث له مهمّ نأثره عنه هنا لما فيه من الفوائد الجليلة، قال - رحمه الله تعالى -: ينبغي أن يُعلم أن الاختلاف الواقع من المفسّرين وغيرهم على وجهين: أحدهما ليس فيه تضادّ وتناقض، بل يمكن أن يكون كل منهما حقًّا، وإنًّما هو اختلاف تنوّع، أو اختلاف في الصّفات أو العبارات. وعامّة الاختلاف الثابت عن مفسّري السَّلف من الصحابة والتَّابعين هو من هذا الباب.

стр. 80

فالله إذا ذكر في القرآن اسمًا مثل قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) فكل من المفسّرين يعبّر عن الصّراط المستقيم بعبارة تدلّ بها على بعض صفاته، وكل ذلك حقّ، بمنزلة ما يُسمي الله ورسوله، وكتابه بأسماء، كل اسم منها يدلّ على صفة من صفاته. فيقول بعضهم: الصّراط المستقيم: كتاب الله أو اتّباع كتاب الله. ويقول الآخر: الصّراط المستقيم: هو الإسلام أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصّراط المستقيم: هو السنَّة والجماعة. ويقول الآخر: الصّراط المستقيم: هو العبوديَّة، أو طريق الخوف والرضى والحبّ، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنَّة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أنَّ المسمَّى هو واحد، وإن تنوّعت صفاته وتعدَّدت أسماؤه وعباراته (١) .

стр. 81

ثم قال في موضع آخر: فإنَّ الصّراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نُهيت عنه، وهذا يحتاج في وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت، وما نُهي عنه، وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة لترك المحظور، والصراط المستقيم قد فسّر بالقرآن، والإسلام، وطريق العبوديَّة، وكل هذا حقّ، فهو موصوف بهذا وبغيره (١) . قال القاسمي: الصّراط المستقيم: أصله الطّريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ويُستعار لكل قول أو عمل يبلغ به صاحبه الغاية الحميدة، فالطّريق الواضح للحسّ، كالحقّ للعقل، في أنَّه: إذا سير بهما أبلغا السّالك النّهاية الحسنى (٢) . قال ابن عاشور: والصّراط في هذه الآية (آية الفاتحة) مستعار لمعنى الحقّ الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز برضاء الله؛ لأنَّ ذلك الفوز هو الذي جاء الإسلام بطلبه. والمستقيم: اسم فاعل من استقام، مطاوع قوّمته فاستقام. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا تعاريج، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيمًا، وهو الجادّة، لأنَّه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضلّ فيه سالكه، ولا يتردّد ولا يتحيَّر.

стр. 82

والمستقيم هنا مستعار للحق البيّن الذي لا تُخالطه شبهة باطل، فهو كالطّريق الذي لا تتخلّله بنيات. ثم قال: والأظهر عندي أنَّ المراد بالصّراط المستقيم: المعارف الصالحات كلّها من اعتقاد وعمل (١) . هذه بعض أقوال المفسّرين في معنى الصّراط المستقيم، كما ورد في سورة الفاتحة. وحيث وردت آيات كثيرة ذكر فيها الصّراط المستقيم سبق ذكر بعضها، فإنَّ معناها من هذا المعنى الذي سبق تقريره، ولبيان ذلك أذكر تفسير بعض هذه الآيات بإيجاز: قال - تعالى -: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٧) قال مجاهد: وسدَّدناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوجّ، وذلك دين الله الذي لا عِوَجَ فيه، وهو الإسلام الذي ارتضاه ربّنا لأنبيائه، وأمر به عباده (٢) . وفي قوله - تعالى -: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٢٦) قال الطبري: هو صراط ربك - يقول: طريق ربّك، ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا، وجعله مستقيمًا لا اعوجاج فيه (٣) .

стр. 83

وفي قوله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) قال الطبري: هو صراطه، يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) يعني قويمًا لا اعوجاج به عن الحق (١) . وفي قوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: من الآية ١٦١) قال الطبري: يقول: قل لهم: إنَّني أرشدني ربي إلى الطّريق القويم، هو دين الله الذي ابتعثه به، وذلك الحنيفيَّة المسلمة، فوفّقني له (٢) . وفي سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف:١٦) قال الطبري: يقول: لأجلسنَّ لبني آدم صراطك المستقيم، يعني طريقك القويم، وذلك دين الله الحقّ، وهو الإسلام وشرائعه. ونقل نحو ذلك عن مجاهد (٣) . وفي قوله - تعالى - في سورة مريم: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: من الآية ٤٣) قال الطبري: يقول: أبصِّرك هدي الطّريق المستوي الذي لا تضلّ فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه (٤) .

стр. 84

وفي قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (المؤمنون:٧٤) قال الطبري: يقول عن محجّة الطّريق، وقصد السّبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون (١) . وبهذا يتَّضح أن معنى الصّراط في جميع هذه الآيات معنًى واحدًا، وإن اختلفت العبارة والسّياق.

стр. 85

الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم مما تقدَّم يتَّضح أن معنى الصّراط المستقيم يدلّ على الوسطيَّة في مفهومها الشَّرعي الاصطلاحيّ الذي سبق تقريره، وبخاصّة أن ما جعلته لازمًا لمفهوم الوسطيَّة وإطلاقها قد تحقَّق في معنى الصّراط المستقيم، فالخيريَّة والبينيَّة ظاهرتان في هذا الأمر. فنجد في سورة الفاتحة لمَّا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) عرَّفه فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: من الآية ٧) ثم حدَّده فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: من الآية ٧) فجعل الصّراط المستقيم طريق الخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين. وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضّالين.

стр. 86

وكذلك في سورة البقرة قال الله - تعالى -: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٢) فقال بعدها مباشرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) وقد تحدَّث المفسّرون عن الكاف في هذه الآية، وذكر غير واحد أن (الكاف) للرّبط بين جعلهم أمَّة وسطًا وهدايتهم للصّراط المستقيم (١) . ونزيد الأمر وضوحًا في ذكر بعض الأحاديث التي وردت في ذلك: فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كنَّا عند النبي، ﷺ فخطَّ خطًّا وخطَّ خطين عن يمينه، وخطَّ خطَّين عن يساره، ثم وضع يده على الخطَّ الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » (٢) .

стр. 87

وذكر القرطبي في تفسيره، قال: ذكر الطبري في آداب النّفوس حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصّراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد، ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثمَّ رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النَّار، ومن أخذ على الصّراط انتهى به إلى الجنَّة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) (١) . وبالتأمّل فيما سبق يتَّضح لنا ما يلي: ١- أنَّ الصّراط المستقيم: يمثل قمَّة الوسطيَّة وذروة سنامها وأعلى درجاتها، وآيتا الفاتحة والبقرة حجَّة قاطعة في ذلك. ٢- أن الوسطيَّة تعني الخيريَّة، سواء أكانت خير الخيرين أو خيرًا بين شرّين أو خيرًا بين أمرين متفاوتين، وقد سبق تفصيل ذلك.

стр. 88

٣- أنَّ المقياس لتحديد الخيريَّة هو الشرع، وليس هوى النَّاس أو ما تعارفوا عليه أو ألفوه، فإنَّ مفهوم الوسطيَّة عند كثير من الناس تعني التّنازل أو التَّساهل بل والمداهنة أحيانًا، حيث يختارون الأمر بين الخير والشرّ وهو إلى الشرّ أقرب في حقيقته ومآله، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا. ٤- أنَّ هناك عوامل كثيرة، وأصولا معتبرة (١) تجب مراعاتها عند تحديد مفهوم الوسطيَّة وتطبيقها على أمر من الأمور، حيث إن قصر النظر على أمر دون آخر يؤدّي إلى خلاف ذلك ومجانية للصّواب.

стр. 89

٥- وخلاصة الأمر: أنَّه يجب عند النظر في أيّ أمر من الأمور لتحديد علاقته بالوسطية ومدى قربه أو بعده منها دقَّة النّظر والاعتبار في حقيقة هذا الأمر دون الاقتصار على ظاهره فقط، ثم إلى أي هذه الأسس هو أقرب، مراعيًا في ذلك أمور عدَّة - كما أشرت في الفقرة السّابقة - وكلّها تنطلق من القواعد الشّرعية والضّوابط المنهجيَّة، فإذا اتَّضح قربه في حقيقته ومآله إلى الصّراط المستقيم فهو داخل في الوسطيَّة التي نتحدث عنها، أمَّا إذا كان إلى الغلوّ أو الجفاء أو الإفراط أو التَّفريط أقرب حقيقة ومآلا فليس من الوسطيَّة في شيء، وإن حسبه النَّاس كذلك، وقد زلَّت في هذه المسألة عقول وأقدام.

стр. 90

أولا: الخيريَّة قال الله - تعالى - في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) وقال في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) وقد ذكرت أن من معاني الوسطيَّة الخيريَّة، قال ابن كثير ﵀: والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال لقريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها (١) . وفي تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) قال: يعني خير النَّاس للنّاس، والمعنى: أنَّهم خير الأمم وأنفع النَّاس للنَّاس، إلى أن قال: كما في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) أي خيارًا (٢) . وقال الطبري: مقرّرًا خيريَّة هذه الأمَّة (أمَّة الوسط) : فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) ؟ وقد زعمت أن تأويل هذه الآية أن هذه الأمَّة خير الأمم التي مضت، وإنَّما يقال: كنتم خير أمَّة لقوم كانوا خيارًا فتغيّروا عمّا كانوا عليه؟!

стр. 91

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنَّما معناه أنتم خير أمَّة، كما قيل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ (الأنفال: من الآية ٢٦) وقد قال في موضع آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٨٦) فإدخال كان في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأنّ الكلام معروف معناه. ولو قال - أيضًا - في ذلك قائل: ﴿كُنْتُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٨٦) بمعنى التَّمام، كان تأويله: خلقتم خير أمَّة، أو وجدتم خير أمَّة، كان معنى صحيحًا (١) . وفي تفسيره لقوله - تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) قال: وأمّا التّأويل فإنَّه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأنَّ الخيار من النَّاس عدولهم (٢) . وممَّا سبق يتَّضح أن الخيريَّة ممَّا فسر به معنى الوسطيَّة التي ذكرها الله من خصائص هذه الأمَّة، فما هي هذه الخيريَّة التي نعرف بها وسطيَّة هذه الأمَّة؟ قال الطبري في تفسير آية الخيريَّة:

стр. 92

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، إذ كنتم بهذه الشّروط التي وصفهم - جلّ ثناؤه - بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمَّة تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتُؤمنون بالله، أخرجوا للنَّاس في زمانكم (١) . قال رشيد رضا: والحق أقول: إنّ هذه الأمَّة ما فتئت خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، حتَّى تركت الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. ثم قال: وقد بيَّن الفخر الرازي كون وصف الأمَّة هنا بالأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان علّة لكونها خير أمَّة أُخرجت للنّاس، فقال: واعلم أنَّ هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علّة تلك الخيريَّة، كما تقول: زيد كريم، يطعم النَّاس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم. وتحقيق الكلام أنَّه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونًا بالوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الحكم معلّلا بذلك الوصف. فهنا حكم - تعالى - بثبوت وصف الخيريَّة لهذه الأمَّة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطّاعات، أعني الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإيمان، فوجب كون تلك الخيريَّة معلّلة بهذه العبادات (٢) . وقال القاسمي:

стр. 93

ثم بيّن وجه الخيريَّة بما لم يحصل مجموعه لغيرهم، بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) فبهذه الصفات فضّلوا على غيرهم ممن قال - تعالى - فيهم: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٩) ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ (النساء: من الآية ١٥٠) . قال أبو السّعود: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) أي إيمانًا متعلّقًا بكلّ ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء، وإنّما لم يُصرّح به تفصيلا لظهور أنّه الذي يؤمن به المؤمنون، وللإيذان بأنَّه هو الإيمان بالله - تعالى - حقيقة (١) . وقد وردت بعض الأحاديث التي تدلّ على خيريَّة هذه الأمَّة منها: ١- روى الترمذي في تفسيره لهذه الآية أن رسول الله، ﷺ قال: «إنَّكم تتّمون سبعين أمَّة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٢) .

стр. 94

٢- وقال ﷺ «أُعطيت ما لم يُعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ فقال: نصرُ بالرّعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمدَ، وجعل التّراب لي طهورًا، وجعلت أمّتي خير الأمم» (١) . فهذه الأحاديث مع آية آل عمران تبيّن خيريَّة هذه الأمَّة، التي جعلها الله أمَّة وسطًا، وقد جمع المفسّرون بين معنيي الخيريَّة والوسطيَّة، حتى جاء أحدهما تفسيرًا للآخر، كما مرَّ معنا. ولأهمّيَّة بيان معنى الخيريَّة، فسأذكر أبرز أوجه هذه الخيريَّة، ليتَّضح لنا معنى الوسطيَّة.

стр. 95

أبرز أوجه خيرية هذه الأمَّة (١) قال الأستاذ سيد قطب: فهي خير أمَّة أخرجت للنَّاس، لا عن مجاملة، ولا عن محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف، - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (المائدة: من الآية ١٨) . كلا إنّما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشريَّة من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يُحدّد المعروف والمنكر (٢) . إنَّ هذه الخيريَّة لها أسباب، ولها حقيقة، حقيقة لا بدّ أن توجد في الواقع، وأن ترى في الحياة، وليست مجرّد تصوّر ذهني، وفلسفة غائبة. إنَّ هذه الخيريَّة مسألة نسبيَّة بالنسبة للأمَّة، فقد ترتفع لتبلغ الذّروة، كما كانت الحال في جيل الصّحابة والقرون المفضّلة، وقد تنحسر في مجموعات وأفراد، كما هي في القرون المتأخرة، وذلك تبعًا لوجود مقومات الخيريَّة وصيانتها.

стр. 96

١- الإيمان بالله: قال - سبحانه -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) . فقرن الله - جلّ وعلا - بين خيريَّة هذه الأمَّة والإيمان به - تعالى -، بل جعل الإيمان هو سبب الخيريَّة، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر فرع عن الإيمان، وأثر من آثاره. وهل يمكن أن نتصوّر خيريَّة دون إيمان بالله - تعالى -؟ والإيمان بالله - تعالى - يشمل جميع أبواب الإيمان والإسلام، لأنَّ العلماء ذكروا أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهنا جاء ذكر الإيمان وحده، فهو يشمل الإيمان والإسلام. وعند التّأمل في معنى الإيمان كما ورد في حديث جبريل المشهور، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» (١) . نجد الشّمول والتكامل، كما قال - سبحانه-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٥) .

стр. 97

فالإيمان بالله يشمل الأمور العقديَّة والعمليَّة، الظاهرة والباطنة، ما يتعلّق منها بعالم الغيب والشّهادة، ما كان منها في الدّنيا أو الآخرة. والإيمان بالله أعمق دلالة وأثرًا ممّا قد يتصورّه كثير من النَّاس، فليس هو مجرّد التّصديق كما فسّره بعض المتكلّمين، ممّا أودي بكثير من النَّاس إلى اعتناق مبدأ الإرجاء، وهم لا يعلمون، وهم بهذا السّلوك والتّفسير فرّغوا الإيمان من معناه الحقيقي ومدلوله الصّحيح. وإنّما هو علم واعتقاد وعمل، والإسلام من لوازم الإيمان، فمقتضى الإيمان بالله وكتبه ورسله، يستلزم العمل بما أمر به الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ﷺ ولهذا فإن شرط الإيمان في تحقيق الخيريَّة جاء مغنيًا عمّا يشمله من أركان الإيمان والإسلام. ولذلك فإنَّنا قبل أن نحكم بخيريَّة جماعة أو فرد أو عمل، لا بدّ من التّحقّق في توافر شرط الإيمان فيه بمعناه الشّامل المتكامل، فقد قال - سبحانه-: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) . مع أنَّهم يدّعون الإيمان، ولكن العبرة بالحقائق لا بالدّعاوى.

стр. 98

وعند التّأمّل في قوله- تعالى-: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) أجد أن فيه معنى الخير والإنشاء، فهو خبر عن حقيقة واقعة بإيمان هذه الأمَّة، حيث تميّزت عن غيرها في شمول هذا الإيمان واستمراره، ويكفي دليلا عن شمول إيمانها شهادتها لبعض رسل الله يوم القيامة بأنهم قد بلّغوا رسالة ربّهم إلى أقوامهم. فهذا الإيمان الموجود والمتحقّق أهَّلها لهذه الخيريَّة. ثم فيه معنى الإنشاء والطلب، حيث جعل من لوازم الخيريَّة وجود هذا الإيمان، فكما أن هذا الإيمان موجود في هذه الأمَّة بجملتها وبخاصّة القرون المفضّلة، فإنّ على من أراد من أفراد هذه الأمَّة أن يكون من خيارها أن يُحقّق معنى الإيمان في نفسه، بمعناه الشّامل المتكامل. فإذا تحقّق الإيمان تحقَّقت الخيريَّة، وإذا تحقَّقت الخيريَّة في صورتها الشَّرعية وجدنا الوسطيَّة في أسمى معانيها، مقرونة بأقوى أركانها ومبانيها.

стр. 99

٢- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: من خصائص هذه الأمَّة العمليَّة قيامها بالأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وهذه شهادة الله لها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) . والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أوجبه الله على من قبلنا، ولكنهم فرَّطوا وضيَّعوا ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩) . ونجد مصداق خيريَّة هذه الأمَّة لقيامها بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أنَّه منذ بُعِثَ رسول الله، ﷺ إلى يومنا الحاضر وهذا الرّكن العظيم لم ينقطع ولم يترك كما فعل بنو إسرائيل.

стр. 100

قد نجد ضعفًا في زمان من الأزمنة أو مكان من الأمكنة، ولكنَّه لا يصبح حالة مستقرَّة، ولا تعدم الأمَّة آمرًا أو ناهيًا ولو كانوا قلَّة قليلة، وهذا مصداق قول الرسول، ﷺ «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتَّى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) . الحديث. فالطائفة المنصورة موجودة إلى قيام السَّاعة، وهي طائفة ظاهرة آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر. وكما ذكرت في موضوع الإيمان، فإن ذكر الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في هذه الآية خبرًا وإنشاءً، فهو خبر عن حقيقة واقعة ومستمرَّة، حيث إنَّ الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر مستمرّ في هذه الأمَّة إلى قيام الساعة، وهو كذلك (إنشاء) فمن أراد الخيريَّة فلا بدّ أن يقوم بهذا الرّكن العظيم، حتى تتحقّق له الخيريَّة التي جعلها الله من خصائص هذه الأمَّة، ففيه معنى الأمر - أيضًا-. وقد يسأل سائل: أليس الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر فرعًا عن الإيمان، فلماذا أفرده دون سائر أبواب الإيمان العمليَّة؟ وألخّص الجواب على هذا السؤال بما يلي: ١- أهميّة الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وأثره المباشر في تحقيق الخيريَّة دون سواه.

стр. 101

٢- أن الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، سياج الإيمان، وركن أساس لبقائه وحمايته. ٣- أن أغلب الأعمال خاصّة غير متعديّة، أمّا الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، فإنّ نفعه لا يقتصر على فاعله بل يتعدّاه إلى المأمور والمنهي، وكذلك إلى الأمر المأمور به والمنهيّ عنه، فمثلا الأمر بالصلاة، لا يقتصر نفع هذا الأمر على جهة واحدة بل يشمل عدّة أطراف: (أ) الآمر: حيث قام بما أوجبه الله عليه، وهذه عبادة له نفعها وأجرها. (ب) المأمور: حيث ينتفع بهذا الأمر إن استجاب له، وقد يكون هذا الأمر سببًا لهدايته. (جـ) المأمور به: فإن الأمر بالصلاة سبيل للمحافظة عليها واستمرارها، وهذا فيه من النّفع العظيم ما لا يخفى. ٤- أن الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر له صفة الشّمول، فليس متعلّقًا بعمل معيّن، بل يشمل كل معروف وكل منكر، بينما سائر الأعمال نجدها أعمالا مخصوصة معينة، فالصيام يتعلّق بعمل مخصوص، والزّكاة والحج وغيرهما كذلك. ولذلك فهو يشترك مع الإيمان في صفة الشّمول، حيث إن الأمر بالمعروف يشمل جميع أبواب الإيمان والإسلام.

стр. 102

والرسول، ﷺ قال في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) . فجاء المنكر مُنَكّرًا هنا دلالة على عمومه، أي: أيّ منكر يراه المسلم، فهو يشمل كل منكر، كما أن الأمر يشمل كل معروف، فيدخل في ذلك جميع ما شرعه الله، فيؤمر به وينهى عن مخالفته (٢) . وممّا سبق يتبيَّن لنا أن الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، من أبرز أوجه خيريَّة هذه الأمَّة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، له صور متعدّدة، وليس محصورًا بحالة أو صفة واحدة كالكلام مثلا، بل قد يكون باليد أو اللسان أو العمل - كالقدوة مثلا - فمن صلّى أمام الناس لم يقوموا إلى الصلاة فهو داخل في الأمر بالمعروف، وإن لم يتكلّم، وكذلك من تصدَّق ليُقتدى به، فهو من الأمر بالمعروف، ومن خرج من مجلس فيه منكر فإنَّه من تغيير المنكر، ولو لم يتكلّم. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ٦٨) وأضعف أبواب تغيير المنكر أن يكون في القلب كما ورد في الحديث. وأخيرًا:

стр. 103

فإنّه إذا تحقّق الإيمان بمعناه الشّامل المتكامل، وجاء الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يحوطه ويحرسه، فإنّنا سنرى الخيريَّة التي أخبرنا الله بها ماثلة أمام أعيننا، لا يزيغ عنها إلا هالك. هذه أبرز أوجه خيريَّة هذه الأمَّة، وما عداهما من أوجه فأرى أنها داخلة فيما ذكرت دلالة أو ضمنًا.

стр. 104

تعريف الاستقامة: قال الراغب: استقامة الإنسان لزومه للمنهج المستقيم نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت: من الآية ٣٠) (١) . وقال ابن القيّم: الاستقامة ضد الطّغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء (٢) . وقال القرطبي: الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشّمال (٣) . وقال ابن القيم: قال عمر ﵁ الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنّهي، ولا تَرُوغُ رَوَغَانَ الثّعالب (٤) . وقال ابن القيم - أيضًا -: فأمر بالاستقامة وهي السّداد، والإصابة في النِّيَّات والأقوال والأعمال. ثم قال: فالاستقامة: كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدّين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصّدق، والوفاء بالعهد (٥) . وهذه المعاني متقاربة، ويفسّر بعضها بعضًا.

стр. 105

أحاديث في الاستقامة: في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: «قلت يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم» (١) . وعن ثوبان ﵁ عن النبي، ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصّلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (٢) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ «سدّدوا وقاربوا، واعلموا أنَّه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمة منه وفضل» (٣) . وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي، ﷺ قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتَّى يستقيم لسانه» (٤) . وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: «إذا أصبح ابن آدم فإنَّ الأعضاء كلّها تكفّر اللسان، فتقول: اتَّق الله فينا، فإنَّما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (٥) .

стр. 106

وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله، ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: "قد قالها النَّاس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممّن استقام» (١) .

стр. 107

أقوال العلماء في الاستقامة: سُئل الصديق ﵁ عن الاستقامة فقال: ألا تشرك بالله شيئًا. قال ابن القيم: يريد الاستقامة على محض التّوحيد (١) . وفي قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:٣٠) . فسَّر السَّلف الاستقامة فقالوا: (٢) قال عمر ﵁ استقاموا لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثّعالب. وقال عثمان بن عفان ﵁ استقاموا: أخلصوا العمل لله. وقال علي بن أبي طالب ﵁ استقاموا: أدّوا الفرائض. وبمثل ذلك فسَّرها ابن عباس ﵁. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: استقاموا على محبّته وعبوديَّته، فلم يلتفتوا عنه يُمنة ولا يُسرة. و من أقوال العلماء في الاستقامة: قال ابن القيم: الاستقامة تتعلّق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنِّيَّات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (٣) .

стр. 108

وأختم الكلام عن الاستقامة بما قاله ابن القيّم في مدارج السَّالكين ممَّا يتَّضح معه علاقة الاستقامَة بالوسطيَّة، وأنَّه لا استقامة بلا وسطيَّة، ولا وسطيَّة دون استقامة. قال (١) وهي - أي الاستقامة - على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، لا عاديًا رسم العلم، ولا متجاوزًا حدّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السنَّة. قال ابن القيم شارحًا قول الهروي: هذه درجة تتضمَّن سنَّة أمور: عملا واجتهادًا فيه، وهو بذل المجهود، واقتصادًا، وهو السلوك بين طرفي الإفراط - وهو الجور على النّفس - والتَّفريط بالإضاعة. ووقوفًا مع ما يرسمه العلم، لا وقوفًا مع داعي الحال، وإفراد المعبود بالإرادة، وهو الإخلاص. ووقوع الأعمال على الأمر، وهو متابعة السنة. فبهذه الأمور الستَّة تتمّ لأهل هذه الدّرجة استقامتهم، وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة، إمَّا خروجًا كليًّا، وإمّا خروجًا جزئيًّا. والسّلف يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما:

стр. 109

الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسنَّة، فإنَّ الشّيطان يشمّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة، وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنَّة، أخرجه عن الاعتصام بها، وإن رأى فيه حرصًا على السنَّة، وشدَّة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد، والجور على النّفس، ومجاوزة حدّ الاقتصاد فيها، قائلا له: إن هذا خير وطاعة، والزّيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النّوم، فلا يزال يحثّه ويحرّضه، حتَّى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدّها، كما أن الأوّل خارج عن هذا الحدّ، فكذا هذا الآخر خارج عن الحدّ الآخر (١) . وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين خروج عن السنَّة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة التَّفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف. وقال بعض السَّلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشّيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإمّا إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيّهما ظفر، زيادة أو نقصان (٢) . وهذا الكلام عن الاستقامة هو عين الوسطيَّة وجوهرها.

стр. 110

أولا: تعريف اليسر والوسع: قال البقاعي في تفسيره - نقلا عن الحرالي-: اليسر عمل لا يُجهد النّفس ولا يُثقل الجسم (١) . ونقل هذا القول القاسمي في تفسيره (٢) . وقال الرازي: في معنى الوسع: إنَّه ما يقدر الإنسان عليه في حال السّعة والسّهولة، لا في حال الضّيق والشِّدَّة، وأمّا أقصى الطّاقة فيسمَّى جهدًا لا وسعًا، قال: وغلط من ظنَّ أن الوسع بذل المجهود (٣) . وقال ابن منظور في تعريف اليسر: (٤) . اليسر: اللّين والانقياد. والميسرة: السّعة والغنى. وتيسير الشيء واستيسر: تسهّل. واليسر: ضدّ العسر. ويقول الدكتور / صالح بن حميد بعد أن ذكر بعض هذه الأقوال:
следующие страницы →