وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله، ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: "قد قالها النَّاس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممّن استقام» (١) .
стр. 107
أقوال العلماء في الاستقامة:
سُئل الصديق ﵁ عن الاستقامة فقال: ألا تشرك بالله شيئًا. قال ابن القيم: يريد الاستقامة على محض التّوحيد (١) .
وفي قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:٣٠) . فسَّر السَّلف الاستقامة فقالوا: (٢)
قال عمر ﵁ استقاموا لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثّعالب.
وقال عثمان بن عفان ﵁ استقاموا: أخلصوا العمل لله.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ استقاموا: أدّوا الفرائض.
وبمثل ذلك فسَّرها ابن عباس ﵁.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: استقاموا على محبّته وعبوديَّته، فلم يلتفتوا عنه يُمنة ولا يُسرة.
و من أقوال العلماء في الاستقامة:
قال ابن القيم: الاستقامة تتعلّق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنِّيَّات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (٣) .
стр. 108
وأختم الكلام عن الاستقامة بما قاله ابن القيّم في مدارج السَّالكين ممَّا يتَّضح معه علاقة الاستقامَة بالوسطيَّة، وأنَّه لا استقامة بلا وسطيَّة، ولا وسطيَّة دون استقامة.
قال (١) وهي - أي الاستقامة - على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، لا عاديًا رسم العلم، ولا متجاوزًا حدّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السنَّة.
قال ابن القيم شارحًا قول الهروي: هذه درجة تتضمَّن سنَّة أمور: عملا واجتهادًا فيه، وهو بذل المجهود، واقتصادًا، وهو السلوك بين طرفي الإفراط - وهو الجور على النّفس - والتَّفريط بالإضاعة.
ووقوفًا مع ما يرسمه العلم، لا وقوفًا مع داعي الحال، وإفراد المعبود بالإرادة، وهو الإخلاص.
ووقوع الأعمال على الأمر، وهو متابعة السنة. فبهذه الأمور الستَّة تتمّ لأهل هذه الدّرجة استقامتهم، وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة، إمَّا خروجًا كليًّا، وإمّا خروجًا جزئيًّا.
والسّلف يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما:
стр. 109
الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسنَّة، فإنَّ الشّيطان يشمّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة، وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنَّة، أخرجه عن الاعتصام بها، وإن رأى فيه حرصًا على السنَّة، وشدَّة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد، والجور على النّفس، ومجاوزة حدّ الاقتصاد فيها، قائلا له: إن هذا خير وطاعة، والزّيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النّوم، فلا يزال يحثّه ويحرّضه، حتَّى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدّها، كما أن الأوّل خارج عن هذا الحدّ، فكذا هذا الآخر خارج عن الحدّ الآخر (١) .
وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين خروج عن السنَّة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة التَّفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف.
وقال بعض السَّلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشّيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإمّا إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيّهما ظفر، زيادة أو نقصان (٢) .
وهذا الكلام عن الاستقامة هو عين الوسطيَّة وجوهرها.
стр. 110
أولا: تعريف اليسر والوسع:
قال البقاعي في تفسيره - نقلا عن الحرالي-: اليسر عمل لا يُجهد النّفس ولا يُثقل الجسم (١) .
ونقل هذا القول القاسمي في تفسيره (٢) .
وقال الرازي: في معنى الوسع: إنَّه ما يقدر الإنسان عليه في حال السّعة والسّهولة، لا في حال الضّيق والشِّدَّة، وأمّا أقصى الطّاقة فيسمَّى جهدًا لا وسعًا، قال: وغلط من ظنَّ أن الوسع بذل المجهود (٣) .
وقال ابن منظور في تعريف اليسر: (٤) .
اليسر: اللّين والانقياد.
والميسرة: السّعة والغنى.
وتيسير الشيء واستيسر: تسهّل.
واليسر: ضدّ العسر.
ويقول الدكتور / صالح بن حميد بعد أن ذكر بعض هذه الأقوال:
стр. 111
يظهر من ذلك أن اليسر والوسع: ما يُقدم عليه الإنسان من غير أن يلحقه مشقَّة زائدة، ومن غير أن يحتاج لبذل كلّ ما لديه من طاقة ومجهود، وعقّب قائلا: ومن هذا فإنّ ما ذكره ابن حزم في أصول الأحكام من أنَّ: (العسر والحرج ما لا يستطاع، أمَّا ما استطيع فهو يسر) . ليس بدقيق، ولا سيَّما في إطلاق الشرع، إذ أنَّ هناك أمورًا يستطيع المكلّف عملها، مع لحوق مشقَّة أو عسر، فجاء التَّخفيف فيها إلى ما هو أيسر، ولو بذل غاية جهده وطاقته لقام بها، ومنه يتبين أن عدم الاستطاعة ليست معيار العسر الشّرعي (١) .
وأختم أقوال العلماء في تعريف اليسر والوسع بما قاله الزمخشري: "إن الوسع هو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، فالله لا يكلّف النّفس إلا ما يتّسع فيه طوقها، ويتيّسر عليه دون مدى غاية الطّاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلّي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من شهر، ويحجّ أكثر من حجّة" (٢) .
هذا ما يتعلّق بتعريف اليسر والوسع، أمّا رفع الحرج فإنَّ تعريفه يستلزم تعريف الحرج أولا: قال في لسان العرب:
الحرج: الإثم.
وقال أحمد بن يحيى: والتّحريج: التّضييق.
وقال ابن الأثير: الحرج في الأصل: الضيق.
стр. 112
وقيل: الحرج: أضيق الضّيق، ونسبه للزَّجَّاج في موضع آخر. وحرَّج فلان على فلان: إذا ضيَّق عليه (١) .
هذا تعريف الحرج في اللغة، أمَّا في الاصطلاح: (كل ما أدَّى إلى مشقَّة زائدة في البدن أو النَّفس أو المال حالا أو مآلا) (٢) .
قال ابن عباس في قوله- تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . توسعة الإسلام، ما جعل الله من التّوبة والكفّارات (٣) .
وقال الضّحاك في تفسير الآية: جعل الدّين واسعًا ولم يجعله ضيِّقًا (٤) .
وقال مقاتل بن حيان: لم يضيق الدّين عليكم ولكن جعله واسعًا لمن دخله، وذلك أنَّه ليس مما فرض عليهم فيه إلا وقد ساق إليهم عند الاضطرار فيه رخصة (٥) .
стр. 113
وبعد هذا التّعريف للحرج يكون رفع الحرج هو:
(إزالة ما يؤدّي إلى هذه المشاقّ الموضَّحة في التَّعريف. ويتوجه الرّفع والإزالة إلى حقوق الله لأنَّها مبنيَّة على المسامحة، ويكون ذلك إمّا بارتفاع الإثم عند الفعل، وإمَّا بارتفاع الطّلب للفعل، وحينما يرتفع كل ذلك ترتفع حالة الضّيق التي يعانيها المكلّف حينما يستشعر أنَّه يقدم على ما لا يُرضي الله، وهذا هو الحرج النفسيّ والخوف من العقاب الأخرويّ.
كما يرتفع الحرج الحسيّ حينما يكون التّكليف شاقًّا فيأتي العفو من الله إمَّا بالكفّ عن الفعل الموقع في الحرج، وإمَّا بإباحة الفعل عند الحاجة إليه) (١) .
ففي قوله، ﵇، حينما سئل عن التّرتيب بين أعمال يوم النّحر من الرّمي والحلق والطّواف والنَّحر: «افعل ولا حرج» (٢) . إباحة لترك التّرتيب بين هذه الشَّعائر، ورفع للإثم عمَّن لم يرتّب كترتيب رسول الله، ﷺ في نسكه حينما قال: «خذوا عنِّي مناسككم» (٣) .
وبعد أن تبيَّن لنا معنى التّيسير والوسع ورفع الحرج أذكر الأدّلة على ذلك من الكتاب والسنَّة، وأقوال السَّلف في ذلك:
стр. 114
١- أدلة التيسير والتخفيف قال الله - تعالى-: ﴿بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) .
وقال - سبحانه -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:٢٨) .
وقال ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (الأعلى:٨) .
وقال في سورة الانشراح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:٥، ٦) .
وفي سورة الطّلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق: من الآية ٤) .
وقال - جلّ من قائل -: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: من الآية ٧) .
هذه بعض الآيات التي تفيد التّيسير على هذه الأمَّة.
قال القاسمي في تفسير أية البقرة: قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية (١) .
وقد ذكر المفسّرون في تفسيرهم لهذه الآيات أن الله أراد لهذه الأمَّة اليسر ولم يرد لها العسر (٢) .
стр. 115
٢- أدلة رفع الحرج من أقوى الأدلّة وأصرحها في الدّلالة على رفع الحرج قوله - تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) .
قال الطبري في تفسير هذه الآية: جعل الدّين واسعًا ولم يجعله ضيّقًا (١) .
وقال ابن كثير: أي: ما كلّفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا (٢) .
وقال- سبحانه-: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: من الآية ٦) .
وفي سورة التوبة: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة: من الآية ٩١) .
وقال في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٨) .
وفي سورتي الفتح والنور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (النور: من الآية ٦١) .
стр. 116
وفي هذه الآيات دلالة ظاهرة على رفع الحرج على هذه الأمَّة، وأنَّ الله لم يجعل في التّشريع حرجًا، وبعض هذه الآيات وإن كانت خاصّة في أحكام معيّنة، ولكنَّنا نجد التّعليل عامًّا، فكأنّ التّخفيف ورفع الحرج في هذه الأحكام والفروض بإعادة الشيء إلى أصله وهو رفع الحرج عن هذه الأمَّة، فكل شيء يؤدّي إلى الحرج لسبب خاصّ أو عامّ فهو معفوّ عنه، رجوعًا إلى الأصل والقاعدة.
стр. 117
٣- أدلة عدم التكليف بما يضاد الوسع والطاقة قال- سبحانه- في سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) . وفي الآية نفسها: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) .
وقال الله- تعالى- كما في الحديث الصحيح: «قد فعلت» (١) وكذلك قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) .
قال الشيخ الدكتور / صالح بن حميد: (والوسع ما يسع الإنسان فلا يعجز عنه ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، فقوله- تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) أي: لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه أو يحرجها دون مدى غاية الطّاقة، فلا يكلّفها بما يتوقَّف حصوله على تمام صرف القدرة، فإنَّ عامة أحكام الإسلام تقع في هذه الحدود، ففي طاقة الإنسان وقدرته الإتيان بأكثر من خمس صلوات وصيام أكثر من شهر، ولكنَّ الله جلّت قدرته ووسعت رحمته أراد بهذه الأمَّة اليسر ولم يرد بها العسر) (٢) .
стр. 118
ومن الأدلّة على أنَّ التكليف بحدود الوسع والطّاقة قوله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (لأعراف:٤٢) .
ويقول- سبحانه- في سورة المؤمنون: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (المؤمنون: من الآية ٦٢) .
قال القاسميّ: فسنة الله جارية على أنَّه لا يكلف النّفوس إلا وسعها (١) .
بل جاء تقرير هذه القاعدة عند ذكر بعض الأحكام الجزئيَّة فقال- سبحانه-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٣) .
وكذلك في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: من الآية ٧) .
стр. 119
وكذلك- أيضًا- في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٢) .
هذه هي الآيات التي وردت مبيّنة أنَّ التّكليف بحسب الوسع والطّاقة، ولا شكَّ أنَّ الأحكام الشَّرعية إذا كانت مطلوبة في حدود الوسع والاستطاعة دون بلوغ غاية الطّاقة، ففي ذلك الدّلالة الظّاهرة على أن الحرج مرفوع، وأنَّ اليسر سمة هذا الدّين، والتّوسعة على العباد خاصِّيَّة من خصائصه، فهي الحنيفيَّة السّمحة والوسطيَّة التي لا عَنَتَ فيها ولا مشقَّة (١) .
стр. 120
الأدلة من السنة النبوية:
جاء في سورة براءة وصف الرسول، ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨) . وكذلك فقد جاءت الأحاديث عنه، ﷺ تبين يسر هذا الدِّين، وتحمل النّهي عن التّشدّد والتّعمّق والغلوّ، بل ترك، ﷺ كثيرًا من الأعمال رحمة بأمّته وخشية من أن يشقّ عليها، وهذا يخالف يسر الدّين وسماحته (١) .
وسأذكر بعض الأحاديث التي تؤكّد حقيقة يسر الإسلام وبعده عمَّا يخرج عن منهج الوسطيَّة.
وقد تنوَّعت أساليب رسول الله، ﷺ في توجيه أمّته لهذه الحقائق وتأصيلها.
فنجد في الأحاديث ما جاء صريحًا في بيان أنَّ هذا الدّين دين اليسر والسّماحة، وأنَّه، ﷺ بُعِثَ بذلك.
فقد روت عائشة ﵂ أنَّ رسول الله، ﷺ قال: «إنَّ الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا» (٢) .
وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لمَّا بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرا ولا تُعسِّرا وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا» (٣) .
стр. 121
وقال، ﷺ مبَيِّنًا حقيقة هذا الدين: «إنَّ الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا» (١) .
وروى ابن عباس عنه، ﷺ «أنه قال لما قيل له: يا رسول الله! أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيَّة السَّمحة» (٢) .
وجاء في روايات أخرى: «بُعثت بالحنيفيَّة السّمحة» (٣) .
وفي رواية: «إنَّ أحبّ الدّين إلى الله الحنيفيَّة السّمحة» (٤) .
وعن عروة الفقيمي ﵁ قال: «كنَّا ننتظر النبي، ﷺ فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلّى، فلمّا قضى الصّلاة جعل النَّاس يسألونه: يا رسول الله! أعلينا من حرج في كذا، فقال رسول الله، ﷺ "لا أيّها النّاس: إنَّ دين الله- في يسر، إنَّ دين الله- في يسر، إنَّ دين الله- في يسر» (٥) . وما خير رسول الله، ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٦) .
وفي مسند الإمام أحمد، قال: قال، ﷺ «إنَّ خير دينكم أيسره، إنَّ خير دينكم أيسره» (٧) .
стр. 122
وقال، ﷺ في حديث محجن بن الأدرع: «إنَّ الله تعالى رضي لهذه الأمَّة اليسير وكره لها العسير» (١) .
وهذه الأحاديث صريحة في بيان يسر هذا الدّين وسماحته.
ونجد من أساليبه، ﷺ في هذا الجانب ما ورد في النّهي عن الغلوّ والتنطّع.
فعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ «إيَّاكم والغلوّ في الدّين فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين» (٢) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ «هلك المتنطّعون» قالها ثلاثًا (٣) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله، ﷺ كان يقول: «لا تُشّددوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيارات رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (٤) .
стр. 123
ومن أساليبه- أيضًا- ﷺ ترك العمل مخافة المشقَّة على أمَّته: ومن ذلك قصَّة صلاة التَّراويح، «حيث صلى، ﷺ ذات ليلة في رمضان فصلَّى بصلاته ناس، ثم صلَّى القابلة فكثر النّاس، ثم اجتمعوا في الليلة الثَّالثة أو الرّابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنيّ خشيت أن تُفرض عليكم» وفي الرّواية الأخرى: «فتعجزوا عنها» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ قال: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كل صلاة» (٢) .
بل إنَّه يعمل العمل فيندم على ذلك مخافة المشقَّة على أمّته: فقد روت عائشة ﵂ «أن رسول الله، ﷺ خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: "إنّي دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إنّي أخاف أن أكون قد شققت على أمّتي» (٣) .
стр. 124
ووصل من رحمته، ﷺ وتيسيره على أمّته وكرهه للمشقَّة عليهم ما يفيده هذا الحديث الذي رواه أبو قتادة، حيث قال، ﷺ «إنّي لأقوم إلى الصّلاة وأنا أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبي فأتجوّز كراهية أن أشقّ على أمّه» (١) .
ومن أساليبه في ذلك نهيه، ﷺ لأصحابه عن أعمال تؤدي إلى المشقَّة والعسر:
«فقد جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ فقال: إنّي لأتأخرّ عن صلاة الصّبح من أجل فلان مما يطيل بنا» قال أبو مسعود الأنصاري راوي الحديث: فما رأيت النبي، ﷺ غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال: «أيّها الناس إن منكم منفّرين، فأيّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنَّ من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة» (٢) .
«ودخل مرَّة المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلَّقت به، فقال، ﷺ حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» (٣) .
стр. 125
وجاء في الصّحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي، ﷺ رأى شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إنَّ الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني، وأمره أن يركب» (١) .
ومثل ذلك «قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة الرسول، ﷺ فلما علموا ذلك كأنّهم تقالّوها! فقال أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أمّا أنا فأصّلي الليل أبدًا، وقال الآخر: لا أتزوجّ النساء، فقال ﷺ أأنتم الذين قلتم كذا وكذا، أمَا والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منِّي» (٢) .
وأختم هذه الأحاديث بهذا الحديث الذي رواه الدارقطني بسنده عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «خرج رسول الله، ﷺ في بعض أسفاره فسار ليلا فمرَّ على رجل جالس عند مقراة له- وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء- فقال له عمر: يا صاحب المقراة: ولَغَتْ السّباع الليلة في مقراتك؟
стр. 126
فقال له النبي، ﷺ "يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلّف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور» (١) .
ومما سبق من هذه الأحاديث يتبيَّن لنا سماحة هذا الدّين ويسره، وبعده عن الغلوّ والتّشدّد وما يؤدّي إلى المشقَّة والعسر.
стр. 127
أقوال السلف (١)
ما ذكرته من الأدلّة من الكتاب والسنَّة يغني عمَّا سواه، بل إن آية واحدة أو حديثًا واحدًا صحيحًا حجَّة في ذلك.
ولكن لأبين أنَّ قضيّة يسر هذا الدّين وسماحته ووسطيَّته أصبحت منهجًا عمليًّا، استجابة لله ورسوله، فسأذكر بعض ما ورد عن السّلف في هذا الباب، مع الاختصار دون إخلال أو إقلال.
يقول عبد الله بن مسعود ﵁ مبيّنًا منهج الصّحابة في ذلك: "من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، ﷺ كانوا أفضل هذه الأمَّة، أبرّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلّها تكلّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ﷺ ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتّبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم" (٢) .
وقال- أيضًا- إيَّاكم والتّنطّع، إيَّاكم والتّعمّق، وعليكم بالعتيق (٣) .
وقال أنس بن مالك ﵁ كنّا عند عمر ﵁ فسمعته يقول: "نهينا عن التّكلّف" (٤) .
قال الدكتور / صالح بن حميد: هذه الصّيغة وإن كان لها حكم المرفوع، غير أنَّها تدلّ على البعد عن التّكلّف هو منهج عمر وغيره من الصّحابة (٥) .
стр. 128
وقد مرَّ عمر ﵁ في طريق فسقط عليه شيء من ميزاب، فقال رجل مع عمر: يا صاحب الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب: لا تخبرنا، ومضى (١) .
وروي أن عبد الله بن عمر ﵄ سئل عن الجبن الذي تصنعه المجوس؟ فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه (٢) .
وقال الإمام الشعبي: إذا اختلف عليك أمران فإنَّ أيسرهما أقربهما إلى الحقّ لقوله- تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) .
وقال معمر وسفيان الثوري: إنما العلم أن تسمع بالرّخصة من ثقة. فأمَّا التّشديد فيحسنه كل أحد (٣) .
وقال إبراهيم النخعي: إذا تخالجك أمران فظنَّ أن أحبهما إلى الله أيسرهما (٤) .
وروي عن مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز: أفضل الأمرين أيسرهما لقوله- تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) (٥) .
والآثار في هذا كثيرة جدًّا، وما مضى فيه الكفاية- إن شاء الله-.
وبعد:
стр. 129
فإنَّ المتأمّل لهذه الآثار من الكتاب والسنَّة وأقوال سلف الأمَّة يلحظ أن هذا المعنى غائب عن واقع وفهم كثير من المسلمين، وقليل منهم من يدرك هذه الحقيقة ويتعامل معها، حيث إنَّه يوجد هناك من لو سئل عن هذا الأمر لأجاب الإجابة الصّحيحة، ولكن عند التأمّل في واقعه وتعامله والتزامه ومنهجه لا نجد إلا الإفراط أو التّفريط.
стр. 130
والعجب أن بعض هؤلاء كأنَّه أغير على دين الله من رسول الله، ﷺ بل من الله- جلّ وعلا- الذي يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) . ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:٢٨) . وهذا لا يعني- أيضًا- التّفريط والتَّساهل والتّهاون بحجّة أن هذا الدّين يسر، وهو ما يبرّر به كثير من المقصّرين والعصاة أفعالهم، فإنَّ تحديد مفهوم اليسر والتّوسعة إلى الشَّارع لا إلى أهواء النَّاس ورغباتهم وما ألفوه ودرجوا عليه، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلوّ ولا جفاء (كلا طرفي قصد الأمور ذميم) . ثمَّ إن قضيَّة التّيسير والتّوسعة قضيَّة منهج متكامل وليست تتعلّق بجزئيَّة أو جزئيَّات كما قد يتصَّور بعض النَّاس.
стр. 131
وبهذا التّعريف والشّمول ندرك أنَّ هذا الأمر يندرج في منهج الوسطيَّة التي هي سمة من سمات هذه الأمَّة، وخاصيَّة من خصائصها، فلن نستطيع أن ندرك حقيقة الوسطيَّة إلا إذا فهمنا سمة اليسر والتّوسعة ورفع الحرج، وإلا تصبح الوسطيَّة معنى مفرغًا من حقيقته، وقولا نظريًّا لا وجود له في الواقع، وبذلك يفقد هذا الدّين خاصيَّة لها أثرها في حياة النَّاس ومآلهم.
стр. 132
رابعًا البينيَّة
ذكرت في مبحث سابق أنَّ البينيَّة من لوازم وصفات الوسطيَّة، وحيث ذكرت ذلك مختصرًا فإنّي أزيده هنا وضوحًا وبيانًا، فأقول:
إنَّ إطلاق لفظ البينيَّة يدلّ على وقوع شيء بين شيئين أو أشياء، وقد يكون ذلك حسًّا أو معنى.
وعندما نقول: إنَّ (الوسطيَّة) لا بدّ أن تتَّصف بالبينيَّة، فإنَّنا لا نعني مجرَّد البينيَّة الظَّرفيَّة، بل إنَّ الأمر أعمق من ذلك، حيث إنَّ هذه الكلمة تعطي مدلولا عمليًّا على أن هذا الأمر فيه اعتدال وتوازن وبُعد عن الغلوّ والتّطرف أو الإفراط والتَّفريط.
وبهذا تكون البينيَّة صفة مدح، لا مجرَّد ظرف عابر.
ومن هذا التَّفسير جاءت علاقة البينيَّة بالوسطيَّة، وقد رأيت جمهورًا من العلماء ربطوا بين الوسطيَّة والبينيَّة، ولا غرابة في ذلك، فإنَّ لهذا أصلا في اللغة والاشتقاق، كما سبق بيان ذلك، وهو المتبادر إلى الأذهان عند إطلاق هذه الكلمة.
ولأهميَّة هذه القضيّة (١) فسأذكر بعض أقوال العلماء، ومن قال بذلك منهم في القديم والحديث:
١- الإمام الطبري: حيث قال في تفسيره: وأنا أرى أنَّ الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء، الذي هو بين طرفين، مثل وسط الدّار.
стр. 133
وأرى أن الله- تعالى ذكره- إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط لتوسّطهم في الدّين، فلا هم أهل غلوّ فيه، غلوّ النّصارى الذين غلو بالتَّرهّب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه.
ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله، وقتلوا أنبيائهم، وكذبوا على ربّهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسّط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها (١) .
٢- شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكرتُ كلامه سابقًا، وأُعيد بعضه هنا، حيث قال في العقيدة الواسطيَّة:
فإنَّ الفرقة الناجية أهل السنَّة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمَّة، كما أنَّ الأمَّة هي الوسط في الأمم.
فهم وسط في باب صفات الله- تعالى- بين أهل التّعطيل الجهميَّة، وأهل التَّمثيل المشبّهة.
وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبريَّة والقدريَّة وغيرهم.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيديَّة من القدريَّة وغيرهم.
وفي باب أسماء الإيمان والدّين بين الحروريَّة والمعتزلة وبين المرجئة والجهميَّة.
وفي أصحاب رسول الله بين الرافضة والخوارج (٢) .
стр. 134
٣- رشيد رضا حيث قال: قالوا: إنَّ الوسط هو العدل والخيار، وذلك أنَّ الزّيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنّقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتَّفريط ميْل عن الجادّة القويمة، فهو شرّ ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما.
ثم ذكر قولا لأستاذه محمد عبده حيث إنَّه يرى- أيضًا- أنَّ الوسط هو المتوسّط بين أمرين مع كونه خيارًا (١) .
٤- يوسف القرضاوي فقد قال: ونعني بها- أي الوسطيَّة- التوسّط أو التّعادل بين طرفين متقابلين أو متضادّين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتّأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقّه، ويطغى على مقابله، ويحيف عليه، ثم ذكر بعض الأمثلة في ذلك (٢) .
٥- محمد قطب حيث بين في كتابه "منهج التَّربية الإسلاميَّة" أنَّ الوسطيَّة هي التّوازن، والتّوازن هو العدل، حيث قال في قوله- تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) . وسطًا في كل شيء، متوازنين، في كل ما تقومون به من نشاط.
стр. 135
ثم بين أنَّ الوسطيَّة تعني التَّوفيق بين أشياء كثيرة، كالتَّوفيق بين مطالب الفرد الواحد، وبين مطالب الجموع، والتَّوفيق بين العمل للعاجلة والآجلة ... وهكذا (١) .
٦- عبد الرحمن بن ناصر السّعدي، وانظر ما قاله في رسالة القواعد الحسان لتفسير القرآن، القاعدة (٢٤) : وبالجملة فإن الله العليم الحكيم أمر بالتوسّط في كل شيء بين خلقين ذميمين، تفريط وإفراط، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) (٢) .
٧ - عمر سليمان الأشقر، فقد اعتبر الوسطيَّة هي الأمر الوسط بين أمرين متطرّفين، حيث قال: من المعضلات التي لم ينجح المشرّعون من البشر في حلّها التّطرّف في التّشريع، فبعض القوانين تجنح إلى أقصى اليسار، وبعض آخر يجنح إلى أقصى اليمين، وقلّما يوفّق واضعو القوانين إلى التوسّط والاعتدال.
وقال في موضع آخر: وإذا نظرت إلى الشّريعة الإسلامية وجدتها وسطًا في كل أحكامها، فأحكامها بين الغالي والجافي (٣) .
стр. 136
٨- عمر بهاء الدين الأميري، فقد تناول الوسطيَّة من منطلق التوسّط بين شيئين، حتى إنَّه اعتبر من وسطيَّة هذه الأمَّة التوسّط الجغرافي في المكان والمناخ. وممَّا قال: وقد كان من تدبير الله الحكيم العليم في هذه الأمَّة أن جعل وسطيَّتها في كل مجال:
فهي موطن الرّسالة الأولى، وفي ساحتها الحضاريَّة المشعّة المترامية الأطراف- من بعد- في مناخ محتمل، وجوّ مسعف، لا في مناطق بركانيَّة زلزاليَّة، ولا لاظية استوائيَّة، ولا متجمّدة قطبيَّة، حيث تقعد قساوة الطبيعة بالإنسان عن الحركة والنّشاط والإعمار الحضاري.
وهي وسط في موقعها الجغرافي المهمّ، حيث كانت مهابط الوحي، أرض الإسلام، ومهد الأمَّة الإسلاميّة الأولى.
فهي الوسط بين الشّمال والجنوب، والشرق والغرب، وهي مركز الوصل بين إفريقيا وآسيا، وطرف ممتدّ من أوروبا، وهي الرّباط البريّ بين الطّرق المائيَّة (١) .
٩- يوسف كمال، حيث قال: أمَّا الوسطيَّة في الإسلام فهي حدود لمنهج الحركة في طريق مستقيم إلى هدف، بعيد عن انحرافات في سبل شتّى تؤدّي للضّلال.
قال عنه فريد عبد القادر: إلا أنَّه قد لازم عرضه فكرة التّوسّط بين أمرين (٢) .
стр. 137
ومن خلال ما سبق يتَّضح لنا أن صفة البينيَّة أمر أساسي في تحديد الوسطيَّة، وأنَّ هؤلاء العلماء والكُتّاب اعتبروا هذا الأمر قضيَّة مسلَّمة في تحديدهم، وتعريفهم للوسطيَّة.
وقد ذكرت الأدلّة من القرآن والسنَّة على أنَّ البينيَّة صفة لازمة للوسطيَّة، وذلك في مبحث (تحرير معنى الوسطيَّة) .
وهذه البينيَّة ليست مجرّد الظّرفيَّة، وإنَّما هي التي تعطي الدَّلالة على التّوازن والاستقامَّة والعدل، ومن ثمَّ الخيريَّة، فهذه هي الوسطيَّة الحقَّة. وبهذا يتَّضح لنا الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ فريد عبد القادر عندما ذهب إلى أنَّ الوسطيَّة لا تستلزم البينيَّة، ومن ثمَّ قام بتخطئة من ذهب إلى ذلك كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ممَّن ذكرت سابقًا، حيث قال:
لقد ركّزت الدّراسات السّابقة حول موضوع الوسطيَّة على مفهوم التّوسّط بين أمرين. (ثم قال) :
فكانت فكرة التّوسّط بين أمرين مسيطرة على الأذهان والعقول أثناء البحث لإظهار وسطيَّة الإسلام، مع التّعبير عن هذه الوسطيَّة بالخيريَّة، (ثم حكم عليها قائلا) : فكانت هذه الدّراسات تخلط أثناء البحث بين ملابسات صحيحة، ونتائج غير صحيحة.
стр. 138
ثم ذكر أمثلة تدلّ على عدم فهمه لما ذهب إليه أولئك الأعلام، ومن ثمَّ قام بالحكم الجائر إيَّاه (١) .
стр. 139
العدل والحكمة
أمّا العدل فقد صحّ فيه الحديث عن رسول الله، ﷺ حيث فسَّر قوله- تعالى-: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية ١٤٣) بقوله: عدولا: وذلك في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، حيث قال، ﷺ «والوسط والعدل» (١) .
وفي رواية الطبري: قال: «أمَّة وسطًا» عدولا (٢) .
وقد بيّنت أنَّ الوسطيَّة بينيَّة، ومن ثمَّ لا بد من العدل في اختيار هذا الأمر الذي بين أمرين أو عدَّة أمور.
قال القرطبي: والوسط: العدل، وأصل هذا أنَّ أحمد الأشياء أوسطها.
ثم قال: قال علماؤنا: أنبأنا ربنا- ﵎ في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة، وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا مكانًا، وإن كنَّا آخرًا زمانًا، كما قال، ﵇: «نحن الآخرون الأولون» (٣) . وهذا دليل على أنَّه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا (٤) .
وممّا يدلّ على أنَّ العدل من ملامح الوسطيَّة قول الطبري: وأمَّا التّأويل فإنَّه جاء بأنّ الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأنَّ الخيار من النَّاس عدولهم (٥) .
ثم ساق الأدلّة من السنَّة وأقوال السّلف في ذلك.
стр. 140
وقال رشيد رضا: قال الأستاذ: إنَّ في لفظ الوسط إشعارًا بالسببيَّة، فكأنَّه دليل على نفسه، أي: أنَّ المسلمين خيار وعدول لأنَّهم وسط (١) .
وإذا كان الوسط شيء بين شيئين، فإنَّه يلزم لأن يكون وسطًا شرعيًا أن يكون عدلا، لأنَّه إذا لم يكن كذلك مال وانحرف إلى أحد الطّرفين، إمَّا إلى الإفراط، وإمَّا إلى التّفريط، وهذا خروج عن حقيقة العدل، ومن ثمَّ خروج عن الوسط، ولذلك جاءت صفة الحكمة ملمحًا من ملامح الوسطيَّة، وبيان هذا: أنَّ التوسّط هو توسّط معنوي، وتحديد هذا التوسّط يكون بمراعاة جميع الأطراف، تحقيقًا للمصالح، ودرءًا للمفاسد، وهذه هي الحكمة الشّرعيَّة. وبعبارة أخرى: فإنَّ الوسطيَّة أمر نسبي، يخضع تحديده لعوامل عدَّة لا بد من مراعاتها، ولا يتحقَّق ذلك إلا بإتقان الحكمة.
ومن أجل إلقاء مزيد من الضّوء على هذه الحقيقة أذكر بعض ما ورد في الحكمة من أقوال المفسّرين، وتعريفات العلماء (٢) .
قال عبد الرحمن بن سعدي:
стр. 141
الحكمة: هي العلوم النّافعة، والمعارف الصّائبة، والعقول المسدّدة، والألباب الرزينة، وإصابة الصّواب في الأقوال والأفعال، ثم قال: وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محلّ الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام. (١) ..
وقال سيد قطب: الحكمة: القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصّالح الصّائب من الحركات والأعمال (٢) .
وكلام ابن سعدي وسيّد في غاية الدّلالة على صلة الحكمة بالوسطيَّة.
قال ابن القيّم: وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنّها معرفة الحقّ والعمل به، والإصابة في القول والعمل.
وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان (٣) .
وقال في موضع آخر: هي: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٤) .
وقوله: (على الوجه الذي ينبغي) من أقوى دلالات الوسطيَّة.
وقال في موضع آخر: الحكمة: أن تعطي كل شيء حقّه، ولا تعدّيه حدّه، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخّره عنه (٥) .
стр. 142
ونخلص ممّا سبق: أن الحكمة لا بد من اعتبارها عند تحديد معنى الوسطيَّة، بل إن الالتزام بالوسطيَّة وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التّفريط هو عين الحكمة وجوهرها.
وذلك أنَّ الخروج عن الوسطيَّة له آثاره السلبيَّة، إمَّا عاجلا أو آجلا، وهذا يُخالف الحكمة ويُنافيها.
ومن الأمثلة التي توضّح ذلك:
أمر الابن بالصّلاة لسبع سنين، وضربه عليها ضربًا غير مبرِّح بعد بلوغ العاشرة، فإنَّنا نجد التوسّط في هذه القضية ظاهرًا بين الإفراط وبين التّفريط، وهذه هي الحكمة، حيث فرَّق بين من لم يبلغ السّابعة، وبين من بلغها، وكذلك من بلغ العاشرة يختلف أمره، ثم من أدرك الحلم يختلف عمَّا سبق.... وهكذا، فقد نزّل الأمور منازلها، ووضع الأشياء مواضعها.
وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩) .
стр. 143
أولا: الخيريَّة:
وهذا يتَّضح من قوله، ﷺ «إنّي لأخشاكم لله، وأتقاكم له» ثمَّ يبينّ أنَّه يأخذ بالوسطيَّة: فيصوم ويفطر، ويصلّي وينام، ويتزوّج النّساء، فلولا أن هذا العمل لا يعارض الخشية والتّقوى، بل يطّرد معهما لم يذكرها في هذا المقام، واستخدم هذا أفعل التفضيل "أخشاكم - أتقاكم" وهي أعلى درجات الخيريَّة.
فاتَّضح أن هذه الوسطيَّة التي يرشدنا إليها رسول الله، ﷺ ، تمثّل الخشية والتّقوى، وهذه هي الخيريَّة في أفضل صورها.
стр. 144
ثانيًا: الاستقامة: وتبرز هذه الحقيقة في قوله، ﷺ «فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي»
إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوّج النّساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فهذا العمل الذي يمثّل الوسطيَّة، لا نقول إنَّه لا يُعارض الاستقامة؛ بل هو الاستقامة بعينها، حيث جعله الرسول، ﷺ من سنَّته، وهل الاستقامة إلا الالتزام بسنَّته والأخذ بها.
стр. 145
ثالثًا: اليسر ورفع الحرج: وهذا أمر جلّي وبيِّن، فنحن بين عملين وردا في هذا الحديث:
تبتّل وامتناع عن النّساء والزّواج مع ما في ذلك من مشقَّة وحرج.
ويقابله تزوّج النّساء مع ما في ذلك من قضاء الوطر، والمودّة والرّحمة، وإنجاب الأولاد.
الأول يمثل الانحراف عن سنة النبي، ﷺ مع ما فيه من مشقّة وعسر، والثاني يمثّل الوسطيَّة مع ما فيه من تخفيف وتيسير ورحمة، ودفع للحرج.
وقل مثل ذلك في الصّيام، والقيام.
إذن فالوسطيَّة في اليسر ورفع الحرج، وليس في التّكلّف والمشقَّة والعَنَت.