← Общие книги

Общие книги · id 1941

أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم

وسيم فتح الله

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم د. وسيم فتح الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد؛

стр. 2

فهذا بحث تناولت فيه سورة إبراهيم متدبرًا متفكرًا بالقدر الذي يسره الله تعالى لي، ولقد تعرضت إلى المناحي التربوية والدعوية في هذه السورة من خلال السبر والاستقراء التام لآياتها الكريمة مستعينًا - بعد الله بما تيسرت لي مطالعته من كتب التفسير لا سيما التفسير المأثور، ولقد جاء البحث على إيجازه منبهًا على حقائق عظيمة شملتها هذه السورة المباركة، ولقد بدأته بالتمهيد ثم جاءت مباحثه الثلاثة حيث تناولت في أولها سورة إبراهيم بتعريف عام لا بد منه لمن رام تفيؤ ظلال هذه السورة، ثم عرضت في المبحث الثاني الملامح العامة لمنهج الدعوة في هذه السورة حيث حددت رسالة الدعوة ثم صفات الرسل ثم معوقات الدعوة ثم أساليب الدعوة، أما المبحث الثالث فتناولت فيه منهج التوجيه الدعوي في السورة وملامح المنهج التربوي فيها ثم لخصت أهم نقاط البحث في الخاتمة دون تفصيل شديد خشية الإطالة. وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت فيما عرضت وأسأله العفو عما به زللت، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول، فهو وحده المستعان وعليه التكلان.

стр. 3

تمهيد

стр. 4

لقد جاءت الشرائع السماوية المختلفة بحقيقة واحدة هي أعظم حقيقة في الكون أعني حقيقة التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ، ولكن تنوعت أساليب وطرق عرض هذه الدعوة والتأكيد عليها من نبي إلى نبي ومن رسول إلى رسول ومن قوم إلى قوم، وليست شريعة الإسلام الخاتمة بعيدةً عن هذا التعدد الأسلوبي في عرض هذه الحقيقة الخالدة مراعاةً لتنوع مشارب الناس وأفكارهم وشبههم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢) ولا شك أن هيمنة القرآن الكريم ونسخه لما سواه من كتب يستلزم شموليةً في الخطاب تناسب كافة المشارب والمنازع الفكرية حين دعوتها إلى الحق، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) وهكذا كانت طبيعة هذا الكتاب الكريم في نفس الأمر، حيث أثبت القرآن الكريم قدرته على جذب الباحثين عن الحق

стр. 5

إليه من كل عرق وحضارة ولغة ولون ليهتدوا إلى فحوى رسالته ولتكون السمة العالمية في خطابه وأسلوبه الدعوي بارزةً منذ بزوغ شمس الدعوة فإذا بالعربي يسلم مع الحبشي والروماني مع الفارسي وإذا كان الأمر كذلك ولما كنا مخاطبين بلزوم حمل الدعوة وأداء الرسالة إلى الناس كافة كان جديرًا بنا أن نقف على بعض المعالم الأسلوبية في الخطاب الدعوي القرآني لتكون زادًا للمسلم في رحلة الدعوة والجهاد البياني، ليتمكن من خلال هذه الأساليب من خرق حجب الشبهات التي تحول دون وصول نور الحق لتبديد ظلمات القلوب. فإذا عُلم ما سبق فإن هذا البحث ليس إلا محاولة استقراء هذه الرسالة القرآنية في سورةٍ من سوره الكريمة هي سورة إبراهيم وسنرى - بإذن الله - كيف اجتمعت العديد من سمات المنهج القرآني الدعوي في هذه السورة المباركة على قصرها وإيجازها وبساطتها، وهل الإعجاز القرآني إلا هذا!

стр. 6

المبحث الأول: مدخل إلى سورة إبراهيم جدير بنا إذ عقدنا العزم على دراسة الملامح الأسلوبية التربوية والدعوية في سورة إبراهيم أن نتعرف على هذه السورة المباركة بشيء من الإيجاز، ونتعرف على موضوعها بصورة مجملة إن شاء الله. المطلب الأول: تعريف عام بسورة إبراهيم: هذه السورة هي السورة الرابعة عشرة بترتيب المصحف الشريف وهي الثانية والسبعون بترتيب النزول (١) ومجموع آياتها اثنان وخمسون آية كلها مكية كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ (٢) ونقل مثله الإمام القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر، ونقل أيضًا عن ابن عباس وقتادة استثناء آيتين أو ثلاث منها نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ((٣) الآيات من ٢٨ إلى ٣٠) .

стр. 7

ولم أقف لهذه السورة أو لبعض منها على سبب نزول معين صحيح، فهي مما نزل ابتداءً لمحض الهداية، اللهم إلا ما ورد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ حيث وردت روايات عمن نزلت فيهم هذه الآية كالتي ذكرها الإمام البخاري ﵀ عن عطاء سمع ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة" (١) ولكن هذه الروايات ليست نصًا في السببية فلا تصلح للاستثناء.

стр. 8

المطلب الثاني: الوحدة الموضوعية لسورة إبراهيم: يقول الدكتور عبد الرحمن الميداني:" فعلى متدبر كلام الله أن يوجه عنايته ما استطاع لاكتشاف وحدة موضوع السورة القرآنية وارتباط المعاني التي اشتملت عليها جملها بهذا الموضوع الكلي.." (١) والحقيقة أن التأمل والتدبر في سورة إبراهيم يُظهر بوضوح شديد الوحدة الموضوعية فيها، بمعنى أنك تقرأ السورة من أولها إلى آخرها وأنت تعيش جوًا واحدًا وتستشعر معنى واحدًا لا تأخذك التفريعات بعيدًا عنه ولا تسمح السورة لذهنك بالشرود عنه. ولئن كان هذا هو دأب السور القرآنية كلها على تفاوتٍ في وضوح هذه الظاهرة القرآنية، فإنك لا تجد أية صعوبة في استشعار هذه الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم، تمامًا كما هو الحال في سور أخرى كسورة يوسف وسورة ق وسورة الرحمن حيث تبرز وحدة موضوع السورة بروزًا لا يخفى على الناظر. وإن للتعرف على وحدة موضوع سورة إبراهيم - الذي هو الدعوة إلى التوحيد - فوائد جمة أوجزها فيما يلي:

стр. 9

١- إن تأمل هذه الوحدة الموضوعية في سورة متكاملة من سور القرآن المكي يشير إلى الأهمية القصوى التي أولاها القرآن الكريم لموضوع التوحيد، لا سيما وأن هذه السورة ليست الوحيدة التي تتفرغ لموضوع التوحيد فها أنت أمام سور كالإخلاص والكافرون وغيرها، والشاهد أن إفراد السور القرآنية على تنوعها في الطول والقصر بموضوع التوحيد تأكيد على أهمية وأولوية هذه الموضوع في الخطاب القرآني. ٢- إن تأمل التنوع الأسلوبي الذي سلكته السورة في أدائها للخطاب الدعوي تؤكد على ضرورة مراعاة هذا التنويع عند خطاب المكلفين بحيث يراعى أحوال المدعوين والشبهات السائدة والعوائق المانعة من قبول الدعوة. ٣- إن الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم ظلت بارزةً في السورة كلها من أولها إلى آخرها وكأنها تشير للدعاة إلى مبدأ منهجي مهم وهو عدم تجاوز مسألة تقرير العقيدة والتوحيد إلى أي شيء البتة حتى يتم الفراغ من تقرير الأساس العقدي. ٤- إن الوحدة الموضوعية في هذه السورة ظهرت أيضًا في السياق التاريخي الذي سردته السورة من وقائع الأمم السابقة والرسل السابقين لتؤكد مرةً أخرى على وحدة رسالة الرسل وأن دينهم التوحيد من أولهم إلى آخرهم.

стр. 10

٥- إن الوحدة الموضوعية لسورة إبراهيم تعين المتدبر على فهم الجزئيات المذكورة في السورة ضمن هذا السياق الذي يقرر الفاصل والفارق بين الإيمان والكفر؛ بحيث إن كل انقياد لأمر وارد في هذه السورة يمثل طريقًا لتحقيق الإيمان، تمامًا كما أن كل مخالفة لأمر وارد أو تلبُّسٍ بمنهيٍ عنه في السورة يشكل موردًا من موارد الكفر إن لم يكن كفرًا بعينه، وتدبُّر هذا دقيق جدًا كما سيظهر معنا في مثال لاحق عند الحديث عن كفران النعم إن شاء الله. هذه بعض الملامح العامة التي أحببت أن أستهل بها رحلتنا في رحاب هذه السورة المباركة، ولسوف تتضح إن شاء الله أبعاد هذه الفوائد بشكل أدق في سياق استعراض جزئيات السورة، فهلم متكلين على الله، رب يسِّر وأعِن.

стр. 11

المطلب الأول: رسالة الدعوة:

стр. 12

لقد جاء تقرير هذه الرسالة وبيان الهدف الدعوي في هذه السورة بأسلوب سهل بسيط مباشر لا لبس فيه ولا غموض، وتتمثل عناصر هذه الرسالة في آيتين معجزتين استهلت السورة بإحداهما واختتمت بالأخرى؛ فالأولى قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) والثانية قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) فهاتان الآيتان تقرران بكل وضوح أن هدف هذه الرسالة استنقاذ الناس أجمعين من (ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة) (٣) وهذا لا يتحقق إلا بتحقيق التوحيد الخالص المجرد لله تعالى كما ذكر في الآية الثانية ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ، وهنا نكتة دقيقة وهي أن ذكر التوحيد لم يكن صريحًا في فاتحة السورة وإنما جاء بهذه الصراحة في خاتمتها، ولعل الحكمة من ذلك لفت انتباه المخاطبين إلى ما في دعوة التوحيد هذه من تحقيق مصلحتهم لأن الناس مجبولة

стр. 13

على اتباع ما فيه مصلحة لهم، فضربت الآية الأولى المثال للكفر وللإسلام بما جُبل الناس على أنه مصلحة (وهذا على سبيل التمثيل، لأن الكفر بمنزلة الظلمة والإسلام بمنزلة النور) (١) ثم مضت السورة في الدعوة إلى التوحيد الذي هو حقيقة الإسلام وختمت السورة بذكر التوحيد صراحة إشارةً إلى أن هذه هي النتيجة القمن أن يصل إليها أولو الألباب والعقول النيرة حين تلتفت إلى ما جاء في السورة من توجيهات كما سيأتي. ولا بد لنا من أن نقرر جملة من المبادئ التي رسختها هاتان الآيتان فيما يتعلق بطبيعة الرسالة ومنها: أولًا: التأكيد على عالمية الدعوة وقد جاء ذلك في فاتحة السورة في قوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كما جاء في خاتمتها في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ ، ولا شك أن في هذا تأكيدًا على شمولية الدعوة من جهة وعلى أنها ناسخة ما قبلها وخاتمة الشرائع من جهة أخرى.

стр. 14

ثانيًا: بيان تحقق هداية الإرشاد بتزيل كتاب الله وأن هذا الكتاب هو مَعين هذه الدعوة ونبعها الصافي وهذا جليٌ في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ حيث أكد على مصدرية الوحي ومحورية دور الكتاب فلا يمكن أن يستقيم حال الناس وهم له هاجرون ولا يمكن لهم الانتفاع بنذارته وهم عنه لاهون، وهذا النوع من الهداية عام لكل الناس وبه يتحقق الإعذار. ثالثًا: بيان أن تحقق هداية التوفيق موقوفة على إذن الله حتى لا يغتر الناس بالركون إلى عقولهم وأهوائهم ويعترفوا بالفضل لله تعالى أولًا وآخرًا ويحترزوا عن أسباب خذلان الله تعالى لهم أشد ما يكونوا محتاجين إليه، وهذا الأمر واضح وجلي في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾

стр. 15

رابعًا: التأكيد على أن الله تعالى لا تنفعه طاعة المؤمنين ولا يضره عصيان الكافرين، وأنه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب غير محتاجٍ لطاعة أحد من عبيده ولا آبهٍ لمن أبق منهم، ولهذا أكدت الآية على أن الله تعالى هو ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فهو تعالى العزيز بذاته (الذي لا يغلبه غالب) (١) والحميد بذاته (المحمود بكل لسان والممجَّد في كل مكان على كل حال) (٢) ولكن الذي ينتفع من سلوك هذا الصراط هو العبد المطيع الذي يعتز بسلوكه الطريق الموصل إلى مرضاة ربه مهما استوحش الطريق وقل الصاحب والرفيق، فيكفيه عزًا أنه متذلل للعزيز ويكفيه فخرًا أنه متعبدٌ للحميد. هذه ببساطة ملامح هذه الدعوة، ووصف البساطة في مقام الخطاب الشامل للناس كافة على تفاوت في المشارب والعلوم والوعي والتفكير والاستيعاب هو وصف مدح لأنه هو الأقدر على توصيل أعظم حقيقة - حقيقة التوحيد - إلى كل عقل وقلب من غير أن تحول دون ذلك تقعرات الفلاسفة وتشدقات الكلاميين وتعقيدات العلماء، بل يمكن لأكثر الناس عاميةً وبداءة أن يدرك هذه الحقيقة بنفس الوضوح الذي يدركه جهابذة العلم.

стр. 16

ويمكن أن نستنبط مما تقدم عدة قضايا أسلوبية ينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يلتزم بها في سياق الدعوة إلى الله تعالى وهي: ١- الوضوح في بيان ما يدعو إليه مع مراعاة القدر المشترك الأدنى لأفهام الناس. ٢- مراعاة الأولويات في الدعوة فيقصر همه وجهده على مسائل التوحيد قبل غيرها. ٣- شحذ الهمم ورفع المعنويات من خلال إثارة معاني العزة عند الداعية والمستجيبين له لا سيما مع وحشة الطريق للسالكين الأوائل.

стр. 17

المطلب الثاني: صفات الرسل: إن الرسول هو حامل هذه الدعوة من الله تعالى إلى قومه، ولا شك أن الأسلوب الدعوي الناجح هو الذي يراعي متطلبات شخص الداعية ويعمل على تهذيبها كي يكون أدعى لاستجابة الناس، ولدى تأمل هذه السورة وجدنا جملةً من هذه الملامح التي يتصف بها الرسل وهي: أولًا: الإرسال بلسان القوم:

стр. 18

إن توافق لسان الرسول البشري مع لسان قومه أمر لازم لتحقق البيان عن الله ، ولهذا نجد الآية الكريمة تؤكد على تقرير ذلك حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وهذا أصلٌ ضروري في إقامة الحجة بهداية الإرشاد التي هي أثر من آثار رحمة الله تعالى بالناس، ولهذا كان (من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم) (٢) قلت: وبهذا البيان الجلي تتحقق هداية الإرشاد والدلالة على الحق، ولذا ناسب أن يتبع ذلك بتأكيد أن هداية التوفيق لا تكون إلا بمشيئة الله مثوبةً من عنده سبحانه لمن أقبل على الدعوة مستمعًا منصتًا مخبتًا منقادًا للحق. ثانيًا: التوكل على الله:

стр. 19

إن الرسول والداعية الناجح هو الذي يستعين بالله على تنفيذ أوامر الله، ويتوكل على الله حين يأخذ بأسبابه مهما كانت هذه الأسباب قوية، وأي شيء أقوى من معجزاتٍ أيَّد الله تعالى بها رسله وبينات وبراهين أقام على أيديهم بها حجته، ولكن ذلك لا يكفي بل إن مقام شهود هذه الأسباب هو - بالنسبة للداعية الناجح - عين مقام شهود الفقر إلى الله وهو بذلك أشد داعٍ إلى التوكل على الله تعالى حق توكله دونما ركون لما سواه مهما كان قويًا، بل إن هذا التوكل يصبح في سياق مجابهة الرسل أقوامهم نوعًا من التحدي المعجز بحد ذاته، فهو (كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة وهو أن قومهم في الغالب أن لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدَّتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله في دفع كيدهم ومكرهم وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق) (١) ولقد جاءت السورة بتأكيد هذا الأمر في مقام محاججة الرسل قومهم، تأمل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ

стр. 20

بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١) والحقيقة أنه لا يمكن أن تقوم للداعية قائمة في مواجهة مهمة البلاغ إلا بتوكل صحيح على الله تعالى، ولهذا كان توكل الرسل عليهم الصلاة السلام أكمل ما يكون من التوكل لأنه في أعلى ما يكون من المطالب وأشرف ما يكون من المراتب (٢) فقمنٌ بالداعية إلى الله تعالى أن يسير على خطاهم وأن يقتفي آثارهم وسننهم. ثالثًا: الصبر على الأذى: لقد تقدم معنا في آية التوكل قوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ (٣) ولا شك أن في هذا إشارة جلية من الله تعالى إلى أن الرسل سيلاقون من المشاق والمتاعب ما يستلزم استحضار هذا الابتلاء والاستعداد لمواجهته، ولقد جاء التزام الرسل بهذا الصبر مؤكدًا بلام القسم وبنون التوكيد مبالغةً في الثبات وإمعانًا في إظهار الثقة بالله تعالى أنه ينصرهم.

стр. 21

مما تقدم نستنبط عدة قضايا أسلوبية تتعلق بصفات الداعية إلى الله تعالى أوجزها فيما يلي: ١- مخاطبة الناس بما يفهمون؛ فهدف الداعية أن يوصل رسالة التوحيد إلى الناس لا أن يستعلي على القوم أو يتشدق بما لا يفهمون، وفي إرسال الله تعالى رسله بلغة أقوامهم تنبيه إلى ذلك. ٢- ضرورة التزود بزاد التوكل والصبر؛ فطريق الدعوة شاق وموحش، والمعوقات - كما سيأتي - ليست بالقليلة ولا باليسيرة، فلا بد للداعية من أن يستعد لتحمل الأذى والمشقة في سبيل البلاغ عن ربه.

стр. 22

أولًا: حب الدنيا على الآخرة: وقد جاء هذا وصفًا للكافرين في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ، وهذا المعوِّق يمكن اعتباره في الحقيقة الداء الأصيل لكل من وضع أمام الدعوة عائقًا أو اعترض طريقها بعقبة أو نحوها، لأنهم (يقدمونها [أي الدنيا] ويؤثرونها عليها [أي الآخرة] ويعملون للدنيا ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم) (١) قلت: فالذي يعمل للدنيا يتخبط في كل أوديتها ويسير وراء كل هوى، فكلما عارض الشرعُ ودعوةُ الحق هواه أخذ يضع من العوائق والعقبات ما يحجب دعوة الحق عنه لتخليَّ بينه وبين هواه، وهذا عندي هو وجه كون هذا هو المعوِّق الأصيل للدعوة، فهو يتعدى كونه مانعًا من قبول الفرد للدعوة وتلقيها إلى تجنيد هذا الفرد تحت إمرة إبليس للوقوف في طريق الدعوة بشتى السبل كما سيلي، ولهذا كان مناسبًا أن ذكرت الآية الكريمة هذا العائق أول ما ذكرت، والله تعالى أعلم.

стр. 23

ثانيًا: الصد عن سبيل الله: وسبيل الله هنا بمعنى (اتباع الرسل) (١) فهؤلاء الكفار لا يكتفون برفض دعوة الرسل لهم ولكنهم يصرفون الناس عن اتباع ما جاءت به الرسل، وهذا الصد يكون بالرفض تارة وبالإكراه تارة وبالتهديد تارة وبالتشويه والتحريف تارة كما بينت الآية نفسها في قوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي (يحرصون على تهجينها [أي سبيل الله] وتقبيحها للتنفير منها) (٢) ولما كان دأب هؤلاء هو التشهير بالدعوة والدعاة فقد رد عليهم القرآن بمثل ما فعلوا فشهَّر الله تعالى بهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد وبيَّن أنهم معادون لمولاهم ومعادون للحق ومعادون لأنفسهم في اعتراض دعوة الرسل وتنفير الناس منها، ولقد ذكر الله تعالى أمثال هؤلاء في غير موضع من القرآن، فهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) فكان جزاء هؤلاء من جنس عملهم ولبئس ما عملوا.

стр. 24

ثالثًا: الاستهزاء بالرسل:

стр. 25

وهذا مسلك آخر لهؤلاء الكفار وهو دليل على إفلاس حججهم بل عدمها، إذ لو كانت لهم حجة من المعقول أو أثر صحيح منقول لخاصموا به الرسل، ولكن لما أعيتهم الحيلة جحدوا ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ، ولقد تعددت أقوال أهل التفسير في المراد من هذا الوصف، وذكر منها الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى أن معناها أن الكفار عضوا على أناملهم غيظًا مما جاء به الرسل، أو أنهم فعلوا ذلك من العجب لما سمعوا من دعوة الرسل، أو أنهم إنما يشيرون بأيديهم إلى أفواه الرسل ليسكتوا عما جاءوا به، أو أنهم كذبوهم بأفواههم (١) إضافة إلى أقوال أخرى، (٢) وأول الأقوال مأثور عن عبد الله بن مسعود ﵁ ولعله أصح الماثور في الآية إسنادًا، ووجهه ابن جرير الطبري بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ . (٣) قلت: إن تأمل هذا الوصف - أعني قوله تعالى ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ - يوحي بشيء من الاستهزاء والتهكم وهذا مشاهد ومعروف عند الناس فترى الرجل إذا تكلم بكلمة لا يحبها القوم وضعوا أيديهم على أفواههم وتهكموا وربما تبسموا أو ضحكوا استخفافًا واستهزاءً بما يقول، وعندي أن

стр. 26

هذا لا يتعارض مع ما أُثر عن ابن مسعود ﵁ بل يكون ما ذكره من عضهم على الأنامل غيظًا في حال السر واختلائهم ببعضهم البعض كما ذكر تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (١) ويكون ما ذكرتُه من الاستهزاء والاستخفاف والتهكم في الملأ والعلن وهذا أبلغ في الصد عن سبيل الله من كونهم يظهرون الغيظ مما جاءت به الرسل، والله تعالى أعلم.

стр. 27

رابعًا: إثارة الشكوك والشبهات: وقد فضحت السورة هذا المسلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ، وردت عليهم ردًا حاسمًا في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) ذلك أن هذه الشبهة شبهة واهية لا تستحق النقاش والجدال فكان كافيًا في الرد عليها تقرير ما هو مستقر في الفطر السليمة والعقول الصحيحة، ولكن الغرض هنا التنبيه على مدى انحطاط هؤلاء الكفرة الصادين عن سبيل الله فهم لا يتورعون عن إثارة الفتنة والشبهة مهما كانت الحقيقة بدهية في العقول، ولكن ما تقول فيمن جعل الله في قلبه مرض وعلى بصره غشاوة وفي أذنه وقر نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 28

خامسًا: الإيذاء الحسي والإخراج من الأرض:

стр. 29

وهذا التهديد الذي واجهت به أقوام الرسل الدعوة إلى الله تعالى كما حكت الآية تهديدهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ، ولا شك أن هذا التهديد يعتبر من المعوقات المهمة لانتشار الدعوة وتقبل الناس لها، فالمرء مجبول على حب موطنه والأنس به وكراهة الإخراج منه، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري قال: «رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحَزْوَرَة فقال:" والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (١) ولقد فصلَّت آيات أخرى في كتاب الله تهديد الكفار هذا لرسلهم، فجاء قوله تعالى عن قوم شعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى عن قريش: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ

стр. 30

وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) . (٢) فهذا تنبيه للرسل وللدعاة من بعدهم إلى عِظم ما سيقابلهم به قومهم، وأن هذا يجب ألا يثنيهم عن المضي قُدمًا في أداء الرسالة، والله تعالى متكفل بأولئك ولئن مكروا مكرًا فالله تعالى محيطٌ بمكرهم لا محالة. بعد هذا الاستعراض الموجز لما ورد في هذه السورة من إشارة إلى بعض المعوقات الرئيسية في طريق دعوة الرسل يمكننا استخلاص جملة من العناصر الأسلوبية المتعلقة بالدعوة فيما يلي: ١- الاعتناء بتربية الدعاة وتهيئتهم لما هم مقبلون عليه من شدائد وابتلاءات، وذلك من خلال الإشارة إلى أن طبيعة الدعوة يلازمها صراعٌ بين الحق والباطل، ولما كان أهل الباطل مفلسين من جهة الحجة والدليل لم يكن لهم من سبيل سوى وضع المعوقات والعراقيل في طريق الدعوة. ٢- الاعتناء بفضح أساليب الباطل في مقاومة الحق سواء أكانت أساليب مادية - كالإيذاء والطرد- أم أساليب معنوية كإثارة الشبهات والاستهزاء ونحوه.

стр. 31

أولًا: التنبيه بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية:

стр. 32

لقد جاءت عدة آيات في هذه السورة منبهةً على ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) حيث جاء بصيغة العموم (ما) ليدل على إفراده تعالى بكل ما في السماوات والأرض (أي ملكًا وعبيدًا واختراعًا وخلقًا) (٢) وهذا مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣) وهو (استفهام معناه الإنكار) (٤) وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٥) وفيه التنبيه على أن هذا الخلق ليس خلق عابثٍ ولا لاعب تعالى الله عن ذلك، ولكن (ليستدل بها على قدرته) (٦) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ

стр. 33

لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (١) يث فصلت هذه الآية في مظاهر ربوبية الله تعالى من حيث الخلق والتدبير، وحذار أن تتوهم التكرار المحض في هذه الآيات، بل كل آية منها تأتي في موضعها لتنبه على أمر أو مسألة مستقلة ولا يمنع استعمال نفس الشاهد من تعدد المشهود عليه، فالآية الأولى استدل بها على انفراده تعالى بالملك، والآية الثانية دلت على انفراده تعالى بالخلق، والآية الثالثة دلت على انتفاء العبثية في أفعال الله تعالى، والآية الرابعة دلت على انفراده تعالى بالأمر والتدبير؛ فإذا جمعت ما تقدم وصلت إلى تقرير توحيد الربوبية الذي هو (إفراد الله في أمور ثلاثة؛ في الخلق والملك والتدبير) . (٢) وهذا التقرير من الأساليب القرآنية المعهودة التي تستثمر البدهية المطلقة المستقرة في قلوب وعقول الناس وهي أن الله تعالى هو وحده الخالق والصانع فتنطلق من هذه البدهية إلى تقرير لازمها وهو إفراد من تفرد بالربوبية بالألوهية، تأمل مرةً أخرى قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣) تجد

стр. 34

أن الآية وجهت إلى توحيد الألوهية - بعد تقرير إفراده تعالى بالخلق والربوبية - ببيان أن الله تعالى وحده هو الذي يغفر الذنوب - وهذا من خصائص الألوهية بلا ريب كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم» (١) فهذا صريح في كون المغفرة متعلقة بالألوهية. (٢)

стр. 35

ومن جهة أخرى فلقد جاءت إحدى الآيات في هذا المقام - مقام التذكير بربوبية الله تعالى وحده - لتنبه على قضية عقدية أساسية هي قضية البعث، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١) فهذا إخبار من الله تعالى بقدرته على معاد الأبدان (بأنه خلق السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس) (٢) وهذا من قبيل التنبيه بالأعلى على الأدنى، وهذا من الأساليب القرآنية المعهودة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . (٣)

стр. 36

ثانيًا: التذكير بنعم الله تعالى:

стр. 37

وهذا الأسلوب قريب من الأسلوب السابق لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته ، بل هو أسلوب أقرب إلى الحس والمشاهدة بحيث يصعب إنكاره إلا من جاحد للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضًا من الآيات المذكرة بنعم لله تعالى على اختلاف في هذه النعم في هذه السورة الكريمة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١) وأيام الله (أياديه ونعمه عليهم) (٢) قلت: ولقد جاء هذا المعنى في حديث أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه بينما موسى ﵇ في قومه يُذكرهم بأيام الله وأيام الله نعماؤه وبلاؤه» .."الحديث (٣) وقد فسرته بذلك أيضًا الآية التالية حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤) فهذه

стр. 38

الآية صريحة في بيان أيام الله وأنها ما امتن الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه ما هو حري بهم أن يذعنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة، ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (١) حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس أن هؤلاء هم كفار أهل مكة (٢) جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد ﷺ فكفروا النعمة وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قلت: وأي نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.

стр. 39

ثم جاءت آية أخرى في هذه السورة وهي عامة غير مختصة بمناسبة حيث قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١) وقد اختتمت الآية بوصف الإنسان بالظلم والكفر بصيغة المبالغة، ولا شك أن وصف الظلم وصف ٌ محتمل - أعني للكفر ولما هو دونه من (وضع الشيء في غير موضعه) - (٢) وكذلك لفظ الكفر أيضًا محتمل فيحتمل المعنى الاصطلاحي بمعنى ما يناقض الإيمان كما يحتمل المعنى اللغوي بمعنى الكفران أي (ستر نعمة المُنعِم بالجحود) (٣) ويقارن الدكتور عبد الرحمن الميداني بين ختم هذه الآية بما سبق وبين ختم نظيرها في سورة النحل بأن الله غفور رحيم حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فيقول ما حاصله أن تجاهل الناس عن بعض نعم الله تعالى وعدم مقابلتها بالشكر والعرفان يتسبب في رذيلتين هما استخدام النعمة في غير موضعها وهذا ظلم، وجحود النعم كلها أو بعضها مع تفاوت في نسبة هذا الجحود، فالمؤمنون العصاة من الناس يتصفون بمقدار من هاتين الرذيلتين لا يتعارض مع صحة الإيمان وأما

стр. 40

الكافرون يجاوزون بتلبسهم بهاتين الرذيلتين إلى دركات سفلى تتنافى مع صحة الإيمان والإسلام. فتكون آية النحل قد راعت ظلم عصاة المؤمنين وكفران النعمة فختمت بوصف المغفرة والرحمة ترغيبًا وتكون الآية في إبراهيم قد تناولت ظلم الكافرين وكفرانهم للنعمة كفرًا أعظم حيث يستفاد من صيغة المبالغة تجاوز هذا الظلم والكفران حدود استبقاء وصف الإيمان معها. (١) قلت: ولعل سياق السورة - أعني سورة إبراهيم - يقترب بالوصفين (الظلم والكفران) من معنى الكفر المخرج من الملة وهو المناسب للمقام والله تعالى أعلم، وأيًا ما كان فلا شك أن وضع نعمة الله في غير موضعها وجحود هذه النعمة طريق موصلٌ إلى الكفر والهلاك ويتفاوت الناس في التردي في دركات هذا الطريق فوجب الحذر. وحاصل هذا الأسلوب أنه يهدف إلى استثمار ما جُبلت عليه الأنفس من العرفان والشكر إلى من أسدى إليها جميلًا فما بال المرء مع ربه ومولاه الذي أورد عليه من النعم ما تتقاصر الأعمار عن تعداده ناهيك عن الوفاء به، فحري بهذا الأسلوب أن يستنقذ من في قلبه بذرة صلاح من مورد الهلاك وطريق الكفر والجحيم.
следующие страницы →