← Акыда

Акыда · id 19449

الانتصار للسلف الأخيار

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (93 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الانتصار للسلف الأخيار نقد لكتاب «أسماء الله الحسنى» للدكتور: محمود عبدالرازق الرضواني بقلم/ محمد محب الدين أبو زيد الرواد للإعلام والنشر المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع

стр. 2

الانتصار للسلف الأخيار نقد لكتاب «أسماء الله الحسنى» للدكتور: محمود عبدالرازق الرضواني بقلم/ محمد محب الدين أبو زيد المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى رقم الإيداع: ١٩٢٠٩/ ٢٠٠٧ التاريخ: ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م

стр. 5

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن كتاب "أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة" لفضيلة الدكتور/ محمود عبد الرازق الرضواني. من أفضل الكتب التي وقفت عليها مما أُلف في موضوعه ولقد استفدت منه كثيرًا وكنت - ولا أزال - أحض من أعرفه من طلبة العلم على اقتنائه والاستفادة منه. وكنت ألاحظ فيه - وكذلك غيري من طلبة العلم - بعض الأخطاء ولكني كنت أتغاضى عنها في بداية الأمر لأنه ما من كتاب إلا وبه أخطاء، وأبى الله أن يصح إلا كتابه. ولما ازدادت مطالعتي للكتاب ازدادت بالتالي كمية هذه الأخطاء التي لاحظتها، فأشار عليّ بعض إخواني أن أكتب هذه الملاحظات وأرسلها

стр. 6

إلى فضيلة الدكتور/ محمود عبد الرازق تعاونًا معه على الخير، وتنزيهًا لهذا الكتاب القيم مما وقع فيه من أخطاء، وبالفعل قمت بذلك واتصلت به هاتفيًّا وأخبرته بأنني سوف أرسل له مع بعض إخواني وريقات بها بعض ملاحظات على الكتاب فأصر أن يعرف مجملًا لهذه الملاحظات فأخبرته بها فأصر على موقفه ولم يبد أي تجاوب معي وقال مقالة عظيمة ما كنت أتوقع أبدًا أن تصدر منه حيث قال لي: «إنني اطلعت على خمس وثلاثين موسوعة إلكترونية لم يطلع عليها السلف الصالح»! ! (١). فلما رأيت الأمر بهذه الصورة استخرت الله وعزمت على نشر هذه النقد في مقدمة أحد الكتب التي أقوم بتحقيقها في مجال "العقيدة" ولكن أشار علي أحد إخواني الفضلاء أن أفرده بالنشر حتى تعم الفائدة فاستجبت لطلبه مستعينًا بالله على تحقيق ذلك. ولعل من الضرورة أن أشير إلى أهم تلك الأخطاء ليعلم القارئ أهمية هذا النقد. فأقول: يمكن حصر أهم الأخطاء في النقاط التالية:

стр. 7

١ - زعمه أنه لم يقم أحد من السلف الصالح ولا من علماء المسلمين وأئمتهم بإحصاء الأسماء الحسنى لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم. ٢ - اشتراطه فحص جميع النصوص القرآنية والنبوية لإحصاء الأسماء الحسنى. ٣ - زعمه امتناع إحصاء الأسماء الحسنى بدون استخدام الحاسب الآلي. ٤ - ادعاؤه أنه أحاط علمًا بالسنة النبوية كلها. ٥ - عدم قبوله للحديث الحسن في باب إثبات الأسماء الحسنى. ٦ - رده كذلك للحديث الموقوف الذي له حكم الرفع. ٧ - زعمه أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسمًا فقط. ٨ - إخراجه لفظ الجلالة "الله" من التسعة والتسعين اسمًا. ٩ - جزمه بأن الأسماء التي قام بإحصائها هي المعنية بحديث " إن لله تسعة وتسعين اسمًا ... ". ١٠ - تفسيره لحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا ... ". تفسيرا لم يقله أحد قبله. ١١ - وقوعه في أخطاء كثيرة نتيجة لاعتماده الكلي على الحاسب الآلي. هذه هي أهم الأخطاء التي وقع فيها الدكتور، وسيجد القارئ أخطاء أخرى نبهت عليها في غضون هذه الرسالة ولم أستوعب كل الأخطاء الموجودة في الكتاب، ولكن ذكرت ما تيسر لي الوقوف عليه.

стр. 8

وليعلم القارئ الكريم أني لا أريد ببيان أخطاء هذا الكتاب أن أحط من قدره أو من قدر مؤلفه، بل إنما أريد الانتصار للحق بالحق، والدفاع عن السلف الصالح وعن عقيدتهم الطاهرة النقية الزكية، وتنزيهًا للكتاب عن الخطأ ما أمكن. فإن ذلك أدعى لإقبال الناس عليه واستفادتهم منه. والله أسأل أن يجعل كتابي هذا خالصًا لوجهه الكريم. وأن يتقبله مني بقبول حسن، وأن لا يخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وكتب محمد محب الدين أبو زيد القاهرة: الأحد ٨ من رجب، سنة ١٤٢٨ هـ الموافق ٢٢ يونيو ٢٠٠٧ م * * *

стр. 9

الدفاع عن السلف الصالح وبيان أن الإحصاء لا يتوقف على استخدام الحاسب الآلي ذكر الدكتور (ص: ١٤) أن ابن الوزير اليماني قال: «تمييز التسعة والتسعين يحتاج إلى نص متفق على صحته أو توفيق رباني، وقد عدم النص المتفق على صحته في تعيينها فينبغي في تعيين ما تعين منها الرجوع إلى ما ورد في كتاب الله بنصه، أو ما ورد في المتفق على صحته من الحديث» اهـ. ثم علق الدكتور قائلًا: «والرجوع إلى ما أشار إليه ابن الوزير مسألة أكبر من طاقة فرد وأوسع من دائرة مُجِدٍّ؛ لأن الشرط الأول والأساسي في إحصاء الأسماء الحسنى هو فحص جميع النصوص القرآنية وجميع ما ورد في السنة النبوية مما وصل إلينا في المكتبة الإسلامية، وهذا الأمر يتطلب استقصاءً شاملًا لكل اسم ورد في القرآن، وكذلك كل نص ثبت في السنة، ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد، وهذا في العادة خارج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة؛ ولذلك لم يقم أحد من أهل العلم سلفًا وخلفًا بتتبع الأسماء حصرًا منذ أكثر من ألف عام، وإنما كان كل منهم يجمع ما استطاع باجتهاده أو ما تيسر له من جمع غيره واجتهاده .... لكن الله لَمَّا يسر الأسباب في هذا العصر أصبح

стр. 10

من الممكن إنجاز مثل هذا البحث في وقت قصير نسبيًّا، وذلك باستخدام الكمبيوتر والموسوعات الإلكترونية التي قامت على خدمة القرآن وحوت آلاف الكتب العلمية واشتملت على المراجع الأصلية للسنة النبوية وكتب التفسير والفقه ... ولم تكن هذه التقنية قد ظهرت منذ عشر سنوات تقريبًا، أو بصورة أدق لم يكن ما صدر منها كافيًا لإنجاز مثل هذا البحث ... » اهـ. أقول: هذا الكلام يحتوي على عدة أخطاء وبيانها كالتالي: أولًا: زعم الدكتور أن فحص جميع النصوص القرآنية والنبوية شرط أساسي في إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين. وهذا كلام لا دليل عليه، ولم يشترط أحد من العلماء هذا الشرط، وكلام الإمام ابن الوزير اليماني ﵀ لا يدل عليه كما هو ظاهر. ودليل بطلان هذا الشرط: هو أنه لا يوجد أحد يستطيع فحص جميع النصوص النبوية، مهما أوتي من علم وحفظ، وتوفرت له سبل البحث بواسطة الكمبيوتر أو غيره، كما سيأتي بيانه قريبًا (١). فإذا اشترطنا هذا الشرط أدى إلى إلغاء العمل بحديث النبي ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة» (٢). فتبين من ذلك أن هذا الشرط غير صحيح، «وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».

стр. 11

وقد أدى اشتراط الدكتور لهذا الشرط إلى أن يدعي أن مسألة الإحصاء أكبر من طاقة البشر وخارجة عن قدرتهم المحدودة وأيامهم المعدودة! ! وجوابًا على ذلك أقول: بل إن إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين في وسع كل مؤمن، حيث إن النبي ﷺ قد رغّب المؤمنين من لدن الصحابة ﵃ إلى قيام الساعة على إحصائها، مما يدل على أن هذا الإحصاء في طاقتهم وداخل قدرتهم، وهل يرغّب النبي ﷺ في أمر خارج عن قدرة البشر؟ ! ! ولو كان هذا الإحصاء أكبر من طاقة فرد وأوسع من دائرة مُجد، ولا يستطيع أحد القيام به إلا بفرز عشرات الآلاف من الأحاديث واستخدام الحاسب الآلي كما يزعم الدكتور، لم يكن لهذا الحديث فائدة بدون الحاسب الآلي، ولقصرت فائدة هذا الحديث على هذا العصر، أو على الدكتور خاصة، وهذا ظاهر البطلان. ثم إن أحكام الشريعة لا تتوقف على شيء من العلوم الكونية والاكتشافات العلمية، كالحاسب الآلي وغيره. فأحكام الشريعة يستوي في إمكانية معرفتها والقيام بها جمهور الناس، وهذا مقتضى شمولية دعوة الإسلام لجميع البشر. ولا ننكر أن بعض الاكتشافات العلمية الحديثة قد تُيسِّر على بعض الناس القيام ببعض أمور الشريعة، ولكن أن نقول: إن شيئا من أمور الشريعة تتوقف معرفته على بعض الاكتشافات العلمية أو العلوم الكونية. فهذا الذي لا نقبله أبدًا.

стр. 12

قال الإمام الشاطبي في «الموافقات» (٢/ ٥٨): «هذه الشريعة المباركة أمية (١)؛ لأن أهلها كذلك، فهو أجرى (٢) على اعتبار المصالح، ويدل على ذلك أمور: أحدها: النصوص المتواترة اللفظ والمعنى، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وفي الحديث: «بعثت إلى أمة أمية» (٣) لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم

стр. 13

الأقدمين، والأمي منسوب إلى الأم، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابًا ولا غيره، فهو على أصل خلقته التي ولد عليها، وفي الحديث: «نحن أمة أمية، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا» (١). وقد فسر معنى الأمية في الحديث، أي: ليس لنا علم بالحساب ولا الكتاب. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وما أشبه هذا من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنة، الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية؛ لأن أهلها كذلك ... ) اهـ. وقال الإمام الشاطبي ﵀ أيضًا في «الموافقات» (٢/ ٦٦، ٧٤ - ٧٦): «ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها - وهم العرب - ينبني عليه قواعد: ... ومنها: أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها ليسعه الدخول تحت حكمها. أما الاعتقادية: بأن تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل بحيث يشترك فيها الجمهور، من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدًا؛ فإنها لو كانت مما لا يدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة، ولم تكن أمية، وقد ثبت كونها كذلك، فلابد أن تكون المعاني المطلوب علمها واعتقادها

стр. 14

سهلة المأخذ. وأيضًا فلو لم تكن كذلك لزم بالنسبة إلى الجمهور تكليف ما لا يطاق، وهو غير واقع كما هو مذكور في الأصول ... وأما العمليات: فمن مراعاة الأمية فيها أن وقع تكليفهم بالجلائل في الأعمال والتقريبات (١) في الأمور، بحيث يدركها الجمهور، كما عرف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة لهم، كتعريفها بالظلال، وطلوع الفجر، والشمس وغروبها، وغروب الشفق، وكذلك الصوم ... ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر بالمنازل؛ لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها، ولدقة الأمر فيه، وصعوبة الطريق إليه. وأجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم، وعفا عن الخطأ، إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور، فلا يصح الخروج عما حد في الشريعة، ولا تطلب ما وراء هذه الغاية؛ فإنها مظنة الضلال، ومزلة الأقدام» اهـ. قلت: وكلام هذا الإمام يدل دلالة واضحة على أن الشريعة لا تتوقف معرفتها على شيء من العلوم الطبيعية والاكتشافات العِلميَّة الحديثة، فما ذهب إليه الدكتور من تعذر إحصاء الأسماء التسعة والتسعين بدون وجود الحاسب الآلي باطل، اعتمادًا على الأدلة التي ساقها الإمام الشاطبي ﵀.

стр. 15

ثانيًا: زعم الدكتور أنه لم يقم أحد من أهل العلم سلفًا وخلفًا بتتبع الأسماء حصرًا منذ أكثر من ألف عام لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم! ! أقول: هل تظن يا فضيلة الدكتور أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة لم يستطيعوا إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم؟ ! وهل نفهم من ذلك أن الله قد حرم السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة ﵃ من هذه الفضيلة وخصك بها يا فضيلة الدكتور؟ ! يجب علينا أن نعلم أن السلف الصالح ﵃ قد شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية في قوله ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). فهم خير الناس علمًا وعملًا. وكل فضيلة في علم أو عمل، وكل جزء من الدين صغير أو كبير فإنهم قد سبقونا إلى معرفته والعمل به. فلا شك أنهم قد قاموا بإحصاء الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه جزء من الدين وفضيلة في العلم والعمل، وليس عدم نقل ذلك إلينا دليلًا على عدم وقوعه. والله أعلم.

стр. 16

قال الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٤/ ٧٧ - ٧٨): «ثبت عن النبي ﷺ في «الصحيح» من وجوه متعددة أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقًا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطئوا هم - لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن ... ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها، فيا سبحان الله! أي وصمة أعظم من أن يكون الصِّدِّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم» اهـ. قلت: رحم الله الإمام ابن القيم فكأنه يتكلم في مسألتنا هذه، ولا أظن الدكتور يدعي أن قرنه الذي استطاع فيه إحصاء الأسماء التسعة والتسعين بواسطة الحاسب الآلي أفضل من القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية! !

стр. 17

ويقول الإمام الشاطبي ﵀ في «الموافقات» (١/ ٧٤ - ٧٦) في معرض بيانه لطرق أخذ العلم عن أهله: « ... أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربة والخبر: أما التجربة: فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم. وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري، فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سِيَرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى. وأما الخبر: ففي الحديث: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك. وروي عن النبي ﷺ : «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض» (٢). ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئًا بعد شيء، ويندرج ما نحن فيه تحت الإطلاق. وعن ابن مسعود أنه قال: «ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب

стр. 18

خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام ويثلم». ومعناه موجود في «الصحيح» في قوله: «ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يُستفتَون فيُفتُون برأيهم، فيضلون ويضلون» (١) .... والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا، وأعظم ذلك العلم، فهو إذا فى نقص بلا شك. فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصًا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوَزَر (٢) الأحمى. وبالله تعالى التوفيق» اهـ. أقول: فالسلف الصالح هم سادات هذه الأمة علمًا وعملًا، فمن ادعى أنه علم شيئًا من الدين لم يعلموه فهو كاذب؛ إذ الدين هو ما جاء عنهم ﵃، فما لم يعلموه فليس هو من الدين قولًا واحدًا. وإذا انفرد أحد المتأخرين بقول ولم يسبقه إليه أحد من السلف الصالح فلا بد أن يكون خطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٩١): «وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كمال قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» اهـ.

стр. 19

وقال الإمام الشاطبي في «الموافقات» (٣/ ٥٦): «فالحذر الحذر من مخالفة الأولين. فلو كان ثَمَّ فضل ما، لكان الأولون أحق به. والله المستعان» اهـ. فيجب علينا - وعلى الدكتور كذلك - أن نتواضع لعلم السلف الصالح وأن نقر لهم بالسبق في كل باب من أبواب الدين. كان الإمام أبو عمرو بن العلاء يقول: «ما نحن فيمن مضى إلا كبَقْل (١) في أصول نخلٍ طُوال» (٢). وأبو عمرو هذا تابعي ثقة جليل أحد الأئمة القراء السبعة، وهو يقول هذا في مشايخه من الصحابة والتابعين، فماذا نقول نحن؟ ! هل نقول: إنهم رجال ونحن رجال؟ ! أم نقول: إنهم لم يستطيعوا إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم؟ ! كلا والله، بل نقول كما قال الإمام أبو عمرو بن العلاء نقول: «ما نحن فيمن مضى إلا كقطرة في بحر خضم». قال الإمام الشافعي في «الرسالة البغدادية» (٣): «وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل

стр. 20

ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعَزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ... » اهـ. وقد رد الإمام ابن رجب الحنلبي في «فضل علم السلف على الخلف» (ضمن مجموع رسائل ابن رجب: ٣/ ٢٢ - ٢٤) على من ظن في شخص من المتأخرين أنه أعلم من السلف الصالح بكلام قوي رأيت نقله هنا لنفاسته، قال ﵀: «وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم؛ لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا؛ فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم. وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبة لهم إلى

стр. 21

الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة: «إنهم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علومًا، وأقلها تكلفًا». وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفيه إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال ابن مسعود أيضًا: «إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه». فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم» اهـ. وقد شهد النبي ﷺ لأهل اليمن بالإيمان والفقه. وأهل اليمن أقل الناس كلامًا وتوسعًا في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا هو الفقه والعلم النافع، فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق. فضبط ما رُوي عنهم في ذلك أفضل العلوم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم. وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة

стр. 22

ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به. فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثيرٍ من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم ... » اهـ. وقال أيضًا ﵀ (٣/ ٣١ - ٣٢): « ... وأما مِن علمه غير نافع؛ فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس، وإظهار فضل علمه عليهم، ونسبتهم إلى الجهل، وتنقصهم ليرتفع بذلك عليهم، وهذا من أقبح الخصال وأردئها. وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو، فيوجب له حب نفسه، وحب ظهورها، وإحسان ظنه بها، وإساءة ظنه بمن سلف من العلماء. وأهل العلم النافع على ضد هذا: يسيئون الظن بأنفسهم ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم بفضل مَن سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها. وما أحسن قول أبي حنيفة! وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: «والله ما نحن بأهل أن نذكرهم، فكيف نفضل بينهم؟ ! ». وكان ابن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد: لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد ومَن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلًا على مَن تقدمه في المقال وتشقق الكلام، ظن لنفسه عليهم فضلًا في العلوم أو الدرجة عند الله

стр. 23

لفضل خص به عمن سبق، فاحتقر من تقدمه، وأزرى عليه بقلة العلم، ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك ... » اهـ. قلت: فكلام هؤلاء الأئمة يدل على أن السلف الصالح قد تفوقوا علينا في العلوم الشرعية، وقد سبقونا إلى كل باب من أبواب الخير، فلا سبيل لنا أن نصل إلى درجة علمهم وفقههم ومعرفتهم بأسرار الشريعة فضلًا عن أن نفوقهم، ولو يسر لإنسان في هذا العصر كل وسائل التقنية الحديثة، وحصل على مئات الموسوعات الإلكترونية وآلاف الكتب المجلدات فلن يصل أبدًا إلى ما وصل إليه السلف الصالح من العلوم الدينية والمعارف الشرعية، ولن يتمكن من معرفة شيء من أمور الدين لم يعرفه السلف الصالح. والله أعلم. فيتبين من ذلك أن ما ادعاه الدكتور من عدم قيام السلف الصالح بمسألة إحصاء التسعة والتسعين اسمًا ادعاءٌ باطل. والله الموفق. * * * * ثالثًا: قوله: «ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد ... ». أقول هذا القول حجة عليه؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك، فكثير من السلف الصالح والعلماء المتقدمين كانو يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد من الأحاديث، فإحصاء الأسماء الحسنى أيسر عليهم بكثير.

стр. 24

فهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كان يحفظ «مليون» حديث، فقد روى الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٦/ ١٠٠) عن أبي زرعة الرازي أنه قال: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. وهذا الإمام يحيى بن معين قد كتب بيده «مليون» حديث (١). وكان الإمام أبو زرعة الرازي يحفظ ستمائة ألف حديث. وكان يقول: «أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان: قل هو الله أحد» اهـ (٢). وقد أخرج الإمام البخاري أحاديث «صحيحه» من ستمائة ألف حديث. وكان يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح» اهـ (٣). وقال الإمام مسلم: «صنفت هذا «المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة» اهـ (٤). ولو ذهبت أسرد علماء السلف الذين كانو يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث لطال المقام جدًّا، وفيما ذكرته كفاية (٥).

стр. 25

• فإذا تبين أن الأئمة المتقدمين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار السلفية تقرر أنهم كانوا أوسع إحاطة للسنة من هذه الموسوعات الإلكترونية؛ لأن هذه الموسوعات التي اعتمد عليها الدكتور في إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لا يبلغ ما تحتويه عشر ما حفظه هؤلاء الأئمة وذلك بشهادة الدكتور نفسه (١)، وهذا يدل دلالة واضحة أنهم كانوا أقدر على إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين منا. والله أعلم. * * *

стр. 26

الرد على طعنه في الإمام الوليد بن مسلم ﵀ قال الدكتور (ص: ٨): «في نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الهجري حاول ثلاثة من رواه الحديث جمعها - أي: جمع الأسماء الحسنى التسعة والتسعين - باجتهادهم؛ إما استنباطًا من القرآن والسنة أو نقلًا عن اجتهاد الآخرين في زمانهم، الأول منهم -وهو أشهرهم وأسبقهم- الوليد بن مسلم مولى بني أمية (ت: ١٩٥ هـ) وهو عند علماء الجرح والتعديل كثير التدليس والتسوية في الحديث ... » اهـ. أقول: نفهم من كلام الدكتور أن هذه الأسماء المشهورة بين الناس هي من اجتهاد الوليد بن مسلم أو مِن نقله عن اجتهاد بعض شيوخه، والوليد يدلس تدليس التسوية؛ فلذلك لا نقبل منه هذه الأسماء! وهذا طعن ليس في محله؛ لأن تدليس التسوية خاص بالرواية لا بالاجتهاد (١). والوليد بن مسلم ﵀ قد جمع هذه الأسماء باجتهاده

стр. 27

هو، كما صرح بذلك العلماء ومنهم الدكتور، فطعن الدكتور في الوليد بن مسلم ﵀ بتدليس التسوية في هذا الموضع خطأ. والله أعلم. • وإذا افترضنا أن الوليد نقل هذه الأسماء عن اجتهاد بعض شيوخه، كما صرح بذلك بعض العلماء؛ لم يكن للدكتور أن يطعن في نقله بتدليس التسوية؛ لأن الذي يدلس تدليس التسوية يسقط شيخ شيخه وهنا نقل عن شيوخه مباشرة. • ومما يوضح خطأ الدكتور في طعنه في الوليد بتدليس التسوية في هذا الأمر: أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان إمامًا في الفقه من أهل الاجتهاد، ولكنه مع ذلك كان ضعيفا في الحديث (١). فهل نقول: إننا لا نقبل اجتهاداته الفقهية؛ لأنه كان ضعيفا في الحديث؟ ! وكذلك حفص بن سليمان المقرئ كان ضعيفًا في الحديث (٢)، ولكنه إمام في القراءة، فهل ضعفه في الحديث يمنعنا أن نقرأ بروايته عن عاصم؟ ! غاية ما في الأمر أن نقول: إن سرد الأسماء بهذه الصورة المشهورة بين الناس هي من اجتهاد الوليد بن مسلم، فنقبل منها ما ثبت في الكتاب

стр. 28

والسنة ونرد ما لم يثبت. أما أن نطعن في اجتهاده بأمر لا دخل له في الاجتهاد فهذا بعيد عن الإنصاف (١). هذا مع العلم بأن الوليد بن مسلم إمام كبير وعالم جليل من أتباع التابعين. وقد أثنى عليه كثير من الحفاظ والأئمة. وحديثه مخرج في الكتب الستة كلها. قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت في الشاميين أعقل من الوليد بن مسلم». وقال الإمام ابن سعد: «كان ثقة، كثير الحديث». وقال الإمام علي بن المديني: «ما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب الوليد أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد». وقال الإمام يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: «علم الشام عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا صحيح العلم» اهـ. وقال الإمام أبو زرعة الدمشقي سألت أبا مسهر عن الوليد بن مسلم فقال: «كان من ثقات أصحابنا. وفي رواية: من حفاظ أصحابنا» (٢) اهـ.

стр. 29

الرد على الدكتور في ادعائه الإحاطة بالسنة النبوية قال الدكتور: (ص: ١٩): «إن من دوافع البحث الرئيسية أن باب الأسماء الحسنى يفتقر إلى دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الأصول القرآنية والنبوية ..... ولما يسر الله الأسباب في هذا العصر وأصبح ذلك أمرًا ممكنًا بعد أن ظهرت تقنية البحث الحاسوبية، وقدرة الحاسوب على قراءة ملايين الصفحات في لحظات معدودات أقدمت على البحث وأنا لا أتوقع ما توصلت إليه من نتائج» (١). قلت: فهنا يزعم الدكتور أنه باستخدام تقنية البحث الحاسوبية أصبح قادرًا على عمل دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الكتاب والسنة. وهذا كلام غير صحيح؛ إذ إنه لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحيط بكل ما ورد في السنة النبوية.

стр. 30

قال الإمام الشافعي ﵀: «من قال: إن السنة كلها اجتمعت عند رجل واحد. فسق، ومن قال إن شيئا منها فات الأمة. فسق» اهـ (١). وقال أيضا في «الرسالة» (ص: ٤٢ - ٤٣): «لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره» اهـ. وقال الإمام ابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٦٨ - ٦٩): «أخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة، لا ينكر على أحد جهل بعضها، والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد، وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في «الموطأ» ومن رواية غيره أيضًا، وليس ذلك بضار له، ولا ناقص من منزلته، وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن؛ إذ ذاك يسير في جنب كثير، ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدًا ... » اهـ.

стр. 31

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٣٣): «إن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة ..... وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط ... » اهـ. وقال أيضا (٢٠/ ٢٣٨ - ٢٣٩) بعد أن ذكر آثارا كثيرة تدل على خفاء بعض السنة على أكابر الصحابة: (فهؤلاء كانوا أعلم الأئمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليه أولى، فلا يحتاج إلى بيان. فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأمة أو إمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا). ولا يقولن قائل: الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفؤها والحال هذه بعيد؛ لأن هذه الداويين المشهورة في السنن إنما جمعت بعض إنقراض الأئمة المتبوعين. ومع هذا فلا يجوز أن يُدعَى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ ؛ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية، فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية» اهـ.

стр. 32

قلت: يتبين من كلام هؤلاء الأئمة ﵏: أنه لا يمكن لأحد أن يحيط علما بكل نصوص السنة النبوية مهما بلغت درجته في العلم والحفظ (١)، واعتبر ذلك بالإمام أحمد ﵀ فإنه مع عظيم علمه وحفظه لما يقرب من «مليون» حديث - كما ذكرت آنفا - قد خفيت عليه أشياء من السنة. قال الإمام ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص: ٤٦١): «وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل - مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث - أنه قال لابنه: ما كتبتَ عن فلان؟ فذكر له أن النبي ﵊ كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى. فقال الإمام أحمد بن حنبل: إنا لله، سنة من سنن رسول الله لم تبلغني. وهذا قوله مع إكثاره وجمعه» اهـ. فإن ادعى الدكتور أنه توفر لديه «موسوعات إلكترونية» ولم يتوفر ذلك لأئمة المسلمين المتقدمين فإحاطته بالسنة أوسع من إحاطتهم! ! قلت: إن الموسوعات الإلكترونية التي اعتمد عليها الدكتور تحتوي على عشرات الآلاف من الأحاديث، كما ذكر ذلك الدكتور نفسه (ص: ١٤) ونقلته فيما سبق. والأئمة كانو يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد، فإحاطتهم بالسنة أوسع من إحاطة الدكتور بلا شك.

стр. 33

كذلك فأنه يوجد عدد كبير من الكتب المخطوطة لم يطبع بعد، ولا توجد بالتأكيد على الموسوعات الإلكترونية، ولو قال قائل: إن عدد الكتب المخطوطة التي لم تطبع بعد أكثر من عدد الكتب المطبوعة. لما بعد عن الصواب إن شاء الله، ومن اطلع على فهارس المخطوطات علم ذلك. ومن هذه الكتب المخطوطة كتاب في شرح الأسماء الحسنى، يعتمد عليه كثير من العلماء مثل: القرطبي والمناوي وغيرهما، وهو كتاب: «الإنباء في شرح الصفات والأسماء» للإمام الإقليشي (١). ومع أهمية هذا الكتاب؛ فإن الدكتور لم يطلع عليه، مع أنه أصل في الموضوع الذي يبحثه الدكتور، وقد ادعى استقصاء جميع الكتب فيه (٢)! ! • كذلك فإن كثيرًا من كتب المسلمين قد فقدت على مر الزمان، بسبب عوادي الحروب والأيام وتفريط المسلمين وغفلتهم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن كمية الكتب المفقودة تساوي أضعاف كمية الكتب الموجودة (٣). هذه الكتب لم يصلنا عنها سوى أسمائها، اطلع عليها كثير من علماء المسلمين المتقدمين، ولم نطلع عليها نحن ولم يطلع عليها الدكتور كذلك.

стр. 34

قال العلامة الدكتور محمود الطناحي في «مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي» (ص: ٢٢): «في مصنفات السيوطي، وفي مقدمة «الخزانة» و «التاج»، وفي أثنائهما كتب كثيرة لا نعرف لها وجودا الآن. ولا زالت الأيام تظهرنا على مخطوطات نفيسة كنا نعدها من المفقودات وكم في الزوايا من خبايا» اهـ. وهذه قائمة ببعض هذه الكتب المفقودة: ١ - السنن للأوزاعي. ... ٢ - سنن أبي الحسن المصري. ٣ - سنن الوليد بن مسلم. ... ٤ - سنن ابن عدي. ٥ - سنن علي بن المديني. ... ٦ - السنن لإسماعيل القاضي. ٧ - السنة: لابن أبي حاتم. ٨ - السنة: لأبي بكر الأثرم. ٩ - السنة: لأبي الشيخ. ... ١٠ - السنة: للعسال. ١١ - السنة: للطبراني. ... ١٢ - السنة: لمحمد بن السري. ١٣ - السنة: للسجزي. ... ١٤ - مسند ابن منيع. ١٥ - مسند بقي بن مخلد. ... ١٦ - مسند الحسن بن سفيان. ١٧ - مسند عثمان الدارمي. ١٨ - مسند ابن زيدان البجلي. ١٩ - مسند قاسم بن أصبغ. ٢٠ - مسند ابن سنجر الجرجاني. ٢١ - مسند مسدد بن مسرهد. ٢٢ - مسند ابن المقرئ. ٢٣ - مسند يحيى الحماني. ... ٢٤ - مسند ابن أبي عمر العدني (١).

стр. 35

هذه أمثلة لبعض الكتب المفقودة، وقد سبق أن ذكرت أن عدد الكتب المفقودة أكثر بكثير من الكتب المطبوعة والمخطوطة، ومن هذا تعلم أن دعوى الدكتور إحاطته بالسنة النبوية دعوى مرفوضة تماما. والدعاوى ما لم تقيموا عليها .... بينات أبناؤها أدعياء ولقد أحصى أحد المستشرقين في كتابه «خزائن الكتب العربية في الخافقين» (١/ ٩٧) عدد الكتب في مكتبات البلدان العربية فبلغ نحو ثلاثة ملايين مجلد ما بين مخطوط ومطبوع. فإذا أضفنا إلى ذلك عدد الكتب المفقودة، تضاعف هذا العدد أضعافا كثيرة. وإذا سلمنا أن الدكتور اطلع على ٥٠ ألف مجلد -كما يدعي (١) - فماذا يساوي ذلك بجانب هذه الملايين من المجلدات؟ ! ولا شك أنه يوجد في هذه الكتب كثير من الأحاديث التي لم يطلع عليها الدكتور، فكيف يدعي أنه أحاط علما بالسنة؟ ! والواقع أنه لم يحط علما إلا بجزء يسير من السنة النبوية، ولكن غره الحاسب الآلي وما عليه من موسوعات إلكترونية! ! علمت شيئا وغابت عنك أشياء ..... فانظر وحقق فما للعلم إحصاء للعلم قسمان ما تدري وقولك لا ... أدري ومن يدعي الإحصاء هَذَّاء * * *

стр. 36

عدد الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة قال الدكتور (ص: ٢٠): « ... لكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله تسعة وتسعون اسما وردت بنصها، كما أشار النبي ﷺ إجمالا إلى العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال ... » اهـ (١). أقول: هذا كلام عجيب! كيف جوز الدكتور لنفسه أن يجزم بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط؟ ! وما دليله على ذلك؟ هل النتيجة التي توصل إليها بواسطة «الكمبيوتر» تعد دليلا؟ ! لابد إذًا من دليل صريح من الكتاب أو السنة في أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. والحديث المشهور الذي يقول فيه النبي ﷺ : «إن لله تعسة وتسعين

стр. 37

اسما من أحصاها دخل الجنة». قد شرحه العلماء بما يدل على أن مِن أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر للأسماء الحسنى في هذا العدد، وليس فيه أيضا حصر للأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة في هذا العدد. وعامة أهل العلم على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسمًا. قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢) في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما: « ... وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين» اهـ. قلت: فكلام شيخ الإسلام ﵀ صريح في أن الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما. وقال العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» (ص: ١١): «باب الأسماء لله تعالى ولرسوله ﷺ وللقرآن العظيم توقيفية لا تكون إلا بنص، وقد جاء في القرآن نحو مائة اسم لله تعالى» اهـ. قلت: وفي السنة أسماء أخر فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر.

стр. 38

• ومما يدل على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين أن العلماء ذكروا أن الحكمة في عدم تعيين النبي ﷺ للأسماء التسعة والتسعين أن يجتهد الإنسان ويدعوا بجميع الأسماء الحسنى التي استطاع أن يقف عليها من الكتاب والسنة، فيصيب العدد الموعود به فيها، وهذا ذهاب منهم إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين (١). كذلك فإن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن التسعة والتسعين اسما إنما تستخرج من القرآن فقط دون السنة، وهذا يدل على أنهم يذهبون إلى أن في السنة أسماء أخرى، وأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر. ومن هؤلاء العلماء: سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل (٢)، والحافظ ابن حجر (٣) وغيرهم. ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالعدد المذكور هو إحصاء تسعة وتسعين اسما من جملة أسمائه، فكل من حفظ هذا العدد من أسمائه استحق هذا الأجر، فهي تسعة وتسعون غير معينة ولا محددة (٤). وهذا يدل على أن هؤلاء العلماء يذهبون إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين.

стр. 39

قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٨٠): «الذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئًا معينا، بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة. أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني» اهـ بتصرف. ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما، والدكتور لم يذكر دليلا على ما ذهب إليه، ولا ذكر عالما قال بقوله! وقد قال الإمام أحمد ﵀: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» اهـ. وقد بينت فيما سبق أن الدكتور لم يحط علما بالسنة كلها فقد يطلع غيره على أحاديث لم يطلع عليها هو، ويثبت بها أسماء لله عز وجلن فيصبح أكثر من تسعة وتسعين. هذا أمر لا مفر منه. ولا أظن الدكتور سيصر على ادعاء الإحاطة بالسنة النبوية بعد ما ذكرنا كلام الإمام الشافعي ﵀ في تفسيق من ادعى ذلك. والله الموفق. * * *

стр. 40

مناقشة الدكتور في شرط الإطلاق قال الدكتور (ص: ٦٥): «من الشروط الأساسية اللازمة لإحصاء الأسماء الحسنى أن يرد الاسم في سياق النص مفردا مطلقا دون إضافة مقيدة أو قرينة ظاهرة تحد من الإطلاق، وذلك بأن يفيد المدح والثناء على الله بنفسه؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال على قدر ما أضيف إليه الاسم أو قيد به، والله ذكر أسماءه باللانهائية في الحسن، وهذا يعني الإطلاق التام الذي يتناول جلال الذات والصفات والأفعال» اهـ. أقول: كلامه يدل على أن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والجمال وأسماء الله سبحانه لا نهائية في الحسن والكمال، فلا تكون الأسماء المقيدة أو المضافة من الأسماء الحسنى. ثم وجدته يقول (ص: ٧١٣): «فهذه أسماء مضافة أو مقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص كسائر الأسماء المضافة الأخرى، لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة التي تفيد المدح والثناء على الله بنفسها» اهـ. قلت: فهنا قد أثبت أن الأسماء المضافة أو المقيدة يصح تسمية الله بها على
следующие страницы →