← Акыда

Акыда · id 19449

الانتصار للسلف الأخيار

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عدد الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة قال الدكتور (ص: ٢٠): « ... لكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله تسعة وتسعون اسما وردت بنصها، كما أشار النبي ﷺ إجمالا إلى العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال ... » اهـ (١). أقول: هذا كلام عجيب! كيف جوز الدكتور لنفسه أن يجزم بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط؟ ! وما دليله على ذلك؟ هل النتيجة التي توصل إليها بواسطة «الكمبيوتر» تعد دليلا؟ ! لابد إذًا من دليل صريح من الكتاب أو السنة في أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. والحديث المشهور الذي يقول فيه النبي ﷺ : «إن لله تعسة وتسعين

стр. 37

اسما من أحصاها دخل الجنة». قد شرحه العلماء بما يدل على أن مِن أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر للأسماء الحسنى في هذا العدد، وليس فيه أيضا حصر للأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة في هذا العدد. وعامة أهل العلم على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسمًا. قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢) في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسما: « ... وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين» اهـ. قلت: فكلام شيخ الإسلام ﵀ صريح في أن الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما. وقال العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في «معجم المناهي اللفظية» (ص: ١١): «باب الأسماء لله تعالى ولرسوله ﷺ وللقرآن العظيم توقيفية لا تكون إلا بنص، وقد جاء في القرآن نحو مائة اسم لله تعالى» اهـ. قلت: وفي السنة أسماء أخر فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر.

стр. 38

• ومما يدل على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين أن العلماء ذكروا أن الحكمة في عدم تعيين النبي ﷺ للأسماء التسعة والتسعين أن يجتهد الإنسان ويدعوا بجميع الأسماء الحسنى التي استطاع أن يقف عليها من الكتاب والسنة، فيصيب العدد الموعود به فيها، وهذا ذهاب منهم إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين (١). كذلك فإن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن التسعة والتسعين اسما إنما تستخرج من القرآن فقط دون السنة، وهذا يدل على أنهم يذهبون إلى أن في السنة أسماء أخرى، وأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين كما هو ظاهر. ومن هؤلاء العلماء: سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل (٢)، والحافظ ابن حجر (٣) وغيرهم. ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالعدد المذكور هو إحصاء تسعة وتسعين اسما من جملة أسمائه، فكل من حفظ هذا العدد من أسمائه استحق هذا الأجر، فهي تسعة وتسعون غير معينة ولا محددة (٤). وهذا يدل على أن هؤلاء العلماء يذهبون إلى أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين.

стр. 39

قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٨٠): «الذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئًا معينا، بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة. أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني» اهـ بتصرف. ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما، والدكتور لم يذكر دليلا على ما ذهب إليه، ولا ذكر عالما قال بقوله! وقد قال الإمام أحمد ﵀: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» اهـ. وقد بينت فيما سبق أن الدكتور لم يحط علما بالسنة كلها فقد يطلع غيره على أحاديث لم يطلع عليها هو، ويثبت بها أسماء لله عز وجلن فيصبح أكثر من تسعة وتسعين. هذا أمر لا مفر منه. ولا أظن الدكتور سيصر على ادعاء الإحاطة بالسنة النبوية بعد ما ذكرنا كلام الإمام الشافعي ﵀ في تفسيق من ادعى ذلك. والله الموفق. * * *

стр. 40

مناقشة الدكتور في شرط الإطلاق قال الدكتور (ص: ٦٥): «من الشروط الأساسية اللازمة لإحصاء الأسماء الحسنى أن يرد الاسم في سياق النص مفردا مطلقا دون إضافة مقيدة أو قرينة ظاهرة تحد من الإطلاق، وذلك بأن يفيد المدح والثناء على الله بنفسه؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال على قدر ما أضيف إليه الاسم أو قيد به، والله ذكر أسماءه باللانهائية في الحسن، وهذا يعني الإطلاق التام الذي يتناول جلال الذات والصفات والأفعال» اهـ. أقول: كلامه يدل على أن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والجمال وأسماء الله سبحانه لا نهائية في الحسن والكمال، فلا تكون الأسماء المقيدة أو المضافة من الأسماء الحسنى. ثم وجدته يقول (ص: ٧١٣): «فهذه أسماء مضافة أو مقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص كسائر الأسماء المضافة الأخرى، لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة التي تفيد المدح والثناء على الله بنفسها» اهـ. قلت: فهنا قد أثبت أن الأسماء المضافة أو المقيدة يصح تسمية الله بها على

стр. 41

الوضع الذي ورد في النص، وهناك قد قرر أن هذه الأسماء ليست نهائية في الحسن والكمال. فكلامه يدل على أنه يجوز أن يسمى الله بأسماء ليست بالغة في الحسن والكمال، وهذا كلام خطير، وأسماء الله كلها سواء كانت مفردة أو مطلقة أو مقيدة هي لا نهائية في الحسن والكمال. فالأسماء المقيدة حسنها وكمالها فيما قيدت به. ثم إن قوله: «لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة الطلقة ... ». قول لا دليل عليه، فما أدراه أن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة دون المقيدة؟ ! وإذا ثبت بكلامه أن الأسماء المقيدة أو المضافة هي أسماء لله ، فما المانع أن تكون من الأسماء الحسنى المعنية في حديث التسعة والتسعين؟ ! وقد رد العلامة الدكتور عمر بن سليمان الأشقر - حفظه الله - على من أخرج الأسماء المضافة من دائرة الأسماء الحسنى حيث قال في «أسماء الله وصفاته» (ص: ٦٢): «لا يجوز استثناء الأسماء المضافة من دائرة أسماء الله الحسنى إذا وردت في الكتاب والسنة، فلا يقر من أخرج من أسمائه ﵎: عالم الغيب والشهادة، ومالك الملك، وبديع السماوات والأرض، ونور السماوات والأرض، وغافر الذنب، وعلام الغيوب، وفاطر السماوات والأرض؛ إذ لا حجة لهؤلاء إلا أن هذه الأسماء مضافة. وهذه ليست بحجة، فما الإشكال في أن تكون أسماء الله مضافة؟ ! ... » اهـ.

стр. 42

وقد قرر شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢ - ٤٨٥) أن في الكتاب والسنة أسماء أخرى غير الأسماء التسعة والتسعين المشهورة التي جاءت مدرجة في حديث الوليد بن مسلم، وعد من تلك الأسماء بعض الأسماء المضافة، فقال: «ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه: السبوح ... وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين» اهـ. وقد أدخل كثير من أهل العلم الأسماء المضافة في جملة الأسماء الحسنى منهم: الإمام الإقليشي (١)، والإمام ابن القيم (٢)، والإمام ابن العربي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤). والله الموفق. * * *

стр. 43

اجتهاد الدكتور؛ قطعي أم ظني ؟ ! لقد جزم الدكتور أن الأسماء التي قام بإحصائها هي الأسماء الحسنى المعنية في حديث التسعة والتسعين (١). وهذا خطأ فادح؛ لأن الجزم بذلك يحتاج إلى نص صريح، وهو معدوم. فالأسماء التي قام الدكتور بإحصائها -على فرض إصابته في ذلك- هي من الأسماء الحسنى، لكن هل هي المعنية بحديث التسعة والتسعين؟ ! لا نستطيع أن نجزم بذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يعينها. وقد ذكر العلماء أن الحكمة في عدم تعيين الأسماء التسعة والتسعين هي أن يجتهد الإنسان ويدعو بجميع الأسماء الحسنى التي استطاع معرفتها؛ بخلاف ما لو عينت لاقتصر عليها، كما قيل نحو ذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة وغيرها. قال الإمام ابن العربي المالكي في «أحكام القرآن» (٢/ ٧٩٤): «والذي أدلكم عليه أن تطلبوها في القرآن والسنة؛ فإنها مخبوءة فيهما، كما خبئت ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر رغبة، والكبائر في الذنوب رهبة؛ لتعم العبادات اليوم بجميعه والشهر بكليته، وليقع الاجتناب لجميع الذنوب.

стр. 44

وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها» اهـ بتصرف يسير. وقال الفخر الرازي - كما في «الفتح» (١١/ ٢٢١): «يجوز أن يكون المراد من عدم تفسيرها أن يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الأسماء رجاء أن يقعوا على تلك الأسماء المخصوصة، كما أبهمت ساعة الجمعة وليلة القدر والصلاة الوسطى» اهـ. قلت: وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى الجزم بتعيين الأسماء التسعة والتسعين، ولكن على المسلم أن يجتهد في إحصاء ما يقدر عليه من الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة فلعله يصيبها. والله أعلم. أقول هذا على فرض الجزم بصحة الأسماء التي استخرجها الدكتور، وإلا فإننا لا نجزم بصحتها أيضا، بل هي اجتهاد منه يشكر عليه، ويحتمل الخطأ والصواب، وذلك لأنه اعتمد في إثبات الأسماء التي وردت في السنة على الأحاديث التي صححها العلامة الألباني ﵀، وهو إمام في الحديث بلا مدافع، ولكنه بشر يصيب ويخطئ (١)، فقد يكون أخطأ فصحح حديثا وهو ضعيف في حقيقة الأمر (٢)، فيأتي الدكتور فيقلده في تصحيح الحديث ويثبت بمقتضاه اسما لله تعالى، ويكون هذا الاسم غير

стр. 45

ثابت لضعف الحديث. وهذا الاحتمال وارد لا يستطيع الدكتور دفعه إن شاء الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (١/ ٢٧٠): «قد يخفى على الحافظ بعض العلل في الحديث فيحكم عليه بالصحة بمقتضى ما ظهر له، ويطلع عليها غيره فيرد بها الخبر، وللحاذق الناقد بعدهما الترجيح بين كلاميهما بميزان العدل، والعمل بما يقتضيه الإنصاف» اهـ. • وإن ادعى الدكتور أنه عرض هذه الأحاديث التي صححها العلامة الألباني على بعض علماء الحديث المعاصرين فوافقوه عليها؛ فهذا لا يدفع الاحتمال؛ لأنهم أيضا بشر يجوز عليهم الخطأ والنسيان، وقد يخفى عليهم ما يطلع عليه غيرهم، ولم يصل اتفاقهم أن يكون إجماعا حتى يجب المصير إليه. والله أعلم. • كذلك فإن الدكتور قد اجتهد ووضع شروطا لعملية الإحصاء، وبعض هذه الشروط قد يختلف بعض الناس مع الدكتور في تطبيقها على بعض الأسماء التي استخرجها، مثال ذلك: شرط الإطلاق؛ فقد يفهم الدكتور من النص أن الاسم ورد فيه مطلقا فيثبته في الأسماء، ثم يأتي آخر ويفهم من النص ما يفيد التقييد، وتكون حجته أقوى من حجة الدكتور، إلى غير ذلك من الاحتمالات.

стр. 46

• فإذا تقرر ذلك تبين أن جزم الدكتور بهذا الإحصاء غير سائغ، وليس من شيم أهل العلم الجزم بمثل هذا من الأمور الاجتهادية، لا سيما إذا لم يكن للعالم سلف له في ذلك. قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٤١ - ٤٢). «ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول ﷺ من خطئهم وخطأ غيرهم، كما قال عبد الله ابن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وكذلك روي عن الصديق في الكلالة، وكذلك عن عمر في بعض الأمور، مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه على هذا الوجه حتى يوجد النص موافقا لاجتهادهم، كما وافق النص اجتهاد ابن مسعود وغيره. وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله وبما يجب من تعظيم شرع الرسول ﷺ أن يضيفوا إليه إلا ما علموه منه، وما أخطؤوا فيه -وإن كانوا مجتهدين- قالوا: إن الله ورسوله بريئان منه ... » اهـ. • ولا أظن الدكتور سيصر على القطع بأن هذه الأسماء التي أحصاها هي الأسماء التسعة والتسعون إلا إذا كان يرى أنه معصوم وأن اجتهاده لا يقبل الخطأ. ولقد ذكرني ذلك بالمناظرة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متَّى بن يونس، وكان متَّى قد أراد أن يعلي من شأن منطق اليونان وثقافتهم، فكان مما قال له أبو سعيد: «إن علم العالَم مبثوث في العالَم بين جميع مَن في العالم؛ لهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث .... ونحوَه العاقلُ محثوث

стр. 47

وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع مَن على جُدد الأرض؛ ولهذا غلب علمٌ في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة، ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم. وهذا جهل ممن يظنه بهم، وعناد ممن يدعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال ... فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يخلخله أو يؤثر فيه؟ ! هيهات هذا محال» اهـ (١). • وقد كان من نتيجة جزم الدكتور بهذا الأمر أن كتب كثير من الناس هذه الأسماء التي جمعها الدكتور في ورقة مفردة وصوروها، ووُزعت على الناس، وأنشدت بواسطة المنشدين، وجعلها بعضهم على نغمات «المحمول» حتى لقد أخبرني بعضهم أن عنده «الأسماء الحسنى الجديدة»! !

стр. 48

ألا يخشى الدكتور أن يعتقد الناس أن هذه الأسماء جاءت عن النبي ﷺ فينسبون إلى النبي ﷺ ما لم يقله، فيقع المحظور الذي عابه الدكتور على الناس منذ أكثر من ألف عام، وهو اتخاذهم اجتهاد الوليد بن مسلم ﵀ كأنه حديث عن النبي ﷺ ؟ ! فهل يرضى الدكتور أن يتخذ الناس اجتهاده كأنه شرع منزل؟ ! فواغوثاه بالله. * * *

стр. 49

موقف الدكتور من الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع قال الدكتور (ص: ٤٧) في معرض رده على الشيخ علوي السقاف -حفظه الله- في إحصائه للأسماء الحسنى وقد أدخل الأعز فيها: «أما الأعز؛ فلم يرد مرفوعا، وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود وابن عمر ﵄: «رب اغفر وارحم أنت الأعز الأكرم». واعتباره الموقوف في حكم المرفوع عند بعض المحدثين لا يكفي لإثباته، وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة التي صحت عن عمر بن الخطاب ﵁ ورواها الإمام البخاري في «صحيحه» عندما قرأ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في آية الكرسي: «الحي القيام» وهي من حيث الصحة أثبت من رواية الأعز ... » اهـ (١). أقول: في هذا الكلام -على وجازته- عدة أخطاء وبيانها كالتالي: أولا: زعم الدكتور أن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع ليس حجة في إثبات الأسماء الحسنى. وهذا قول باطل لا دليل عليه، ولا أعلم أحدا من علماء السلف والخلف قال به، ولم يذكر الدكتور أحدا

стр. 50

سبقه إلى هذا القول، ويتضح من ذلك، ومما سبق، ومما سيأتي: أن الدكتور مغرم باختراع قواعد لم يسبق إليها. والله المستعان. • كما أن قوله هذا به تناقض ظاهر؛ فكيف يكون له حكم الرفع ولا يكون حجة؟ ! لأنه إذا ثبت أن له حكم المرفوع ثبت أنه حجة، إذ إن المرفوع حجة في إثبات الأسماء الحسنى. فإذا تحققنا أن هذا الأثر الثابت عن الصحابي له حكم الرفع وجب العمل به في جميع أبواب العقيدة والأحكام وأصبح كالمرفوع تماما (١). قال الحافظ بن حجر في «نزهة النظر» (ص: ١٠٦ - ١٠٨): «ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا: أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. وإنما كان إخباره له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبِرا له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي مُوقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني. وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوع سواء كان ما سمعه منه أو عنه بواسطة» اهـ.

стр. 51

• فهذا كلام الحافظ ﵀ يبين أن الحديث الموقوف الذي يُحكم له بالرفع هو مثل المرفوع تصريحا، لكن بعد أن تتوفر فيه ثلاثة شروط: الأول: أن لا يكون الصحابي ممن يأخذ عن الإسرائيليات. الثاني: أن يكون قوله مما لا يقال من قبل الاجتهاد. الثالث: أن لا يكون له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب. وهذه الشروط الثلاثة متوفرة هنا: فالبنسبة للشرط الأول: فإن ابن مسعود وابن عمر ﵄ كانا لا يأخذان عن الإسرائيليات بل إن ابن مسعود ﵁ كان ينهى عن الأخذ من كتب أهل الكتاب، كما في «فتح المغيث» (١/ ١٥٢). وأما الشرط الثاني: فإن هذا القول الذي ثبت عنهما مما لا يقال بالاجتهاد والرأي، وذلك لسببين: الأول: أنهما ﵄ قالا ذلك في مناسك الحج أو العمرة، وقد أمرهم النبي ﷺ أن يأخذوا عنه مناسكهم، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (١)، فالراجح أنهما أخذاه من النبي ﷺ . الثاني: أنهما ﵄ أطلقا هذا الاسم على الله ودعوا به، ويستحيل أن يسمياه به وهو غير ثابت له ، فهما أتقى لله من ذلك.

стр. 52

وأما الشرط الثالث: فهو متحقق هنا؛ فإن هذا الكلام لا تعلق له ببيان لغة أو شرح غريب، كما هو ظاهر. • وقد استفاض الإمام ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين» (٤/ ٦٧ - ٩١) في بيان حجية أقوال الصحابة ﵃ وذكر ستة وأربعين وجها في الجواب على من زعم أن أقوال الصحابة ليست بحجة، أقتصر هنا على بعضها، قال ﵀: «الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ ؛ فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كلٌ منهم كلَّ ما سمع، وأين ما سمعه الصديق ﵁ والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه؟ ! فلم يُروَ عن صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شئ من مشاهده، بل صحبه من حين بعث، بل قبل البعث، إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته. وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة؛ فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل: «لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي ﷺ لذكره». قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من

стр. 53

النبي ﷺ مرارا ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله ﷺ . فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه: أحدها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ . الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه. الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا. الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده. الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمومها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن. وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها. السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول ﷺ وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة. ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسةٍ أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا ما لا يشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه مِن أقوال مَن بعده، وليس المطلوب إلَّا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه» اهـ. وقد قال قبل ذلك بخصوص أقوال ابن مسعود ﵁ (٤/ ٨٤): «الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «رضيت لأمتي ما رضي لها

стр. 54

ابن أم عبد» (١) ... ومَن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف، لم يرض للأمة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله ﷺ » اهـ باختصار. قلت: ونحن نُشهِد الله أننا رضينا بما رضيه لنا ابن مسعود ﵁ وبما رضيه لنا رسول الله ﷺ . فهل يرضى الدكتور أم لا؟ ! هذا بخصوص عبد الله ابن مسعود، فكيف إذا انضم إليه عبد الله بن عمر الذي كان من أشد الصحابة اتباعا للنبي ﷺ ؟ ! ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة فيما أعلم، وقد روي ذلك أيضا عن جمع آخر من السلف منهم: عروة والمسيب، كما ذكر ذلك العلامة الألباني في «مناسك الحج والعمرة» (ص: ٢٨). وممن عد هذا الاسم من الأسماء الحسنى: الإمام ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٣١)، والشيخ علوي السقاف في «صفات الله » (ص: ٢٤٨). * * *

стр. 55

ثانيا -من الأخطاء في النقل السابق-: قوله: «وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة ... ». قلت: مَن الذي قال: إن الموقوف الذي له حكم الرفع شأنه شأن القراءة الشاذة؟ ! بل إن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع يختلف تماما عن القراءة الشاذة؛ فالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع لا أعلم خلافا في حجيته ووجوب العمل به -كما أوضحتُ سابقا- أما القراءةُ الشاذة فقد اختلف العلماء في حجيتها، وذهب جمع منهم إلى عدم حجيتها وعدم جواز العمل بها (١). فالدكتور فيما سبق يفرق بين المتماثلين، وذلك في ادعائه أن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع ليس هو كالمرفوع، وهو هنا يسوي بين المختلفين (وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦] فأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. أفلا تراه

стр. 56

كيف ذكَّر العقول ونَبَّه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟ ! وكل هذا من الميزان الذي أنزل الله مع كتابه وجعله قرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]) (١). * * * • ثالثا: قوله: «ورواها الإمام البخاري في «صحيحه» عندما قرأ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في آية الكرسي: «الحي القيام» ... ». أقول: لم يروها البخاري في «صحيحه» إنما ذكرها تعليقا بصيغة الجزم، فقال البخاري (٦/ ١٩٩): «دَيَّارا: مِن دور، ولكنه فيعال من الدوران، كما قرأ عمر: «الحي القيام» ... » اهـ. وفرق كبير بين ما رواه البخاري من الأحاديث بسنده متصلا من شيخه إلى الصحابي وبين ما ذكره معلَّقًا (٢). فالأول صحيح، والثاني لا يستفاد منه الصحة إلا بشروط فمنه الصحيح ومنه الضعيف. وهذا معروف مشهور في كتب مصطلح الحديث. قال الإمام النووي في «التقريب» (١/ ١٤٤ - تدريب): «ما روياه -يعني: البخاري ومسلما- بالإسناد المتصل فهو المحكوم

стр. 57

بصحته وأما ما حُذِف مِن مبتدأ إسناده واحد أو أكثر؛ فما كان منه بصيغة الجزم، كقال، وفعل، وأمر، وروى، وذكر فلان، فهو حكم بصحته عن المضاف إليه. وما ليس فيه جزم، كيُروَى، ويُذكَر، ويُحكَى، ويقال، ورُوي، وذُكِر، وحُكِي، عن فلان كذا، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه، وليس بواهٍ لإدخاله في الكتاب الموسوم بالصحيح» اهـ. فقول الدكتور: «رواها البخاري في «صحيحه» ... » خطأ، وصواب العبارة: «رواها البخاري تعليقا بصيغة الجزم». والله أعلم. * * * • قال الدكتور (ص: ٨٦): «ومن الأسماء التي لم ينطبق عليها شرط الإطلاق ..... وكذلك المستعان في قوله عن يعقوب ﵇: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقد يظن البعض أن الاسم ورد مطلقا فيما رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ لما قال له النبي ﷺ عن عثمان ﵁: «افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا عثمان، فأخبرْتُه بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان». والأمر ليس كذلك لأمور منها: أن الإطلاق في المستعان ليس من كلام النبي ﷺ ، فقد دار الأمر بين الصحابيين. ومنها أن المقصود هو طلب عثمان ﵁ الاستعانة والصبر على إنجاز مقتضى الوعد أخذا من قول يعقوب ﵇: والله المستعان. ولذلك شك أبو موسى الأشعري ﵁ في قول عثمان ﵁ هل قال: الله المستعان.

стр. 58

أم طلب الصبر من الله؟ ففي رواية مسلم عنه أنه قال: «فذهبت فإذا هو عثمان بن عفان، قال: ففتحت وبشرته بالجنة، قال: وقلت الذي قال ﷺ ، فقال: اللهم صبرا أو الله المستعان». وفي رواية أحمد: «اللهم صبرا وعلى الله التكلان» ... » اهـ. أقول: في هذا الكلام نظر من وجهين: • الأول: قوله: «الإطلاق في المستعان ليس مِن كلام النبي ﷺ فقد دار الأمر بين الصحابيين». قلت: نعم، ليس هو من كلام النبي ﷺ ، ولكنه ﷺ أقره، ولو كان خطأ لأنكره ولرده عليه؛ لأنه ﷺ لا يسكت على باطل. والسنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قولية، وفعلية، وتقريرية. فالإطلاق في المستعان سنة تقريرية. والله أعلم. فإن قال قائل: لعل النبي ﷺ لم يسمع كلام عثمان ﵁. قلت: إذا سلمنا أن النبي ﷺ لم يسمع كلام عثمان ﵁، فإن الله قد سمعه. والله سبحانه لا يُقِرُّ أحدا على باطل في زمن الوحي. قال الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٢): «وقد كان الصحابة يستدلون على إذن الرب تعالى وإباحته بإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل

стр. 59

بما عُرِف من موجَب أسمائه وصفاته، وأنه لا يُقِرُّ على باطل حتى يبينه» اهـ. • الثاني: قوله: «ولذلك شك أبو موسى في قول عثمان ﵄ ... ». قلت: لا يوجد دليل على أن أبا موسى هو الذي شك، فقد يكون أحد الرواة في سلسلة الإسناد هو الذي شك. وهذا هو الراجح؛ لأن النقاد الحفاظ في مثل هذه الحالة ينصون أن الشك وقع من أحد الرواة، وذلك لأن الصحابي قد شهد الحادثة فيصعب أن يشك في شيء منها، أما الرواة عنه فيطرأ عليهم الشك بسهولة؛ لبعدهم الزمني عن الحادثة. والله أعلم. * * *

стр. 60

موقف الدكتور من الحديث الحسن قال الدكتور (ص: ٥٢): «إن مِن أعظم الأسس في الاعتماد على السنة الالتزام بقواعد المحدثين في معرفة المقبول من المردود والصحيح من الضعيف. وقد التزمت في منهجية العمل بالشرط الأول أنه إذا لم يرد الاسم نصًا في القرآن فيلزم لأخذه من السنة أن يكون الحديث ثابتًا صحيحًا، فلا يعتد في النص على ذكر الأسماء الحسنى بالضعيف، ولا يعتمد اعتمادًا كاملًا على ما ثبت وخف ضبطه كالحسن؛ لأن الحسن على ما ترجح عند المحدثين من رواية الصدوق، أو هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خفَّ ضبطه قليلًا عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، وربما يثير ذلك إنكارَ البعض، لكنهم لا يختلفون معنا في تطرق الاحتمال إلى ضبط النص والتيقن منه في ثبوت لفظ الاسم دون الوصف، اللهم إلا إذا كان الحديث صحيحًا بمجموع طرقه وكثرتها، ومن ثم لم أعتمد على الحديث الحسن في إحصاء الأسماء الحسنى، وإن اعتمدته حجة في إثبات الأوصاف وشرح معاني الأسماء ... » اهـ. أقول: هذا كلام ينقض أولُه آخرَه! فكيف يكون الدكتور ملتزمًا بقواعد المحدثين ثم لا يأخذ بالحديث الحسن في إثبات الأسماء الحسنى؟ ! فهل عدم الأخذ بالحديث الحسن في هذا الأمر من قواعد المحدثين؟ ! فليأتنا الدكتور بمن قال بهذه القاعدة من المحدثين! !

стр. 61

بل إن صنيع المحدثين يدل على خلاف ذلك؛ فإن المحدثين يقبلون خبر الآحاد في العقيدة والأحكام، والحسن من جملة أخبار الآحاد، وإثبات الأسماء الحسنى من العقيدة، فعلى ذلك فالمحدثون يقبلون الحديث الحسن في إثبات الأسماء الحسنى. • فهذا الإمام المنذري ﵀ في «مختصر سنن أبي داود» (٢/ ١٦٧ - دعاس) نقل عن شيخه الحافظ أبي الحسن المقدسي ﵀ أنه قال في حديث بُريدة: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا احد. فقال ﷺ : «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب». قال الحافظ المقدسي في هذا الحديث: «وهو إسناد لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه رُوِي في هذا الباب حديث أجود إسنادًا منه، وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن لله تعالى اسمًا هو الاسم الأعظم، وهو حديث حسن» اهـ. قلت: فقد أثبت هذا الإمام أن لله اسمًا هو الاسم الأعظم بهذا الحديث الحسن عنده. • وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٤) قد أثبت اسم الله «النظيف» معتمدًا على حديث «إن الله نظيف يحب النظافة» (١). وهو حديث حسَّنه العلامة الألباني في «المشكاة»

стр. 62

(٤٤٨٧)، كما ذكر ذلك الدكتور (ص: ٦٧٨)، ومع ذلك فقد صرح الدكتور بتنحية اسم «النظيف» من الأسماء الحسنى لأنه لم يثبت إلا في حديث حسن! فإن قال قائل: لعل هذا الحديث صحيح عند شيخ الإسلام وليس حسنًا؛ فلذلك اعتمد عليه في إثبات «النظيف» اسمًا من أسمائه تعالى. قلت: لو كان هذا الحديث صحيحا عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فما الذي جعل الدكتور يقلد الألباني في تحسينه لهذا الحديث ولا يقلد شيخ الإسلام في تصحيحه؟ ! بل لو قال قائل: إن تقليد شيخ الإسلام أولى من تقليد العلامة الألباني في هذا الأمر. لم يكن بعيدًا عن الصواب؛ لما علم من سعة اطلاع شيخ الإسلام على السنة النبوية، حتى قال فيه الإمام الذهبي ﵀: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» (١). فقد يكون اطلع على طريق يصحح به الحديث وخفي هذا الطريق على العلامة الألباني. فعلى ذلك يلزم الدكتور قبول هذا الاسم في جملة الأسماء الحسنى. والله أعلم. • ومن اطَّلع على كتب علماء المسلمين التي صنفوها في بيان الاعتقاد، مثل: كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد، و «خلق أفعال العباد» للبخاري، و «التوحيد» لابن خزيمة، و «السنة» لابن أبي عاصم، و «الشريعة» للآجري، و «شرح أصول الاعتقاد» للالكائي، و «الإبانة» لابن بطة، و «الحجة في بيان المحجة» لقوام السنة الأصبهاني وغير ذلك، وجد أنهم يحتجون بالأحاديث الحسنة.

стр. 63

ولا أعلم أحدًا من السلف الصالح ولا من العلماء المجتهدين ﵏ أجمعين- قد ردَّ اسمًا من أسمائه سبحانه لمجرد أنه ثبت في حديث حسن. • ومما يدل دلالة واضحة على حجية الحديث الحسن في جميع أمور العقيدة والأحكام: أن عددًا من الأئمة والحفاظ يدخلون الحسن في قسم الصحيح ولا يفرقون بينهما. قال الإمام ابن الصلاح في «معرفة علوم الحديث» (ص: ١٨٦): «مِن أهل الحديث مَن لا يُفرِد نوع الحسن ويجعله مندرجًا في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يحتج به ... » اهـ. وقال الإمام السيوطي في «تدريب الراوي» (١/ ١٩٨): «الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة؛ ولهذا أدرجَتْه طائفة في نوع الصحيح، كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة، مع قولهم بأنه دون الصحيح» اهـ. وقال شيخنا طارق بن عوض الله في «لغة المحدث» (ص: ١٣٧): «واعلم أن تخصيص اسم «الحسن» بالرواية المتفرد بها من هو موصوف بخفة الضبط، اصطلاح حادث، درج عليه جماعة من المتأخرين، حتى صار هو السائد بينهم، أما المتقدمون فيدرجون هذا في اسم «الصحيح»؛ لأن الحديث عندهم إما صحيح وإما ضعيف، وإذا تبين لهم خطأ ذلك الراوي في روايته بمخالفته أو تفرده بما لا يُحتمَل، فإنهم يحكمون على روايته حينئذ بالشذوذ أو النكارة. والله أعلم» اهـ.

стр. 64

• بل إن بعض العلماء قد ذهب إلى أن في «الصحيحين» أحاديث حسنة، وهذا يدل على أن الحسن محتج به؛ لاندراجه داخل «الصحيح» المتلقى بالقبول. قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣٣٩): « ... وبهذا يظهر لك أن «الصحيحين» فيهما الصحيح، وما هو أصح منه، وإن شئت قلت: فيهما الصحيح الذي لا نزاع فيه، والصحيح الذي هو حسن، وبهذا يظهر لك أن الحسن قسم داخل في الصحيح، وأن الحديث النبوي قسمان ليس إلا: صحيح، وهو على مراتب، وضعيف وهو على مراتب. والله أعلم» اهـ. وبهذا يتضح أن الحديث الحسن كالصحيح تمامًا يحتج به في جميع أمور العقيدة والأحكام، وتفريق الدكتور بين الحسن والصحيح في باب إثبات الأسماء الحسنى، تفريق باطل لا دليل عليه، ولم يقل به أحد من علماء المسلمين. والله الموفق. * * * • وقال الدكتور: «وربما يثير ذلك إنكار البعض، لكنهم لا يختلفون معنا في تطرق الاحتمال إلى ضبط النص والتيقن منه في ثبوت الاسم دون الوصف ... » (١). قلت: جزى الله الدكتور خيرًا في حرصه على الاحتياط في إثبات الأسماء

стр. 65

الحسنى، ولكن ليعلم الدكتور أن السلف الصالح وأئمة المسلمين كانوا أشد منه احتياطًا وغَيرَة على عقيدتهم أن يدخل في أسماء الله ما ليس منها، كما أنهم كانوا أورع وأتقى وأكثر علمًا وفهمًا. فلو كان الاحتياط يقتضي رد الحديث الحسن في هذا الأمر لبينوا لنا ذلك في مصنفاتهم التي صنفوها في بيان العقيدة، وهي تعد بالمئات، وإذا لم يأتنا نقل واحد منهم في ذلك دل على خطأ الدكتور فيما ذهب إليه، وأُذكِّره بقول شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٩١): «وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» اهـ. كما أن هذه الحجة التي أبداها الدكتور ضعيفة في نفسها، وبيان ذلك كالآتي: أولًا: من كان من الرواة غير تام الضبط، وحَسَّن له العلماء حديثًا، فهو في هذا الحديث بعينه تام الضبط، إنما تظهر خفة ضبطه إذا عارضه غيره، أو أنكر عليه العلماء حديثًا بعينه (١). ثانيًا: إن الأئمة النقاد الذين حفظ الله بهم السنة وأوصلوها إلينا صافية من الأكدار، هؤلاء الأئمة قد بينوا في كتبهم -التي وضعوها في علل الأحاديث- أوهام الرواة وأخطاءهم، فلو افترضنا أن هذا الراوي الذي خف ضبطه قد أخطأ في اسم من أسماء الله ورواه بالمعنى -مع

стр. 66

أن هذا الاحتمال بعيد- لبيَّن ذلك الحفاظ في كتب العلل، ولم يتركوا هذا الحديث يمر هكذا -إن شاء الله-. وإليك مثالًا واحدًا يوضح ذلك: قال الإمام ابن أبي حاتم في «العلل» (١٠٧): «سمعت أبي وذكر حديث شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا وضوء إلا من صوت أو ريح». قال أبي: هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث، فقال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح». ورواه أصحاب سهيل عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه، فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» اهـ. قلت: فهذا الإمام أبو حاتم الرازي ﵀ قد بين أن شعبة -وهو أحد الحفاظ الثقات الأكابر- قد وهم واختصر متن هذا الحديث ورواه بالمعنى، ولم يمنعه حفظ شعبة وثقته وإتقانُه مِن أن يُدَقِّق في الحديث ويكتشف هذا الخطأ. وهذا الحديث في أمر من أمور الفقه كما هو ظاهر، فلو كان مكان شعبة راوٍ آخر غير تام الضبط وروى حديثًا في أمر من أمور العقيدة خاصة في باب إثبات الأسماء الحسنى ولم يضبطه تمام الضبط، أما كان الإمام أبو حاتم الرازي وغيرُه مِن نُقَّاد الحديث مثل: أبي زُرعة الرازي وأحمد بن حنبل والبخاري وابن المديني وأبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم - يبينون خطأ هذا الراوي ويردون الحديث عليه؟ !

стр. 67

أقول: بلى والله -إن شاء الله- لو حدث ذلك لبينوه، ولم يتوانوا في ذلك؛ فهم أحرص على الدين وعلى السنة النبوية منا ﵏ ورضي عنهم. ويتضح من هذا: أن هذه القاعدة التي أتى بها الدكتور لا أساس لها من الصحة، ولم يقل بها أحد من السلف الصالح ولا من علماء المسلمين فهي باطلة مردودة. والله أعلم. • وهنا أمر يجب التنبيه عليه: وهو أن الدكتور قد صرح في كتابه (ص: ٥٣) أنه يقلد المحدثين وخاصة العلامة الألباني ﵀ في تصحيح وتضعيف الأحاديث، ثم إذا به يجتهد في قواعد علم الحديث الشريف؛ فلا يحتج بالحديث الحسن، ولا بالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع في إثبات الأسماء الحسنى، ويزعم أنه أحاط علمًا بالسنة النبوية ... فليت شعري؛ كيف يجتهد في الأصول ويقلد في الفروع؟ ! والمعروف أن الإنسان يقلد -أو بمعنى أصح: يتبع- قواعد وأصول العلم ثم يجتهد في تطبيق هذه القواعد والأصول على الفروع، أما أن يعكس القضية؛ فهذا لم أره إلا من الدكتور، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب. والله المستعان. * * *

стр. 68

أسماء قد حذفها الدكتور من الإحصاء ويمكن تطبيق شروطه عليها لقد اجتهد الدكتور في استخراج شروط لإحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، ثم بناء على شروطه هذه أخرج بعض الأسماء من جملة الأسماء الحسنى، وسأوضح هنا أن بعض الأسماء التي أخرجها يمكن تطبيق شروطه عليها. • وقبل أن أبدأ في ذلك لابد من التنبيه على شيء مهم وهو: أن الدكتور لم يعد لفظ الجلالة من جملة التسعة والتسعين اسما (١). وليس له دليل على ذلك؛ فإن من المعلوم أنه عند الإحصاء نقوم بإدخال الاسم الأساسي في العدد، يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر وأنا العاقب» (٢). فعد النبي ﷺ «محمدا» وهو الاسم الرئيس ضمن الأسماء الخمسة. وعليه؛ فيلزم الدكتور أن يُدخِل لفظ الجلالة ضمن الأسماء التسعة والتسعين ويحذف اسما من الأسماء التي أثبتها؛ ذلك لأنه يدعي أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط! وإلا نقض قوله في ذلك. أما نحن فنقول: لا يوجد دليل على أن الأسماء

стр. 69

الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسما فقط؛ بل هي أكثر من ذلك، وقد سبق الرد على الدكتور في هذه المسألة (ص: ٣٦). • هذا، وإن أكثر من عد الأسماء الحسنى التسعة والتسعين عد من جملتها لفظ الجلالة «الله»، بل لا أعلم عالما عدها إلا وأدخل لفظ الجلالة فيها، ومِن هؤلاء العلماء: الوليد بن مسلم، وابن حزم، وابن العربي المالكي، والغزالي، والقرطبي، وابن حجر، وابن عثيمين، وعمر سليمان الأشقر وغيرهم. * أما الأسماء التي أخرجها الدكتور من جملة الأسماء الحسنى ويمكن تطبيق شروطه عليها: ١ - «النور»: هذا الاسم قد نفى الدكتور أن يكون من الأسماء الحسنى المطلقة بقوله (ص: ٩٤): «وبخصوص تسمية الله بالنور والهادي والبديع؛ فهذه الأسماء لم ترد في القرآن والسنة إلا مقيدة بالإضافة، فتذكر كما قيدها الله ، فاسم النور ورد مقيدا بالإضافة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] ... » اهـ. ولم يذكره في الأسماء الحسنى التي جمعها. قلت: لقائل أن يقول: إن هذا الاسم قد ورد مطلقا في قوله ﷺ لما سأله أبو ذر ﵁: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه» (١). فأَحَد معاني الحديث: أن الله سبحانه نور؛ فلا يمكن رؤيته.

стр. 70

قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في «التوحيد» (٢/ ٥١٢): «وقوله: «نور أنى أراه». يحتمل معنيين: أحدهما نفي؛ أي: كيف أراه، وهو نور؟ والمعنى الثاني: أي: كيف رأيته وأين رأيته وهو نور لا تدركه الأبصار ... » اهـ (١). • ويؤيد عد هذا الاسم ضمن الأسماء الحسنى أن الأمة تلقت هذا الاسم بالقبول، وأن أحدا من السلف الصالح لم ينكره، كما سيأتي في كلام الإمام ابن القيم قريبا. فهذا الاسم تتوفر فيه كل الشروط التي اشترطها الدكتور في إحصاء الأسماء الحسنى، فقد ورد في السنة مطلقا منونا مفردا مرادا به العَلَمِيَّة ودالَّا على كمال الوصفية. قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٨٦): «النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أنه يحتجب بالنور. فهذه ثلاثة أنوار في النص» اهـ (٢). وقال الإمام الإقليشي في «الإنباء» (ق: ٨٧/ أ): «وتسمية الله نورا صحيح في الشرع والنظر. أما الشرع: فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، فإن احتج المحتج وقال: أراد منير السماوات والأرض، أو هادي أهل السماوات والأرض، وأبى من

стр. 71

تسمية الله نورا، احتججنا عليه بالحديث الذي خرجه مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه» (١). وفي حديث ابن عباس المخرج في مصنف الترمذي إذ قال: رأى محمد ربه. قيل له: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره (٢). فهذان الحديثان مصرحان بتسمية الله نورا» اهـ. وقال الإمام ابن القيم في «الصواعق المرسلة» (ص: ٣٩٨ - ٣٩٩ - مختصره): «إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى، وهو في حديث أبي هريرة والذي رواه الوليد ابن مسلم، ومن طريقه رواه الترمذي والنسائي، ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة ... ولما سأل أبو ذر النبيَّ ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». رواه مسلم في «صحيحه»، وفي الحديث قولان ... المعنى الثاني في الحديث: أنه سبحانه نور فلا يمكن رؤيته؛ لأن نوره -الذي لو كشف الحجاب عنه لاحترقت السموات والأرض وما بينهما- مانع من رؤيته ... » اهـ.

стр. 72

• وممن عد «النور» أيضا من الأسماء الحسنى: قوام السنة الأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٦٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢٠١)، والحليمي في «منهاج شعب الإيمان» (١/ ٢٠٧)، والخطابي في «شأن الدعاء» (ص: ٩٥)، والغزالي في «المقصد الأسنى» (ص: ٤٦)، وابن حجر في «الفتح» (١١/ ٢٢٣) وغيرهم. * * * ٢ - «الطبيب»: وهذا الاسم أخرجه الدكتور من الأسماء الحسنى المطلقة فقال: (ص: ٨٠): «اسم «الطبيب» لابد أن يُذكر مقيدا؛ لأن المعنى عند التجرد ينقسم إلى كمال ونقص، فقد يكون معناه تدبير أسباب الشفاء، وقد يكون بمعنى السحر والإمراض والبلاء، قال ابن منظور: «والطِّبُّ والطُّبُّ: السحر ... وقد طُبَّ الرجل، والمطبوب: المسحور» اهـ. وقال الدكتور أيضا (ص: ٨٢): «فالطبيب معناه عند التجرد منقسم إلى كمال ونقص، ولا يذكر في حق الله إلا مقيدا بموضع الكمال فقط، بخلاف الشافي فإن معناه مطلق في الكمال ... » اهـ. قلت: كثير من الأسماء الثابتة في الكتاب والسنة ينقسم معناها عند التجرد إلى كمال ونقص، فاسم «الجَبَّار» مثلا قد يكون معناه: ذا العظمة والكبرياء. وقد يكون بمعنى: القَتَّال في غير حق. قال العلامة ابن منظور في «لسان العرب» (١/ ٥٣٥): «والجَبَّار: القَتَّال في غير حق» اهـ.

стр. 73

بل قد يأتي بمعنى: الرجل والعبد، قال العلامة ابن منظور في «اللسان» (١/ ٥٣٥): «وقال أبو عمرو: الجَبْر: الرجل ... والجَبْر: العبد» اهـ. فهل نقول: إن الجَبَّار ليس من أسمائه تعالى؛ لأن معناه عند التجرد ينقسم إلى كمال ونقص؟ ! اللهم لا. بل «الجبار» من الأسماء الحسنى الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. ولكن المعنى في حق الله هو المعنى الذي يدل على الكمال والجلال. وكذلك اسم «المنان» أثبته كثير من العلماء في الأسماء الحسنى، وأثبته الدكتور كذلك. وهذا الاسم قد يأتي بمعنى: الإنعام والإعطاء، وقد يأتي بمعانٍ أُخر منها: القطع والضعف والإعياء والفترة (١). قال العلامة ابن منظور في «لسان العرب» (٦/ ٤٢٧٧ - ٤٢٧٨): «المن: الإعياء والفترة ... وقال الجوهري: والمن: القطع، ويقال: النقص» اهـ. • وهنا شيء آخر يحسن التنبيه عليه: وهو أن العرب أطلقوا على السحر: طب، من باب التفاؤل، قال العلامة ابن منظور في «اللسان» (٤/ ٢٦٣١): «قال أبو عبيد: طُبَّ، أي: سُحِر. يقال منه: رجل مطبوب، أي: مسحور. كنوا بالطب عن السحر، تفاؤلا بالبُرء، كما كنوا عن اللديغ، فقالوا: سليم، وعن المفازة وهي مهلكة، فقالوا: مفازة، تفاؤلا بالفوز والسلامة. قال: وأصل الطب: الحذق بالأشياء والمهارة بها» اهـ.

стр. 74

قلت: وكذلك أطلقوا على الأعمى بصيرا من هذا الباب، قال العلامة ابن منظور ﵀ في «اللسان» (١/ ٢٩١): «وقوله ﵇: «اذهب بنا إلى فلان البصير». وكان أعمى، قال أبو عبيد: يريد به المؤمن. قال ابن سيده: وعندي أنه ﵇ إنما ذهب إلى التفؤُّل إلى لفظ البصر أحسن من لفظ العمى ... » اهـ. فهل نقول: إن «البصير» ليس من الأسماء الحسنى؛ لأنه قد يطلق على الأعمى؟ ! ! فتبين بذلك أن هذه الحجة التي أبداها الدكتور لنفي اسم «الطبيب» ليست بحجة، إنما هي شبهة، وقد أجبت عليها. ولله الحمد. * * * ٣ - «المحيط»: ذهب الدكتور إلى أن المحيط ليس من الأسماء الحسنى؛ لأنه لم ينطبق عليه شرط الإطلاق، فقال: (ص: ٦٩): «والمحيط ورد مقيدا في غير آية كقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، هذا فضلا عن إفادة الباء لمعنى الحلول الظرفية، وهو أحد معانيها اللغوية، فيذكر الاسم على تقييده بمعنى الكمال فقط» اهـ. وذهب إلى أن «المقيت والشهيد والحفيظ والرقيب والحسيب» من الأسماء الحسنى؛ لأنها تنطبق عليها شرط الإطلاق مع أنها وردت مقيدة، فقال: (ص: ٦٦): «ويدخل في معنى الإطلاق اقتران الاسم بالعلو المطلق؛ لأن معاني العلو جميعها سواء علو الشأن أو علو القهر أو علو

стр. 75

الذات والفوقية هي في حد ذاتها إطلاق؛ فالعلو يزيد الإطلاق كمالا على كمال، وجلالا فوق الجلال ... ومن ثم فإن كل اسم اقترن بمعاني العلو أو الفوقية فهو مطلق في الدلالة على الحسن والكمال يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، كقوله تعالى في اسمه المقيت: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، وقوله في اسمه الشهيد: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧]، وكذلك اسم الله الحفيظ في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]، والرقيب في قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]، والحسيب أيضا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] ... » اهـ. قلت: وهذه القاعدة التي جعل بها الدكتور هذه الأسماء من الأسماء التي ينطبق عليها شرط الإطلاق، لا أدري من أين أتى بها! وعلى كل حال، فلقائل أن يقول: يمكننا أن نأتي بقاعدة تشبه تلك التي أتى بها الدكتور لنجعل اسم «المحيط» ينطبق عليه شرط الإطلاق. فنقول: ويدخل في معنى الإطلاق اقتران الاسم بالقدرة المطلقة والعلم المطلق؛ لأن معاني القدرة والعلم هي في حد ذاتها إطلاق، فالقدرة والعلم يزيدان الإطلاق كمالا على كمال، وجلالا فوق الجلال. ومن ثم؛ فإن كل اسم اقترن بمعاني القدرة والعلم فهو مطلق في الدلالة على الحسن والكمال يفيد المدح والثناء على الله بنفسه. واسم «المحيط» أتى مقرونا بمعاني القدرة والعلم، قال الإمام الطبري في «تفسيره» (٢٥/ ٦): «وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] يقول تعالى ذكره: ألا
следующие страницы →