إسرائيل والتلمود
دراسة تحليلية
بقلم: إبراهيم خليل أحمد
الناشر: مكتبة الوعي العربي
لصاحبها: رؤوف نعمان
تيلفون: ٩١٩٩٦٥
١٩٦٧ م
стр. 2
تقديم
أخي المواطن
اليوم ونحن نقف وجهاً لوجه أمام الصهونية والإستعمار الجديد لنزيل عن أرضنا آثار عدوانهما الغاشم مستخدمين في هذا السبيل كل طاقاتنا وجهودنا، فقد رأيت أن أتقدم إلى قراء العربية جميعاً هذا الكتاب، الذي جعلت موضوعه «إسرائيل والتلمود».
وقد اخترت هذا الموضوع لأسباب كثيرة أعتقد أنها ستتضح أمامك وأنت تقرأ الكتاب، وتتابع ما يكشفه لك من مخازي الصهيونيين ومساوئهم.
وليست هناك حجة في الرد على الصهاينة أقوى من التوراة كتابهم المقدس. برغم أنهم تناولوها بالتحريف والتبديل، واستبدلوا بها التلمود كتابا مقدساً يتبعون تعاليمه، ويسيرون على هديه.
ولقد عاش اليهود خلال الأزمنة المتطاولة حربا على الإنسانية والخير وكل ماهو أصيل وسامٍ في النفس البشرية، ومن أجل ذلك لعنتهم الكتب السماوية ولفظتهم الأمم التي عاشوا بين ظهرانيها، ولم يستطيعوا أن ينالوا محبة شعب أو ثقة أمة من الأمم … لعنهم القرآن الكريم وصور أخلاقهم بقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا
стр. 3
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١).
ووبخهم المسيح ﵇ بقوله: "لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم. . يا مراءون حسنا تنبأ عنكم إشعياء قائلا: يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويكرمنى بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس" (٢).
وإذا كانت الصهيونية تزعم بأن أرض فلسطين قد أقطعهم الله إياها فإن التوراة تكذب هذا الزعم وتدحضه، وعلينا أن نتدارس مزاعم الصهيونية في أنهم شعب الله المختار.
وفي أن الله قد ورثهم أرض فلسطين. . وفي الحقائق التي وردت في التوراة كتابهم المقدس عن العهد الذي
قطعه الله على نفسه لإبراهيم .. وعن الميراث وشرطية الميراث. ثم عن خيانة العهد والجزاء الأوفى.
وأخيراً عمن يكون له الميراث بعد أن رفض الله شعبه.
يستند اليهود في مزاعمهم التي يزعمون إلى ما ورد في التوراة: "أقيم عهدي بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبديا لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض
стр. 4
غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم" (١) "قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" (٢).
لقد أخذ لله هذا العهد على نفسه في وقت كان فيه إبراهيم عقيما وزوجته ساراى عاقراً، ولم يعطه فيها ميراثا ولاوطأة قدم، ولكن وعد أن يعطها ملكا له ولنسله من بعده، ولم يكن له بعد ولد" (٣).
وأرادت زوجته أن ترث الأرض: "فقالك ساراى لابرام: هوذا الرب قد أمسكنى عن الولادة. ادخل على جاريتي لعلي أرزق مها بنين.
فسمع ابرام لقول ساراى، فأخذت ساراى إمرأة ابرام هاجر المصرية جاريتها وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له، فدخل على هاجر فحبلت. . .
وولدت هاجر لأبرام ابنا. ودعا ابرام اسم ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل" (٤).
ومن هذا يتضح أن الميراث لنسل إبراهيم وأن سارة قد حققت إرادة العلي القدير في الوارث بموافقتها على تزويجها هاجر لإبراهيم رجلها، ومع هذا فقد جعل الله للميراث شرطاً وهو الكمال أمام الله: "وظهر الرب لإبرام وقال له: أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا " (٥). "وقال الله لإبراهيم: وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالم" (٦).
стр. 5
ولكن بني إسرائيل مع ما حققه الله تعالى من معجرات على يدى موسى كليمه ويوشع بن نون خليفة موسى تعدوا وصايا الله وخالفوا أنبياءه، فحلت عليهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة. نسوا الله فأنساهم أنفسهم، لم يصغوا لوصية ولم يسمعوا لتحذير. ومن قبل حذرهم موسى قائلا: "وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبيدهم الرب من أمامكم كذلك تبيدون لأجل أنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم" (١).
وتلاحقهم غضبة الله أينما كانوا: "والباقون منكم ألقي الجبانة في قلوبهم في أراضي أعدائهم فيهزمهم صوت ورقة مندفعه فيهربون كالهرب من السيف ويسقطون وليس طارد. ويعثر بعضهم ببعض كما من أمام السيف وليس طارد. ولا يكون لكم قيام أمام أعدائكم" (٢).
وأخيراً لمن الميراث؟
تنبأ المسيح ﵇ بنبي يأتي من بعده به تختم النبوة ويسند إليه الميرات، فقال: "أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية، من قِبَل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" (٣).
وهذه النبوءة تأكيد لما حلم به من قبل نبوخذ نصر ملك بابل من أن حجراً ضرب التمثال فسحقه وصار الحجر جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها، وقد عبَّر دانيال النبي هذا الحلم بقوله: "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لايترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل
стр. 6
هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب. الله العظيم قد عرّف الملك ماسيأتى بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين" (١).
ويحدد المسيح ﵇ شخص النبي الموعود بالنبوة والكتاب والملك، فيقول: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (٢).
ومن هنا فطن بنو إسرائيل إلى أن الله في غضبته عليهم قد أنتزع منهم الملك وخلعه على أمة محمد ﷺ .. وبهذا رفضهم جل شأنه وتجلى على نسل إسماعيل الذى تنكرت له سارة قائلة لإبراهيم: "اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحق" (٣). لقد أدركوا أن النبوة قد خرجت عنهم نهائياً وخلعت على من تنبأ به موسى وأكده عيسى من بعده: "أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لايسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمى أنا أطالبه" (٤) ولهذا كفروا بمحمد ﷺ وهم يعلمون أنه الحق، حقداً وعناداً ولجوا في باطلهم وعداوتهم للإسلام حتى دمغهم الله تعالى بقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٥).
وبعد أيها القارئ، فإني أقدم إليك كتابي هذا لأكشف لك عن حقيقة الصهيونية من أين استمدت تعاليمها وتقاليدها، وأسس مزاعمها التي تزعمها في الأرض المقدسة. . ولتعم من ثنايا هذا الكتاب من هم بنو
стр. 7
إسرائيل في حقيقتهم، وما مدى استمسا كهم بكتابهم المقدس وسوء تأويلهم أياه وتحريفهم الكلم عن مواضعه، واتخاذهم كتابا آخر مقدساً هو التلمود. وضعه أحبارهم وعلماؤهم بعد قرون من وفاة موسى ﵇، وأنحرفوا به عن كل فضيلة وكل دعوة حق دعا إليها دين من الأديان .. وقدموا هذا الكتاب على التوراة كتابهم الأول. وسترى في النماذج التي نقدمها إليك من التلمود روح العنصرية والحقد والضغينة على البشرية التي يدفعهم إليها كتابهم هذا، والذي أخلصوا لتعاليمه الشريرة الإخلاص كله .. فعاشوا حياتهم مبغضين مكروهين من أمم الأرض جميعاً.
والكتاب من جانب آخر يكشف عن الخطة التي تبعها الصهاينة من أجل السطرة على مقدرات العالم، وعن دور في تحطيم القيم الإنسانية والأخلاقية وزرع الفتن والثورات أينما حلو ..
وإذا كنا نجتاز اليوم ظروفاً غير عادية، فإن السبيل الأول للنصر أن نعرف عدونا حق المعرفة، لنستطيع أن ندفع شره وأن نلحق به الهزيمة الساحقة في كل ميدان. و هذا الكتاب يسهم في تعريف أبناء الأمة العربية بعدوهم، وهو خطوة على الطريق من أجل تحقيق وعد الله جل شأنه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
القاهرة في ٢ أ كتوبر ١٩٦٧
إبراهيم خليل أحمد
سابقا
القس إبراهيم خليل فيلبس
راعي الكنيسة الإنجيلية
وأستاذ العقائد واللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط
الفترة من ١٣٥ إلى سنة ٥٦٥
عاش في الشرق الأوسط شعب عجيب احتفظ بطابعه وبثقافته الخاصة بالرغم مما مر به من الشدائد. يستوحي كيانه ووجوده من دينه الخاص، ويعيش بهدي شريعته ومبادئه الأخلاقة، وظهر فيه شعراء وعلماء وأدباء وفلاسفة. والعجيب في هذا الشعب أنه تمكن من الإخصاب الفكري بين عالمين متناقضين: عالم استعماري وعالم نام.
لم تكن فتنة بار كوبيه Par Cocbeha سنة ١٣٢ - ١٣٥ م آخر مابذله اليهود ليستعيدوا حريتهم التي قضى عليها بمباى، وتيطس سنة ٧٠ م، وهادريان سنة ١٣٥ م، فقد أعادوا الكرة لاستعادة حريتهم واستقلالهم في عهد أنطونيوس بيوس Antonius Pius سنة ١٦١ م فأخفقوا في محاولتهم، وحرم عليهم أن يدخلوا المدينة المقدسة إلا في يوم تلك الذكرى المؤلمة: ذكرى تدميرها. فقد كان يسمح لهم نظير جعل معين، أن يأتوا ويندبوا ويبكوا أمام جدران الهيكل المهدم.
وكان سكان فلسطين التي خرب من مدنها في فتنة باركوبيه Par Cocbeha ٩٨٥ مدينة وقرية وقتل من أهلها ? ٠٠٠ و ٥٨٠ رجل وامرأة حتى كادت البلاد تمحى من الوجود، ونقص السكان إلى النصف، وانحط الباقون إلى درجة من الفاقة كادت أن تقضي على الحياة الثقافية.
وفي هذا الخراب الذي حل ببني إسرائيل وتدمير أورشليم تحقيق لنبوءة سيدنا عيسى ﵇ القائلة: "ياأورشليم ياأورشليم ياقاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا " (١).
стр. 10
وتحقيقا لنبوءة إرميا القائلة: "ويعبر أمم كثيرة في هذه المدينة ويقولون الواحد لصاحبه: لماذا فعل الرب مثل هذا لهذه المدينة العظيمة؟
فيقولون: من أجل أنهم تركوا عهد الرب إلههم وسجدوا لآلهة أخرى وعبدوها" (١).
ويحلل إرميا شخصيتهم بقوله: "ها إنكم متكلون على كلام الكذب الذي لاينفع. أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبا وتنجرون للبعل وتسيرون وراء آله أخرى لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمى عليه وتقولون قد أُنقِذنا. حتى تعملوا كل هذه الرجاسات هل صار هذا البيت الذي دُعِى بأسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم" (٢).
ويؤكد المسيح ﵇ شخصية بني إسرائيل المنحرفة بإقراره: "ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام. وقال لهم: مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (٣).
ولم يكد يمضي على فتنة باركوبيه جيل واحد حتى تمكن اليهود من إنشاء المجلس اليهودي القومي في مدينة طبرية وقوامه واحد وسبعون من العلماء. والأحبار المشرعين. إلا أن نهضة اليهود هذه انتكست يوم أن اعتنق الإمبراطور قنسطنطين المسيحية دينا وجعلها الدين الرسمي ومن ثم اضطهد اليهودية واليهود وفرض علهم قيوداً ومطالب جديدة وأغلق عليهم
стр. 11
في مجتمعهم بما يعرف "بالجيتو"، وفي سنة ٣٣٧ م أصدر قانوناً بمعاقبة اليهودي الذي يجرؤ على الزواج من مسيحية، بالإعدام (١)، كما نفى أحبارهم في أنحاء الإمبراطورية (٢).
وفرض جالوس Gallus أخو قسطنطين على اليهود من الضرائب الفادحة ما اضطر الكثيرين منهم إلى أن يبيعوا أبنائهم وبناتهم ليوفوا بمطالبه.
وثار اليهود مرة أخرى في سنة ٣٥٢ م. وأخمدت ثورتهم ودكت صفورة sepphoris (٣) دكا، وخربت أجزاء من طبرية وغيرها من المدن، وقتل آلاف من اليهود، واستبعد آلاف آخرون نفيا وتشريدا، وبلغت حال اليهودي الفلسطيني سنة ٣٥٩ م درجة من الإنحطاط أرغمت الحاخام هلل الثاني أن يزل عما كان ليهود فلسطين من الحق في أن يحددوا لجميع اليهود فى أنحاء الأرض تواريخ أعيادهم: وأصدر لهم تقويما يحددون هم؟ بقتضاه تواريخ هذه الأعياد مستقلين عن يهود فلسطين، ولايزال هذا التقويم الذي أصدره الحاخام هلل الثاني معمولا به إلى اليوم لدى اليهود في جميع أنحاء العالم.
اليهود يعيدون بناء أورشليم:
قال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا
стр. 12
مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١).
ولما ارتقى جوليان julian عرش الإمبراطورية أنقذ اليهود إلى أجل قصير من هذا التعذيب فقد خفض هذا الإمبراطور الضرائب المفروضة عليهم، وألغى القوانين التي تجعلهم أقل منزلة من غيرهم، واعترف بأن " يهوه " إله العبرانيين إله عظيم. وصرح لهم بإعادة بناء هيكل أورشلم من مال الدولة (٢)، لممارسة عبادتهم و تقديم الذبائح والقرابين زلفى إلى "يهوه" وأعاد فتح أورشلم لليهود، فهرعوا إليها! من جميع أنحاء فلسطين ومن كل ولاية في الإمبراطورية.
وسخر الرجال والنساء والأطفال جهودهم لإقامة البناء. وتبرعوا بحليهم وما ادخروه من أموالهم لتأثيث الهيكل الجديد (٣)، وفي وسعنا أن نتصور سرور القوم الذين ظلوا مائتي عام يدعون ربهم أن يمن عليهم بهذا اليوم من سنة ٣٦١ م.
الفترة من ١٣٥ إلى ٣٦١ .
ويصف سبينوزا اليهودي - وهو من أكبر فلاسفة التأريخ - الروح القومية اليهودية بقوله: "لم يكن حب اليهود لوطنهم حبا بسيطاً بل كان أشبه بالورع.
فهذا الورع - مع ما رافقه من الإحتقار للشعوب الأخرى كان ينمو يوماً فيوماً مع ممارسة اليهود لديانتهم حتى أصبح متأصلاً في نفوسهم".
والواقع أن الطاقة الروحية والقومية اليهودية غمرت حياة ذلك الشعب
стр. 13
فتشبعت بها روح أبنائه. فكانوا يعدون أنفسهم ممتازين على سائر الناس ولم يرضوا قط أن يمتزجوا بغيرهم من الأمم. في مازالوا يلحون في طلب الإنفراد في مجتمع "الجيتو" حتى منحتهم الطبيعة ما أرادوا وفصلتهم عن جسم البشرية. ومهما يكن من أمر فأين المفر من إرادة الله التي دمغتهم بالذلة:
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١)
وسرعان ماتبددت نشوتهم، فبينما كانوا يحفرون الأرض لوضع الأساس إذ خرج من باطنها لهيب أحرق عددا من العمال والمهندسين القائمين بالعمل (٢)، غير أن اليهود عادوا إلى العمل من جديد. فعادت هذه الظاهرة مرة أخرى - ولعل سبب هذه الظاهرة هو انفجار بعض الغازات الطبيعية وكان لالتهابها ما أوقف العمل وبالتالي ثبطت همة القائمين بالمشروع.
وفرح المسيحيون بهذه الظاهرة، إذ بدا لهم أن الله غير راضٍ عن إعادة بناء الهيكل، وعجب اليهود من هذا وحزنوا له. ثم مات الإمبراطور جوليان فجأة، فحبست عنهم أموال الدولة، وسنت من جديد القوانين المقيدة لهم، وجعلت أشد صرامة مماكانت عليه من قبل، وحُرِم على اليهود مرة أخرى دخول أورشليم فعادوا إلى منفاهم وفقرهم ثم إلى صلواتهم.
وكتب جيروم بعد قليل من ذلك الوقت يقول: "إن أهل فلسطين اليهود، لا يزيدون على عُشر ما كانوا عليه من قبل" تصديقاً لما جاء بسفر أشعياء:
стр. 14
"فقلت: إلى متى أيها السيد؟ فقال: إلى أن تصير المدن خربة بلا ساكن والبيوت بلا إنسان وتخرب الأرض وتقفر. ويُبعد الرب الإنسان ويكثر الخراب في وسط الأرض. وإن بقي فيها عشر بعد فيعود ويصير للخراب" (١).
وفي عام ٤٢٥ م ألغى الإمبراطور ثيوديسيوس الثاني الحاخامية الفلسطينية، وحلت الكنائس المسيحية اليونانية محل المعابد والمدارس اليهودية، وتخلت فلسطين بعد فترة قصيرة في عام ٦١٤ م عن زعامة العالم اليهودي.
ونتيجة لما أصاب اليهود من اضطهاد عنيف من مسيحي الإمبرطورية الرومانية يمموا وجوههم نحو الشرق إلى أرض النهرين وإلى بلاد الفرس حيث وجدوا تعضيداً من العنصر اليهودي البابلي الذي لم ينعدم من تلك البلاد منذ الأسر البابلي الذي حدث في عام ٥٩٧ ق. م. وكانت وظائف الدولة محرمة على اليهود في بلاد الفرس أيضا. ولكن هذه الوظائف كانت محرمة كذلك على جميع الفرس ماعدا طبقة الأشراف ولذلك لم يكن هذا الحرمان ثقيلاً عليهم (٢).
اليهود ينتشرون في الأرض:
قال هرتزل مؤسس الصهيونية: "من السخافة أن ننكر وجود مشكلة يهودية، فإنها موجودة حيثما توجد جماعة من اليهود. وإذا لم
توجد لايلبث أن يحملها إليها المهاجرون. إننا نهاجر إلى الجهات التي لانضطهد فيها، ولكن ظهورنا فيها يحمل على اضطهادنا".
стр. 15
والواقع أنها غضبة الله حلت بهذا الشعب: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١).
وظل اليهود في أثناء ذلك ينتشرون في جميع البلاد الواقعة حول البحر المتوسط. فمنهم من ذهب لينضم إلى الجاليات اليهودية في بلاد الشام والبحر المتوسط، ومنهم من ذهب إلى القسطنطينية رغم عداء أباطرة الروم وبطارقتهم، ومنهم من اتجهوا من فلسطين جنوباً إلى جزيرة العرب وعاشوا في سلام وحرية دينية مع بني جنسهم الساميين، واحتلوا فى تلك البلاد أقاليم برمتها مثل خيبر. وكان عددم فى يثرب "المدينة المنورة" يكاد يكون مساوياً لعدد العرب أنفسهم، واستمالوا إلى دينهم عدداً من الأهلين وهيئوا عقول العرب لما جاء به الإسلام من عقائد يتفق بعضها مع العقائد اليهودية ومن هؤلاء "ورقة بن نوفل" عم السيدة خديحة ﵂ زوجة رسول الله ﷺ ، ومنهم "بحيرى الراهب". ومنهم من عبروا البحر الأحمر إلى بلاد الحبشة حيث تضاعف عددهم بسرعة حتى قيل: أنهم
بلغوا في عام ٣١٥ م نصف سكان تلك البلاد (٢).
وكان اليهود يمتلكون نصف سفن الإسكندرية، وكان ثرائهم في تلك المدينة السريعة التأثر والاهتياج سببا من أسباب أزدياد حدة العداء الديني لهم.
وكان في أسبانيا جاليات يهودية قبل يوليوس قيصر، ونمت تلك الجاليات دون أن يتعرض لها بأذى تحت حكم الأباطرة الوثنيين، وأثروا فى عهد القوط الغربين الآريين، ولكنهم سرعان ماتعرضوا للإضطهاد الموئس
стр. 16
وبعد أن اعتنق الملك ريكارد (٥٥٦ - ٦٠١) عقائد مؤتمر نيقية. وأحرق مسيحيو أورليان كنيسا يهوديا حوالي عام ٥٦٠، طلب اليهود من جنثرام Gunthram ملك الفرنجة أن يعيد بناءه من أموال الدولة أسوة بما فعله ثيودريك في مثل هذه الحالة من قبل. ولما رفض جنثرام هذا الطلب صاح الأسقف جريجوري التوري Gregory of Tours : " ما أعظمك أيها المليك وما أعجب حكمتك" (١).
ولكن اليهود بالرغم ما يقع عليهم من اضطهاد سرعان ما ينمون وينتعشون في البلاد التي كانوا. يهاجرون اليها وسرعان ما كانوا، ينشئون مدارسهم بمختلف مستوياتها يضمها في العادة الكنيس نفسه. وكان العلماء لا يقيمون في بلد يخلو من المدارس الإبتدائية والثانوية.
وكانت لغة العبادة والتعليم هي اللغة العبرانية، أما لغة التخاطب اليومي العادي فكانت الآرامية في بلاد الشرق، واليونانية في مصر وفي بلاد أوربا الشرقية، أما في غير تلك البلاد فكان اليهود يتخاطبون بلغة من يعيشون بينهم من الأهلين.
وكان الدين هو الموضوع الذي يدور حوله التعليم اليهودي، أما الثقافة غير الدينية فكادت في ذلك الوقت أن تهمل إهمالا تاما، ذلك أن اليهود المشتتين لم يكونوا يستطيعون أن يحفظوا كيانهم جسميا وروحيا إلا عن طريق شريعتهم. وكان الدين عندم هو دراسة الشريعة والعمل بها، وكان دين آبائهم يزداد قيمة لديهم. كلما ازداد الإضطهاد الديني عليهم، وكان التلمود والتوراة الدعامتين والملجأين اللذين لاغنى عنهما لشعب حائر تائه مشرد بين شعوب الأرض، شعب تقوم حياته على الرجاء، ويقوم رجاؤه على، الإيمان بالله.
стр. 17
منشأ التلمود:
كان الكتبة ورجال الدين المقيمون فى المعابد والمدارس الفلسطينية والبابلية هم الذين ألفوا أسفار الشريعة الضخمة المعروفة بالتلمود الفلسطيني والتلمود البابلي.
وكانوا يقولون إن موسى لم يترك فقط لشعبه شريعة مكتوبة تحتويها الأسفار الخمسة المسماة بالتوراة، بل ترك أيضا شريعة شفوية تلقاها التلاميذ عن المعلمين جيلا بعد جيل وأضافوا إليها زيادات وتنقيحات.
وكان أهم ما ثار حوله الجدل بين الفريسين والصدوقيين والفلسطينيين هو: هل هذه الشريعة الشفوية هي الأخرى من عند الله؟ فإن كان الأمر كذلك فهي واجبة الطاعة.
ولما أن زالت طبقة الصدوقيين بعد تشتت اليهود عام ٧٠ م خلا الموقف للفريسيين الذين سيطروا على الكيان الروحى لشعب إسرائيل وورث رجال الدين تقاليد الفريسيين ورواياتهم ? وقيل إيمانا وطاعة جميع اليهود المتمسكين بدينهم الشريعة الشفوية وآمنوا بها وكأنها أوامر من عند الله وأضافوها إلى أسفار موسى الخمسة، فتكونت من هذه وتلك التوراة والتلمود، أو الشريعة الموسوية التي استمسك بها اليهود وعاشوا بمقتضاها.
وفي هذا يقول المسيح ﵇: "يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه
стр. 18
ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس" (١).
وكانت الشريعة الموسوية وهي التوراة والتلمود بالنسبة لإسرائيل حقيقة لا مجازا هي كيانهم، وقوام حياتهم.
إن القصة التي تروى تلك العملية الطويلة التي استغرقت ألف عام، تجمعت في خلالها الشريعة الشفوية، واتخذت فيها صورتها النهائية المعروفة "بالمشنا"، والقرون الثمانية التي تجمعت فيها ثمار الجدل والأحكام.
والإيضاح فكانت هي الجمارتين أو شروح المشنا، وبانضمام المشنا إلى أقصر الجمارتين يتألف منهما التلمود الفلسطيني، وإلى أطولهما يتألف منهما التلمود البابلي - إن القصة التي تروي هذه الأحداث الثلاثة لمن أ كثر القصص تعقيداً وأعظمها إثارة للدهشة في تاريخ العقل البشرى.
وكما كانت التوراة أدب العبرانيين الأقدمين ودينهم، كان التلمود حياة يهود العصور الوسطى ودينهم ودماءهم.
وذلك أن أحكام الشريعة الواردة في الأسفار الخمسة أحكام مسطورة، ولهذا فإنها لم تكن تستطيع الوفاء بجميع حاجات أورشليم بعد أن فقدت حريتها، ولا اليهودية بعد أن فقدت أورشليم حريتها، ولا الشعب اليهودي في خارج فلسطين. لم تستطع الوفاء بحاجات هذه أو معالجة الظروف المحيطة بها ومن ثم كانت مهمة علماء السنهدرين قبل التشتت، والأحبار بعد التشتت هي تفسير الشريعة الموسوية تفسيراً يهتدي به الجيل الجديد والبيئة الجديدة ويفيدان منه.
وتوارث المعلمون جيلا بعد جيل تفاسير هؤلاء العلماء ومناقشاتهم، وآراء الأقلية والأغلية في موضوعتها
стр. 19
على أن هذه الروايات الشفوية لم تدون، ولعل سبب عدم تدوينها أن هؤلاء العلماء أرادوا أن يجعلوها مرنة قابلة للتعديل، أو لعلهم أرادوا بذلك أن يرغموا الاجيال التالية على استظهارها.
فكان في وسع الأحبار الذين أخذوا على أنفسهم تفسير الشريعة إذا اضطرتهم الظروف، أن يستعينوا بمن قدروا على استظهارها. وكان الأحبار في الستة القرون الأولى بعد ميلاد المسيح يسمون "التنايم" Tannaim أي، معلمي "الشريعة" وإذ كانوا هم وحدم المتضلعين فيها فقد كانوا هم المعلمين والقضاة بين يهود فلسطين بعد تدمير الهيكل.
تحليل شخصية الأحبار:
كان أحبار فلسطين، وأحبار بابل طبقة أرستقراطية فذة لامثيل لها في التأريخ. ذلك أن هؤلاء الأحبار لم يكونوا طبقة وراثية أو مغلقة مقصورة على طائفة خاصة من الناس كما كانت من قبل. فإن وظيفة الأحبار والكهنة حسب شريعة موسى قصرت على سبط لاوى فحسب، بل أصبحت هذه الوظيفة بعد ميلاد المسيح وتدمير أورشلم حقا مباحا لكل يهودي، ووجد فقراء اليهود طريقهم إلى الكهنوت، وسرعان ما ارتقوا فى مناصبه.
وقد كان معظمهم يكسبون قوتهم بالعمل في الصناعات المختلفة حتى بعد أن أصبحوا من ذوي الشهرة العالمية. وظلوا إلى مايقرب من أخريات تلك الفترة التي نتحدث عنها لا يعطون أجوراً على قيامهم بالتدريس أو بأعمال القضاء.
وكان الأثرياء من اليهود يجعلونهم في بعض الأحيان شركاء غير عاملي في مشروعاتهم المالية أو التجارية. أو يؤونهم في بيوتهم أو يزوجونهم من بناتهم، ليوفروا عليهم عناء الكد لكسب قوتهم.
стр. 20
ومن هؤلاء الأحبار من أفسدهم ما كان لهم من المنزلة الرفيعة بين أبناء جلدتهم ودينهم. ومنهم من كانوا كسائر الخلق يغضبون، ويغارون ويحقدون، ويسرفون في النقد ويتكبرون، ومنهم من كان لابد لهم أن يذكروا أنفسهم المرة بعد المرة أن العالم بحق رجل متواضع، لأن الحكيم يرى الجزء في ضوء الكل، إن لم يكن لغير ذلك من الأسباب.
وكان الناس يحبونهم لفضائلهم ولعيوبهم، ويعجبون بهم لعلمهم وتقواهم ويروون ألف قصة وقصة تنبئ عن حكمتهم ومعجزاتهم. ومازال اليهود إلى أيامنا هذه يجلون طلاب العلم والعلماء كما لا يجلهم شعب آخر في العالم كله.
كتابة التلمود:
ولما كثرت قرارات الأحبار وتضاعفت أصبحت مهمة استظهارها شاقة غير معقولة. ولذلك حاول هلل، وعقيبا Akiba ومائير Mair مراراً عدة أن يصنفوها: ويستعينوا على استظهارها ببعض الأساليب والرموز، ولكن هذه التصانيف والرموز والحيل لم يحظ شيء منها بالقبول من جمهرة اليهود.
وكانت نتيجة هذا أن أصبح الاضطراب في نقل الشريعة كلها عن ظهر قلب مروعا. وكان مما زاد الطين بلة أن تشتت اليهود قد عمل على تفرق هذه القلة من حفظة الشريعة في أقطار نائية.
وحوالي عام ١٨٩ م تابع الحبر يهوذا هنسيا jehuda Hanasi في قرية صبورة بفلسطين عمل عقيبا Akiba ومائير Meir وعدله، وأعاد ترتيب الشريعة الشفوية بأكملها ثم دونها وزاد عليها إضافات من عنده. فكانت هي مشنا (١) الحبر يهوذا.
стр. 21
وترى أقلية من العلماء أن يهوذا لم يدون مشناه. بل إنها أخذت تنتقل شفويا من جيل إلى جيل حتى القرن الثامن الميلادى. ومن شاء معرفة رأي الاغلبية فليرجع إلى كتاب ج. ف. مور المسمى "اليهودية في القرون الأولى من التأريخ المسيحي" G. F. moore; Judaism in the First Centuries of the Christian Era. طبعة جامعة كمبردج بولاية مسشوستس عام ١٩٣٢ الجلد الأول ص ١٥١.
كذلك كتاب و. ا. أوسترلي المسمى "نظرة قصيرة في الآداب الدينية اليهودية في العصور الوسطى" W.O. Oesterley : G. H. Box Short Survey of the Literature of Rabbinicals and medieval
Judaism. London. ١٩٢٠، P. ٨٣.
وانتشرت هذه بين اليهود انتشاراً أصبحت معه بعد زمن ما، هي المشنا المعتمدة لشريعة اليهود الشفوية. والمشنا "أي التعاليم الشفوية" كما نعرفها اليوم هي الصورة النهائية لطبقات مختلفة كثيرة، وقد أدخلت عليها حواش متعددة من أيام يهوذا إلى الآن.
ولكنها مع هذا خلاصة مدمجة محكمة، وضعت لكي تحفظ عن ظهر القلب بكثرة التكرار. ولهذا فإن من يقبل على قراءتها يرى أن عبارتها المحكمة الجامعة الغامضة تعذب قارئها بما تبعثه في نفسه من الآمال الكاذبة الخادعة. اللهم إلا إذا كان القارئ ملما بحياة اليهود وتأريخهم.
وقد قبلها يهود بابل وأوربا كما قبلها يهود فلسطين ولكن كل مدرسة فسرت أمثالها وحكمها تفسيراً يخالف مافسرته الأخرى. وقد اشتركت ستة
стр. 22
أجيال (١) (١٠ - ٢٢٠) من الأحبار المعروفين بالتنائم Tannaim (٢) في صياغة المشنا كما اشتركت ستة أجيال (٢٢٠ - ٤٣٠) من الأحبار المعروفين بالأمورائم Amoraim (٣) في طائفتين ضخمتين من شروح المشنا وهما الجمارة الفلسطينية والجمارة البابلية وبذلك أخذ المعلمون الجدد في تلقين التوراة وهم يدعون السبورائم (٤).
ومن هذه الطبقات الثلاث طبقة التنائم، والأمورائم، والسبورائم يتكون المجتمع الرباني اليهودي. وتداول التنائم الجدد والسبورائم الجدد مشنا يهوذا فتناقشوا في المتن وحللوه وفسروه، وعدلوه،. ووضحوه لكي، يطبقوه على المشاكل الجديدة، وعلى ظروف الزمان والمكان.
ولما قارب القرن الرابع الميلادى الإنتهاء نسقت مدارس قلسطين شروحها وصاغتها في الصورة المعروفة بالجمارة الفلسطينية.
وفي سنة ٣٩٧ م شرع رب آسي Rab Ashi رئيس جامعة سورا Sura College في تقنين الجمارة البابلية وظل يواصل العمل في ذلك التقنين جيلا من الزمان. وفي سنة ٤٩٧ م أستأتف ربينا بار شمويل وهو أيضاً من جامعة سورا مابدأه رب آسي وانتهى من عمله سنة ٤٩٩ وإذا ذكرنا أن الجمارة البابلية أطول من المشنا إحدى عشرة مرة، بدأنا نعرف لم استغرق جمعها ماثة عام كاملة.
وظل الأحبار السبورائم "المناطقة " مائة وخمسين سنة (٥٠٠ - ٦٥٠) يراجعون هذه الشروح الضخمة ويصقلون التلمود البابلي الصقل الأخير.
стр. 23
التلمود - المشنا - الجمارة - الهلكا - الهجدة
ولفظ التلمود يعني التعليم أو الشريعة الشفوية، ولم يكن الأمورائم "الشراح"، يطلقون هذا اللفظ إلا على المشنا. أما الآن فأصبح التلمود يعني المشنا والجمارة معا، والمشنا أي المتن في التلمود البابلي هي بعينها مشنا التلمود الفلسطيني ولا يختلف التلمودان إلا في الجمارة أو الشروح، فهي في التلمود البابلي أربعة أمثالها في التلمود الفلسطيني (١).
ولغة الجمارة البابلية ولغة الجمارة الفلسطينية هي اللغة الآرامية. أما لغة المشنا بالإيجاز. فهي تعبر عن القانون الواحد بقليل من السطور، أما الجمارتان البابلية والفلسطينية فتبسطان عن قصد وتعمد. وتذكران بإسهاب مختلف آراء كبار الأحبار عن نصوص المشنا وتضيفان الظروف التي قد تتطلب تعديل القانون، وتضيفان كثيراً من الإيضاحات. ومعظم
стр. 24
المشنا نصوص قانونية وقرارات "هلكا" Halacha أما الجمارتان فبعضهما "هلكا" إعادة نص فانون أو بحثه بعضهما هجدة Haggadi " قصص" وأكثر ماتسجله الهجدة هو القصص والأمثلة الإيضاحية، وأجزاء من السير والتاريخ، والطب والفلك، والتنجيم، والسحر، والتصوف والحث على الفضيلة والعمل بالشريعة وكثيراً ماتروح الهجدة عن نفس طلاب العلم بعد جدل معقد متعب.
الشريعة:
يقول رجال الدين اليهودي إن واجب الإنسان أن يدرس الشريعة مسطورة وشفوية، من حكمهم المأثورة في هذا المعنى قولهم إن دراسة
التوراة أجل قدراً من بناء الهيكل، وإن من واجب الإنسان وهو منهمك في دراسة الشريعة أن يقول لنفسه كل يوم: "كأنا في هذا اليوم قد
تلقيناها من طور سيناء"، وليست الدراسات الأخرى بعد ذلك واجبة.
فالفلسفة اليونانية والعلوم الدنيوية لاتصح دراستها إلا في تلك الساعات التى ليست ليلا ولا نهارا، ويعتقد اليهود أن كل كلمة من كتابهم التوراة من كلمات الله بالمعنى الحرفي لهذه العبارة.
وحتى سفر نشيد الإنشاد نفسه إن هو إلا ترنيمة موحى بها من عند اللّه لتصور بصورة مجازية اقتران يهوه بإسرائيل عروسه المختارة. ومن سفر نشيد الإنشاد نقتطف:"ليقبلني بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر …
في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته. . . قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟ قد غسلت رجلي فكيف أوسخهما؟ حبيبي مد يده من الكوة فأنت عليه أحشائي .. " (١).
стр. 25
"ليتك كأخ لي الراضع ثدي أمي فاجدك في الخارج وأقبلك ولا يخزونني. وأقودك وأدخل بك بيت أمي وهي تعلمني فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني. شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني" (١).
"اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية، لهيبها لهيب نار لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ. المحبة والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً" (٢).
وإن الشريعة قد وجدت لاستتباب النظام ووحدة الكون وفي انعدامها حتما انتشار الفوضى الأخلاقية. ومن هنا فإن الشريعة قد وجدت لامحالة قبل أن يخلق العالم "في صدر الله وعقله (٣) "، وكان إنزالها على موسى مجرد حادث من حوادث الزمان. والتلمود أو بعبارة أدق جزؤه الذي يبحث في الشريعة الشفوية المتضمنة "الهلكا والهجدة" هو أيضاً كلمات الله الأزلية وهو صياغة للقوانين التي أوحاها الله إلى موسى شفويا ثم علمها موسى لخلفائه، ولهذا فإن مافيها من أوامر ونواهٍ واجبة الطاعة تستوي
في هذا مع كل ماجاء في التوراة (٤).
стр. 26
ومن أحبار اليهود من يجعلون المشنا مرجعا أقوى حجة من الكتاب المقدس، لأنها صورة من الشريعة معدلة جاءت متأخرة عنها، وكانت بعض قرارات الأحبار تتعارض تعارضا صريحا مع قوانين أسفار موسى الخمسة، أو تفسيرها تفسيراً يبيح مخالفتها. وكان يهود ألمانيا وفرنسا في العصور الوسطى يدرسون التلمود أكثر ما يدرسون التوراة نفسها.
… ومن المبادئ البديهية في التلمود، كما أن من المبادئ البديهية في التوراة، وجود إله عاقل قادر على كل شيء. وقد وجد بين اليهود من حين إلى حين عدد من المتشككين أمثال "اليشع بن أيوبا" العالم الذي اتخذه الكوهن مائير صديقا له، ولكن يبدوا أن أولئك المتشككين كانوا أفيلة صغيرة لا تكاد تجهر بآرائها.
والله كما يصفه التلمود إله متصف صراحة بصفات البشر، فهو يحب ويبغض ويغضب ويضحك ويبكي ويشعر بوخز الضمير، ويلبس التمائم، ويجلس على عرش يحيط به طائفة من الملائكة المختلفي الدرجات يقومون على خدمته. ويدرس التوراة ثلاث مرات في كل يوم.
واليهود لا يفتئون يجهرون بوحدانية الله في حماسة قوية. وينددون بشرك الوثنية، وبما يبدو في المسيحية من تثليث.
وهم يجهرون بهذه الوحدانية في أشهر صلواتهم، وأ كثرها انتشاراً بينهم الا وهي صلاة "شمع يسرائيل" وفحواها: "اسمع يا إسرائيل الله إلهنا الله واحد": وليس ثمة مكان بجواره في هيكله أو في عبادته لمسيح أو نبي أو قديس.
النهي عن ذكر لفظ الجلالة (الله):
وقد نهى أحبار اليهود الئاس عن ذكر اسم "الله" إلا في أحوال نادرة. ويقصدون بذلك أن يحولوا بينهم وبين تدنيسه أو اتخاذه وسيلة
стр. 27
للسحر. ولكي يتجنبوا النطق بهذا الاسم الرباعى "يهوه " كانوا يذكرون بدلا منه لفظ "أدوناي" أي الرب، بل ويشيرون بأن يستعمل بدلا منه عبارات مثل "الواحد المقدس" أو "الواحد الرحمن" أو "السماوات" أو "أبانا الذي في السماوات".
وفي اعتقادهم أن الله قادر على صنع المعجزات، وأنه يصنعها فعلا، وخاصة على أيدي كبار الأحبار. ولكن يجب ألا يظن أن هذه المعجرات خرق لقوانين الطبيعة إذ ليس ثمة قوانين إلا إرادة الله.
ولقد رأوا معجزات على يد موسى: "ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل وجعل البحر يابسة وانشق الماء. فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم" (١).
وفي عهد يشوع خليفة موسى ﵇ طلب أن تقف الشمس: "حينئذ كلم يشوع الرب. . وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي أيلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه .. فوققت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" (٢).
وفي عهد موسى نطقت أتان: "فلما أبصرت الأتان ملاك الرب ربضت تحت بلعام فحمى غضب بلعام وضرب الأتان بالقضيب. ففتح الرب فم الأتان فقالت لبلعام: "ماذا صنعت بك حتى ضربتني الآن ثلاث دفعات؟ ..
ثم كشف الرب عن عيني بلعام فأبصر ملاك الرب واقفا في الطريق وسيفه مسلول في يده فخر ساجدا على وجهه" (٣).
стр. 28
وفي عهد إيليا أقام ميتا من الموت: "وبعد هذه الأمور مرض ابن المرأة صاحبة البيت واشتد مرضه جدا حتى لم تبق فيه نسمة فقالت لإيليا: "مالى ولك يا رجل الله. هل جئت إلي لتذكير إثمي وإماتة ابني" فقال لها: أعطيني ابنك. وأخذه من حضنها وصعد به إلى العلية التي كان مقيما بها وأضجعة على سريره وصرخ إلى الرب وقال: أيها الرب إلهي أأيضاً إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها؟ فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال: يارب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه.
فسمع الرب لصوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش، فاخذ إيليا الولد ونزل به من العلية إلى البيت ودفعه لأمه، وقال إيليا: انظري ابنك حي، فقالت المرأة لإيليا: هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب في فمك حق" (١).
الحياة والشريعة:
ليس التلمود من التحف الفنية، ذلك بأن جمع أفكار ألف عام كاملة ووضعها في مجموعة مترابطة متناسقة عمل لا يقوى عليه حتى مائة حبر من الأحبار الصابرين، وما من شك في أن كثيراً من المقالات قد وضعت في غير موضعها من التلمود، وأن عدداً من الفصول قد وضع في غير المقالات التي يحب أن يوضع فيها وأن موضوعات تبدأ ثم تترك، ثم تبدأ من جديد على غير قاعدة موضوعة.
وليس كتابة التلمود ثمرة تفكير بل هي التفكير نفسه: فكل الآراء المختلفة قد دونت فيه، وكثيراً ما تترك النقط المتعارضة دون أن تحل أو تفسر، وكأننا قد اجتزنا خمسة عشر قرنا من الزمان كيما ننصت إلى نقاش
стр. 29
أشد المدارس إخلاصا للتلمود، ونستمع إلى آراء وكتابات وتفسيرات الأحبار عقيبا "ومائير"، ويهوذا هنسيا، ورب، في أثناء جدلهم العنيف.
إذا ذكرنا هذا استطعنا أن نجد هذه الأقوال من جدل وسفسطة وأقاصيص غير مصدقة وتنجيم وأحاديث عن الجن وعن الشياطين، وخرافات ومعجزات وأسرار الأعداد، وأحلام وحي، ونقاش لا آخر له، تنسج نسيجا مهلهلا من الخيالات والأوهام والغرور الذي يعزيهم، ويأسو جراحهم ويخفف من لوعتهم على آمالهم الضائعة. ولا أدل على ذلك من أسفار الأبو كريفا التي تضمنها الكتاب المقدس منها قصة يهوديت وتأريخ المكابيين والأسفار المزيدة من سفر دانيال وهي قصة البعل والتنين.
وإذا ما اشمأزت نفوسنا من قسوة هذه القوانين ومن حساسية هذه النظم وتدخلها فيما لايصح أن تتدخل فيه، وما يجازى به من يخرقها أو يتهاون بها من شدة وبطش، فإن من واجبنا ألا نحمل هذه المسألة محمل الجد. ذلك أن اليهود لم يدعوا قط لأن يطيعوا هذه الوصايا كلها بل أن يسيروا في سلوكهم الشخصي بمقتضاها. على أن أحبارهم كانوا يغضون أبصارهم عما يجدونه في كل صفحتين من كتاباتهم من ثغرات بين نصائحهم التي تدعو إلى الكمال.
وبين مافي الطبيعة البشرية من ضعف خفي. وفي ذلك يقول أحد الأحبار الحذرين: "لو أن إسرائيل قد حرصت الحرص الواجب على تعشير شبت واحد لجاء ابن داود من فوره" ولم يكن التلمود كتاب قوانين يطلب إلى اليهود إطاعتها جملة وتفصيلا. بل كان سجلا لآراء الأحبار. جمعه جامعوه ليهتدى به الناس إلى الحياة الصهيونية، غير أن قلة من الجماهير غير المثقفة انتقت مختارات من الأوامر جاءت بها الشريعة كنبراس لسبيلهم.
стр. 30
وقيل إن موسى قد جاء متخفياً إلى الحجرة التي يلقي فيها عقيبا دروسه، حيث جلس في الصف الأخير ودهش من كثرة القوانين التي استنبطها المعلم الكبير من الشريعة الموسوية، والتي لم يحلم بها كاتبها قط. ولقد ظل التلمود أربعة عشر قرنا من الزمان أساس التربية اليهودية، وجوهرها، وكان الشاب العبراني ينكب على دراسته سبع ساعات يوميا لمدة سبع سنوات يتلوه وبثبته في ذاكرته بلسانه وعينه، وكان هو الذي يكون عقولهم ويشكل أخلاقهم بما تفرضه دراساته من نظام دقيق، وبما يستقر في عقولهم من معرفة، شأنه في هذا شأن كتابات كنفوشيوس التي كان يستظهرها الصينيون كما يستظهر اليهود التلمود ? ولم تكن طريقة دراسته مقصورة على تلاوته وتكراره، بل كانت تشمل فوق ذلك مناقشة بين المدرس والتلميذ، وبين التلميذ والتلميذ، وتطبيق القوانين القديمة على ما يستجد من الظروف، وقد أفادت هذه الطريقة حدة في الذهن وتقوية للذاكرة، وتثبيتا للعلومات ميزت اليهودي من غيره في كثير من الميادين التي تتطلب الوضوح، وتركيز الذهن، والمثابرة والدقة، وإن كانت في الوقت نفسه قد عملت على تضييق أفق العقل اليهودي والحد من حريته.
ولقد روض التلمود طبيعة اليهودي الثائرة المهتاجة وكبح جماح نزعته الفردية، وبث فيه روح العفة والوفاء لأسرته وعشيرته. ولربما كان «نير الشريعة» عبئا ثقيلا على ذوي العقول السامية الكبيرة، ولكنه كان السبب في نجاة اليهود بوجه عام.
ولقد كان التلمود على حد قول هيني Heine وطنا متنقلا لليهود يحملونه معهم أينما ساروا. فحيثما وجد اليهود، حتى وهم جالية واجفة في أرض الغربة، كان في وسعهم أن يضعوا أنفسهم مرة أخرى في عالمهم "الجيتو" وأن يعيشوا مع أنبيائهم وأحبارهم، وذلك بأن يرووا عقولهم وقلوبهم من فيض هذه الشريعة، فلا غرابة والحالة هذه إذا عشقوا التلمود وجعلوه
стр. 31
فى أيامنا هذه أثمن ما تمتلكه معابدهم وبيوتهم، واتخذوه ملجا وسلوى وملاذاً للروح اليهودية.
المرأة في التلمود:
إن قوانين التلمود بوجه عام من وضع الأحبار، وبمعنى آخر من وضع الرجال، وهي لذلك تحابي الذكور محاباة بلغ من قوتها أن بعثت في نفوس أحبار اليهود الفزع من قوة المرأة. وهم يلومونها كما يلومها الآباء المسيحيون لأنها أطفات «روح العالم بسبب تشوف حواء المنبعث من ذكائها». وكانوا يرون أن المرأة خفيفة العقل وإن كانوا يقرون بأنها وهبت حكمة غريزية لا وجود لها في الرجل، وهم يأسفون أشد الأسف لما جبلت عليه المرأة من"ثرثرة" ويقولون في أساطيرهم: "لقد نزلت على العالم عشرة مكايل من الكلام أخذت المرأة منها تسعة" وأخذ الرجل واحداً".
ونددوا بانهما كها في السحر والشعوذة، وما إليها من الفنون الروحية الخفية، وفي افتتانها بالأصباغ والكحل، ولم يكونوا يرون بأساً في أن ينفق الرجل بسخاء على ملابس زوجته، ولكنهم يطلبون منها أن تتجمل لزوجها لا لغيره من الرجال.
وفي القضاء على حد قول أحد الأحبار تعدل شهادة مائة امرأة شهادة رجل واحد. وكانت حقوق النساء الملكية محددة في التلمود بالقدر الذي كانت محددة به في إنجلترا في القرن الثامن عشر، فمكاسيهن وما يئول إليهن من ملك إنها هو حق لأزواجهن ومكان المرأة هو البيت. ويقول أحد الأحبار المتفائلين: إن المرأة في عصر المسيح الثاني ستلد طفلاً في كل يوم" وإن الرجل الذي له زوجة خبيثة لن يرى وجه جهنم.
стр. 32
الباب الثاني
نماذج من التلمود
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. سورة البقرة: ١٥٩.
стр. 33
يبدو أنه بعد أن قربت عقيدة إسرائيل من التوحيد انتكست مرة أخرى انتكاساً كبيراً في العهد الذي ألف الأحبار فيه التلمود وهو "القرون الستة الأولى بعد الميلاد" فأسفار التلمود تظهر إله إسرائيل متصفاً بكثير من صفات الحوادث وصفات النقص.
ويبدو ذلك على الأخص فيما يرويه التلمود عن نشاط الله وأعماله في الليل والنهار، وعن حالته بعد هدم الهيكل وتشريد بني إسرائيل. فتقرر بعض أسفاره أن الله يقضي الساعات الثلاث الأولى من النهار في مذاكرة الشريعة، والساعات الثلاث الثانية في تدبير شئون الحكم بين الناس، والساعات الثلاث الثالثة في تدبير العيش للخلق. وأما الساعات الثلاث الأخيرة من النهار فيقضيها في اللعب مع الحوت ملك الأسماك. وهو حيوان كبير جداً يتسع حلقه لسمكة طولها ثلاثمائة فرسخ بدون أن تضايقه، وقد رأى الله أن يحرمه من أنثاه حتى لا يتناسلا فيملآن الدنيا وحوشا تهلك من فيها وتأتي على الحرث والنسل، ولهذا حبس الذكر بقوته الإلهية، وقتل الأنثى وملحها وحفظها لطعام المؤمنين في الفردوس. وأما ساعات الليل فيقضيها الإله في مذاكرة التلمود مع الملائكة ومع ملك الشياطين الذي يصعد إلى السماء كل ليلة ثم يهبط منها إلى الأرض بعد انتهاء هذه الندوة العلمية.
وقد تغير هذا النظام بعد أن قدر الله على هدم الهيكل وتشريد بني إسرائيل، فقد اعترف الإله بخطئه في هذا الصدد وندم على مافعله، وخصص ثلاثة أرباع الليل للبكاء والندم.
стр. 34
وكان إذا بكى سقطت من عينيه دمعتان في البحر فيسمع دويهما في الآفاق، وتضطرب المياه وترتجف الأرض فتنجم عن ذلك الزلازل. ويزعم التلمود أن الله يردد في أثناء بكائه ونحيبه عبارات تدل على ندمه على ما فعل فيقول: "تباً لي أمرت بخراب بيتى وإحراق الهيكل وتشريد أولادي" ويقول حينما يسمع الناس يمجدونه: "طوبى لمن يمجده الناس وهو مستحق لذلك. وويل للأب الذي يمجده أبناؤه مع عدم استحقاقه لذلك لأنه قضى عليهم بالتشريد والشقاء". ويقرر التلمود كذلك أن الإله قد تستولي عليه نزوة غضب فيقسم ليأتين أعمالاً شريرة أو غير عادلة ثم يئوب إلى رشده فيتحلل من يمينه كما حدث يوم أن غضب على بني إسرائيل في الصحراء، وأقسم أن يبيدهم، ثم رجع عن عزمه وتحلل من يمينه بعد أن انقشعت نزوة غضبه.
وكان في الغد أن موسى قال للشعب: أنتم قد أخطأتم خطية عظيمة، فأصعد الآن إلى الرب لعلي أ كفر خطيتكم. فرجع موسى إلى الرب، وقال: آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت.
فقال الرب لموسى: من أخطأ إلي أمحوه من كتابي. والآن اذهب اهدِ الشعب إلى حيث كلمتك. هوذا ملاكي يسير أمامك، ولكن في يوم افتقادي أفتقد فيهم خطيتهم. فضرب الرب الشعب لأنهم صنعوا العجل الذي صنعه هارون" (١).
وجاء في التوراة أن موسى أغلق على شعب إسرائيل بوصيته: "احفظ ما أنا موصيك اليوم. ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين. احترز من أن تقطع عهداً
стр. 35
مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخاً في وسطك. بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم، فإنك لا تسجد لإله آخر لأن الرب اسمه غيور، إله غيور هو، احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض، فيزنون وراء آلهتهم، فتدعى وتأكل من ذبيحتهم وتأخذ من بناتهم لبنيك فتزني بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن" (١).
وجاء أيضأ من وصاياه: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. و أما النساء و الأطفال والبهائم وكل مافي المدينة كل غنيمتها فتغتنمها
لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك" (٢).
نشأة اللغة العبرية:
إذا كان كل شعب يجل لغته، ويعظمها، ويرفعها فوق كل لغة، ويعتز بها ويسمو بمكانتها فوق كل لهجة، فإن مكان اللغة العبرية من الشعب الإسرائيلي مكان الأم من أبنائها.
قالوا: ولكنها لم تذكر (بالنص) في الكتب المقدسة، وهو ما يدل على أن هذه التسمية كانت من عمل غير العبريين، قالوا: وإنما ذ كر في سفر، إشعياء: "في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم
стр. 36
بلغة كنعان" (١). مسماة باسم كنعان حفيد نوح ﵉. ثم أطلقوا عليها اسم اليهودية: "ثم وقف ربشاقى ونادى بصوت عظيم باليهودي وقال: اسمعوا كلام الملك العظيم ملك أشور" (٢) فقال الياقيم بن حلقيا وشبنة ويواخ لربشاقى: كلم عبيدك بالآرامي لأننا نفهمه ولا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب" (٣).
على أننا وجدنا في سفر نحميا هذا الأسم (يهودي) ولكنه لم يرد له كر إلا بعد هجرة العشرة الأسباط - هنالك كان هذا النعت يطلق على اللغة والأمة أيضاً: "في تلك الأيام أيضا رأيت اليهود الذين سا كنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي بل بلسان شعب وشعب" (٤).
والفرق كبير بين لفظتى: عبرى - وإسرائيلي، للأن لفظ عبرى إنما كان ينعت به الشعب قبل ظهور الأسباط وفي الأيام الخالية، أما بعد ذلك فقد اعزوا بهذه التسمية، وأصبحوا يفخرون بالإسرائيلية.
على أننا لا نجد من بين المؤرخين اليونانيين والرومان - مثل بوزينيوس وطصطيوس وحتى المؤرخ اليهودي الشهير، يوسيفوس - من ذكر اليهود أوسماهم بالإسرائيليين، وإنما كلهم يجمعون على تسميتهم (بالعبريين).
"وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك … فأخذ أبرام ساراى امرأته ولوطاً ابن أخيه وكل
стр. 37
مقتنياتهما التي اقتنيا، والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان" (١).
قالو!: والتأريخ يجهل نشأة اللغة العبرية من عهدها الأول، إنما غاية ما يعرفه أنها وليدة أرض كنعان، وأنها كانت تجري على ألسنة قبائل الكنعانيين والفينيقيين - سكان فلسطين قبل أن يسكن أبناء إبراهيم تلك البلاد.
ولقد زارت مصر مع أبناء يعقوب حفيد إبراهيم وعادت معهم إلى موطنها الأول - أرض كنعان.
وكنعان اسم يقع ويشمل - كل عشائر الكنعانيين، سكان فلسطين وماتاخمها من بلاد سوريا ذلك الجزء الذى يقع على سكانه نعت الفينقيين، وقد وجد عملة من أثآرهم تشهد بذلك، وتعزز هذا الرأي.
ترجمة التوراة:
ترجمت التوراة بلغة "رها" وصارت الترجمة معروفة مقروءة عند النصارى الآراميين مألوفة في كنائسهم.
أما اسم آرام وآراميين، فقد تبدل ونسخ معناه، وصار المسيحيون واليهود يطلقون هذا الاسم على الوثنيين من بني آرام أو الآراميين. من أجل ذلك صار هذا الاسم بغيضا مكروهاً عند أصحاب الدين المسيحي وغيروا اسمهم من آراميين إلى سريان وصارت لغتهم سريانة، آخذين هذا الاسم من اللغة اليونانية، واستملح يهود ونصارى فلسطين هذا اللفظ "سريانية" وكان اليونان والعجم يسمون بني آرام الساكنين في أرض بابل بالسريان. وليس من الوجاهة في شئ أن تسمى لغة "رها" بالسريانية.
стр. 38
السامريون واليهود:
قالت المرأة السامرية للمسيح ﵇: "آباونا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون: "إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه" (١). يزعم السامريون أنهم على حق وأنهم أصحاب الدين الخالص، آيتهم يى ذلك أنهم لم يهجروا بلادهم إلى بابل كما هاجر الذين يحاجونهم في ذلك، ولكنهم لبثوا في أرضهم مقيمين قانتين حفظة كراما للدين.
ويقول اليهود: بل ليس السامريون على شيء، وإنهم (اليهود) يعلمون ويوقنون أن أباهم حافظ للدين فلا يمسه سوء لأنه الحق المبين.
وأن الله قد كان مدركهم وهاديهم في مهجرهم ثم أنهم عادوا من بعد ذلك إلى أورشليم "بيت المقدس" بيت الله وهم على دينهم الحنيف. قالوا: أما آباؤكم أيها السامريون فقد تزوجوا من نساء وثنيات، فاختلط الدم بالدم، واستبحتم ماحرمنا على أنفسنا. ثم لم تقف بكم الحال عند هذا الحد بل جعلتم بناتكم حلاً للوثنيين تصاهرونهم وتخالطونهم.
ولقد جمع السامريون من التوراة أسفار موسى الخمسة وكانت لهم هذه الأسفار بالعبرية بالخط العبري القديم ثم ترجموها إلى اللغة الآرامية، بلهجة سامرية، بعد أن شاعت اللغة الآرامية وذاعت في بلاد فلسطين.
стр. 39
الشريعة في أسفار اليهود
وقيامها على التفرقة العنصرية وعدم وحدتها
تضمنت أسفار العهد القديم والتلمود تنظيما كاملا لشئون الدين والدنيا معا، فلم تغادر أي ناحية من نواحي العبادات وشئون المعاملات والسياسة والإقتصاد والأسرة والقضاء والتربية والأخلاق والحرب والعلاقات الدولية وواجبات الفرد نحو نفسه وأسرته ووطنه. وما إلى ذلك، لم تغادر أية ناحية من هذه النواحي وغيرها إلا وضعت حدودا وقواعد وبينت ماينبغي أن تكون عليه، وما يجب اتخاذه في حالة الخروج عليها، حتى شئون الأ كل والشرب، والعلاقات الخاصة بين الرجل وزوجته والحيض والنفاس والزراعة والحصاد واستخدام الأنعام في الحرث. غير أنه يلاحظ في هذه الشريعة كثير من مظاهر الإنحراف والتضارب واختلاط المسائل نذكر منها:
قيام الديانة اليهودية على التفرقة العنصرية:
وذلك أنها تجعل اليهود الشعب المختار الذي اصطفاه الله وفضله على العالمين: "والآن هكذا يقول الرب خالقك يايعقوب وجابلك يا إسرائيل.
لاتخف لأني فديتك. دعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك، لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك. جعلت مصر فديتك كوش وسبا عوضك. إذا صرت عزيزا في عيني مكرما وأنا قد أحببتك أعطي أنسا عوضك وشعوباً عوض نفسك" (١). ومن هذا السند ندرك ادعائهم أنهم شعب الله المختار وأصبحوا ينظرون إلى ما عداهم من
стр. 40
الشعوب نظرتهم إلى شعوب وضيعة في سلم الإنسانية، حتى دارون صاحب النظرية القائلة بأن الإنسان من سلالة القرد وتدرج في تطور، حتى وصل إلى حالته الراهنة. كانت العقيدة اليهودية والعنصرية الإسرائيلية تسيطر على ذهنه. وعلى العموم فإن هذه الشريعة تضع قوانينها ونظمها على أساس التفرقة العنصرية: "فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها. لأن هذه الجارية لايرث مع أبني إسحق" (١). فتفرق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفي كثير من شئون الإجتماع فمن ذلك مثلاً أن الإسرائليين محرم عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين، بل واجب عليهم غزو الشعوب الآخرى وخاصة شعب كنعان، وواجب عليهم بعد انتصارهم على بلد ما أن يضربوا رقاب جميع رجاله البالغين بحد السيف. فلا يبقوا على أحد منهم ويسترقوا جميع نسائه وأطفاله، ويستولوا على جميع ما فيه من مال وعقار ومتاع أو ينهبوه حسب تعبير أسفارهم: "وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل مافي المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك" (٢).
ومن ذلك أن الإسرائيلي إذا باع نفسه بيعاً اختيارياً لأخيه الإسرائيلي في حالة عوزه وحاجته إلى المال، فإن رقه يكون موقوتا بأجل يرجع بعده إلى حريته، على حين أن الرق المضروب على غير الإسرائيلي يظل أبد الآبدين: "وتقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها تكون لكم يوبيلا وترجعون كل إلى ملكه وتعودون كل إلى عشيرته" (٣). "وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد