١١٦٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان
يقول: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى ".
١١٦٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علَّمه النبيُّ ﷺ الصلاة، ثم أمرَه أن يدعوَ بهذه الكلمات " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِني، وَعافِني، وَارْزُقْني " وفي رواية أُخرى لمسلم عن طارق: " أنه سمع النبيّ ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسألُ ربِّي؟ قال: قُلِ اللَّهُمَّ اغْفرْ لي، وَارْحَمْني، وَعافني، وَارْزُقْني، فإنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْياكَ وآخِرَتَكَ ".
١١٦٨ - وروينا فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا على طاعَتِكَ ".
١١٦٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ " وفي رواية عن سفيان أنه قال: في الحديث ثلاث: وزدتُ أنا واحدة، لا أدري أيّتهنّ..وفي رواية قال سفيان: أشكّ أني زدتُ واحدة منها.
١١٧٠ - وروينا في " صحيحيهما " عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعوذ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، وَالهَرَمِ، وَالبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ " وفي رواية " وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرّجالِ ".
قلت: ضَلَع الدين: شدّته وثقلُ حمله، والمحيا والممات: الحياة والموت.
١١٧١ - وروينا في " صحيحيهما " عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵃ أنه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دُعاءً أدعُو به في صَلاتي، قال: " قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ".
قلتُ: روي " كثيراً " بالمثلة، و " كبيرا " بالموحدة، وقد قدّمنا بيانه في أذكار الصلاة، فيستحبّ أن يقول الداعي كثيراً كبيراً، يجمع بينهما، وهذا الدعاء وإن كان ورد في الصلاة فهو حسن نفيس صحيح، فيُستحبّ في كل موطن، وقد جاء في رواية " وفي بيتي ".
стр. 387
١١٧٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي، وَجَهْلي، وَإسْرَافِي في أمْرِي، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَدّي، وَهَزْلي، وَخَطَئي، وَعَمْدي، وَكُلُّ ذلكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ، وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ، وَما أعْلَنْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، وأنْتَ على كل شئ قَدِيرٌ ".
١١٧٣ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يقول في دعائه: " اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما عَمِلْتُ وَمِنْ شَرّ مَا لَمْ أعْمَلْ ".
١١٧٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عمر ﵄ قال: كان دعاء رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عافيتك، وَفَجْأةِ (١) نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سُخْطِكَ ".
١١٧٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن زيد بن أرقم ﵁ قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، وَالبُخْلِ، وَالهَمِّ وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا ".
١١٧٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِني وَسَدّدْنِي " وفي رواية: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى وَالسَّدادَ ".
١١٧٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، علِّمني كلاماً أقوله، قالَ: " قُلْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، سُبْحانَ اللَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ "، قال: فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قُل اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْني، وَاهْدني، وَارْزُقْنِي، وَعافني " شكَّ الراوي في " وعافني ".
١١٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ أصْلحْ لي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي (٢) ، وأصْلِحْ لي
стр. 388
دُنْيايَ (١) الَّتِي فِيها مَعاشِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتي فيها مَعادي، وَاجْعَلِ الحَياةَ زيادَةً لي في كُلّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ راحَةً لي مِنْ كُلّ شَرٍّ ".
١١٧٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ أنْ تُضِلَّني، أنْتَ الحَيُّ الَّذي لاَ يَموتُ وَالجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ ".
١١٨٠ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن بُريدةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: " اللَّهمّ إني أسألك بأني أشهدُ إنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ.
فقال: لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ تَعالى بالاسْمِ الَّذي إذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ أجابَ ".
وفي رواية " لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ باسْمهِ الأعْظَمِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨١ - وروينا في سنن أبي داود والنسائي عن أنس ﵁، أنه كان مع
رسول الله ﷺ جالسا ورجل يُصلّي، ثم دعا: اللَّهمّ إني أسألك بأنَّ لكَ الحمدُ لا إِله إِلاَّ أنتَ المنّانُ، بديعُ السموات والأرض، يا ذَا الجَلالِ والإِكرام، يا حيُّ يا قيّوم، فقال النبيُّ ﷺ : " لَقَدْ دَعا اللَّهَ تَعالى باسْمهِ العَظيمِ الَّذي إذَا دُعيَ بهِ أجابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى " (٢) .
١١٨٢ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن عائشة ﵂، أن النبيّ ﷺ كانَ يدعو بهؤلاء الكلماتِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمنْ شَرّ الغِنَى وَالفَقْرِ " هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١١٨٣ - وروينا في كتاب الترمذي عن زياد بن عِلاَقَة عن عَمِّه وهو قُطْبَةُ بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلاقِ وَالأعْمالِ وَالأهْوَاءِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٤ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن شَكَل بن حُميد رضي الله
стр. 389
عنه - وهو بفتح الشين المعجمة والكاف - قال: قلتُ: يا رسولَ الله، علَّمني دعاء، قال: " قُلِ اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ سَمْعِي، وَمنْ شَرّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرّ لِساني، وَمِنْ شَرّ قَلْبي وَمنْ شَرّ مَنِيِّي " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٥ - وروينا في كتابي أبي داود والنسائي بإسنادين صحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ وَالجُنُونِ والجذام وسيئ الأسْقامِ ".
١١٨٦ - وروينا فيهما عن أبي اليَسَر الصحابي ﵁ وهو بفتح الياء
المثناة تحت والسين المهملة - أن رسول الله ﷺ كان يدعو " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْمِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِراً، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ لَديغاً " هذا لفظ أبي داود، وفي رواية له " وَالغَمّ " (١) .
١١٨٧ - وروينا فيهما بالإِسناد الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ منَ الجُوعِ فإنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأعُوذُ بك مِنَ الخِيانَةِ فإنَّها بِئْسَتِ البطانَةُ ".
١١٨٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن عليّ ﵁ أن مُكاتباً جاءه فقال: إني عجزتُ عن كتابتي فأعنِّي، قال: ألا أُعلّمك كلماتٍ عَلمنيهنّ رسولُ الله ﷺ ، لو كانَ عَليكَ مثلُ جبل [صبير] (٢) دَيْناً أدَّاهُ عنك؟ قُلِ: " اللَّهُمَّ اكْفِني بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٩ - وروينا فيه عن عمران بن الحصين ﵄، أن النبي ﷺ علَّمَ أباه حصيناً كلمتين يدعو بهما: " اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي، وَأعِذْنِي مِنْ شَرّ نَفْسِي " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٠ - وروينا فيهما بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعُوذُ بكَ منَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَسُوءِ الأخْلاقِ ".
١١٩١ - وروينا في كتاب الترمذي عن شَهْر بن حوشب قال: قلتُ لأُمّ سلمة رضي
стр. 390
الله عنها: يا أُمّ المؤمنين ما أكثرَ دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثرُ دعائه " يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٣ - وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ عافني في جَسَدِي، وَعافني في بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنِّي، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ " (١) .
١١٩٣ - وروينا فيه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كانَ مِنْ دُعاءِ دَاوُدَ ﷺ : اللَّهُمَّ إني أسألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالعَمَلَ الَّذي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي وَأهْلِي وَمنَ المَاءِ البارِدِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٤ - وروينا فيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ دَعا رَبَّهُ وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ، فإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شئ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجابَ لَهُ " قال الحاكم أبو عبد الله: هذا صحيح الإِسناد.
١١٩٥ - وروينا فيه وفي كتاب ابن ماجه عن أنس ﵁، أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أيّ الدعاء أفضل؟ قال: " سَلْ رَبَّكَ العافِيَةَ وَالمُعافاةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ "، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسولَ الله، أيّ الدعاء أفضل؟ فقال له مِثْلُ ذلكَ، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مِثْلُ ذلكَ، قال: " فإذَا أُعْطِيتَ العافِيَةَ في الدُّنْيا وأُعْطِيتَها في الآخرة فَقَدْ أفْلَحْت " قال الترمذي: حديث حسن (٢) .
١١٩٦ - وروينا في كتاب الترمذي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله تعالى، قال: " سَلُوا اللهَ العافِيَةَ " فمكثت أياماً ثم جئت فقلتُ: يا رسولَ الله علمني شيئا أسأله الله تعالى، فقال: " يا عَبَّاسُ يا عَمَّ رَسُول اللَّهِ، سَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَة " قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٣) .
стр. 391
١١٩٧ - وروينا فيه عن أبي أمامة ﵁ قال: دعا رسولُ الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً، قلت: يا رسول الله، دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئاً، فقال: " أَلاَ أدُلُّكُمْ ما يَجْمَعُ ذلكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ مِنْ خَيْرٍ ما سألَكَ منْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما اسْتَعاذَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأنْتَ المُسْتَعانُ وَعَلَيْكَ البَلاغُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ " قالَ الترمذي: حديث حسن (١) .
١١٩٨ - وروينا فيه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ألِظُّوا بِياذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ ".
١١٩٩ - ورويناه في كتاب النسائي من رواية ربيعة بن عامر الصحابي ﵁، قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد.
قلتُ: ألِظُّوا بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة، ومعناه: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.
١٢٠٠ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبيّ ﷺ يدعو ويقول: " رَبّ أعني ولا تمن عَليَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لي وَلا تَمْكُرْ علي، واهدني ويسر الهدي لي، وَانْصُرْنِي على مَنْ بَغَى عَليَّ، رَبّ اجْعَلْنِي لَكَ شاكِراً، لَكَ ذَاكِراً، لَكَ رَاهِباً، لَكَ مِطْوَاعاً، إليك مخيبا أوْ مُنيباً، تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتي، وَأجِبْ دَعْوَتي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدّدْ لِساني، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي " وفي رواية الترمذي " أوَّاهاً مُنِيباً " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلتُ: السخيمة بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة، وهي الحقد، وجمعها سخائم، هذا معنى السخيمة هنا.
١٢٠١ - وفي حديث آخر: " مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ في طَرِيقِ المُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله " (٢) والمراد بها الغائط.
стр. 392
١٢٠٢ - وروينا في مسند الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ وسنن ابن ماجه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: " قُولي اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عاجِلِهِ وآجِلِهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ عاجله وآجِلهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ " وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأسألُكَ خَيْرَ ما سألَكَ بِهِ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأعوذ بِكَ مِنْ شَرّ ما اسْتَعاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأسألُكَ ما قَضَيْتَ لي مِنْ أمْرٍ أنْ تَجْعَلَ عاقِبَتَهُ رَشَداً " قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإِسناد (٢) .
١٢٠٣ - ووجدت في " المستدرك " للحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةَ وَالنَّجاةَ منَ النَّارِ " قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم (١) .
١٢٠٤ - وفيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: وَاذُنُوباهُ وَاذُنُوباهُ، مرّتين أو ثلاثاً، فقال له رسولُ الله ﷺ : " قُلِ: اللَّهُمَّ مَغْفِرَتُكَ أوْسَعُ مِنْ ذُنُوبي (٢) وَرَحْمَتُكَ أرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي (٣) ، فقالها، ثم قال: عُدْ، فعاد، ثم قال: " عُدْ، فعاد، فقال: قُمْ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ " (٤) .
стр. 393
١٢٠٥ - وفيه عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلَكاً مُوَكَّلاً بِمَنْ يَقُولُ: يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَمَنْ قالها ثلاثاً قالَ لَهُ المَلَكُ: إنَّ أرْحَمَ الرَّاحِمينَ قَدْ أقْبَلَ عليك فسل " (١) .
(بابٌ في آدابِ الدعاء)
اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدّثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف: أن الدعاء مستحبّ، قال الله تعالى: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥] والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث الصحيحة، فهي أشهر من أن تُشهر، وأظهر من أن تُذكر، وقد ذكرنا قريباً في الدعوات ما به أبلغ كفاية، وبالله التوفيق.
وروينا في " رسالة الإِمام أبي القاسم القشيريّ " ﵁ قال: اختلفَ الناسُ في أن الأفضل الدعاء، أم السكوت والرضى؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة، للحديث السابق " الدُّعاءُ هُوَ العبادة " (٢) ولأنَّ الدعاءَ إظهارُ الافتقار إلى الله تعالى.
وقالت طائفة: السكوت والخمودُ تحت جريان الحكم أتمّ، والرضا بما سبق به القدر أولى، وقال قوم: يكون صاحبُ دعاءٍ بلسانه ورضا بقلبه ليأتيَ بالأمرين جميعاً.
قال القشيري: والأولى أن يُقال: الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت، وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء، وهو الأدب، وإنما يُعرف ذلك بالوقت، فإذا وجدَ في قلبه إشارةً إلى الدعاء، فالدعاءُ أولى به، وإذا وجد إشارةً إلى السكوت، فالسكوتُ أتمّ.
قال: ويصحّ أن يُقال ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله فيه حقّ، فالدعاء أولى، لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظّ فالسكوت أتمّ.
قال: ومن شرائط الدعاء أن يكون مطعمُه حلالاً (٣) .
стр. 394
وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول: كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟.
ومن آدابه: حضور القلب، وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى.
وقال بعضُهم: المراد بالدعاء: إظهارُ الفاقة، وإلا فالله يفعلُ ما يشاء.
وقال الإِمام أبو حامد الغزالي في " الإِحياء ": آدابُ الدعاء عشرة: الأول: أن يترصَّدَ الأزمان الشريفة، كيوم عَرَفَة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، ووقت الأسحار.
الثاني: أن يغتنمَ الأحوالَ الشريفة، كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبعدَها.
قلتُ: وحالة رقّة القلب.
الثالث: استقبالُ القبلة، ورفعُ اليدين، ويمسحُ بهما وجهه في آخره.
الرابع: خفضُ الصوت بين المخافتة والجهر.
الخامس: أن لا يتكلَّف السجعَ، وقد فسَّر به الاعتداء في الدعاء، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كل أحد يُحسن الدعاءَ، فيخاف عليه الاعتداء.
وقال بعضهم: ادعُ بلسان الذلّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق، ويُقال: إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات، ويشهد له ما ذكره الله في آخر سورة البقرة (رَبَّنا لا تُؤَاخِذْنا ... ) إلى آخرها [البقرة: ٢٨٦] لم يخبر سبحانه في موضع عن أدعية عباده بأكثر من ذلك.
قلتُ: ومثلهُ قولُ الله في سورة إبراهيم ﷺ : (وَإِذْ قالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً ... ) إلى آخره [إبراهيم: ٣٥] .
قلتُ: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حجرَ في ذلك، ولا تُكرهُ الزيادةُ على السبع، بل يُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء مطلقاً.
السادس: التضرّعُ والخشوعُ والرهبة، قال الله تعالى: (إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وكانُوا لَنا خاشِعِينَ) [الأنبياء: ٩٠] وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخفية) [الأعراف: ٥٥] .
стр. 395
السابع: أن يجزمَ بالطلب، ويُوقن بالإِجابة، ويصدقَ رجاءه فيها، ودلائلُه كثيرةٌ مشهورة.
قال سفيان بن عُيينة ﵀: لا يمنعنّ أحدَكم من الدعاء ما يعلمُه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شرّ المخلوقين إبليس، إذ قال: رب أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ منَ المُنْظَرِينَ) [الأعراف: ١٤ - ١٥] .
الثامن: أن يُلحّ في الدعاء ويكرّره ثلاثا، ولا يستبطئ الإِجابة.
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى.
قلتُ: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كله أيضاً.
العاشر: وهو أهمّها والأصل في الإِجابة، وهو التوبةُ، وردُّ المظالم، والإِقبال على الله تعالى.
فصل:
قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاءَ لا مَرَدَّ له؟.
فاعلم أن من جملة القضاء: ردّ البلاء بالدعاء، فالدعاءُ سببٌ لردّ البلاء ووجود
الرحمة، كما أن الترسَ سبب لدفع السلاح، والماءُ سببٌ لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترسَ يدفع السهمَ فيتدافعان، فكذلك الدعاءُ والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحملَ السلاح، وقد قال الله تعالى: (وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأسْلِحَتَهُمْ) [النساء: ١٠٢] فقدَّرَ الله تعالى الأمرَ، وقدَّرَ سبَبه.
وفيه من الفوائد ما ذكرناه، وهو حضور القلب والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة، والله أعلم.
(بابُ دعاءِ الإِنسان وتوسّله بصالحِ عملهِ إلى الله تعالى)
١٢٠٦ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " حديث أصحاب الغار، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كان قَبْلَكُمْ حتَّى آوَاهُمُ المَبيتُ إلى غارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عليهم النار، فَقالُوا: إنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلاَّ أنْ تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى بصَالحِ أعْمالِكُمْ.
قالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي أَبوانِ شَيْخانِ كَبِيرَانِ وكُنْتُ لا أُغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلاً وَلا مالاً " (١) .
وذكر تمام
стр. 396
الحديث الطويل فيهم، وأن كلَّ واحد منهم قال في صالح عمله: " اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ، فانفرج في دعوة كلِّ واحد شئ منها، وانفرجتْ كلُّها عقب دعوة الثالث، فخرجوا يمشون ".
قلتُ: أُغبق بضم الهمزة وكسر الباء: أي أسقي.
وقد قال القاضي حسين من أصحابنا وغيره في صلاة الاستسقاء كلاماً معناه: أنه يُستحبّ لمن وقعَ في شدّة أن يدعوَ بصالح عمله، واستدلوا بهذا الحديث، وقد يُقال: في هذا شئ لأن فيه نوعاً من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوبُ الدعاء الافتقار، ولكن ذكرَ النبيّ ﷺ هذا الحديث ثناءً عليهم، فهو دليلٌ على تصويبه ﷺ
فعلهم، وبالله التوفيق.
فصل:
ومن أحسن ما جاءَ عن السلف في الدعاء، ما حُكي عن الأوزاعيّ رحمه الله تعالى قال: خرج الناسُ يستسقون، فقام فيهم بلالُ بن سعد، فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا معشر مَن حضر: ألستم مقرِّين بالإِساءة؟ قالوا: بلى، فقال: اللَّهمّ إنّا سمعناك تقول: (ما عَلى المحْسِنِين مِنْ سَبيلٍ) [التوبة: ٩١] وقد أقررنا بالإِساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ اللَّهمّ اغفرْ لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقوا.
وفي معنى هذا أشدوا:
أنا المُذْنبُ الخَطَّاءُ والعفوُ واسعٌ * ولو لم يكنْ ذنبٌ لما وقعَ العَفْوُ
(بابُ رَفعِ اليدين في الدعاءِ ثم مَسْحِ الوَجْهِ بهما)
١٢٠٧ - روينا في كتاب الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: " كان رسولُ الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَه (١) .
١٢٠٨ - وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ نحوه، وفي إسناد كل واحد ضعفٌ.
وأما قول الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى: إن *
стр. 397
الترمذي قال إنه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنه صحيح، بل قال: حديث غريب.
(بابُ استحبابِ تَكريرِ الدُّعاء)
١٢٠٩ - روينا في سنن أبي داود، عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يُعجبُه أن يدعوَ ثلاثاً، ويستغفرَ ثلاثاً.
(بابُ الحثّ على حُضور القلب في الدُّعاء)
اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تُحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر، لكن نتبرّك بذكر حديث فيه.
١٢١٠ - روينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " ادْعُوا اللَّهَ وَأنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجابَةِ، وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّه تَعالى لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ " إسنادُه فيه ضعف (٢) .
(بابُ فضلِ الدعاء بظهر الغيب)
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الَّذين سَبَقُونا بالإِيمَانِ) [الحشر: ١٠] وقال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: ١٩] وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم ﷺ : (رَبَّنا اغْفِرْ لي وَلِوَالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ) [إبراهيم: ٤١] وقال تعالى: إخباراً عن نوح ﷺ : (رَبّ اغْفِرْ لي ولِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَللْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ) [نوح: ٢٨] .
١٢١١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلمٍ يَدْعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلاَّ قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ ".
وفي رواية أخرى في " صحيح مسلم " عن أبي الدرداء أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول:
стр. 398
" دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأخِيهِ بِظَهْرِ بالغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ، عِنْدَ رأسهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّما دَعا لأخِيهِ بِخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بمثل ".
١٢١٢ - وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: " أسْرَعُ الدُّعاءِ إجابَةً دَعْوَةُ غائِبٍ لِغائبٍ " ضعّفه الترمذي (١) .
(بابُ استحبابَ الدعاءِ لمن أَحْسَنَ إليه، وصفة دُعائِه)
هذا الباب فيه أشياء كثيرة تقدمت في مواضعها.
١٢١٣ - ومن أحسنها ما روينا في الترمذي عن أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ : " مَن صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فقال لفاعله: جزاك اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أبلغ في الثناء " قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢) .
١٢١٤ - وقد قدّمنا قريباً في " كتاب حفظ اللسان " في الحديث الصحيح قوله ﷺ : " وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكافِئُوهُ، فإنْ لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأتموه ".
(باب استحباب طلب الدعاءِ من أهل الفضلِ وإن كان الطالبُ أفضل من المطلوبِ منه، والدعاء في المواضعِ الشريفة)
اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثرُ من أن تُحصر، وهو مجمعٌ عليه.
١٢١٥ - ومن أدلّ ما يُستدلّ به ما روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: " استأذنتُ النبيّ ﷺ في العمرة، فأذِنَ وقال: لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِن دُعائِكَ، فقال كلمة ما يسرُّني أنَّ لي بها الدنيا ".
وفي رواية قال: " أشْرِكْنا يا أخِي في دُعائِكَ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد ذكرناه في " أذكار المسافر.
стр. 399
(بابُ نهي المكلّفِ عن دعائه على نفسه وولده وخادمه وماله ونحوها)
١٢١٦ - روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ وَلا تَدْعُوا على خَدَمِكمْ ولا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ ساعَةً نِيْلَ (١) فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابَ لكم " قلتُ: نيل بكسر النون وإسكان الياء، ومعناه: ساعة إجابة يَنالُ الطالبُ فيها ويُعطى مطلوبَه.
وروى مسلم هذا الحديث في آخر " صحيحه " وقال فيه: " لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالى ساعَةً يُسألُ فيها عَطاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لكم ".
(بابُ الدليل على أنَّ دعاء المسلم يُجاب بمطلوبه أو غيره وأنه لا يستعجلُ الإِجابة)
قال الله تعالى: (وَإِذَا سألَكَ عِبادِي عَنِّي فإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعانِ) [البقرة: ١٨٦] وقال تعالى: (ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] .
١٢١٧ - وروينا في كتاب الترمذي عن عُبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن رسولَ الله ﷺ قال: " ما على وَجْهِ الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ إلاَّ آتاهُ اللَّهُ إيَّاها، أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: الله أكْثَرُ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١٢١٨ - ورواه الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك على الصحيحين " من رواية أبي
سعيد الخدري، وزاد فيه " أوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَها ".
١٢١٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ ﷺ قال: " يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي ".
стр. 400
(كتاب الاستغفار)
اعلم أن هذا الكتاب من أهمّ الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل به.
وقصدت بتأخيره التفاؤلَ بأن يختم الله الكريم لنا به، نسأله ذلك وسائر وجوه الخير لي ولأحبائي وسائر المسلمين آمين.
قال الله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ) [غافر: ٥٥] وقال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَللْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ) [محمد: ١٩] وقال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ١٠٦] وقال تعالى: (لِلَّذينَ اتَّقَوْا (١) عِنْدَ رَبِهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعِبادِ، الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بالأسحَارِ) [آل عمران: ١٥ - ١٧] وقال تعالى: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال: ٣٣] وقال تعالى: (وَالَّذينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ؟ وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: ١٣٥] وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ١١٠] وقال تعالى: (وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ ... ) الآية [هود: ٣] وقال تعالى إخباراً عن نوح ﷺ : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفَّاراً) [نوح: ١٠] وقال تعالى حكاية عن هود ﷺ : (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُوا إلَيْهِ..) الآية [هود: ٥٢] والآيات في الاستغفار كثيرة معروفة، ويحصل التنبيه ببعض ما ذكرناه.
وأما الأحاديث الواردة في الاستغفار، فلا يمكن استقصاؤها، لكني أُشير إلى أطراف من ذلك.
١٢٢٠ - روينا في " صحيح مسلم " عن الأغرّ المزنيّ الصحابيّ رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّهُ لَيُغانُ على قَلْبِي، وإني لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليوم مائة مَرَّةٍ ".
١٢٢١ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " والله إنّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيهِ فِي اليَوْمِ أكثَرَ مِن سبعين مرة ".
стр. 401
١٢٢٢ - وروينا في " صحيح البخاري " أيضاً عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: " سَيِّدُ الاسْتغْفارِ أنْ يقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبّي لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأبُوءُ بِذَنبي، فاغْفِرْ لي فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا بالنَّهارِ مُوقِناً بِها فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ موقِن بها فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ " قلت: أبوء: بضم الباء وبعد الواو همزة ممدودة، ومعناه: أقرُّ وأعترف.
١٢٢٣ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " كنّا نعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرّة: ربّ اغْفِرْ لي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ " قال الترمذي: حديث صحيح.
١٢٢٤ - وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً وَمِنْ كُلّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ".
١٢٢٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ ".
١٢٢٦ - وروينا في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله ﷺ كان يُعجبُه أن يدعوَ ثلاثاً، ويستغفرَ ثلاثاً " وقد تقدم هذا الحديث قريباً في " جامع الدعوات ".
١٢٢٧ - وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن مولى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي (٢) .
стр. 402
١٢٢٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " قالَ اللَّهُ تَعالى: يا بْنَ آدَمَ، إَّنكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ما كان منك ولا أُبالي، يا بْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يابْنَ آدَمَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطايَا ثُمَّ أتَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِها مَغْفِرَةً " قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: عنان السماء بفتح العين: وهو السحاب، واحدتها عنانة، وقيل العنان: ما عنّ لك منها، أي ما اعترضَ وظهر لك إذا رفعت رأسك. وأما قراب الأرض، فروي بضم القاف وكسرها، والضم هو المشهور، ومعناه: ما يُقارب ملأها، وممّن حكى كسرها صاحب " المطالع ".
١٢٢٩ - وروينا في سنن ابن ماجه بإسناد جيد عن عبد الله بن بُسْر - بضم الباء وبالسين المهملة - رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفاراً كَثِيراً ".
١٢٣٠ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن ابن مسعود (١) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِليْهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ " قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم.
قلتُ: وهذا الباب واسع جداً، واختصاره أقرب إلى ضبطه، فنقتصر على هذا القدر منه.
فصل:
ومما يتعلَّق بالاستغفار ما جاء عن الرَّبيع بن خُثَيْم رضي الله تعالى عنه قال: لا يقلْ أحدُكم: أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنباً وكذباً إن لم يفعل، بل يقولُ: اللَّهمّ اغْفِرْ لي وتُبْ عليّ، وهذا الذي قاله من قوله: اللَّهمّ اغفر لي وتب علي حسن.
وأما كراهته " أستغفرُ الله " وتسميته كذباً فلا نُوافق عليه، لأن معنى أستغفرُ الله: أطلبُ مغفرتَه، وليس في هذا كذب، ويكفي في ردّه حديث ابن مسعود المذكور قبله.
وعن الفُضيل بن عباس رضي الله تعالى عنه: استغفارٌ بلا إقلاع توبةُ الكذّابين.
ويُقاربه ما جاءَ عن رابعة
стр. 403
العدوية رضي الله تعالى عنها قالت: استغفارُنا يحتاجُ إلى استغفار كثير.
وعن بعضِ الأعراب أنه تعلَّقَ بأستار الكعبة وهو يقول: اللَّهمّ إن استغفاري مع إصراري لؤم، وإن تركي الاستغفارَ مع علمي بسَعَة عفوك لعجز، فكم تَتَحَبَّبُ إليّ بالنعم مع غِناكَ عني، وأَتَبَغَّضُ إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا مَن إذا وَعدَ وَفَّى، وإذا توعَّدَ تجاوز وعفا، أدخلْ عظيمَ جُرمي في عظيم عفوكَ يا أرحم الراحمين.
(بابُ النّهي عن صَمْتِ يَوْمٍ إلى الليل)
١٢٣١ - روينا في سنن أبي داود بإسناد حسن عن عليّ ﵁ قال: حفظتُ عن رسول الله ﷺ : " لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلام وَلا صُماتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ " (١) .
وروينا في " معالم السنن " للإِمام أبي سليمان الخطابي ﵁ قال في تفسير هذا الحديث: كان أهل الجاهلية من نُسْكهم الصُّماتُ، وكان أحدُهم يعتكفُ اليومَ والليلة فيصمتُ ولا ينطق، فنُهوا: يعني في الإِسلام عن ذلك، وأُمروا بالذكر والحديث بالخير.
١٢٣٢ - وروينا في " صحيح البخاري " عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحْمَسَ يُقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يَحِلّ، هذا مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ، فتكلمت.
فصل:
في آخر ما قصدتُه من هذا الكتاب، وقد رأيتُ أن أضمَّ إليه أحاديث تتمُّ محاسنُ الكتاب بها إن شاء الله تعالى، وهي الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام ، وقد اختلفَ العلماءُ فيها اختلافاً منتشراً، وقد اجتمعَ مِن تداخل أقوالهم مع ما ضممتُه إليها ثلاثون حديثاً.
١٢٣٣ - الحديث الأول: حديثُ عمر بن الخطاب ﵁: " إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ " وقد سبق بيانَه في أول هذا الكتاب (٢) .
стр. 404
١٢٣٤ - الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ أحْدَثَ (١) في أمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ " رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم ".
١٢٣٥ - الثالث: عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبرأ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللَّهِ تَعالى مَحَارِمُهُ، ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألاَ وَهِيَ القَلْبُ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٣٦ - الرابع: عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: حدّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: " إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بأرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْب رِزْقِهِ، وَأجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أو سعيد، فوالذي لا إِلهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، حتَّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فيدْخُلُها وَإنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٣٧ - الخامس: عن الحسن بن عليّ ﵄ قال: حَفِظتُ من رسولِ الله ﷺ : " دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ " رويناه في الترمذي والنسائي، قال
الترمذي: حديث صحيح.
قوله يَريبك بفتح الياء وضمّها لغتان، والفتح أشهر.
١٢٣٨ - السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ " رويناه في كتاب الترمذي وابن ماجه، وهو حسن.
١٢٣٩ - السابع: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٤٠ - الثامن: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً، وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المرسلين، فقال
стр. 405
تَعالى: (يا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [المؤمنون: ٥١] وَقالَ تعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعث أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبّ يا رَبّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِي بالحَرَامِ، فأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ " رويناه في " صحيح مسلم ".
١٢٤١ - التاسع: حديث " لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ " رويناه في الموطأ مرسلاً، وفي سنن الدارقطنيّ وغيره من طرق متصلاً، وهو حسن.
١٢٤٢ - العاشر: عن تميم الداري ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: " الدّين النَّصِيحَةُ، قلنا: لمن؟ قال: لِلَّهِ وَلِكِتابِهِ، وَلِرسُولهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِم " رويناه في " صحيح مسلم ".
١٢٣٤ - الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، وَما أمَرْتُكُمْ بِهِ فافْعَلُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنَّما أهْلَكَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ وَاخْتِلافهُمْ على أنْبِيائِهِمْ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٤٤ - الثاني عشر: عن سهل بن ساعدي ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه أحبّني الله وأحبّني الناس؟ فقال: " ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيما عِنْدَ النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ " حديث حسن رويناه في كتاب ابن ماجه (٢) .
١٢٤٥ - الثالث عشر: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وأنِّي رَسولُ الله إِلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ للجَمَاعَةِ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٤٦ - الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ،
стр. 406
وَيُؤْتُوا الزَّكاة، فإذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأمْوَالَهمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسابُهُمْ على الله تعالى " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٤٧ - الخامس عشر: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " " بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ: شهادةَ أن لا إِلهَ إِلاَّ الله، وأن محمدا رسول اللَّهِ، وَإقامِ الصَّلاةِ، وَإيتاءِ الزَّكاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٤٨ - السادس عشر: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى رجالٌ أمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي وَاليَمِينُ على مَنْ أنْكَرَ " هو حسن بهذا اللفظ، وبعضه في " الصحيحين ".
١٢٤٩ - السابع عشر: عن وَابِصَةَ بن معبد ﵁ أنه أتى رسولَ الله ﷺ فقال: " جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرّ وَالإِثْمِ؟ قال: نعم، فقال: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ: ما حاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ " حديث حسن رويناه في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما.
١٢٥٠ - وفي " صحيح مسلم " عن النواس بن سمعانَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " البرّ: حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ".
١٢٥١ - الثامن عشر: عن شَدَّادِ بن أوسٍ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كل شئ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذبحة، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " رويناه في " صحيح مسلم "، والقتلة والذبحة، بكسر أولها.
١٢٥٢ - التاسع عشر: عن أبي هريرةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ كان يؤمن باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ " رويناه في " صحيحيهما ".
١٢٥٣ - العشرون: عن أبي هريرة ﵁ " أن رجلاً قالَ للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تَغْضَبْ، فردّد مِراراً، قال: " لا تَغْضَبْ " رويناه في البخاري.
١٢٥٤ - الحادي والعشرون: عن أبي ثعلبة الخُشنيِّ ﵁ عن
стр. 407
رسول الله ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وَحَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوها، وَحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وَسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها " رويناه في " سنن الدارقطني " بإسناد حسن (١) .
١٢٥٥ - الثاني والعشرون: عن معاذ ﵁ قال: " قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني منَ النَّارِ! قال: لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنه ليسير على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تشرك بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُّلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المَضَاجِع) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٦ - ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ برأس الأمر، وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجِهادُ، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، ثم قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فقلتُ: يا نبيّ الله، وإنّا لمؤاخَذُونَ بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ، أوْ على مَناخِرهِم، إلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ " رويناه في الترمذي وقال: حسن صحيح.
وذِروة السنام: أعلاه، وهي بكسر الذال وضمّها.
وملاك الأمر بكسر الميم: أي مقصوده.
١٢٥٦ - الثالث والعشرون: عن أبي ذرّ ومعاذ ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَة تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " رويناه في الترمذي وقال: حسن، وفي بعض نسخه المعتمدة: حسن صحيح.
١٢٥٧ - الرابع والعشرون: عن العِرباضِ بن ساريةَ ﵁ قال: " وَعَظَنا رسولُ الله ﷺ موعظةً [بليغة] وَجِلت منها القلوب، وذرفتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله كأنها موعظةُ مُودّع فأوصنا، قال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ [ ] ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تأمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ [حبشي] ، وَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَليْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ
стр. 408
الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ " رويناه في سنن أبي داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
١٢٥٨ - الخامس والعشرون: عن أبي مسعود البدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ " رويناه في البخاري.
١٢٥٩ - السادس والعشرون: عن جابر ﵁: " أن رجلاً سألَ رسولَ الله ﷺ فقال: أرأيتَ إذا صَلَّيْتُ المكتوبات، وصمتُ رمضانَ، وأحللتُ الحلالَ، وحرّمتُ الحرامَ، ولم أزدْ على ذلك شيئاً، أدخلُ الجنة؟ قال: نَعَمْ " رويناه في مسلم.
١٢٦٠ - السابع والعشرون: عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: " قلت: يا رسول الله، قل لي في الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً غيرك، قال: قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ " رويناه في مسلم.
قال العلماءُ: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، وهو مطابق لقول الله تعالى: (إنَّ الَّذينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحزنون) [الاحفاف: ١٣] قال جمهور العلماء: معنى الآية والحديث: آمنوا والتزموا طاعةَ الله.
١٢٦١ - الثامن والعشرون: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل النبيَّ ﷺ عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة، وهو مشهور في " صحيح مسلم " وغيره.
١٢٦٢ - التاسع والعشرون: عن ابن عباس ﵄ قال: " كنتُ خَلْفَ النبيّ ﷺ يوماً فقال: يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ (١) ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ (٢) ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ، وَاعْلَمْ أنَّ الأمة لو
стр. 409
اجْتَمَعَتْ على أنْ ينفعوك بشئ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بشئ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بشئ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بشئ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ " رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي زيادة " احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ " وفي آخره " وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً " هذا حديث عظيم الموقع.
الثلاثون: وبه اختتامها واختتام الكتاب، فنذكره بإسناد مستظرف، ونسأله الله الكريم خاتمة الخير.
١٢٦٣ - أخبرنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسيّ ثم الدمشقي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا أبو طالب عبد الله، وأبو منصور يُونس وأبو القاسم حسين بن هبة الله بن صصري، وأبو يَعلى حمزة، وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسين هو ابن عساكر (١) قال: أخبرنا الشريفُ أبو القاسم عليّ بن إبراهيم بن العباس الحسيني خطيب دمشق، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن سلوان، قال: أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر قال:
أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشميّ قال: أخبرنا أبو مسهر (٢) قال: أخبرنا سعيدُ بن عبد العزيز (٣) عن ربيعةَ بن يزيدَ (٤) عن أبي إدريسَ
стр. 410
الخولاني (١) ، عن أبي ذرّ (٢) ﵁، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريلَ ﷺ ، عن اللَّهُ ﵎ أنه قال: " يا عِبادي إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلا تَظَّالَمُوا، يا عِبادي إِنَّكُمُ [الَّذينَ] تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وأنا الَّذي أغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أُبالي، فاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ، يا عبادي كُلُّكُمْ جائعٌ إلاَّ مَنْ أطْعَمْتُهُ فاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عبادي كُلُّكُمْ عارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسِكُمْ، يا عِبادي لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا على أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ منْ مُلْكِي شيئا، يا عبادي لو أن أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُِمْ كانُوا على أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحد مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذلكَ في مُلْكي شَيْئاً، يا عبادي لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ فَسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي [شَيْئاً] إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً، يا عِبادي إنَّما هِيَ أعْمالُكُمْ أحْفَظُها عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ".
قال أبو مسهر: قال سعيدُ بن عبد العزيز: كان أبو إدريس إذا حدّثَ بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
هذا حديث صحيح، رويناه في " صحيح مسلم " وغيره (٣) ، ورجال إسناده مني إلى أبي ذرّ ﵁ كلُّهم دمشقيون، ودخل أبو ذرّ ﵁ دمشق، فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد.
منها صحة إسناده وَمَتنه، وعلوّه وتسلسله بالدمشقيين ﵃ وبارك فيهم.
стр. 411
ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه والآداب ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد.
روينا عن الإِمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
هذا آخرُ ما قصدتُه من هذا الكتاب، وقد مَنّ الله الكريمُ فيه بما هو أهلٌ له من الفوائد النفيسة والدقائق اللطيفة من أنواع العلوم ومهماتها، ومُستجادَاتِ الحقائق ومَطلُوبَاتِها. ومن تفسير آياتٍ من القرآن العزيز وبيانِ المراد بها، والأحاديث الصحيحة وإيضاح مقاصدها، وبيان نُكَتٍ من علوم الأسانيد ودقائقِ الفقه ومعاملاتِ القلوب وغيرها، والله المحمودُ على ذلك وغيره من نعمه التي لا تُحصى، وله المِنّة أن هداني لذلك، ووفّقني لجمعه ويَسَّرَه عليّ، وأعانني عليه، وَمَنّ علي بإتمامه، فله الحمدُ والامتنانُ والفضلُ والطَّوْلُ والشكرانُ، وأنا راجٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تعالى دعوة أخٍ صالح أنتفعُ بها تقرّبني إلى الله الكريم، وانتفاع مسلمٍ راغب في الخير ببعض ما فيه أكون مساعداً له على العمل بمرضاة ربّنا، وأستودعُ الله الكريمَ اللطيفَ الرحيمَ منّي ومن والديّ وجميعِ أحبابنا وإخواننا ومَنْ أحسنَ إلينا وسائرِ المسلمين: أديانَنا وأماناتِنا وخواتِيمَ أعمالنا، وجميعَ ما أنعمَ اللَّهُ تَعالى به علينا، وأسألُه سبحانه لنا أجمعين سلوكَ سبيل الرشاد، والعِصْمة من أحوال أهل الزَّيْغ والعِناد، والدَّوامَ على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأتضرّعُ إليه سبحانه أن يرزقنا التوفيقَ في الأقوال والأفعال للصواب، والجريَ على آثار ذوي البصائر والألباب، إنه الكريم الواسعُ الوهَّاب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ وإليه متاب، حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل، ولا حو وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ، والحمدُ لله ربّ العالمين [أوّلاً وآخراً] وظاهراً وباطناً] ، وصلواتُه وسلامُه الأطيبان [الأتمّان] الأكملان على سيدنا محمد خير خلقه أجمعين، كلما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذكره الغافلون، وعلى سائر النبيّينَ وآل كلٍّ وسائر الصالحين.
قال مصنفه أبو زكريا يحيى بن شرف مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد النووي عفا الله عنه:
فرغت من جمعه في المحرم سنة سبع وستين وسمتائة سوى أحرف ألحقتها بعد ذلك، وأجزت روايته لجميع المسلمين.