قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بها الإِبل.
فصل: في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين
١٠٧٢ - ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة، أن رسول الله ﷺ قال: " لَعَنَ اللَّهُ الواصلة والمستوصلة ... " الحديث.
١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا ... " الحديث.
١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ ... "
١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرض ... "
١٠٧٢ - وأنه قال " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ ".
١٠٧٢ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله ".
١٠٧٢ - وأنه قال " مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثاً، أوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمعين ".
١٠٧٢ - وأنه قال: " اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله ورسوله "، وهذه ثلاث قبائل من العرب.
١٠٧٣ - وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فجمَلُوها فَباعُوها " وأنه قال: " لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مساجد "، وأنه قال: " لَعَنَ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال " وجميع هذه الألفاظ في " صحيحي البخاري ومسلم " بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار.
١٠٧٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن جابر، أن النبيَّ ﷺ رأى حِماراً قد وُسِمَ في وجهه فقال: " لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ ".
١٠٧٥ - وفي " الصحيحين " أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قُريش قد نَصبوا طيراً وهم يرمونه فقال ابن عمر: لعن الله من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: " لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الروح غرضا ".
فصل:
اعلم أن لعن المسلم المصون حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله الفاسقين، لعن الله المصوّرين، ونحو ذلك مما تقدَّم في الفصل السابق.
стр. 352
وأما لعن الإِنسان بعينه ممّن اتَّصَفَ بشئ من المعاصي (١) كيهودي، أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ أو مصوّرٍ، أو سارقٍ، أو آكلِ ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام.
وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعونَ وهامانَ، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإِبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُتم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: وأما الذين لعنَهم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم، فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتَهم على الكفر، قال: ويقربُ من اللعن الدعاء على الإِنسان بالشرّ حتى الدعاء على الظالم، كقول الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمَه، ولا سلَّمه الله، وما جرى مجراه، وكلُّ ذلك مذمومٌ.
وكذلك لعنُ جميع الحيوانات والجمادات، فكلُّه مذموم.
فصل:
حكى أبو جعفرُ النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ (٢) .
فصل:
ويجوزُ للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكلّ مؤدِّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيفَ الحال، أو يا قليلَ النظر لنفسه، أو يا ظالمَ نفسه، وما أشبه ذلك بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظُ قذفٍ، صريحاً كان أو كنايةً، أو تعريضاً، ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدَّمناه، ويكون الغرضُ منه التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس.
١٠٧٦ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً، فقال: " ارْكَبْها " (٣) ، فقال: إنها بدنة، قال: ارْكَبْها، قال: إنها بدنة،
стр. 353
قال في الثالثة: ارْكَبْها وَيْلَك " (١) .
١٠٧٧ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْماً، أتاه ذو الخويصرة (٢) ، رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ : " وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ ".
١٠٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عديّ بن حاتم ﵁، أن رجلاً خطبَ عندَ رسول الله ﷺ فقال: مَنْ يُطع الله ورسولَه فقد رشدَ، ومَنْ يعصهِمَا فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : " بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " (٣) .
١٠٧٩ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄، أن عبداً لحاطب (٤) ﵁ جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً فقال: يا رسولَ الله ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ، فقال رسول الله ﷺ : " كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالحُدَيْبِيَةَ ".
١٠٨٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " قولَ أبي بكر الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عشَّى أضيافه: يا غنثر، وقد تقدم بيان هذا الحديث في " كتاب الأسماء " (٥) .
١٠٨١ - وروينا في " صحيحيهما ": أن جابراً صلَّى في ثوب واحد وثيابه موضوعة
стр. 354
عنده، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلته ليراني الجهّالُ مثلكُم، وفي رواية: ليراني أحمق مثلك.
(بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُ معهم)
قال الله تعالى: (فأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وأمَّا السَّائلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩ - ١٠] وقال تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ... إلى قوله تعالى: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢] وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ للِمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] .
١٠٨٢ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائذ بن عمرو - بالذال المعجمة - الصحابي ﵁: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال: " يا أبا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ " (١) ، فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتُكم؟ فقالوا: لا.
قلت: قولهم مأخذَها، بفتح الخاء: أي لم تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله.
(بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها)
١٠٨٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سهل بن حُنيف، وعن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي ".
١٠٨٤ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي ".
قال العلماء: معنى لَقِسَتْ وجاشت (٢) : غثت، قالوا: وإنما كُرِه " خبثت " للفظ الخبث والخبث.
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كُره خبث
стр. 355
للفظ الخبث (١) ، وبشاعة الاسم منه، وعلَّمهم الأدب في استعمال الحسن منه، وهجران القبيح، و " جاشت " بالجيم والشين المعجمة، و " لقست " بفتح اللام وكسر القاف.
فصل:
١٠٨٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يَقُولُونَ الكَرْمَ (٢) إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ " وفي رواية لمسلم " لا تُسَمُّوا العِنَب الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ " وفي رواية " فإنَّ الكَرْمَ قَلْب المُؤْمِنِ " (٣) .
١٠٨٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن وائلَ بن حِجر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تَقُولُوا الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا العِنَبَ والحَبَلَةَ ".
قلت: الحَبَلة بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضاً بإسكان الباء، قاله الجوهري وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنب كرماً، وكانت الجاهليةُ تسمّيه كرماً، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ ﷺ عن هذه التسمية، قال الإِمام الخطابي وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمر المتخذة من ثمرها، فسلبَها هذا الاسم، والله أعلم.
فصل:
١٠٨٧ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا قالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهْلَكُهُمْ ".
стр. 356
قلت: روي أهلكُهم برفع الكاف وفتحها، والمشهور الرفع، ويُؤيِّده أنه جاء في رواية رويناها في " حلية الأولياء " في ترجمة سفيان الثوري: " فَهُوَ مِنْ أهْلَكِهمْ ".
قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي في " الجمع بين الصحيحين " في الرواية الأولى، قال بعض الرواة: لا أدري هو بالنصب أم بالرفع؟ قال الحميدي: والأشهر الرفع، أي: أشدُّهم هلاكاً، قال: وذلك إذا قال على سبيل الإزراء عليهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه عليهم، لأنه لا يدري سرّ الله تعالى في خلقه، هكذا كان بعضُ علمائنا يقولُ، هذا كلام الحميدي.
وقال الخطابي: معناه: لا يزالُ يعيبُ الناسَ ويذكرُ مساويهم ويقول: فسدَ النَّاسُ وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكُهم: أي أسوأ حالاً فيما يَلحقُه من الإِثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أدّاه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أن له فضلاً عليهم، وأنه خير منهم فيهلك، هذا كلام الخطابي فيما رويناه عنه في كتابه " معالم السنن ".
١٠٨٨ - وروينا في سنن أبي داود ﵁ قال: حدّثنا القعنبي عن مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر هذا الحديث، ثم قال: قال مالكٌ: إذا قال ذلك تحزناً لما يرى في الناس قال: يعني من أمر دينهم فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عجباً بنفسه وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي يُنهى عنه.
قلتُ: فهذا تفسير بإسناد في نهاية من الصحة، وهو أحسن ما قيل في معناه، وأوجزه، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالك ﵁.
فصل:
١٠٨٩ - روينا في سنن أبي داود بالإِسناد الصحيح عن حذيفةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تَقُولُوا ما شاءَ اللَّهُ وَشاءَ فُلانٌ، وَلَكِنْ قولُوا ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ما شَاءَ فُلانٌ ".
قال الخطابي وغيره: هذا إرشادٌ إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، و " ثم " للعطف مع الترتيب والتراخي، فأرشدَهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة مَن سواه.
وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكرهُ أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، قالوا: ويقول: لولا الله ثم فلان لفعلت كذا، ولا تقل: لولا الله وفلان.
فصل:
ويُكره أن يقول: مُطرنا بنوْءِ كذا، فإن قاله معتقداً أن الكوكب هو الفاعل هو كفر، وإن قاله معتقداً أن الله تعالى هو الفاعل وأن النوْءَ المذكور علامة لنزول
стр. 357
المطر، لم يكفر، ولكنه ارتكب مكروهاً لتلفظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعملُه، مع أنه مشتركٌ بين إرادة الكفر وغيره، ١٠٩٠ - وقد قدَّمنا الحديث الصحيح المتعلق بهذا الفصل في " باب " ما يقول عند نزول المطر ".
فصل:
يحرمُ أن يقولَ إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني، أو برئ من الإسلام
ونحو ذلك (١) ، فإن قاله وأرادَ حقيقة تعليق خروجه عن الإِسلام بذلك، صارَ كافراً في الحال، وجرتْ عليه أحكامُ المرتدّين، وإن لم يُردْ ذلك لم يكفرْ، لكن ارتكبَ محرّماً، فيجبُ عليه التوبة، وهي أن يُقلعَ في الحال عن معصيته، ويندمَ على ما فعل، ويَعْزِمَ على أن لا يعودَ إليه أبداً، ويستغفر الله تعالى ويَقولُ: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله (٢) .
فصل:
يحرم عليه تحريماً مغلّظاً أن يقولَ لمسلم: يا كافر.
١٠٩١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا قالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرٌ، فَقَدْ باءَ بِها أحَدُهُما، فإن كانَ كما قال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ ".
١٠٩٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي ذرّ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ دَعا رَجُلاً بالكُفْرِ أوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّه (٣) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلاَّ حارَ عَلَيْهِ " وهذا لفظ رواية مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ومعنى حار: رجع.
فصل:
لو دعا مسلم على مسلم فقال: اللَّهمّ اسلبه الإِيمانَ عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي حسين من أئمة
стр. 358
أصحابنا في الفتاوى أصحُّهما: لا يكفر، وقد يُحتجّ لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى ﷺ : (رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا ... ) الآية [يونس: ٨٨] وفي هذا الاستدلال نظر، وإن قلنا: إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌ لنا.
فصل:
لو أكرهَ الكفّار مسلماً على كلمة الكفر، فقالها وقلبه مطمئنّ بالإِيمان، لم يكفر بنصّ القرآن وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصونَ نفسَهُ من القتل؟ فيه خمسةُ أوجه لأصحابنا.
الصحيحُ: أن الأفضلَ أن يصبرَ للقتل ولا يتكلّم بالكفر، ودلائلُه من الأحاديث الصحيحة، وفعل الصحابة ﵃ مشهورة.
والثاني: الأفضلُ أن يتكلَّمَ ليصونَ نفسَه من القتل.
والثالث: إن كان في بقائه مصلحةٌ للمسلمين، بأن كان يرجو النكايةَ في العدوّ، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضلُ أن يتكلَّم بها، وإن لم يكن كذلك، فالصبرُ على القتل أفضل.
والرابع: إن كان من العلماء ونحوهم ممّن يُقتدى بهم، فالأفضلُ الصبر لئلا يغترّ به العوامّ.
والخامسُ: أنه يجبُ عليه التكلّم، لقول الله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥] وهذا الوجه ضعيف جداً.
فصل:
لو أكره المسلمُ كافراً على الإِسلام فنطقَ بالشهادتين، فإن كان الكافرُ حربياً، صحّ إسلامه، لأنه إكراه بحقّ، وإن كان ذميّاً، لم يصِرْ مسلماً، لأنّا التزمنا الكفّ عنه، فإكراهُه بغير حق، وفيه قولٌ ضعيفٌ أنه يصيرُ مسلماً، لأنه أمره بالحقّ.
فصل:
إذا نطقَ الكافرُ بالشهادتين بغير إكراه، فإن كان على سبيل الحكاية، بأن قال: سمعتُ زيداً يقول: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، لم يُحكم بإسلامه، وإن نطقَ بهما بعد استدعاء مسلم بأن قال له مسلمٍ: قُلْ: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، فقالهما، صارَ مسلماً، وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً ولا باستدعاء، فالمذهبُ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يصيرُ مسلماً، وقيل لا يصيرُ لاحتمال الحكاية.
فصل:
ينبغي أن لا يُقال للقائم بأمر المسلمين خليفة الله، بل يُقال الخليفة، وخليفةُ رسولِ الله ﷺ ، وأمير المؤمنين.
стр. 359
روينا في " شرح السنّة " للإِمام أبي محمد البغوي ﵁ قال ﵀: لا بأسَ أن يُسمَّى القائم بأمر المسلمين: أمير المؤمنين، والخليفة، وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل، لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له.
قال: ويُسمَّى خليفة لأنه خلفَ الماضي قبلَه، وقام مقامه.
قال: ولا يُسمى أحدٌ خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: (إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: ٣٠] وقال تعالى: (يا دَاوُدَ إنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفةً في الأرْضِ) [ص: ٢٦] وعن ابن أبي مُليكة أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة محمد ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك.
وقال رجلٌ لعمرَ بن العبد العزيز ﵁: يا خليفة الله، فقال: ويلَك لقد تناولتَ تناولاً بعيداً، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كَبِرتُ فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أمورَكم فسمَّيتُوني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك.
وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه " الأحكام السلطانية " أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً، لأنه خلفَ رسولَ الله ﷺ في أُمته، قال: فيجوز أن يُقال الخليفة، على الإِطلاق، ويجوز خليفة
رسول الله.
قال: واختلفوا في جواز قولنا خليفة الله، فجوّزه بعضُهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ) [فاطر: ٣٩] وامتنع جمهورُ العلماء من ذلك، ونسبُوا قائلَه إلى الفجور، هذا كلام الماوردي.
قلتُ: وأوّلُ مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
وأما ما توهمه بعضُ الجهلة في " مسيلمة " فخطأٌ صريح، وجهلٌ قبيح، مخالف لإِجماع، العلماء، وكُتبهم متظاهرة على نقلُ الاتفاق على أن أوّل مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
١٠٩٣ - وقد ذكر الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في كتابه " الاستيعاب " في أسماء الصحابة ﵃ بيان تسمية عمر أمير المؤمنين أوّلاً، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يُقال في أبي بكر ﵁ خليفة رسول الله ﷺ .
فصل:
يحرمُ تحريماً غليظاً أن يقولَ للسلطان وغيره من الخلق شاهان شاه، لأن معناه: ملك الملوك، ولا يُوصف بذلك غير الله .
١٠٩٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ " وقد قدّمنا بيان هذا في " كتاب الأسماء " وأن سفيانَ بن عيينة قال: ملك الأملاك، مثل شاهان شاه.
стр. 360
فصل:
في لفظ السيد: اعلم أن السيد يُطلق على الذي يفوق قومَه، ويرتفعُ قدرُه عليهم، ويُطلق على الزعيم والفاضل، ويُطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضبُه، ويُطلق على الكريم، وعلى المالك وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ بإطلاق سيد على أهل الفضل.
١٠٩٥ - فمن ذلك ما رويناه في " صحيح البخاري " عن أبي بكرةَ ﵁، أن
النبي ﷺ صَعِدَ بالحسن بن عليّ ﵄ المنبرَ فقال: " إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ الله تعالى أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ ".
١٠٩٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسولَ الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: " قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ " أو " خَيْرِكُمْ " كذا في بعض الروايات " سيّدكم أو خيرِكم " وفي بعضها " سيّدكم " بغير شك.
١٠٩٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن سعدَ بن عبادة ﵁ قال: " يا رسولَ الله أرأيتَ الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلاً أيقتله؟ ... الحديث، فقال رسول الله ﷺ : " انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ".
١٠٩٨ - وأما ما وردَ في النهي، فما رويناه بالإِسناد الصحيح في " سنن أبي دَاود " عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سَيِّدٌ، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ".
قلت: والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلاً خيّراً، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقاً، أو متهماً في دينه، أو نحو ذلك، كُره له أن يقال سيّد.
وقد روينا عن الإِمام أبي سليمان الخطابي في " معالم السنن " في الجمع بينهما نحو ذلك.
فصل:
يُكره أن يقول المملوك لمالكه: ربي، بل يقول: سيدي، وإن شاء قال: مولاي.
ويُكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتايَ وفتاتي أو غلامي.
١٠٩٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وضئ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عبْدِي أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ، وَفَتاتِي وَغُلامي ".
وفي رواية لمسلم " وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِدي وَمَوْلايَ ".
стр. 361
وفي رواية له: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ، وَلا يَقُلِ العَبْدُ رَبي، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي ".
وفي رواية له: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامي وَجارِيَتِي، وَفَتايَ وَفَتاتِي ".
قلتُ: قال العلماء: لا يُطلق الربُّ بالألف واللام إلاّ على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك.
ومنه قول النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح في ضالّة الإِبل: " دَعْها حتَّى يَلْقاها رَبُّها " والحديث الصحيح " حتَّى يُهِمَّ ربَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ " وقول عمر ﵁ في " الصحيح ": ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة.
ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة.
وأما استعمال حملة الشرع ذلك، فأمر مشهور معروف.
قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي، لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث " حتى يلقاها ربُّها " و " ربّ الصريمة " وما في معناهما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: ربّ الدار، وربّ المال.
وأما قول يوسف ﷺ : (اذكرني عند ربك) فعنه جوابان: أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: (وَانْظُرْ إلى إلهك) [طه: ٩٧] أي الذي اتخذته إلهاً.
والجواب الثاني: أن هذا شرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعُنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه.
وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا، أم لا؟.
فصل:
قال الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه " صناعة الكتاب ": أما المولى فلا نعلم اختلافاً بين العلماء أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاي.
قلت: وقد تقدم في الفصل السابق جواز إطلاق مولاي، ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلَّم في المولى بالألف واللام، وكذا قال النحاس: يقال سيد، لغير الفاسق، ولا يقال السيد، بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق.
فصل:
في النهي عن سبّ الريح: وقد تقدم الحديثان في النهي عن سبّها، وبيانهما في " باب ما يقول إذا هَاجَتِ الرِّيح ".
стр. 362
فصل:
يُكره سبّ الحمى.
١١٠٠ - روينا في " صحيح مسلم " عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ دخلَ على أُمّ السائب - أو أُمّ المسيب - فقال: " ما لَكِ يا أُمّ السَّائِبِ - أو يا أُمّ المسيِّب - تُزَفْزِفِينَ؟ " قالت: الحمّى لا باركَ الله فيها، فقال: " لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذْهِبُ خَطايا بني آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ ".
قلتُ: تزفزفين: أي تتحركين حركة سريعة، ومعناه: ترتعد، وهو بضم التاء وبالزاي المكرّرة، وروي أيضاً بالراء المكرّرة، والزاي أشهر، وممّن حكاهما ابن الأثير، وحكى صاحب " المطالع " الزاي وحُكي الراء مع القاف، والمشهور أنه بالفاء سواء كان بالزاي أو بالراء.
١١٠١ - فصل:
في النهي عن سبّ الديك: روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَسُبُّوا الدّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ ".
١١٠٢ - فصل:
في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية وذمّ استعمال ألفاظهم: روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى
الجاهِلِيَّةِ " وفي رواية " أوْ شَقَّ أوْ دعا " بأو.
فصل:
ويُكره أن يُسمَّى المحرَّمُ صفراً (١) ، لأن ذلك من عادة الجاهلية.
فصل:
يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافراً، قال الله تعالى: (ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم
стр. 363
أصْحابُ الجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣] وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه.
فصل:
يحرم سبّ المسلم من غير سبب شرعي يجوّز ذلك.
١١٠٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ ".
١١٠٤ - ورويناه في " صحيح مسلم " وكتابي أبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وصحّ أن رسول الله ﷺ قال: " المُسْتَبَّانِ ما قالا، فعلى البادئ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فصل:
ومن الألفاظ المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه: يا حمار، يا تيس، يا كلب، ونحو ذلك، فهذا قبيح لوجهين.
أحدهما: أنه كذب، والآخر: أنه إيذاء، وهذا بخلاف قوله: يا ظالم ونحوه فإن ذلك يُسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالباً، فقلّ إنسانٌ إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها.
فصل:
قال النحاس: كرهَ بعضُ العلماء أن يُقال: ما كان معي خَلْقٌ إلاّ اللَّه.
قلت: سبب الكراهة بشاعةُ اللفظ من حيث أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلاً، وهو هنا مُحال، وإنما المراد هنا الاستثناء المنقطع، تقديرُه ولكن كان الله معي، مأخوذ من قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أينما كنتم) [الحديد: ٤] وَيَنْبغي أن يُقال بدلَ هذا: ما كان معي أحدٌ إلاَّ الله ، قال: وكره أن يُقال: اجلس على اسم الله، وليقلْ اجلس باسم الله.
فصل:
حكى النحّاسُ عن بعض السلف أنه يُكره أن يقولَ الصائمُ: وحقِّ هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجّ له بأنه إنما يُختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظر، وإنما حجته أنه حلفٌ بغير الله ، وسيأتي النهي عن ذلك إن شاء الله تعالى قريباً، فهذا مكروهٌ لما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومه لغير حاجة، والله أعلم.
١١٠٥ - فصل:
روينا في سنن أبي داود، عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أو غيره عن عمران بن الحصين ﵄ قال: " كنّا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً (١) ، وأنعم صباحاً (٢) .
فلما كان الإِسلام نُهينا عن ذلك ".
стр. 364
قال عبد الرزاق: قال معمر: يُكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأسَ أن يقول: أنعم الله عينَك.
قلتُ: هكذا رواه أبو داود عن قتادة أو غيره، ومثل هذا الحديث قال أهل العلم:
لا يُحكم له بالصحة، لأن قتادة ثقة وغيرُه مجهول، وهو محتمل أن يكون عن المجهول، فلا يثبتُ به حكم شرعي، ولكن الاحتياط للإِنسان اجتناب هذا اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتجّ بالمجهول، والله أعلم.
١١٠٦ - فصل:
في النهي أن يتناجى الرجلان إذا كان معهما ثالث وحده.
روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى (١) اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزنُهُ ".
١١٠٧ - وروينا في " صحيحيهما "، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إِذَا كانُوا ثَلاَثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنانِ دُونَ الثَّالِثِ " ورويناه في سنن أبي داود، وزاد قال أبو صالح الراوي عن ابن عمر: قلتُ لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرّك.
فصل:
في نهي المرأة أن تخبرَ زوجَها أو غيرَه بحسنِ بدنِ امرأةٍ أخرى إذا لم تدعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحو ذلك: ١١٠٨ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُ ينظر إليها ".
فصل:
يُكره أن يُقال للمتزوّج: بالرِّفاءِ والبنينَ، وإنما يُقال له: باركَ الله لك، وباركَ عليك، كما ذكرناه في " كتاب النكاح ".
فصل:
روى النَّحاسُ عن أبي بكر محمد بن يحيى - وكان أحد الفقهاء العلماء الأدباء - أنه قال: يُكره أن يُقال لأحدٍ عند الغضب: أذْكُرَ اللَّهَ تَعالى خوفاً من أن يحملَه الغضبُ على الكفر، قال: وكذا لا يُقال له: صلِّ على النبيّ ﷺ ، خوفاً من هذا.
فصل:
من أقبح الألفاظ المذمومة، ما يَعتادُه كثيرون من الناس إذا أرادَ أن يَحلِفَ
стр. 365
على شئ فيتورّع عن قوله: والله، كراهيةَ الحنث أو إجلالاً لله تعالى وتصوّناً عن الحلف، ثم يقول: الله يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوه، وهذه العبارةُ فيها خطرٌ، فإن كان صاحبُها متيقناً أن الأمر كما قال فلا بأس بها، وإن كان تشكَّكَ في ذلك فهو من أقبح القبائح لأنه تعرّضَ للكذب على الله تعالى، فإنه أخبرَ أن الله تعالى يعلمُ شيئاً لا يتيقنُ كيف هو، وفيه دقيقة أخرى أقبحُ من هذا، وهو أنه تعرّض لوصف الله تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّقَ كان كافراً، فينبغي للإِسان اجتنابُ هذه العبارة.
فصل:
ويُكره أن يقولَ في الدّعاء: اللَّهم اغفر لي إن شئت، أو إن أردتَ، بل يجزمُ بالمسألة.
١١٠٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسألةَ، فإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ ".
وفي رواية لمسلم: " ولَكنْ ليَعْزِمْ وَلْيُعظِمِ الرَّغْبَةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمه شئ أعْطاهُ ".
١١١٠ - وروينا في " صحيحيهما " عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المسألةَ، وَلا يَقُولَنَّ اللَّهمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِني فإنَّه لا مستكره له ".
فصل:
ويُكره الحلفُ بغير أسماء الله تعالى وصفاته، سواءٌ في ذلك النبيّ ﷺ ، والكعبة، والملائكة، والأمانة، والحياة، والروح، وغير ذلك.
ومن أشدِّها كراهة: الحلف بالأمانة.
١١١١ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عمر ﵄ عن
النبي ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بأبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله، أوْ لِيَصمُت " وفي رواية في الصحيح: " فَمَنْ كانَ حالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أوْ لِيَسْكُتْ ".
وروينا في النهي عن الحلف بالأمانة تشديداً كثيراً.
١١١٢ - فمن ذلك ما رويناه في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا ".
فصل:
يُكره إكثارُ الحلف في البيع ونحوه وإن كان صادقاً.
стр. 366
١١١٣ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي قتادة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيْعِ، فإنَّهُ يُنْفِقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ".
فصل:
يُكره أن يُقال قوسُ قزح لهذه التي في السماء.
١١١٤ - روينا في حلية الأولياء " لأبي نعيم، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا تَقُولُوا قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَ شَيْطانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا قَوْسَ اللَّهِ ، فهُوَ أمانٌ لأهْلِ الأرْضِ " (١) .
قلت: قُزح بضم القاف وفتح الزاي، قال الجوهري وغيره: هي غير مصروفة، وتقولُه العوامّ: قدح، بالدال، وهو تصحيف.
فصل:
يُكره للإِنسان إذا ابتُلي بمعصيةٍ أو نحوها أن يخبرَ غيرَه بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى فيقلعَ عنها في الحال، ويندمَ على ما فعل، ويعزم أن لا يعود إلى مثلها أبداً، فهذه الثلاثة هي أركان التوبة، لا تصحّ إلا باجتماعها، فإن أخبرَ بمعصيته شيخَه أو شبهَه ممّن يرجو بإخباره أن يعلِّمه مخرجاً من معصيته، أو ليعلِّمَه ما يَسلمُ به من الوقوع في مثلها، أو يعرِّفَه السببَ الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له، أو نحوَ ذلك، فلا بأسَ به، بل هو حسنٌ، وإنما يُكره إذا انتفتْ هذه المصلحةُ.
١١١٥ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كُلُّ أُمّتِي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ (٢) أنْ يَعْمَلَ الرَّجُل باللَّيْلِ عَمَلاً ثًمَّ يُصْبحُ وَقَدْ سَتَرَهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يا فُلانُ عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عليه ".
فصل:
يَحرمُ على المكلّف أن يحدِّث عبدَ الإِنسان، أو زوجته أو ابنه، أو غلامَه، ونحوَهم بما يُفسدهم به عليه إذا لم يكنْ ما يُحدِّثهم به أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر.
قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنوا على البِرّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] وقال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨] .
стр. 367
١١١٦ - وروينا في كتابي أبي داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من خبب زوجة امرئ أوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا " (١) .
قلتُ: خبَّبَ بخاء معجمة ثم باء موحدة مكرّرة، ومعناه: أفسده وخدعه.
فصل:
ينبغي أن يُقال في المال المخرج في طاعة الله تعالى: أنفقتُ وشبهُه، فيقال: أنفقتُ في حجتي ألفاً، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي خِتان أولادي، وفي نكاحي، وشبه ذلك: ولا يقولُ ما يقوله كثيرون من العوامّ: غَرِمْتُ في ضيافتي، وخسرتُ في حجتي، وضيّعت في سفري.
وحاصلهُ أن أنفقتَ وشبهه يكونُ في الطاعات.
وخسرتُ وغرِمتُ وضيّعت ونحوها يكونُ في المعاصي والمكروهات، ولا تُستعمل في الطاعات.
فصل:
مما يُنهى عنه ما يقولُه كثيرون من الناس في الصلاة إذا قال الإِمام (إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعينُ) فيقول المأموم: إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعين، فهذا مما ينبغي تركه والتحذير منه، فقد قال صاحب " البيان " من أصحابنا: إنَّ هذا يُبطل الصلاة، إلا أن يقصد به التلاوة، وهذا الذي قاله وإن كان فيه نظرٌ والظاهرُ أنه لا يُوَافق عليه، فينبغي أن يُجتنبَ، فإنه وإن لم يُبطلِ الصلاةَ فهو مكروهٌ في هذا الموضع، والله أعلم.
فصل:
مما يتأكد النهيُ عنه والتحذيرُ منه ما يقولُه العوامّ وأشباهُهم في هذه المكوس التي تُؤخذُ مما يبيع أو يشتري ونحوهما، فإنهم يقولون: هذا حقّ السلطان، أو عليك حقّ السلطان، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقاً أو لازماً ونحو ذلك، وهذا من أشدّ المنكرات، وأشنع المستحدثات، حتى قال بعضُ العلماء: من سمَّى هذا حقاً فهو كافرٌ خارجٌ عن ملّة الإِسلام، والصحيحُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقده حقاً مع علمه بأنه ظلم، فالصوابُ أن يُقال فيه المكسُ، أو ضريبةُ السلطان، أو نحو ذلك من العبارات، وبالله التوفيق.
فصل:
يكره أن يسألُ بوجه الله تعالى غير الجنة.
١١١٧ - روينا في سنن أبي داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يُسألُ بوجه الله إلا الجنة " (٢) .
стр. 368
فصل:
يُكره منعُ من سألَ بالله تعالى وتشفَّع به.
١١١٨ - روينا في سنن أبي داود والنسائي بأسانيد الصحيحة عن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ اسْتَعاذَ باللَّهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْ سألَ باللَّهِ تَعالى فأعْطُوهُ، وَمَنْ دَعاكُمْ فأجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأتموه ".
فصل:
الأشهرُ أنه يُكره أن يُقال: أطالَ الله بقاءَك.
قال أبو جعفر النحّاس في كتابة " صناعة الكتاب ": كَرِهَ بعضُ العلماء قولهم: أطالَ الله بقاءك، ورخَّصَ فيه بعضُهم.
قال إسماعيل بن إسحاق: أوَّلُ مَن كتب " أطالَ الله بقاءَك " الزنادقة.
وروي عن حماد بن سلمة ﵁ أن مكاتبة المسلمين كانت: من فلان إلى فلان: أما بعد، سلامٌ عليك، فإني أحمدُ الله الذي لا إِله إِلاَّ هو، وأسألُه أن يصلِّيَ على محمد وعلى آل محمد، ثم أحدثتِ الزنادقةُ هذه المكاتبات التي أوّلُها: أطالَ اللَّه بقاءَك.
فصل:
المذهبُ الصحيحُ المختار أنه لا يُكره قول الإِنسان لغيره: فِداكَ أبي وأُمي، أو جعلني الله فداك، وقد تظاهرتْ على جواز ذلك الأحاديثُ المشهورة التي في " الصحيحين " وغيرهما، وسواءٌ كانَ الأبوان مسلمين أو كافرين، وكَرِهَ ذلك بعضُ العلماء إذا كانا مسلمين.
قال النحاس: وكرهَ مالكُ بن أنس: جعلني الله فداك، وأجازَه بعضُهم.
قال القاضي عياض: ذهبَ جمهورُ العلماء إلى جواز ذلك، سواءٌ كان المفديُّ به مسلماً أو كافراً.
قلت: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يُحصى، وقد نبَّهتُ على جمل منها في " شرح صحيح مسلم ".
فصل:
ومما يُذمّ من الألفاظ: المِراء، والجِدال، والخُصومة.
قال الإِمام أبو حامد الغزالي: المراء: طعنُك في كلام الغير لإِظهار خَلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيَّتِك عليه، قال: وأما الجدالُ، فعبارةٌ عن أمر يتعلّقُ بإظهار المذاهب وتقريرها، قال: وأما الخصومةُ، فلِجَاجٌ في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه من مال أو غيره، وتارة يكون ابتداءً، وتارة يكون اعتراضاً، والمِراء لا يكون إلا اعتراضاً، هذا كلام
الغزالي.
واعلم أن الجدال قد يكون بحقّ وقد يكون بباطل، قال الله تعالى: (وَلا تُجادِلُوا
стр. 369
أهْلَ الكِتابِ إِلاَّ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ) [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: (وَجادِلْهُمْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥] وقال تعالى: (ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَروا) [غافر: ٤] فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحقّ، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزيلُ النصوص الواردة في إباحته وذمّه، والمجادلة والجدال بمعنى، وقد أوضحتُ ذلك مبسوطاً في " تهذيب الأسماء واللغات ".
قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين، ولا أقصَ للمروءة، ولا أضيعَ للذة، ولا أشغلَ للقلب من الخصومة.
فإن قلتَ: لا بُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه.
فالجوابُ ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي: أن الذمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو بغير علمٍ، كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ في الخصومة قبل أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو فيخاصمُ بغير علم.
ويدخلُ في الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه، لكنه لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملُه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريق الشرع من غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذا ليس حراماً، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلاً، لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدال متعذّر، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ، وتهيجُ الغضبَ، وإذا
هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته، ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب حتى أنه يكون في صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه على الاستقامة.
والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء، فينبغي أن لا يفتحَ عليه بابَ الخصومة إلا لضرورة لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانَه وقلبَه عن آفات الخصومة.
١١١٩ - روينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " كَفَى بِكَ إثْماً أنْ لا تزال مخاصما " (١) .
стр. 370
وجاء عن عليّ ﵁ قال: إن للخصوماتِ قحما.
قلتُ: القُحَم بضم القاف وفتح الحاء الحاء المهملة: هي المهالك.
فصل:
يُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدّق وتكلّف السجع والفَصاحة والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم، وكذلك تكلّف السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوامّ، بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمُه صاحبُه فهماً جليّاً ولا يستثقلُه.
١١٢٠ - روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الَّذي يَتَخَلَّل بِلِسانِهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٢١ - ور وينا في " صحيح مسلم " عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ " قالها ثلاثاً.
قال العلماء: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور.
١١٢ - وروينا في كتاب الترمذي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إليَّ، وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ، الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ وَالمُتَفَيْقِهُونَ "، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيقهون؟ قال: المُتَكَبِّرُون " قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال: والثرثار: هو الكثير الكلام.
والمتشدّقُ: مَن يتطاولُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم.
واعلم أنه لا يدخلُ في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب، لأن المقصودَ منها تهييج القلوب إلى طاعة الله ، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر.
فصل:
ويُكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدَّثَ بالحديث المباح في غير هذا الوقت، وأعني بالمُباح الذي استوى فعله وتركه، فأما الحديث المحرّم في غير هذا الوقت أو المكروه، فهو في هذا الوقت أشدّ تحريماً وكراهة، وأما الحديثُ في الخير، كمذاكرة العلم، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف فلا
стр. 371
كراهةَ فيه، بل هو مستحبّ، وقد تظاهرت الأحاديثُ الصحيحةُ به، وكذلك الحديثُ للغدر والأمور العارضة لا بأس به، وقد اشتهرت الأحاديثُ بكل ما ذكرتُه، وأنا أُشيرُ إلى بعضها مختصراً، وأرمزُ إلى كثير منها.
١١٢٣ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي بَرزةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ النومَ قبل العِشاء (١) والحديثَ بعدَها.
وأما الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قدّمتُها فكثيرةٌ.
١١٢٤ - فمن ذلك حديث ابن عمر في " الصحيحين ": أن رسولَ الله ﷺ صلَّى العشاءَ في آخر حياته، فلما سلَّم قال: " أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فإنَّ على رأسِ مِئَةِ سَنَةٍ
لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ على ظَهْرِ الأرْضِ اليَوْمَ أحَدٌ ".
١١٢٥ - ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁، في " صحيحيهما ": أن رسولَ الله ﷺ أعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليلُ، ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاته قال لمن حضره: على رِسْلِكُمْ أُعَلِّمْكُمْ، وأبْشِرُوا أنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّه عَلَيْكُمْ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ " أوْ قالَ: " ما صَلَّى أحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ ".
١١٢٦ - ومنها حديث أنس في " صحيح البخاري ": " أنهم انتظروا النبيَّ ﷺ فجاءَهم قريباً من شطر الليل، فصلَّى بهم: يعني العشاء، قال: ثم خطبَنا فقال: ألا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ ".
١١٢٧ - ومنها حديث ابن عباس ﵄ في مبيته في بيت خالته ميمونة قوله: أن النبيَّ ﷺ صلَّى العشاءَ، ثم دخلَ فحدّثَ أهلَه، وقوله: " نَامَ الغُلَيْم؟ ".
١١٢٨ - ومنها حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتى صلّى العشاء، ثم جاء وكلَّمهم، وكلَّم امرأتَه وابنه وتكرّر كلامُهم، وهذان الحديثان في " الصحيحين "، ونظائرُ هذا كثيرة لا تنحصرُ، وفيما ذكرناه أبلغُ كفاية، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
فصل:
يُكره أن تُسمَّى العشاء الآخرة العتمة، للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك ويُكره أيضاً أن تُسمَّى المغرب عشاء.
стр. 372
١١٢٩ - روينا في " صحيح البخاري " عن عبد الله بن مُغَفّل المزني ﵁ وهو بالغين المعجمة - قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ على اسمِ صَلاتِكُمُ المَغْرِبِ " قال: وتقول الأعرابُ: هي العشاء.
١١٣٠ - وأما الأحاديث الواردة بتسمية عَتَمَةً، كحديث: " لو يَعْلَمُونَ ما في الصُّبْحِ وَالعَتَمَةِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ".
فالجواب عنها من وجهين: أحدهما: أنها وقعتْ بياناً لكون النهي ليس للتحريم، بل للتنزيه.
والثاني: أنه خُوطبَ بها مَن يخافُ أنه يلتبس عليه المراد لو سمَّاها عشاءً.
وأما تسمية الصبح غداةً فلا كراهة فيه على المذهب الصحيح، وقد كثرتِ الأحاديثُ الصحيحةُ في استعمال غداة، وذكر جماعة من أصحابنا كراهة ذلك، وليس بشئ، ولا بأسَ بتسمية المغرب والعشاء عشاءين، ولا بأس بقول العشاء الآخرة.
وما نُقل عن الأصمعي أنه قال: لا يُقال العشاء الآخرة، فغلط ظاهر.
١١٣١ - فقد ثبتَ في " صحيح مسلم " أن النبي ﷺ قال: " أيُّمَا امْرأةٍ أصَابَتْ بَخُوراً فَلا تَشْهَدْ مَعَنا العِشاءَ الآخِرَةَ ".
وثبت في ذلك كلامُ خلائقَ لا يُحصون من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه بشواهده في " تهذيب الأسماء واللغات " وبالله التوفيق.
فصل:
ومما يُنهى عنه إفشاءُ السرّ، والأحاديثُ فيه كثيرة، وهو حرامٌ إذا كان فيه ضررٌ أو إيذاء.
١١٣٢ - روينا في سنن أبي داود والترمذي عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أمانَةٌ " قال الترمذي: حديث حسن.
فصل:
يُكره أن يُسألَ الرجلُ: فيم ضربَ امرأتَه من غير حاجة.
قد روينا في أوّل هذا الكتاب في " حفظ اللسان " والأحاديث الصحيحة في السكوت عمّا لا تظهر فيه المصلحة.
١١٣٣ - وذكرنا الحديث الصحيح " منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يعنيه " وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁
عن النبي ﷺ قال: " لا يُسألُ الرَّجُلُ: فيمَ ضَرَبَ امْرأتَهُ ".
стр. 373
١١٣٤ - فصل:
أما الشعر فقد روينا في مسند " أبي يعلى الموصلي " بإسناد حسن (١) عن عائشة ﵄ قالت: سُئل رسولُ الله ﷺ عن الشعر فقال: " هُوَ كلامٌ حَسَنُهُ كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام " (٢) .
قال العلماء: معناه: أنَّ الشعرَ كالنثر (٣) ، لكن التجرّدَ له والاقتصارَ عليه مذمومٌ (٤) .
١١٣٥ - وقد ثبتَت الأحاديثُ الصحيحةُ بأن رسول الله ﷺ سمع الشعرَ، وأمرَ حسان بن ثابت بهجاء الكفّار.
١١٣٦ - وثبتَ أنه ﷺ قال: " إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ".
١١٣٦ - وثبت أنه ﷺ قال: " لان يمتلئ جَوْفُ أحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ لَهُ منْ أنْ يمتلئ شعرا " وكل ذلك على حسب ما ذكرناه.
فصل:
ومما يُنهى عنه، الفحشُ وبذاءةُ اللسان، والأحاديثُ الصحيحة فيه كثيرة معروفة، ومعناه: التعبيرُ عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانتْ صحيحةً والمتكلّمُ بها صادق، ويقعُ ذلك كثيراً في ألفاظ الوقاع ونحوها.
وينبغي أن يستعملَ في ذلك الكنايات، ويعبّر عنها بعبارة جميلة يُفهم بها الغرضُ، وبهذا جاءَ القرآن العزيز والسن الصحيحة المكرّمة، قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى: (وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ) [النساء: ٢١] .
وقال تعالى: (وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧] والآيات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.
قال العلماء: فينبغي أن يستعملَ في هذا وما أشبهَه من العبارات التي يُستحيى من ذكرها بصريح اسمها الكنايات المفهمة، فيُكنّي عن جماع المرأة بالإِفضاءِ والدخولِ
стр. 374
والمعاشرةِ والوِقاع ونحوها، ولا يصرح بالنيك والجماع ونحوهما، وكذلك يُكنّي عن البول والتغوّط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرّحُ بالخِرَاءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكرُ العيوب كالبرص والبَخَر والصُّنان وغيرها، يعبّر عنها بعبارات جميلة يُفهم منها الغرض، ويُلحق بما ذكرناه من الأمثلة ما سواه.
واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعتْ حاجةٌ لغرض البيان والتعليم، وخِيفَ أن المخاطَب لا يفهم المجاز، أو يفهمُ غيرَ المراد، صرّح حينئذ باسمه الصريح ليحصلَ الإِفهامُ الحقيقي، وعلى هذا يحمل ما جاء في الاحاديث من التصريح بمثل هذا، فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا، فإن تحصيل الإِفهامُ في هذا أولى من مراعاة مجرّد الأدب، وبالله التوفيق.
١١٣٧ - روينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذئ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٣٨ - وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: قال
رسول الله ﷺ : " ما كان الفُحْشُ في شئ إلاَّ شانَهُ، وَما كانَ الحَياءُ في شئ إلاَّ زَانَهُ " قال الترمذي: حديث حسن.
فصل:
يحرمُ انتهارُ الوالد والوالدة وشبههما تحريماً غليظاً، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاهُ وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً، إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَريماً.
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كما رَبَّيَاني صَغِيراً) الآية [الإِسراء: ٢٣ - ٢٥] .
١١٣٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " مِنَ الكَبائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتُم الرجلُ والديه؟ قال: نَعَمْ، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ فَيسبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ".
١١٤٠ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: " كان تحتي امرأةٌ وكنتُ أُحبها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي: طلّقْها، فأبيتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلك له، فقال النبيُّ ﷺ : " طَلِّقْها " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 375
(بابُ النهي عن الكَذبِ وبيان أقسامهِ)
قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنّة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب.
وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمّ بيان ما يُستثنى منه، والتنبيه على دقائقه، ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته:
١١٤١ - وهو ما رويناه في " صحيحيهما " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمن خَانَ ".
١١٤٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبيَّ ﷺ قال: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاً خالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدَعَها: إِذَا ائتُمِن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ " وفي رواية مسلم " إذا وعدَ أخلفَ " بدل " وإذا ائتُمِن خان ".
وأما المستثنى منه:
١١٤٣ - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أُمّ كلثوم (١) ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْراً أوْ يَقُولُ خَيْراً " هذا القدر في " صحيحيهما ".
وزاد مسلم في رواية له: " قالت أُمّ كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّصُ في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني: الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها " فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماءُ ما يُباح منه.
وأحسننُ ما رأيتُه في ضبطه، ما ذكرَه الإِمامُ أبو حامد الغزالي فقال: الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يُمكن التوصلُ إليه بالصدق والكذب
стр. 376
جميعاً، فالكذبُ فيه حرامٌ، لعدم الحاجة إليه، وإن أمكنَ التوصل إليه بالكذب، ولم يمكن بالصدق، فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجبٌ إن كان المقصود واجباً، فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه، وجبَ الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عندَه أو عندَ غيره وديعة وسأل عنها ظالمٌ يُريدُ أخذَها، وجبَ عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه فأخذَها الظالمُ قهراً، وجبَ ضمانُها على المُودع المُخبر، ولو استحلفَه عليها، لزمَه أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه، فإن حلفَ ولم يورّ، حنثَ على الأصحّ، وقيل لا يحنثُ، وكذلك لو كان مقصودُ حَرْبٍ، أو إصلاحِ ذاتِ البين، أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا يحصل إلا بكذب، فالكذبُ ليس بحرام، وهذا إذا لم يحصل الغرضُ إلا بالكذب، والاحتياطُ في هذا كلّه أن يورّي، ومعنى التورية أن يقصدَ بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ.
ولو لم يقصد هذا، بل أطلق عبارةَ الكذب، فليس بحرام في هذا الموضع.
قال أبو حامد الغزالي: وكذلك كل ما ارتبط به غرضٌ مقصودٌ صحيح له أو لغيره، فالذي له، مثلُ أن يأخذَه ظالمٌ، ويسألَه عن ماله ليأخذَه، فله أن ينكرَه، أو يسألَه السلطانُ عن فاحشةٍ بينَه وبينَ الله تعالى ارتكبَها، فله أن ينكرَها ويقول ما زنيتُ، أو ما شربتُ مثلاً.
وقد اشتهرتِ الأحاديث بتلقين الذين أقرّوا بالحدود الرجوع عن الإِقرار.
وأما غرضُ غيره، فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرَهُ ونحو ذلك، وينبغي أن يُقابِلَ بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدةُ في الصدق أشدّ ضرراً، فله الكذبُ، وإن كان عكسُه، أو شكّ، حَرُمَ عليه الكذبُ، ومتى جازَ الكذبُ، فإن كان المبيحُ غرضاً يتعلّقُ بنفسه، فيستحبّ أن لا يكذبَ، ومتى كان متعلقاً بغيره، لم تجز المسامحةُ بحقّ غيره، والحزمُ تركه في كل موضعٍ أُبيحَ، إلا إذا كان واجباً.
واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو، سواء تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل، وإنما يأثمُ في العمد.
١١٤٤ - ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ ﷺ " مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ".
стр. 377
(بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِ الإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته)
قال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مَسْؤولاً) [الإِسراء: ٣٦] وقال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨] وقال تعالى: (إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤] .
١١٤٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: " كَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ " (١) ورواه مسلم من طريقين: أحدهما هكذا، والثاني عن حفص بن عاصم عن النبي ﷺ مرسلاً لم يذكر أبا هريرة، فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقه والأصول، والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديث إذا روي من طريقين، أحدهما مرسلٌ، والآخر متصلٌ، قدّم المتصل، وحكم بصحة الحديث، وجاز الاحتجاج به في كل شئ من الأحكام وغيرها، والله أعلم.
١١٤٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: " بحسبِ المرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ ".
وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله، والآثارُ في هذا الباب كثيرة.
١١٤٧ - وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح (٢) عن أبي مسعود (٣) أو حذيفة بن
اليمان قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا " قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما رويناه عنه في " معالم السنن ": أصلُ هذا الحديث إنَّ الرجلَ إذَا أرادَ الظعن في حاجة والسير إلى بلد، ركب مطية، وسار حتى يبلغ حاجته، فشبّهَ النبيّ ﷺ ما
стр. 378
يقدِّمُ الرجلُ أمامَ كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم: " زعموا "، بالمطيّة، وإنما يُقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت، إنما هو شئ يُحكى على سبيل البلاغ، فذمّ النبيّ ﷺ من الحديث ما هذا سبيلُه، وأمر بالتوثق فيما يحكيه والتثبت فيه، فلا يَرويه حتى يكون معزوّاً إلى ثبت.
هذا كلامُ الخطابي، والله أعلم.
(بابُ التعريض والتورية)
اعلم أن هذا الباب من أهمّ الأبواب، فإنه مما يكثرُ استعمالُه وتعمُّ به البلوى، فينبغي لنا أن نعتني بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأملَه ويعملَ به، وقد قدَّمنا في الكذب من التحريم الغليظ، وما في إطلاق اللسان من الخطر، وهذا البابُ طريقٌ إلى السلامة من ذلك.
واعلم أن التوريةَ والتعريضَ معناهما: أن تُطلقَ لفظاً هو ظاهرٌ في معنى، وتريدُ به معنىً آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلافُ ظاهره، وهذا ضربٌ من التغرير والخداع.
قال العلماء: فإن دعتِ إلى ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ على خداعِ المخاطب أو حاجة لا مندوحةَ عنها إلا بالكذب، فلا بأس بالتعريض، وإن لم يكن شئ من ذلك فهو مكروهٌ وليس بحرام، إلا أن يُتوصَل به إلى أخذ باطل أو دفع حقّ، فيصيرُ حينئذ حراماً، هذا ضابطُ الباب.
فأما الآثار الواردةُ فيه، فقد جاء من الآثار ما يُبيحه وما لا يُبيحه، وهي محمولةٌ على هذا التفصيل الذي ذكرناه، فمما جاء في المنع: ١١٤٨ - ما رويناه في " سنن أبي داود " بإسناد فيه ضعفٌ لكن لم يُضَعِّفه أبو داود، فيقتضي أن يكون حسنا عنده كما سبق بيانه عن سفيان بن أسد - بفتح الهمزة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِ كاذِبٌ " (١) .
وروينا عن ابن سيرين ﵀ أنه قال: الكلامُ أوسعُ من أن يكذب ظريفٌ.
مثال التعريض المباح ما قاله النخعي ﵀: إذا بلغ الرجلَ عنك شئ قلتَه فقل: الله يعلم
стр. 379
ما قلتُ من ذلك من شئ، فيتوهم السامعُ النفيَ، ومقصودُك الله يعلم الذي قلتُه.
وقال النخعيُّ أيضاً: لا تقلْ لابنك: أشتري لك سكراً، بل قل: أرأيتَ لو اشتريت لك سكراً.
وكان النخعي إذا طلبه رجلٌ قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد.
وقال غيره: خرج أبي في وقت قبل هذا.
وكان الشعبي يخطّ دائرة ويقول للجارية: ضعي أصبعك فيها وقولي: ليس هو هاهنا.
ومثل هذا قول الناس في العادة لمن دعاهُ لطعام: أنا على نيّة، موهماً أنه صائم، ومقصودُه على نيّة ترك الأكل، ومثلُه: أبصرتَ فلاناً؟ فيقول ما رأيتُه، أي: ما ضربتُ رئته، ونظائرُ هذا كثيرة.
ولو حلف على شئ من هذا، وورَّى في
يمينه، لم يحنثْ، سواء حلفَ بالله تعالى، أو حلفَ بالطلاق، أو بغيره، فلا يقعُ عليه الطلاق، ولا غيره، وهذا إذا لم يحلّفه القاضي في دعوى، فإن حلَّفَه القاضي في دعوى، فالاعتبار بنيّة القاضي إذا حلَّفه بالله تعالى، فإن حلّفه بالطلاق، بالاعتبار بنيّة الحالف، لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق، فهو كغيره من الناس، والله أعلم.
قال الغزالي: ومن الكذب المحرّم الذي يُوجب الفسقَ، ما جرتْ به العادةُ في المبالغة، كقوله: قلتُ لك مائة مرة، وطلبتك مائة مرّة ونحوه، بأنه لا يُراد به تفهيم المرات، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبَه إلا مرّة واحدة كان كاذباً، وإن طلبه مرّات لا يُعتاد مثلُها في الكثرة، لم يأثم، وإن لم يبلغْ مائة مرّة، وبينهما درجات، يتعرّضُ المبالغُ للكذب فيها.
١١٤٩ - قلت: ودليل جواز المبالغة وأنه لا يُعدّ كذباً، ما رويناه في " الصحيحين " أن النبيّ ﷺ قال: " أمَّا أبُو الجَهْمِ فَلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاويَةُ فَلا مالَ لَهُ " ومعلوم أنه كان له ثوب يلبسه، وأنه كان يضعُ العصا في وقت النوم وغيره، وبالله التوفيق.
(بابُ ما يقولُه ويفعلُه مَنْ تكلَّمَ بكلامٍ قبيح)
قال الله تعالى: (وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللَّهِ) [فصّلت: ٣٦] وقال تعالى: (إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذَا هُمْ مُبْصِرونَ) [الأعراف: ٢٠١] وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا (١) على ما فَعَلُوا وَهُمْ
стр. 380
يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَنعْمَ أجْرُ العامِلِينَ) [آل عمران: ١٣٦] .
١١٥٠ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حَلِفِهِ: باللاَّتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ: تَعالَ أُقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ ".
واعلم أن مَن تكلم بحرام أو فعله، وجب عليه المبادرة إلى التوبة، ولها ثلاثة أركان: أن يقلع في الحال عن المعصية، وأن يندمَ على ما فعل، وأن يعزمَ أن لا يعود إليها أبداً، فإن تعلَّق بالمعصية حق آدمي، وجب عليه مع الثلاثة رابع، وهو ردّ الظلامة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منها، وقد تقدم بيان هذا، وإذا تابَ مِنْ ذنبٍ، فينبغي أن يتوبَ من جميع الذنوب، فلو اقتصرَ على التوبة من ذنب صحَّت توبتُه منه، وإذا تابَ من ذنب توبةً صحيحةً كما ذكرنا ثم عادَ إِلَيْهِ في وقت، أثم بالثاني، ووجب عليه التوبة منه، ولم تبطلْ توبتُه من الأوّل، هذا مذهبُ أهل السنّة، خلافاً للمعتزلة في المسألتين، وبالله التوفيق.
(بابٌ في ألفاظٍ حُكي عن جماعةٍ من العلماء كراهتُها وليستْ مكروهةً)
اعلم أن هذا البابَ مما تدعو الحاجةُ إليه لئلا يغترّ بقولٍ باطلٍ ويعوّل عليه.
واعلم أن أحكامَ الشرع الخمسة، وهي: الإِيجابُ، والندبُ، والتحريمُ، والكراهةُ، والإِباحة، لا يثبتُ شئ منها إلا بدليل، وأدلة الشرع معروفة، فما لا دليلَ عليه لا يُلتفتُ إليه، ولا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس بحجة، ولا يُشتغل بجوابه، ومع هذا فقد تبرعَ العلماءُ في مثل هذا بذكر دليلٍ على إبطاله.
ومقصودي بهذه المقدمة أنّ ما ذكرتُ أن قائلاً كرهَه ثم قلت: ليس مكروهاً، أو هذا باطلٌ أو نحو ذلك، فلا حاجةً إلى دليل على إبطاله، وإن ذكرتُه كنتُ متبرّعاً به، وإنما عقدتُ هذا الباب لأُبيِّن الخطأَ فيه من الصواب لئلا يُغترّ بجلالة مَن يُضاف إليه هذا القول الباطل.
إعلم أني لا أُسمّي القائلين بكراهة هذه الألفاظ لئلا تسقطَ جلالتُهم ويُساء الظنّ بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلة نُقلت عنهم،
стр. 381
سواء أصحّتْ عنهم أم لم تصحّ، فإن صحَّتْ لم تقدحْ في جلالتهم كما عرف، وقد أُضيف بعضُها لغرض صحيح، بأن يكونَ ما قاله محتملاً فينظر غيري فيه، فلعلّ نظره يُخالف نظري فيعتضدُ نظرُه بقول هذا الإِمام السابق إلى هذا الحكم، وبالله التوفيق.
فمن ذلك ما حكاهُ الإِمامُ أبو جعفر النحاس في كتابه " شرح أسماء الله تعالى " عن بعض العلماء أنه كره أن يُقال: تصدّق الله عليكَ، قال: لأن المتصدّقَ يرجو الثواب.
قلتُ: هذا الحكم خطأ صريح وجهلٌ قبيح، والاستدلال أشدُّ فساداً.
" وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن رسول الله ﷺ أنه قال في قصر الصلاة " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ".
فصل:
ومن ذلك ما حكاهُ النحَّاسُ أيضاً عن هذا القائل المتقدّم أنه كره أن يُقال: اللَّهمّ أعتقني منَ النَّارِ، قال: لأنه لا يعتق إلا مَن يطلب الثواب.
قلتُ: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحة المصرّحة بإعتاق الله تعالى مَن شاء من خلقه لطال الكتاب طولاً مُمِلاًّ.
١١٥٢ - وذلك كحديث " مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعْتَقَ اللَّهُ تَعالى بِكُلِّ عُضْو مِنْها عُضْواً مِنْهُ من النار " (١) .
فصل:
ومن ذلك قولُ بعضهم: يُكره أن يقولَ افعلْ كذا على اسم الله، لأن اسمَه سبحانه على كلِّ شئ.
قال القاضي عياض وغيرُه: هذا القول غلط.
١١٥٣ - فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة: أن النبي ﷺ قال لأصحابه في الأضحية: " اذْبَحُوا على اسْمِ الله " أي قائلين باسم الله.
فصل:
ومن ذلك ما رواه النحاسُ عن أبي بكر محمد بن يحيى قال: وكان من الفقهاء الأدباء العلماء، قال: لا تقلْ: جمعَ الله بيننا في مستقرُ رحمته، فرحمةُ الله أوسعُ من أن يكون لها قرار، قال: لا تقلْ: ارحمنا برحمتك.
стр. 382
قلت: لا نعلمُ لما قاله في اللفظين حجة، ولا دليلَ له فيما ذكره، فإن مرادَ القائل بمستقرّ الرحمة: الجنة، ومعناه: جمعَ بيننا في الجنة التي هي دار القرار ودار المقامة ومحل الاستقرار، وإنما يدخلها الداخلون برحمة اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ من دخلَها استقرّ فيها أبداً، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمة الله تعالى، فكأنه يقول: اجمع بيننا في مستقرّ نناله برحمتك.
فصل:
روى النحّاسُ عن أبي بكر المتقدم قال: لا يقلْ: اللهمَّ أجِرْنا من النار ولا يقل: اللهمْ ارزقنا شفاعةَ النبي ﷺ فإنما يُشفعُ لمن استوجبَ النار.
قلتُ: هذا خطأ فاحش، وجَهالة بيّنة، ولولا خوفُ الاغترار بهذا الغلط وكونه قد ذكرَ في كتب مصنفة لما تجاسرتُ على حكايته، فكم من حديث في الصحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي ﷺ ، لقوله ﷺ : ١١٥٤ - " مَنْ قالَ مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتي " وغير ذلك.
ولقد أحسن الإِمام الحافظُ الفقيه أبو الفضل عِياض ﵀ في قوله: قد عُرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح ﵃ شفاعةَ نبيِّنا ﷺ ورغبتهم فيها قال: وعلى هذا لا يُلتفت إلى كراهة مَن كَرِهَ ذلك لكونها لا تكونُ إلا للمذنبين، لأنه ثبتَ في الأحاديث في " صحيح مسلم " وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجَنَّةِ، قال: ثمّ كل عاقل معترف بالتقصير،
محتاجٌ إلى العفو، مشفقٌ من كونه من الهالكين، ويلزمُ هذا القائل أَنْ لا يدعوَ بالمغفرة والرحمة، لأنهما لأصحاب الذنوب، وكلُّ هذا خلافُ ما عُرف من دعاء السلف والخلف.
فصل:
ومن ذلك ما حكاهُ الناس عن هذا المذكور، قال: لا تقل: توكّلتُ على ربي الربّ الكريم، وقل: توكلت على ربي الكريم.
قلتُ: لا أصلَ لما قال.
فصل:
ومن ذلك ما حُكي عن جماعة من العلماء أنهم كرهوا أن يُسمَّى الطوافُ بالبيت شوطاً أو دوراً، قالوا: بل يُقال للمرّة الواحدة طوفة، وللمرتين طوفتان، وللثلاث طوفات، وللسبع طواف.
قلتُ: وهذا الذي قالوه لا نعلمُ له أصلاً، ولعلَّهم كرهوه لكونه من ألفاظ الجاهلية، والصوابُ المختار أنه لا كراهةَ فيه.
стр. 383
١١٥٥ - فقد روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ قال: " أمرهم رسولُ الله ﷺ أن يرملوا ثلاثةَ أشواط ولم يمنعْه أن يأمرَهم أن يرملوا الأشواطَ كلَّها إلا الإِبقاء عليهم.
فصل:
ومن ذلك: صُمنا رمضانَ، وجاء رمضانُ، وما أشبه ذلك إذا أُريد به الشهر، واختلف في كراهته، فقال جماعة من المتقدمين: يُكره أن يُقال رمضان من غير إضافة إلى الشهر، رُوي ذلك عن الحسن البصري ومجاهد.
قال البيهقي: الطريق إليهما ضعيف، ومذهبُ أصحابنا أنه يُكره أن يُقال: جاء رمضانُ، ودخل رمضانُ، وحضر رمضانُ، وما أشبه ذلك مما لا قرينة تدلّ على أن المرادَ الشهرُ، ولا يُكره إذا ذُكر معه قرينة تدلّ على الشهر، كقوله: صمتُ رمضانَ، وقمتُ رمضانَ، ويجبُ صومُ رمضان، وحضرَ رمضانُ الشهر المبارك، وشبه ذلك، هكذا قاله أصحابنا، ونقله الإِمامان: أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه " الحاوي " وأبو نصر الصباغ في كتابه " الشامل "
عن أصحابنا، وكذا نقله غيرُهما من أصحابنا عن الأصحاب مطلقاً.
١١٥٦ - واحتجُّوا بحديث: رويناه في سنن البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَقُولُوا رَمَضَانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ " وهذا الحديث ضعيف ضعَّفه البيهقيُّ، والضعف عليه ظاهر، ولم يذكرْ أحدٌ رمضانَ في أسماء الله تعالى، مع كثرة مَنْ صنَّف فيها.
والصوابُ - والله أعلم - ما ذهب إليه الإِمام أبو عبد الله البخاري في " صحيحه " وغير واحد من العلماء المحقِّقين أنه لا كراهةَ مطلقاً كيفما قال، لأن الكراهةَ لا تثبتُ إلا بالشرع، ولم يثبتْ في كراهته شئ، بل ثبتَ في الأحاديث جواز ذلك، والأحاديث فيه من " الصحيحين " وغيرهما أكثر من أن تُحصر.
ولو تفرَّغتُ لجمع ذلك رجوتُ أن يبلغ أحاديثه مئين، لكن الغرضَ يحصل بحديث واحد.
١١٥٧ - ويكفي من ذلك كله: ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ " وفي بعض روايات " الصحيحين " في هذا الحديث " إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ " وفي رواية لمسلم " إذَا كانََ رَمَضَان " وفي الصحيح " لا تَقَدَّمُوا
стр. 384
رَمَضَان " (١) وفي الصحيح " بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ " منها صوم رمضان، وأشباهُ هذا كثيرةٌ معروفة.
فصل:
ومن ذلك ما نُقل عن بعض المتقدمين أنه يُكره أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة الدخان، والعنكبوت، والروم، والأحزاب، وشبه ذلك، قالوا: وإنما يُقال السورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورة التي يُذكر فيها النساء وشبه ذلك.
قلتُ: وهذا خطأ مخالف للسنّة، فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك فيما
لا يُحصى من المواضع.
١١٥٨ - كقوله ﷺ : " الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ " وهذا الحديث في " الصحيحين " وأشباهُه كثيرة لا تنحصر.
فصل:
ومن ذلك ما جاء عن مُطرف ﵀ أنه كره أن يقول: إنَّ اللَّهَ تعالى يقول في كتابه، قال: وإنما يُقال: إن الله تعالى قال، كأنه كره ذلك لكونه لفظاً مضارعاً، ومقتضاهُ الحالُ أو الاستقبالُ، وقول الله تعالى هو كلامُه، وهو قديم.
قلتُ: وهذا ليس بمقبول، وقد ثبتَ في الأحاديث الصحيحة استعمالُ ذلك من جهات كثيرة، وقد نبَّهتُ على ذلك في " شرح صحيح مسلم " وفي كتاب " آداب القرّاء " قال الله تعالى: (والله يقول الحقّ) [الأحزاب: ٤] .
١١٥٩ - وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ : (مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا) [الأنعام: ١٦٠] ".
وفي " صحيح البخاري " في تفسير (لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا) [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: " يا رسول الله إن الله تعالى يقول: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مما تحبون) ".
стр. 385
(كتاب جامع الدّعوات)
اعلم أن غرضنا بهذا الكتاب ذكر دعواتٍ مهمة مستحبة في جميع الأوقات غير مختصّة بوقت أو حال مخصوص.
واعلم أن هذا البابَ واسعٌ جداً لا يمكن استقصاؤهُ ولا الإِحاطة بمعشاره، لكني أُشيرُ إلى أهمّ المهمّ من عيونه.
فأوّلُ ذلك الدعواتُ المذكوراتُ في القرآن التي أخبرَ الله
بها عن الأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم، وعن الأخيار، وهي كثيرة معروفةٌ، ومن ذلك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعلَه أو علَّمه غيرَه، وهذا القسم كثير جداً تقدّم جملٌ منه في الأبواب السابقة، وأنا أذكرُ منه هنا جُملاً صحيحةً تُضمّ إلى أدعية القرآن، وبالله التوفيق.
١١٦١ - روينا بالأسانيد الصحيحة (١) في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: " الدُّعاءُ هُوَ العبادَة " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١١٦٢ - وروينا في " سنن أبي داود " بإسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يَستحبّ الجوامعَ من الدعاء ويدعُ ما سوى ذلك (٢) .
١١٦٣ - وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ليس شئ أكْرَمَ على اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ " (٣) .
١١٦٤ - وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ ".
١١٦٥ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أنس ﵁ قال: كان أكثرُ دعاءِ النبي ﷺ : " اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " زاد مسلم في روايته قال: " وكان أنس إذا أرادَ أن يدعوَ بدعوة دعا بها، فإذا أرادَ أن يدعوَ بدعاء دعا بها فيه.
стр. 386
١١٦٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان
يقول: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى ".
١١٦٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علَّمه النبيُّ ﷺ الصلاة، ثم أمرَه أن يدعوَ بهذه الكلمات " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِني، وَعافِني، وَارْزُقْني " وفي رواية أُخرى لمسلم عن طارق: " أنه سمع النبيّ ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسألُ ربِّي؟ قال: قُلِ اللَّهُمَّ اغْفرْ لي، وَارْحَمْني، وَعافني، وَارْزُقْني، فإنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْياكَ وآخِرَتَكَ ".
١١٦٨ - وروينا فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا على طاعَتِكَ ".
١١٦٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ " وفي رواية عن سفيان أنه قال: في الحديث ثلاث: وزدتُ أنا واحدة، لا أدري أيّتهنّ..وفي رواية قال سفيان: أشكّ أني زدتُ واحدة منها.
١١٧٠ - وروينا في " صحيحيهما " عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعوذ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، وَالهَرَمِ، وَالبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ " وفي رواية " وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرّجالِ ".
قلت: ضَلَع الدين: شدّته وثقلُ حمله، والمحيا والممات: الحياة والموت.
١١٧١ - وروينا في " صحيحيهما " عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵃ أنه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دُعاءً أدعُو به في صَلاتي، قال: " قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ".
قلتُ: روي " كثيراً " بالمثلة، و " كبيرا " بالموحدة، وقد قدّمنا بيانه في أذكار الصلاة، فيستحبّ أن يقول الداعي كثيراً كبيراً، يجمع بينهما، وهذا الدعاء وإن كان ورد في الصلاة فهو حسن نفيس صحيح، فيُستحبّ في كل موطن، وقد جاء في رواية " وفي بيتي ".
стр. 387
١١٧٢ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي، وَجَهْلي، وَإسْرَافِي في أمْرِي، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَدّي، وَهَزْلي، وَخَطَئي، وَعَمْدي، وَكُلُّ ذلكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ، وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ، وَما أعْلَنْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، وأنْتَ على كل شئ قَدِيرٌ ".
١١٧٣ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يقول في دعائه: " اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما عَمِلْتُ وَمِنْ شَرّ مَا لَمْ أعْمَلْ ".
١١٧٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عمر ﵄ قال: كان دعاء رسول الله ﷺ : " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عافيتك، وَفَجْأةِ (١) نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سُخْطِكَ ".
١١٧٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن زيد بن أرقم ﵁ قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، وَالبُخْلِ، وَالهَمِّ وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا ".
١١٧٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِني وَسَدّدْنِي " وفي رواية: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى وَالسَّدادَ ".
١١٧٧ - وروينا في " صحيح مسلم " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، علِّمني كلاماً أقوله، قالَ: " قُلْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، سُبْحانَ اللَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ "، قال: فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قُل اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْني، وَاهْدني، وَارْزُقْنِي، وَعافني " شكَّ الراوي في " وعافني ".
١١٧٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ أصْلحْ لي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي (٢) ، وأصْلِحْ لي
стр. 388
دُنْيايَ (١) الَّتِي فِيها مَعاشِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتي فيها مَعادي، وَاجْعَلِ الحَياةَ زيادَةً لي في كُلّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ راحَةً لي مِنْ كُلّ شَرٍّ ".
١١٧٩ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ أنْ تُضِلَّني، أنْتَ الحَيُّ الَّذي لاَ يَموتُ وَالجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ ".
١١٨٠ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن بُريدةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: " اللَّهمّ إني أسألك بأني أشهدُ إنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ.
فقال: لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ تَعالى بالاسْمِ الَّذي إذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ أجابَ ".
وفي رواية " لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ باسْمهِ الأعْظَمِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨١ - وروينا في سنن أبي داود والنسائي عن أنس ﵁، أنه كان مع
رسول الله ﷺ جالسا ورجل يُصلّي، ثم دعا: اللَّهمّ إني أسألك بأنَّ لكَ الحمدُ لا إِله إِلاَّ أنتَ المنّانُ، بديعُ السموات والأرض، يا ذَا الجَلالِ والإِكرام، يا حيُّ يا قيّوم، فقال النبيُّ ﷺ : " لَقَدْ دَعا اللَّهَ تَعالى باسْمهِ العَظيمِ الَّذي إذَا دُعيَ بهِ أجابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى " (٢) .
١١٨٢ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن عائشة ﵂، أن النبيّ ﷺ كانَ يدعو بهؤلاء الكلماتِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمنْ شَرّ الغِنَى وَالفَقْرِ " هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١١٨٣ - وروينا في كتاب الترمذي عن زياد بن عِلاَقَة عن عَمِّه وهو قُطْبَةُ بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلاقِ وَالأعْمالِ وَالأهْوَاءِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٤ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن شَكَل بن حُميد رضي الله
стр. 389
عنه - وهو بفتح الشين المعجمة والكاف - قال: قلتُ: يا رسولَ الله، علَّمني دعاء، قال: " قُلِ اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ سَمْعِي، وَمنْ شَرّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرّ لِساني، وَمِنْ شَرّ قَلْبي وَمنْ شَرّ مَنِيِّي " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٥ - وروينا في كتابي أبي داود والنسائي بإسنادين صحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ وَالجُنُونِ والجذام وسيئ الأسْقامِ ".
١١٨٦ - وروينا فيهما عن أبي اليَسَر الصحابي ﵁ وهو بفتح الياء
المثناة تحت والسين المهملة - أن رسول الله ﷺ كان يدعو " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْمِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِراً، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ لَديغاً " هذا لفظ أبي داود، وفي رواية له " وَالغَمّ " (١) .
١١٨٧ - وروينا فيهما بالإِسناد الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ منَ الجُوعِ فإنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأعُوذُ بك مِنَ الخِيانَةِ فإنَّها بِئْسَتِ البطانَةُ ".
١١٨٨ - وروينا في كتاب الترمذي عن عليّ ﵁ أن مُكاتباً جاءه فقال: إني عجزتُ عن كتابتي فأعنِّي، قال: ألا أُعلّمك كلماتٍ عَلمنيهنّ رسولُ الله ﷺ ، لو كانَ عَليكَ مثلُ جبل [صبير] (٢) دَيْناً أدَّاهُ عنك؟ قُلِ: " اللَّهُمَّ اكْفِني بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٨٩ - وروينا فيه عن عمران بن الحصين ﵄، أن النبي ﷺ علَّمَ أباه حصيناً كلمتين يدعو بهما: " اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي، وَأعِذْنِي مِنْ شَرّ نَفْسِي " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٠ - وروينا فيهما بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعُوذُ بكَ منَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَسُوءِ الأخْلاقِ ".
١١٩١ - وروينا في كتاب الترمذي عن شَهْر بن حوشب قال: قلتُ لأُمّ سلمة رضي
стр. 390
الله عنها: يا أُمّ المؤمنين ما أكثرَ دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثرُ دعائه " يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٣ - وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: " اللَّهُمَّ عافني في جَسَدِي، وَعافني في بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنِّي، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ " (١) .
١١٩٣ - وروينا فيه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كانَ مِنْ دُعاءِ دَاوُدَ ﷺ : اللَّهُمَّ إني أسألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالعَمَلَ الَّذي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي وَأهْلِي وَمنَ المَاءِ البارِدِ " قال الترمذي: حديث حسن.
١١٩٤ - وروينا فيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ دَعا رَبَّهُ وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ، فإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شئ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجابَ لَهُ " قال الحاكم أبو عبد الله: هذا صحيح الإِسناد.
١١٩٥ - وروينا فيه وفي كتاب ابن ماجه عن أنس ﵁، أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أيّ الدعاء أفضل؟ قال: " سَلْ رَبَّكَ العافِيَةَ وَالمُعافاةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ "، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسولَ الله، أيّ الدعاء أفضل؟ فقال له مِثْلُ ذلكَ، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مِثْلُ ذلكَ، قال: " فإذَا أُعْطِيتَ العافِيَةَ في الدُّنْيا وأُعْطِيتَها في الآخرة فَقَدْ أفْلَحْت " قال الترمذي: حديث حسن (٢) .
١١٩٦ - وروينا في كتاب الترمذي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله تعالى، قال: " سَلُوا اللهَ العافِيَةَ " فمكثت أياماً ثم جئت فقلتُ: يا رسولَ الله علمني شيئا أسأله الله تعالى، فقال: " يا عَبَّاسُ يا عَمَّ رَسُول اللَّهِ، سَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَة " قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٣) .