بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف:
الحمد للَّه الواحد القهَّار، العزيز الغفَّار، مقدِّر الأقدار، مصرِّف الأمور، مُكوِّر الليل على النهار، تبصرةَ لذولي القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه ومن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعلَه من الأبرار، وبصَّرَ من أحبَّه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجدِّ في طاعته وملازمة ذكره بالعشيّ والإِبكار، وعند تغاير الأحوال في آناء الليل والنهار، فاستنارت قلوبُهم بلوامع الأنوار.
أحمده أبلغَ الحمد على جميع نعمه، وأسألُه المزيد من فضله وكرمه، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ اللَّه العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وصفيُّه وحبيبه وخليله، أفضلُ المخلوقين، وأكرمُ السابقين واللاحقين، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى سائر النبيّينَ، وآل كلٍّ وسائر الصالحين.
أما بعد: فقد قال الله العظيم العزيز الحكيم: (فاذْكُرُوني أذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] وقال تعالى: (وَمَا خَلقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا ليَعْدون) [الذاريات: ٥٦] فعُلِم بهذا إِنَّ مِنْ أفْضَلِ - أو أفضل - حال العبد، ذكره لرب العالمين، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ سيد المرسلين.
وقد صنَّف العلماء ﵃ في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتباً كثيرةً معلومةً عند العارفين، ولكنها مطوّلة بالأسانيد والتكرير، فضَعُفَتْ عنها هممُ الطالبين، فقصدتُ تسهيل ذلك على الراغبين، فشرعتُ في جمع هذا الكتاب مختصراً مقاصد ما ذكرته تقريباً للمعتنين، وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعاً للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد (١) متطلعين، بل يكرهونه وإن قَصُرَ إلا الأقلّين، ولأن المقصود به معرفةُ الأذكار والعمل بها، وإيضاح
стр. 2
مظانّها للمسترشدين، وأذكر إن شاء الله تعالى بدلاً من الأسانيد ما هو أهم منها مما يخلّ
به غالباً، وهو بيان صحيح الأحاديث وحسنها وضعيفها ومنكرها (١) ، فإنه مما يفتقر إلى معرفته جميعُ الناس إلا النادر من المحدّثين، وهذا أهمّ ما يجب الاعتناء به، وما يُحقِّقهُ الطالبُ من جهة الحفاظ المتقنين، والأئمة الحُذَّاق المعتمدين، وأضمُّ إليه إن شاء الله الكريم جملاً من النفائس من علم الحديث، ودقائق الفقه، ومهمات القواعد، ورياضات النفوس، والآداب التي تتأكد معرفتُها على السالكين.
وأذكرُ جميعَ ما أذكرُه مُوَضَّحَاً بحيث يسهلُ فهمه على العوام والمتفقهين.
١ - وقد روينا في (صحيح مسلم) ، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ دَعا إلى هُدىً كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً) .
فأردت مساعدة أهل الخير بتسهيل طريقه والإِشارة إليه، وإيضاح سلوكه والدلالة عليه، وأذكر في أوَّلِ الكتاب فصولاً مهمة يحتاجُ إليها صاحبُ هذا الكتاب وغيره من المعتنين، وإذا كان في الصحابة مَن ليس مشهوراً عند مَن لا يعتني بالعلم نبَّهتُ عليه فقلت: روينا عن فلان الصحابيّ، لئلا يُشكَّ قي صحبته.
وأقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإِسلام وهي خمسة: (صحيح البخاري) ، و (صحيح مسلم) ، و (سنن أبي داود) ، و (الترمذي) ، و (النسائي) .
وقد أروي يسيراً من الكتب المشهورة غيرها.
وأما الأجزاء والمسانيد فلستُ أنقل منها شيئاً إلا في نادر من المواطن، ولا أذكرُ من الأصول المشهورة أيضاً من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه
стр. 3
الصحيح غالباً، فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلاً معتمداً، ثم لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت دلالته ظاهرة في المسألة.
والله الكريم أسألُ التوفيق والإِنابة والإِعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده من الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبابي في دار كرامته وسائر وجوه المسرّات.
وحسبي الله ونِعم الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، توكلتُ على الله، اعتصمتُ بالله، استعنتُ بالله، وفوَّضت أمري إلى الله، واستودعت ديني ونفسي ووالديّ وإخواني وأحبائي وسائر من أحسن إليّ وجميع المسلمين، وجميعَ ما أنعمَ به عليّ وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استُودع شيئا حفظه ونعم الحفيظ.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[فصل] :
في الأمر بالإِخلاص وحسن النيّات في جميع الأعمال الظاهرات والخفيَّات .
قال الله تعالى: (وَمَا أُمِروا إلاَّ ليعبُدوا الله مُخلِصِينَ لَهُ الدّين حُنفاء) [البيِّنة: ٥] وقال تعالى: (لَنْ يَنالَ الله لُحومُها وَلاَ دِماؤُها ولكنِ ينالُهُ التَّقوى مِنكمْ) [الحج: ٣٧] قال ابن عباس ﵄: معناه ولكن يناله النيّات.
أخبرنا شيخنا الإِمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن الحسن بن سعد بن الحسن بن المفرّج بن بكار المقدسيّ النابلسيّ ثم الدمشقي ﵁ (١) ، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسن بن عليّ الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، حدّثنا أبو نُعيم عبيد بن هشام الحلبي، حدّثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد - هو الأنصاري - عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
٢ - قال رسول الله ﷺ : " إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلّ امرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُه إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ ".
هذا حديث صحيح متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام، وكان السلف وتابعوهم من الخلف ﵏ يَستحبُّون استفتاح المصنفات بهذا الحديث، تنبيهاً للمُطالع على حسن النيّة، واهتمامه بذلك والاعتناء به.
стр. 5
روينا عن الإِمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: مَنْ أَرَادَ أنْ يُصنِّفَ كتاباً فليبدأ بهذا الحديث.
وقال الإِمام أبو سليمان الخَطَّابي ﵀: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبُّون تقديم حديث (الأعمال بالنيّة) أمامَ كل شئ ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة
إليه في جميع أنواعها.
وبلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما يحفظ الرجلُ على قدر نيته.
وقال غيرُه: إنما يُعطى الناسُ على قدر نيّاتهم.
وروينا عن السيد (١) الجليل أبي عليّ الفُضيل بن عِياض رضي ﵀ عنه قال: تركُ العمل لأجل الناس رياءٌ، والعمل لأجل الناس شِركٌ، والإِخلاصُ أن يعافيَك الله منهما.
وقال الإمام الحارث المحاسبيُّ ﵀: الصادق هو الذي لا يُبالي لو خرج كلُّ قَدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صَلاح قلبه، ولا يحبُّ اطّلاع الناس على مثاقيل الذرِّ من حس عمله ولا يكره أن يطلع الناس على السيئ من عمله.
وعن حُذيفة المَرْعشيِّ ﵀ قال: الإِخلاصُ أن تستوي أفعالُ العبد في الظاهر والباطن.
وروينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم القُشَيريّ ﵀ قال: الإِخلاصُ إفرادُ الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يُريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون شئ آخر: من تَصنعٍ لمخلوق، أو اكتساب محمَدةٍ عند الناس، أو محبّة مدحٍ من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرّب إلى الله تعالى.
وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله التُستَريُّ ﵀: نظر الأكياسُ في تفسير الإِخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركتُه وسكونه في سره وعلانيته الله تعالى، لا يُمازجه نَفسٌ ولا هوىً ولا دنيا.
وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق ﵀ قال: الإِخلاصُ: التوقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقِّي عن مطاوعة النفس، فالمخلصُ لا رياء له، والصادقُ لا إعجابَ له.
وعن ذي النون المصري ﵀ قال: ثلاثٌ من علامات الإِخلاص: استواءُ المدح والذمّ من العامَّة، ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، واقتضاءُ ثواب العمل في الآخرة.
وروينا عن القُشَيريِّ ﵀ قال: أقلُّ الصدق استواءُ السرّ والعلانية.
стр. 6
وعن سهل التستري: لا يشمّ رائحة الصدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره، وأقوالهم في هذا غير منحصرة، وفيما أشرت إليه كفاية لمن وفّق.
[فصل] :
اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شئ في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرّة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقاً بل يأتي بما تيسر منه، ٣ - لقول النبيّ ﷺ في الحديث المتفق على صحته: " إذَا أَمَرْتُكُمْ بشئ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ ".
[فصل] :
قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً (١) .
وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يُعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن (٢) إلا أن يكون في احتياط في شئ من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزّه عنه ولكن لا يجب.
وإنما ذكرتُ هذا الفصل لأنه يجئ في هذا الكتاب أحاديثُ أنصُّ على صحتها أو حسنها أو ضعفها، أو أسكتُ عنها لذهول عن ذلك أو غيره، فأردتُ أن تتقرّر هذه القاعدة عند مُطالِع هذا الكتاب.
[فصل] :
اعلم أنه كما يُستحبُّ الذكر يُستحبُّ الجلوس في حِلَق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وستردُ في مواضعها إن شاء الله تعالى، ويكفي في ذلك حديث ابن عمر (٣) ﵄ قال:
стр. 7
٤ - قال رسول الله ﷺ : " إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا. قالُوا: وَمَا رِياضُ الجَنَّةِ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: حِلَقُ الذّكْرِ، فإنَّ لله تعالى سَيَّارَاتٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذّكْرِ، فإذَا أَتَوْا عَليْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ ".
٥ - وروينا في (صحيح مسلم) ، عن معاوية ﵁ أنه قال: (خرجَ رسولُ الله ﷺ على حلقة من أصحابه فقال: " ما أجْلَسَكُم؟ قالوا: جلسنا نذكُر الله تعالى ونحمَدُه على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجْلَسَكُمْ إلا ذاك؟ أما إني لَمْ أستحلِفكُمْ تُهمةً لكُمْ، ولَكنَّهُ أتاني جبْرِيلُ فأخْبَرَنِي أنَّ الله تعالى يُباهي بكُمُ المَلائكَةَ ".
٦ - وروينا في (صحيح مسلم) أيضاً، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُون اللَّهَ تَعالى إلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَليهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرََهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيمَنْ عِنْدَهُ ".
[فصل] :
الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضلُ منه ما كانَ بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصرَ على أحدهما فالقلبُ أفضل، ثم لا ينبغي أن يُتركَ الذكرُ باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظنَّ به الرياء، بل يذكرُ بهما جميعاً ويُقصدُ به وجهُ الله تعالى، وقد قدّمنا عن الفُضَيل ﵀: أن ترك العمل لأجل الناس رياء.
ولو فتح الإنسانُ عليه بابَ ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرّق ظنونهم الباطلة لا نسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمَّات الدين، وليس هذا طريق العارفين.
٧ - وروينا في (صحيحي البخاري ومسلم) ، عن عائشة ﵂ قالت: نزلت هذه الآية (ولا تجهر بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بها) في الدعاء.
[فصل] :
اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى، كذا قاله سعيدُ بن جُبير ﵁ وغيره من العلماء.
стр. 8
وقال عطاء ﵀: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ وتصلّي وتصومُ وتنكحُ وتطلّق وتحجّ، وأشباه هذا.
[فصل] :
قال الله تعالى: (إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ) إلى قوله تعالى: (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد اللَّهُ لَهُمْ مغْفِرَةً وأجْراً عَظِيماً) [الأحزاب: ٣٥] .
٨ - وروينا في (صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " سَبَقَ المُفرِّدونَ، قالُوا: ومَا المُفَرِّدونَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: (الذَّاكِرُونَ الله كَثِيراً وَالذَّاكرَاتُ) .
قلت: روي (المفرِّدون) بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.
واعلم أن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتمَّ بمعرفتها صاحبُ هذا الكتاب.
وقد اختُلِفَ في ذلك، فقال الإِمامُ أبو الحسن الواحديّ: قال ابن عباس: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوّاً وعشيّاً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكرَ الله تعالى.
وقال مجاهد: لا يكونُ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.
وقال عطاء: من صلَّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول الله تعالى: (والذَّاكِرِينَ الله كَثيراً وَالذَّاكِرَاتِ) هذا نقل الواحدي.
٩ - وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى - رَكعَتينِ جَمِيعاً كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ " هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم.
قال المصنف ﵀: حديث مشهور.
قال السيوطي في (تحفة الأبرار الاذكار) : قال الحافظ ابن حجر: قول الشيخ يعنى النووي - هذا حديث مشهور: يريد شهرته على الألسنة، لا أنه مشهور اصطلاحا، فانه من أفراد علي ابن الأقمر عن الأغرّ.
وقوله: (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم) .
قال الحافظ ابن حجر: هو كما قال، لكنهم ذكروا أبا هريرة مع أبي سعيد، فما أدري لِمَ حذفه، فإنهما عند جميع مَن أخرجه مرفوعاً، وأما من أفرد أب سعيد فإنه أخرجه
موقوفا.
وسئل الشيخ الإِمام أبو عمر بن الصَّلاح ﵀ عن القدر الذي يصيرُ به من الذاكرينَ الله كثيراً والذاكرات، فقال: إذا واظبَ على الأذكار المأثورة (١) المثبتة صباحاً
стр. 9
ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً - وهي مُبيّنة في كتاب عمل اليوم والليلة - كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.
فصل:
أجمع العلماءُ على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجُنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء وغير ذلك.
ولكنَّ قراءة القرآن حرامٌ على الجُنب والحائض والنفساء، سواءٌ قرأ قليلاً أو كثيراً حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراءُ القرآن على القلب من غير لفظ، وكذلك النَّظَرُ في المصحف، وإمرارُه على القلب.
قال أصحابُنا: ويجوز للجُنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وعند ركوب الدابة: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مُقرنين (١) ، وعند الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، إذا لم يقصدا به القرآن، ولهما أن يقولا: بسم الله، والحمد لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواءٌ قصدا الذكر أو لم يكن لهما قصد، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن، ويجوزُ لهما قراءةُ ما نُسخت تلاوته ك (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) .
وأما إذا قالا لإِنسان: خذ الكتاب بقوّة، أو قالا: ادخلوها بسلام آمنين، ونحو ذلك، فإن قصدا غيرَ القرآن لم يحرم، وإذا لم يجدا الماء تيمَّمَا وجاز لهما القراءة، فإن أحدثَ بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث.
ثم لا فرق بين أن يكون تَيمُّمُه لعدم الماء في الحَضَر أو في السفر، فله أن يقرأ القرآن بعده وإن
أحدث.
وقال بعضُ أصحابنا: إن كان في الحضر صلَّى به وقرأ به في الصلاة، ولا يجوزُ أن يقرأ خارجَ الصلاة، والصحيحُ جوازه كما قدّمناه، لأن تيمُّمَه قام مقام الغسل.
ولو تيمَّمَ الجنبُ ثم رأى ماء يلزمُه استعمالُه فإنه يحرمُ عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجُنب حتى يغتسل.
ولو تيمَّم وصلَّى وقرأ ثم أراد التيمّم لحدثٍ أو لفريضةٍ أخرى أو لغير ذلك لم تحرم عليه القراءة.
هذا هو المذهب الصحيح المختار، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يحرمُ، وهو ضعيف.
أما إذا لم يجد الجُنبُ ماءً ولا تُراباً فإنه يُصلِّي لحُرمة الوقت على حسب حاله، وتحرمُ عليه القراءة خارجَ الصلاة، ويحرمُ عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة.
*
стр. 10
وهل تحرمُ الفاتحة؟ فيه وجهان: أصحُّهما لا تحرمُ بل تجبُ، فإن الصَّلاةَ لا تصحُّ إلا بها، وكما جازت الصلاةُ للضرورة تجوزُ القراءة.
والثاني تحرمُ، بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها مَن لا يُحسن شيئاً من القرآن.
وهذه فروعٌ رأيتُ إثباتها هنا لتعلقها بما ذكرتُه، فذكرتها مختصرة وإلا فلها تتمّات وأدلة مستوفاة في كتب الفقه، والله أعلم.
فصل:
ينبغي أن يكون الذاكرُ على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة وجلس مُتذلِّلاً مُتخشعاً بسكينة ووقار، مُطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهةَ في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل.
والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات لأولي الألباب.
الذين يذكرون الله قياما وَقُعوداَ وَعلى جُنوبِهمْ وَيَتَفكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ.) [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] .
١٠ - وثبت في (الصحيحين) ، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: (ورأسه في حجري وأنا حائض) .
وجاء عن عائشة ﵂ أيضاً قالت: (إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعةٌ على السرير) .
فصل:
وينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خالياً (١) نظيفاً، فإنه أعظمُ في احترام الذكر المذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة.
وجاء عن الإِمام الجليل أبي ميسرة ﵁ قال: (لا يُذكر اللَّهَ تعالى إلاَّ في مكان طيّب) وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغيُّر أزاله بالسِّواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروهٌ ولا يَحرمُ، ولو قرأ القرآن وفمُه نجسٌ كُره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا: أصحُّهما لا يَحرم.
فصل:
اعلم أن الذكر محبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال وردَ الشرعُ باستثنائها نذكرُ منها هننا طرفاً، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يُكره الذكرُ حالة ض الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس.
ولا يُكره في الطريق ولا في الحمَّام، والله أعلم.
فصل:
المرادُ من الذكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودُ الذاكر فيحرص
стр. 11
على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه.
فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ كما هو مطلوبٌ في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيح المختار استحباب مدَّ الذاكر قول: لا إله إلا الله، لما فيه من التدبر، وأقوالُ السلف وأئمة الخلف
في هذا مشهورة، والله أعلم.
فصل:
ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرّضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعها في وقتها.
١١ - وقد ثبت في (صحيح مسلم) ، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شئ منه فقرأه ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من اللَّيل) .
(فصل:
في أحوال تعرضُ للذاكر يُستحبّ له قطعُ الذكر بسببها ثم يعودُ إليه بعد زوالها) : منها إذا سُلِّم عليه ردّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطسَ عنده عاطس شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيبَ، وكذا إذا سمع المؤذّنَ أجابَه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزاله، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر، كذا إذا غلبه النعاس أو نحوه.
وما أشبه هذا كله.
فصل:
اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً، لا يحسب شئ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به بحيثُ يُسمع نفسَه إذا كان صحيح السمع لا عارض له.
فصل:
اعلم أنه قد صنَّف في عمل اليوم والليلة (١) جماعةٌ من الأئمة كتباً نفيسة، رَووا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة، وطرَّقُوها من طرق كثيرة، ومن أحسنها (عمل اليوم والليلة) للإِمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسن منه وأنفس وأكثر فوائد كتاب: (عمل اليوم والليلة) لصاحبه الإمام أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني ﵃.
وقد سمعتُ أنا جميعَ كتاب ابن السني على شيخنا الإمام الحافظ أبي البقاء
خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن ﵁، قال: أخبرنا الإمام العلامة أبو اليَمن
стр. 12
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكِنْدي سنة اثنتين وستمائة، قال: أخبرنا الشيخ الإِمام أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سَهْل الأنصاريّ، قال: أخبرنا الشيخُ الإِمام أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الدُّوني، قال: أخبرنا القاضي أبو نصر أحمدُ بن الحسين بن محمد بن الكسَّار الدَّينوري، قال: أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمدُ بن محمد بن إسحاق السُّني ﵁.
وإنما ذكرتُ هذا الإسناد هنا لأني سأنقلُ من كتاب ابن السني إن شاء الله تعالى جُملاً، فأحببتُ تقديمَ إسناد الكتاب، وهذا مستحسنٌ عند أئمة الحديث وغيرهم، وإنما خصصتُ ذكر إسناد هذا الكتاب لكونه أجمع الكتب في هذا الفنّ، وإلا فجميعُ ما أذكرهُ فيه لي به رواياتٌ صحيحةٌ بسماعات متصلة بِحَمْدِ الله تَعالى إلا الشاذّ النادر، فمن ذلك ما أنقلُه من الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام، وهي: (الصحيحان) للبخاري ومسلم، و (سنن أبي داود) و (الترمذي) و (النسائي) .
ومن ذلك ما هو من كتب (المسانيد) و (السنن) (كموطأ الإمام مالك) ، و (مسند الإِمام أحمد بن حنبل) ، و (أبي عوانة) ، و (سنن ابن ماجه) ، و (الدارقطني) ، و (البيهقي) وغيرها من الكتب، ومن الأجزاء مما ستراه إن شاء الله تعالى.
وكلُّ هذه المذكورات أرويها - بحمد الله - بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى مؤلفيها، والله أعلم.
فصل:
اعلم أنَّ ما أذكرهُ في هذا الكتاب من الأحاديث أُضيفه إلى الكتب المشهورة وغيرها مما قدّمتُه، ثم ما كَانَ في صحيحي البخاري ومسلم أو في أحدهما أقتصرُ على إضافته إليهما لحصول الغرض وهو صحته، فإن جميعَ ما فيهما صحيح، وأما ما كَانَ في غيرهما فأُضيفُه إلى كتب السنن وشبهها مبيِّناً صحته وحسنه أو ضعفه إنْ كانَ فِيهِ ضعفٌ
في غالب المواضع، وقد أغفلُ عن صحته وحسنه وضعفه.
واعلم أن (سنن أبي داود) من أكثر ما أنقلُ منه، وقد روينا عنه أنه قال: (ذكرتُ في كتابي الصحيح وما يُشبهه ويُقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحّ من بعض) ، هذا كلام أبي داود، وفيه فائدة حسنة يحتاجُ إليها صاحب هذا الكتاب وغيرُه، وهي أن ما رواه أبو داود في (سننه) ولم يذكر ضعفَه فهو عنده صحيح أو حسن، وكلاهُما يُحتجّ به في الأحكام، فكيف بالفضائل.
فإذا تقرّر هذا فمتى رأيتَ هنا حديثاً من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يضعِّفْه، والله أعلم.
стр. 13
وقد رأيتُ أن أُقدِّم في أوّل الكتاب باباً في فضيلة الذكر مطلقاً أذكر فيه أطرافاً يسيرة توطئةً لما بعدها، ثم أذكرُ مقصود الكتاب في أبواب ه، وأختمُ الكتابَ إن شاء الله تعالى بباب الاستغفار تفاؤلاً بأن يختم الله لنا به، والله الموفِّق، وبه الثقة، وعليه التوكل والاعتماد، وإليه التفويضُ والاستناد.
(بابٌ مختصر في أحرفٍ مما جاء في فضل الذكر غير مقيّدٍ بوقت)
قال الله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ) (١) [العنكبوت: ٤٥] وقال تعالى: (فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] وقال تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصَّافات: ١٤٣] وقال تعالى: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: ٢٠] .
وروينا في صحيحي إمامي المحدثين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشيري النيسابوري ﵄ بأسانيدهما، عن أبي هريرة ﵁، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولاً، وهو أكثر الصحابة حديثاً، قال:
١٢ - قال رسول الله ﷺ : (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ،
حَبيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظيمِ) وهذا الحديث آخر شئ في صحيح البخاري.
١٣ - وروينا في (صحيح مسلم) عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (ألا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى؟ إِنَّ أحَبَّ الكَلام إلى اللَّه: سُبحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) وفي رواية: سُئل رسولُ الله ﷺ : أيّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أوْ لعبادِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) .
١٤ - وروينا في (صحيح مسلم) أيضاً عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (أحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى أرْبَعٌ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لا يَضُرّكَ بِأَيَّهِنَّ بَدأتَ) .
١٥ - وروينا في (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ لِلِّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحانَ اللَّه والحَمْدُ لِلِّهِ تَمْلآنِ، أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ) .
стр. 14
١٦ - وروينا فيه أيضاً عن جُويريةَ أمّ المؤمنين ﵂: " أن النبي ﷺ خرج من عندها بُكرة حين صلَّى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة فيه، فقالَ: " مَا زِلْتِ اليَوْمَ عَلى الحالَةِ الَّتي فارَقْتُكِ عليها؟ قالت: نعم، فقال النبيُّ ﷺ : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلماتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وزِنَتْ بِما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتُهُنَّ: سُبحانَ اللَّهِ وبِحمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، ورضى نَفْسِهِ، َوزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِماتِهِ " وفي رواية: " سبحانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحانَ الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ ".
وروينا في " كتاب الترمذي " ولفظه: " ألا أُعَلِّمُكِ كَلماتٍ تَقُولينَها: سُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ
خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سبحان الله زنة عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ ".
١٧ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال:: قال رسول الله ﷺ : " لأَنْ أقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لله، ولا إله إلا الله، وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ".
١٨ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي أيَوبَ الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ قَالَ لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كانَ كَمَنْ أعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ".
١٩ - وروينا في " صحيحيهما " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من قالَ: لا إِلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مائة حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مائة سَيِّئَةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذلكَ حتَّى يُمْسيَ، ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ منه " وقال: " ومَنْ قالَ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ في اليَوْمِ مائة مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ".
٢٠ - وروينا في " كتاب الترمذي وابن ماجه " عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أفْضَلُ الذّكْرِ لا إلهَ إلاّ اللَّهُ " قال الترمذي: حديث حسن.
٢١ - وروينا في " صحيح البخاري " عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن
стр. 15
النبيّ ﷺ : " مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ ".
٢٢ - وروينا في " صحيح مسلم " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: " جاءَ أَعْرَابيٌّ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: علِّمني كلاماً أقوله، قالَ: قُلْ: لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا
قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قُل اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْنِي وَاهْدِني وَارْزُقْنِي ".
٢٣ - وروينا في " صحيح مسلم " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنَّا عندَ رسول الله ﷺ فقال: " أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ في كل يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تَسْبِيحَةٍ فَتُكْتَبُ لَهُ ألفُ حَسَنَةٍ، أَوْ تُحَطُّ عَنْهُ ألْفُ خَطِيئَةٍ ".
قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم في جميع الروايات: " أو تحط " قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى القطان عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: " وتُحَط " بغير ألف.
٢٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يُصْبحُ على كُلّ سُلامَى مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، ويجزئ مِن ذلكَ ركْعَتانِ تركعهما منَ الضُّحَى " قلتُ: السُّلاَمَى بضم السين وتخفيف اللام: هو العضو، وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء.
٢٥ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال لي النبيّ ﷺ : " ألا أدُّلُّكَ على كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَةِ؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: قُل: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ".
٢٦ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي " عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوىً أو حصىً تُسَبِّح به، فقال: " ألا أُخْبرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أو أَفْضَلُ؟ فَقالَ: سُبْحانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّماءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وسُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ ما بَيْنَ ذلكِ، وسُبحَانَ الله عَدَدَ ما هُوَ خالِقٌ، واللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذلكَ، والحَمْدُ لِلَّهِ مثْلَ ذلكَ، ولا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ مثْلَ ذلكَ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّة إلاَّ بالله مِثْلَ ذَلكَ " قال الترمذي: حديث حسن (١) .
стр. 16
٢٧ - وروينا فيهما بإسناد حسن عن يسيرة، بضم الياء المثناة تحت وفتح السين المهملة، الصحابية المهاجرة ﵂: " أن النبي ﷺ أمرهنّ أن يُراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهنّ مسؤولات مستنطقات ".
٢٨ - وروينا فيهما وفي " سنن النسائي " بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: " رأيتُ رسولَ الله ﷺ يعقد التسبيح " وفي رواية " بيمينه ".
٢٩ - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: " مَنْ قَالَ: رَضِيتُ بالله رَبّاً، وبالإِسلام دِيناً، وبمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولاً وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ ".
٣٠ - وروينا في " كتاب الترمذي " عن عبد الله بن بُسْر، بضمّ الباء الموحدة وإسكان السين المهملة الصحابي ﵁، " أن رجلاً قالَ: يا رسول الله إن شرائع الإِسلام قد كثرتْ عليّ فأخبرني بشئ أتشبث به، فقال: لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى " قال الترمذي: حديث حسن، قلت: أتشبث بتاء مثناة فوق ثم شين معجمة ثم باء موحدة مفتوحات ثم ثاء مثلثة، ومعناه: أتعلَّقُ به وأستمسك.
٣١ - وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁: " أن رسول الله ﷺ سئل: أيّ العبادة أفضل درجة عند الله تعالى يَوْمَ القِيامَةِ؟ قال: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، قُلْتُ: يَا رَسُول الله ومِن الغازي في سبيل الله ؟ قال: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ في الكُفَّارِ والمُشْرِكِينَ حتَّى يَنْكَسِرَ سيفه ويختضب دماً لكان الذَّاكرون اللَّه أفضل منهُ " (١) .
٣٢ - وروينا فيه وفي كتاب ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال
стр. 17
رسول الله ﷺ : " أَلا أُنْبِئُكُمْ بِخَيْرِ أعمالِكُمْ وَأزْكاها عنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِها (١) في دَرَجَاتِكُمُ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والورق، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ويضربوا أعناقكم! قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى " قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإِسناد.
٣٣ - وروينا في " كتاب الترمذي " عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَقِيتُ إبْرَاهِيمَ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي، فقالَ: يَا محمد أقرئ أُمَّتَكَ السَّلامَ وأخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وأنها قِيعانٌ، وأنَّ غِرَاسَها: سُبْحَانَ اللَّه، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ " قال الترمذي: حديث حسن.
٣٤ - وروينا فيه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ قال سبحان الله وبِحمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ " قال الترمذي: حديث حسن.
٣٥ - وروينا فيه عن أبي ذرّ ﵁ قال: " قلتُ: يا رسولُ الله، أيُّ الكلام، أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: " ما اصْطَفى اللَّهُ تَعالى لمَلائِكَتِهِ: سُبْحانَ ربِّي وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ
رَبي وبِحَمْدِهِ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا حين أشرع في مقصود الكتاب وأذكره على ترتيب الواقع غالباً، وأبدأ بأوّل استيقاظ الإِنسان من نومه، ثم ما بعده على الترتيب إلى نومه في الليل، ثم ما بعد استيقاظاته في الليل التي ينام بعدها، وبالله التوفق.
(باب ما يقولُ إذا استيقظَ مِن مَنامه)
٣٦ - وروينا في صحيحي إمَامَي المحدِّثين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشيري ﵄، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يَعْقِدُ الشَّيْطانُ على قافِيةِ رأسِ أحَدِكُم إذا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على كُلّ عُقْدَةٍ مَكانَها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فارْقُدْ، فإنِ اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ الله تعالى انْحَلَّت عُقْدَةٌ، فإن تَوْضأ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها فأصْبَحَ نَشِيطاً طيب النَّفْسِ، وإلاَّ أَصْبحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ " هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم بمعناه، وقافية الرأس: آخره.
٣٧ - وروينا في " صحيح البخاري " عن حذيفةَ بن اليمان ﵄، وعن أبي ذر ﵁ قالا: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: باسْمِكَ اللَّهُمَ أَحْيا وأمُوتُ، وإذَا اسْتَيْقَظَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا وإلَيْهِ النشور ".
стр. 18
٣٨ - وروينا في كتاب ابن السني بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذَا اسْتَيْقَظَ أََحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي رَدََّ عَلَيّ رُوحِي، وَعافانِي في جَسَدِي، وأذِن لي بذكره ".
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي والنسائي، فما أدري لِمَ أغفل المصنف - يعني النووي - عزوه إليهما واقتصر على
عزوه إلى ابن السني، وأما قوله: إنه صحيح الإِسناد، ففيه نظر، فانه من أفراد محمد بن علاج، وهو صدوق لكن في حفظه شئ، وخصوصا في روايته عن المقبري، فان الذي ينفرد به من فبيل الحسن، وإنما يصحح له من يدرج الحسن في الصحيح، وليس ذلك من رأي الشيخ - يعني النووي ﵀.
٣٩ - وروينا فيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " ما منْ عَبْدٍ يَقُولُ عِنْدَ رَدّ اللَّهِ تَعالى رُوحَهُ: لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ".
٤٠ - وروينا فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من رَجُلٍ يَنْتَبِهُ منْ نَوْمِهِ فَيَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي خَلَقَ النَّوْمَ واليَقَظَةَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَعَثَنِي سالِماً سَوِيّاً، أشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي المَوْتى وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِير، إلاَّ قال اللَّهُ تَعالى: صَدَقَ عَبْدِي ".
٤١ - وروينا في " سنن أبي داود " عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا هَبَّ منَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْراً، وحَمِدَ عَشْراً، وقَالَ: سُبْحان الله وبِحَمْدِهِ عَشْراً، وقَالَ: سبحان القُدُوس عَشْراً، وَاسْتَغْفَرَ عَشْراً، وَهَلَّل عَشْراً، ثُمََّ قالَ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدنيا وضِيقِ يَوْمِ القِيامَة عَشْراً ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلاة " وقولها هبَّ: أي استيقظ.
٤٢ - وروينا في " سنن أبي داود " أيضاً عن عائشة أيضاً " أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قالَ: لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وأسألُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنت الوهاب ".
(بابُ ما يَقُول إذا لبسَ ثوبَه)
يُستحبُّ أن يقول: بسْمِ الله، وكذلك تُستحبّ التسمية في جميع الأعمال.
٤٣ - وروينا في كتاب ابن السني عن أبي سعيد الخدري ﵁، واسمه
стр. 19
سعد بن مالك بن سنان: " أن النبي ﷺ كان إذا لبس ثوبا [سماه باسمه] قميصاً أو رداء أو عمامة يقول: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ منْ خَيْرِهِ وَخَيْر مَا هُوَلَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ ما هُوَ لَه ".
٤٤ - وروينا فيه عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كساني هذا ورزقنه مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّة، غَفَرَ الله لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه ".
(بابُ ما يقولُ إذا لبسَ ثوباً جديداً أو نعلاً أو شبهه)
يُستحبُّ أن يقول عند لباسه ما قدّمناه في الباب قبلَه.
٤٥ - وروينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوباً سمَّاه باسمه عمامة أو قميصاً أو رداء، ثم يقول: " اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ كَسَوْتِنِيهِ، أسألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما صُنِعَ لَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرّ ما صُنِعَ لَهُ " حديث صحيح، رواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي في " سننهم " قال الترمذي: هذا حديث حسن.
٤٦ - وروينا في كتاب الترمذي عن عمر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَساني ما أُوَاري بِهِ عَوْرَتي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ في حياتي، ثُمََّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في حِفْظِ اللَّهِ وفي كَنَفِ اللَّه ، وفي سبيل الله حَيّاً وَمَيِّتاً ".
(بابُ ما يقولُ لصاحبه إذا رأى عليه ثوباً جديداً)
٤٧ - روينا في " صحيح البخاري " عن أم خالد بنت خالد ﵂ قالت:
أُتي رسولُ اللَّه ﷺ بثياب فيها خميصةٌ سوداءُ، قال: " مَنْ ترون نكسو هذه الخميصة "؟ فسكت القومُ، فقال: " ائتوني بأُمّ خالِدٍ " فأُتي بي النبيَّ ﷺ فألبسنيها بيده، وقال: " أبْلِي، وأخْلِقِي "، مرّتين.
٤٨ - وروينا في كتابي ابن ماجه، وابن السني، عن ابن عمرَ ﵄ أن النبي ﷺ رأى على عمر ﵁ ثوباً فقال: " أجَدِيدٌ هَذَا أمْ غَسِيلٌ "؟ فقال: بل غسيل، فقال: " الْبَسْ جَدِيداً، وَعِشْ حَمِيداً، ومت شهيدا ".
стр. 20
(بابُ كيفيّة لباسِ الثوبِ والنعلِ وخَلْعِهما)
يُستحبّ أن يبتدأ في لبس الثوب والنعل والسراويل وشبهها باليمين من كميه ورجلي السراويل ويخلع الأيسر، ثم الأيمن، وكذلك الاكتحال، والسواك، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، ونتف الإِبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، والوضوء، والغسل، والأكل، والشرب والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وأخذ الحاجة من إنسان، ودفعها إليه، وما أشبه هذا، فكله يفعله باليمين، وضدّه باليسار.
٤٩ - وروينا في صحيحي البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يُعجبه التيمّن في شأنه كله: في طهوره وترجُّلِه وتنعّلِه.
٥٠ - وروينا في " سنن أبي داود " وغيره بالإِسناد الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: " كانت يدُ رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى ".
٥١ - وروينا في " سنن أبي داود "، و " سنن البيهقي " عن حفصة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ ، كان يجعلُ يمينَه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعلُ يَسَارَه لما سوى ذلك ".
٥٢ - وروينا عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " إذَا لَبِسْتُمْ، وَإذَا تَوَضَّأْتُمْ فابْدَؤوا بأيامنكم " حديث حسن، رواه أبو داود والترمذي، وأبو عبد الله
محمد بن يزيد هو ابن ماجه، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وفي الباب أحاديث كثيرة، والله أعلم.
(بابُ ما يقولُ إذا خلعَ ثوبَه لغُسْلٍ أو نومٍ أو نحوهِمَا)
٥٣ - روينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " سِتْرُ ما بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إذَا أرَاد أنْ يَطْرَحَ ثِيابَهُ: بِسْمِ اللَّهِ الذي لا إله إلا هو ".
(باب ما يقول حال خروجِهِ من بيتِه)
٥٤ - روينا عن أُمِّ سلمة ﵂، واسمها هند: أن النبي ﷺ كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: " بسم اللَّهِ تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أوْ أزِلَّ،
стр. 21
أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ ".
حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
قال الترمذي: حديث صحيح.
هكذا في رواية أبي داود: " أنْ أضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أزِلَّ أَوْ أُزَلَّ " وكذا الباقي بلفظ التوحيد.
وفي رواية الترمذي: " أعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ نَزِلّ، وكذَلِكَ نَضِلَّ ونَظْلِمَ ونَجْهَلَ ".
بلفظ الجمع.
وفي رواية أبي داود: " ما خرجَ رسولُ الله ﷺ من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ ".
وفي رواية غيره: " كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ كما ذكرنا " والله أعلم.
٥٥ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قالَ " يعني إذَا خَرَجَ مِنْ بيته: " باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، يُقالُ له: هديت وكفيت ووقيت، وتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطانُ " قال الترمذي: حديث حسن.
زاد أبو داود في روايته: " فيقول " يعني الشيطان لشيطان آخر: " كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ".
٥٦ - وروينا في كتابي " ابن ماجه، وابن السني " عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من منزله قالَ: " بِسْمِ الله، التُّكْلانُ على الله، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ " (١) .
(بابُ ما يقولُ إذا دخلَ بيتَه)
يُستحبّ أن يقول: باسم الله، وأن يكثرَ من ذكر الله تعالى، وأن يسلّمَ سواء كان في البيت آدميّ أم لا، لقول الله تعالى: (فإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا على أنْفُسِكُمُ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) [النور: ٦١] .
٥٧ - وروينا في " كتاب الترمذي " عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا بُنَيَّ إذَا دَخَلْتَ على أهْلِكَ، فسلم يكن بَرَكَةً (٢) عَلَيْكَ وعلى أهْلِ بَيْتِكَ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 22
٥٨ - وروينا في " سنن أبي داود " عن أبي مالك الأشعري ﵁، واسمه الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: كعب، وقيل: عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ خَيْرَ المَوْلِجِ وَخَيْرَ المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم اللَّهِ خَرَجْنا، وَعَلى اللَّهِ رَبِّنا تَوََكَّلْنا، ثُمَّ ليُسَلِّمْ على أهْلِهِ "، لم يُضَعِّفه أبو داود (١) .
٥٩ - وروينا عن أبي أمامة الباهلي، واسمه صدَيُّ بن عَجْلان عن رسول الله ﷺ قال: " ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ على اللَّهِ : رَجُلٌ خرج غَازِيَاً في سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ على الله حَتَّى يَتَوفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجْرٍ وَغَنِيمَةٍ،
وَرَجُلٌ رَاحَ إلى المَسْجِد فَهُو ضَامِنٌ على الله تعالى حتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخلَهُ الجَنَّةَ أو يرده بما نال من أجر وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسلامٍ فَهُوَ ضَامنٌ على اللَّهِ " حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواه آخرون.
ومعنى " ضامن على الله تعالى ": أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشئ، كما يقال: تَامِرٌ، ولاَبنٌ: أي صاحب تمر ولبن.
فمعناه: أنه في رعاية الله تعالى، وما أجزل هذه العطية، اللهمَّ ارزقناها.
٦٠ - وروينا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعامِهِ قالَ الشِّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ، وَإذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِه، قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاء " رواه مسلم في صحيحه.
قال المصنف ﵀: ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان يفعله، إلا النظر في السماء، فهو في " صحيح البخاري " دون مسلم.
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قوله: إلا النظر إلى السماء فهو في " صحيح البخاري " دون مسلم، قال الحافظ ابن حجر: بل ثبت ذلك في مسلم أيضا، وسبب خفاء ذلك على الشيخ - يعني النووي - أن مسلما جمع طرق الحديث كعادة، فساقها في " كتاب الصلاة "، وأفراد طريقا منها في " كتاب الطهارة " وهي التي وقع عنده فيها التصريح بالنظر إلى السماء ... ٦١ - وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من النهار إلى بيته يقول: " الحمد لله الذي كفاني
стр. 23
وآوَانِي، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنِي وَسَقاني، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي مَنَّ عَليَّ، أسألُكَ أن
تُجِيرَني مِنَ النَّار " إسناده ضعيف (١) .
٦٢ - وروينا في موطأ مالك أنه بلغه، أنه يستحبّ إذا دخل بيتاً غير مسكون أن يقول: " السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عباد الصالحين ".
(بابُ ما يقول إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته)
يستحبّ له إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته أن ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات الخواتم من سورة آل عمران: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ) إلى آخر السورة.
٦٣ - ثبت في الصحيحين: أن رسولَ الله ﷺ كان يفعله، إلا النظر إلى السماء، فهو في " صحيح البخاري " دون " مسلم ".
٦٤ - وثبت في الصحيحين، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يتهجد قال: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرضِ وَمَن فيهن، وَلَكَ الحَمْدُ أنْت نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولكَ الحَمدُ أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقّ، ولِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلاَّ أنتَ " زادَ بعض الرواة: " ولا حول ولا قوة إلا بالله ".
(باب ما يقولُ إذا أراد دخول الخلاء)
٦٥ - ثبت في " الصحيحين " عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يَقولُ عندَ دُخول الخلاء: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائث " يقال: الخبث بضم الباء وبسكونها، ولا يصحّ قول من أنكر الإِسكان.
٦٦ - وروينا في غير الصحيحين: " باسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخبائِثِ ".
٦٧ - وروينا عن عليّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: " سِتْرُ ما بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنّ
وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بسم اللَّهِ " رواه الترمذي وقال: إسناده ليس
стр. 24
بالقويّ (١) ، وقد قدّمنا في الفصول أن الفضائل يُعمل فيها بالضعيف (٢) .
قال أصحابنا: ويستحبّ هذا الذكر سواء كان في البنيان أو في الصحراء، قال أصحابنا ﵏: يُستحبّ أن يقول أوّلاً: " بسم الله " ثم يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ من الخُبْثِ والخَبائِثِ ".
٦٨ - وروينا عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخَلاء قال: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجس النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ: الشَّيْطانِ الرجِيمِ " رواه ابن السني، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء (١) .
(بابُ النّهي عن الذِّكْرِ والكَلامِ على الخَلاَء)
يكره الذكر والكلام حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، وسواء في ذلك جميع الأذكار والكلام، إلا كلام الضرورة حتى قال بعضُ أصحابنا: إذا عطس لا يحمد الله تعالى، ولا يشمِّت عاطساً، ولا يردّ السلام، ولا يجيب المؤذّن، ويكون المُسَلِّم مُقَصِّراً لا يستحقّ جواباً، والكلام بهذا كله مكروه كراهة تنزيه، ولا يحرم، فإن عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه تعالى بقلبه ولم يحرّك لسانه فلا بأس، وكذلك يفعل حال الجماع.
٦٩ - وروينا عن ابن عمر ﵄ قال: " مرّ رجل بالنبيّ ﷺ وهو يبولُ فسلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليهِ " رواه مسلم في " صحيحه ".
٧٠ - وعن المهاجر بن قنفذ ﵁ قال: " أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يبول، فسلّمت عليه، فلم يَرُدَّ حتى تَوَضَّأَ، ثم اعتذر إليّ وقال: إني كَرِهْت أن أذْكُرَ اللَّهَ تَعالى إلاَّ على طُهْرٍ " أو قال: " على طَهارَةٍ " حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
بأسانيد صحيحة.
стр. 25
(بابُ النّهي عن السَّلام على الجالس لقضاء الحَاجَة)
قال أصحابنا: يُكره السلام عليه، فإن سلَّم لم يستحقَّ جواباً، لحديث ابن عمر والمهاجر المذكورين في الباب قبلَه.
(بابُ ما يقولُ إذَا خَرَجَ مِنْ الخَلاَء)
يقول: " غُفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعافانِي ".
٧١ - ثبت في الحديث الصحيح في " سنن أبي داود " و " الترمذي " أن رسول الله ﷺ كان يقول: " غُفْرَانَك " وروى النسائي وابن ماجه باقيه.
٧٢ - وروينا عن ابن عمر ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ الخلاء قال: " الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاهُ " رواه ابن السني والطبراني.
(بابُ ما يقولُ إذا أراد صَبَّ ماء الوضوءِ أو استقاءه)
يُستحبّ أن يقول " بسم اللَّه " كما قدَّمناه.
(بابُ ما يَقولُ على وضُوئه)
يُستحبّ أن يقول في أوّله: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ " وإن قالَ " بِسْمِ اللَّهِ " كفى.
قال أصحابنا: فإن ترك التسمية في أوّل الوضوء أتى بها في أثنائه، فإن تركها حتى فرغ فقد فات محلها فلا يأتي بها ووضوءه صحيح، سواء تركها عمداً أو سهواً، هذا مذهبنا
ومذهب جماهير العلماء، وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثاً ثابتاً.
٧٣ - فمن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ " رواه أبو داود وغيره.
وروينا من رواية سعيد بن زيد وأبي سعيد وعائشة وأنس بن مالك وسهل بن سعد ﵃، رويناها كلها في " سنن البيهقي "، وغيره، وضعّفها كلها البيهقي وغيره (١) .
فصل:
قال المصنف ﵀: قال بعض أصحابنا، وهو الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد: يستحب للمتوضئ أن يقولَ في ابتداء وضوئه بعد التسمية: أشهدُ أن لا
стр. 26
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه.
وهذا الذي قاله لا بأس به، إلا أَنَّهُ لا أصل له من جهة السنة، ولا نعلم أحداً من أصحابنا وغيرهم قال به، والله أعلم.
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الزركشي: قال ته شيخنا سليم الرازي، وقتلهما الصيمري، وقال الحافظ ابن حجر في أماليه: أخرج جعفر المستغفري - قال الحافظ: في كتاب الدعوات - من طريق سالم بن أبي الجعد عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ إدا تو ضا: بسم الله، ثم يقول لكل عضو: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُهُ ورسوله، ثم قال إذَا فرغمن وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين والمطهرين إلا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيها شاء " هذا حدث غريب، وفيه تعقب على المنصف في قوله أن التشهد بعد التسمية لم يرد.
فصل:
ويقول: بعد الفراغ من الوضوء: " أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّداً عبدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَوَّابِينَ، واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ،
سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ ".
٧٤ - روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأ فَقالَ: أشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شاءَ " رواه مسلم في " صحيحه "، ورواه الترمذي وزاد فيه " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوَّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ".
وروى: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِك " إلى آخره: النسائي في " اليوم والليلة " وغيرُه بإسناد ضعيف (١) .
٧٥ - وروينا في " سنن الدارقطني " عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ تَوَضَّأ ثُم قال: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّم، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الوُضُوءَيْن " إسناده ضعيف.
٧٦ - وروينا في مسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجه وكتاب ابن السني من رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَ مرات:
стр. 27
أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّداً عبدُهُ وَرَسولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أبْوَابِ الجَنَّةِ مِنْ أيّها شاءَ دَخَلَ " إسناده ضعيف (١) .
٧٧ - وروينا تكريرَ شهادة: أن لا إله إلاَّ الله، ثلاث مرات في كتاب ابن السني من
رواية عثمان بن عفان ﵁ بإسناد ضعيف، قال الشيخ نصر المقدسي: ويقول مع هذه الأذكار: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، ويضمّ إليه: وسلم.
قال أصحابنا: ويقول هذه الأذكار مستقبل القبلة، ويكون عقيب الفراغ.
فصل] :
وأما الدعاء على أعضاء الوضوء، فلم يجئ فيه شئ عن النبي ﷺ وقد قال الفقهاء: يُستحبّ فيه دعوات جاءتْ عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها، فالمتحصّل مما قالوه أنه يقول بعد التسمية: الحمد للَّهِ الذي جعل الماء طهوراً، ويقول عند المضمضة: اللهم اسقِني من حوْضِ نبيِّك مُحَمَّدٌ ﷺ كأساً لا أظمأ بعده أبداً، ويقول عند الاستنشاق: اللهمّ لا تحرِمني رائحة نعيمِك وجناتِك، ويقول عند غسل الوجه: اللهمّ بيِّض وجهي يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوه، ويقول عند غسل اليدين: اللهمّ أعطِني كتابي بيميني، اللهمّ لا تعطِني كتابي بشمالي، ويقول عند مسح الرأس: اللهمّ حرّم شعري وبشرِي على النار، وأظلّني تحت عرشِك يوم لا ظلّ إلا ظلُّك، ويقول عند مسح الأُذنين: اللهمّ اجعلني من الَّذينَ يستمعونَ القَوْلَ فيتَّبعون أحسنه، ويقول عند غسل الرجلين: اللهمّ ثبِّت قدميَّ على الصراط، والله أعلم.
٧٨ - وقد روى النسائي وصاحبه ابن السني في كتابيهما " عمل اليوم والليلة " بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ، فسمعته يدعو ويقول: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَسِّعِ لي فِي داري، وَبارِكْ لي في رِزْقِي " فقلتُ: يا نبيّ الله سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: " وَهَلْ تركن من شئ؟ " ترجم ابن السني لهذا الحديث باب ما يقول بين ظهراني وضوئه وأما النسائي فأدخله في باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه، وكلاهما محتمل.
(بابُ ما يقولُ على اغْتسالِه)
يستحبّ للمغتسل أن يقول جميع ما ذكرناه في المتوضئ من التسمية وغيرها، ولا فرق في ذلك بين الجُنب والحائض وغيرهما، وقال بعض أصحابنا: إن كان جُنُباً أو حائضاً لم يأتِ بالتسمية، والمشهور أنها مستحبّة لهما كغيرهما، لكنهما لا يجوز لهما أن
يقصدا بها القرآن.
стр. 28
(بابُ ما يقولُ على تَيَمُّمِه)
يُستحبّ أن يقول في ابتدائه: " بسم الله " فإن كان جُنباً أو حائضاً، فعلى ما ذكرنا في اغتساله، وأما التشهّد بعده وباقي الذكر المتقدم في الوضوء والدعاء على الوجه والكفّين، فلم أرَ فيه شيئاً لأصحابنا ولا غيرهم، والظاهر أن حكمه على ما ذكرنا في الوضوء، فإن التيمّم طهارة كالوضوء.
(بابُ ما يقولُ إذا توجَّهَ إلى المسجدِ)
٧٩ - قد قدّمنا ما يقوله إذا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلى أيّ موضع خرج، وإذا خرج إلى المسجد فيستحبّ أن يضمّ إلى ذلك ما رويناه في " صحيح مسلم " في حديث ابن عباس ﵄ في مبيته في بيت خالته ميمونة ﵂، ذكر الحديث في تهجّد النبي ﷺ قال: " فأذّن المؤذّن: يعني الصبح، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُوراً، وفي لِسانِي نُوراً، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُوراً، وَاجْعَلْ في بَصَري نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُوراً، وَمِنْ أمامي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقي نُوراً وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، اللَّهُمَّ أعْطِني نُوراً ".
٨٠ - وروينا في كتاب ابن السني عن بلال ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قالَ: " بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ باللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاََّ باللَّهِ، اللَّهُمَّ بِحَقّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقّ مَخْرَجِي هَذَا فإني لَمْ أخْرُجْهُ أشَراً وَلاَ بَطراً وَلاَ رِياءً وَلاَ سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ سَخَطِكَ، أسألُكَ أنْ تُعِيذَني من النار وأن تدخلني الجَنَّة "، حديث ضعيف، أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث.
وروينا في كتاب ابن السني معناه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وعطية أيضاً ضعيف (١) .
стр. 29
(بابُ ما يقولُه عندَ دخول المسجد والخروج منه)
يُستحبُّ أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم الحَمْد لِلَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على مُحَمََّدٍ وَعَلى آلِ محمد، اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول: بسم الله، ويقدّم رجله اليمنى في الدخول، ويقدّم اليسرى في الخروج، ويقول جميع ما ذكرناه إلا أنه يقول: " أبواب فضلك "، بدل " رحمتك ".
٨١ - روينا عن أبي حُميد أو أبي أُسيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّم على النَّبيّ ﷺ ، ثُم ليَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ " رواه مسلم في " صحيحه " وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة، وليس في رواية مسلم: " فليسلم على النبي ﷺ " وهو في رواية الباقين.
زاد ابن السني في روايته " وإذا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ على النَّبِيّ ﷺ وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أعِذْنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ " وروى هذه الزيادة ابن ماجه وابن
خزيمة وأبو حاتم بن حبان بكسر الحاء في " صحيحيهما ".
٨٢ - وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: " أعُوذُ بالله العَظِيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشِّيْطانِ الرَّجِيم، قالَ: فإذَا قَال ذلكَ قالَ الشَّيْطانُ: حُفِظَ مِنِّي سائِرَ اليَوْمِ " حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد.
٨٣ - وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قالَ: " بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ، وَإذَا خَرَجَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ ".
٨٤ - وروينا الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر أيضاً.
٨٥ - وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن الحسن عن أمه عن جدته قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد حمد الله تعالى وسمَّى وقال: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ، وَإذَا خَرَجَ قالَ مِثْلَ ذلكَ، وقالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ فَضْلِكَ ".
٨٦ - وروينا فيه عن أبي أُمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أنَّ أحدَكُمْ إذَا أرَاد أن يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودِ إِبلِيسَ، وَأجْلَبَتْ واجْتَمَعَتْ كما تَجْتَمعٌ النَّحْلُ على
стр. 30
يَعْسُوبِها، فإذَا قامَ أحَدُكُمْ على بابِ المَسْجِدِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْليسَ وجُنُودِهِ، فإنَّهُ إذَا قَالَها لَمْ يَضُرَّهُ " (١) .
اليعسوب: ذكر النحل، وقيل: أميرها.
(باب ما يقولُ في المسجد)
يُستحبُّ الإِكثارُ فيه من ذكر الله تعالى والتسبيح والتهليهل والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، ويُستحبّ الإِكثارُ من قراءة القرآن، ومن المستحبّ فيه قراءة حديث
رسول الله ﷺ وعلم الفقه وسائر العلوم الشرعية، قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أن يرفع ويذكر فيها اسمه، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والآصَالِ رِجالٌ ... ) الآية [النور: ٣٥] وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فإنها مِنْ تَقوى القُلُوب) [الحج: ٣٢] وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [الحج: ٢٠] .
٨٧ - وروينا عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّما بُنِيَت المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ " رواه مسلم في " صحيحه ".
٨٨ - وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأعرابيّ الذي بال في المسجد: " إنَّ هَذِه المَساجدَ لا تَصْلُحُ لشئ مِنْ هَذَا البَولِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تعالى [والصلاة] وَقَرَاءَةِ القُرآنِ " أو كما قال رسول الله ﷺ ، رواه مسلم في " صحيحه ".
فصل:
وينبغي للجالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف، فإنه يصحّ عندنا ولو لم يمكث إلا لحظة، بل قال بعض أصحابنا: يصحّ اعتكاف من دخل المسجد مارّاً ولم يمكث، فينبغي للمارّ أيضاً أن ينوي الاعتكاف لتحصل فضيلتَه عند هذا القائل، والأفضل أن يقف لحظة ثم يمرّ، وينبغي للجالس فيه أن يأمر بما يراه من المعروف وينهى عمّا يراه من المنكر، وهذا وإن كان الإِنسان مأموراً به في غير المسجد، إلا أنه يتأكد القولُ به في المسجد صيانةً له وإعظاماً وإجلالاً واحتراماً، قال بعض أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد، إما لحدث، أو لشغل أو نحوه، يُستحبّ أن يقول أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واللَّه أكبر، فقد قال به بعض السلف، وهذا لا بأس به.
стр. 31
(باب إنكاره ودعائه على من يَنشُدُ ضالّةً في المسجد أو يبيعُ فيه)
٨٩ - روينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عَلَيْكَ فإِنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ".
٩٠ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن بُريدة ﵁: أن رجلاً نشدَ في المسجد فقال: مَن دَعا إليَّ الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : " لا وَجَدْتَ إنَّمَا بُنِيَت المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ".
٩١ - وروينا في " كتاب الترمذي " في آخر كتاب البيوع " منه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذَا رأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أوْ يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ، وَإذَا رَأيْتُمُ مَنْ يَنْشُدُ فيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ "، قال الترمذي: حديث حسن.
(باب دعائه على من ينشد في المسجد شعراً ليس فيه مدحٌ للإِسلام ولا تزهيدٌ، ولا حثٌّ على مكارمِ الأخلاق ونحو ذلك)
٩٢ - قال المصنف رحمة الله: روينا في كتاب ابن السني عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ رأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْراً في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: فَضَّ الله فَاكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ " (١) .
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر: وثوبان المذكور، ليس هو المشهور مولى ررسوله الله ﷺ ، بل هو آخر لا يُعرف إلا في هذا الأسناد.
(بابُ فضيلةِ الأذان)
٩٣ - روَينا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ وَالصَّفّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلاَّ أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا " رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أدْبَرَ الشَّيْطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ " رواه البخاري ومسلم.
стр. 32
٩٥ - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المُؤَذّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعناقاً يَوْمَ القِيامَةِ " رواه مسلم.
٩٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذّنِ جنّ ولا إنس ولا شئ إِلاَّ شَهدَ لَهُ يَوْمَ القِيامة " رواه البخاري، والأحاديث في فضله كثيرة.
واختلف أصحابنا في الأذان والإمامة، أيّهما أفضل على أربعة أوجه: الأصحّ أن الأذان أفضل، والثاني: الإمامة والثالث: هما سواء، والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإِمامة واستجمع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل.
اعلم أن ألفاظه مشهورة، والترجيعُ عندنا سنّة، وهو أنه إذا قال بعالي صوته: اللَّهُ أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، قال سِرّاً بحيثُ يُسمع نفسَه ومَن بقربه: أشهدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهد أن لا الله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهدُ أنَّ محمدا رسول الله.
ثم يعودُ إلى الجهر وإعلاء الصوت، فيقول: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهدُ أنَّ محمداً رسول الله.
والتثويبُ أيضاً مسنون عندنا، وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغه من حيّ على الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم.
وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب، وهي مشهورة. (١) .
واعلم أنه لو تَرَكَ الترجيعَ والتثويبَ صحّ أذانه وكان تاركاً للأفضل، ولا يصحّ أذان مَن لا يُميِّزُ، ولا المرأة، ولا الكافر، ويصحّ أذان الصبيّ المميز، وإذا أذّن الكافر وأتى بالشهادتين كان ذلك إسلاماً على المذهب الصحيح المختار، وقال بعض أصحابنا: لا يكون إسلاماً، ولا خلاف أنه لا يصحّ أذانه، لأن أوّله كان قبل الحكم بإسلامه، وفي الباب فروع كثيرة مقرّرة في كتب الفقه ليس هذا موضع إيرادها.
стр. 33
(بابُ صِفَةِ الإِقامة)
المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإِقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله كبر، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فصل:
واعلم أن الأذانَ والإِقامةَ سنّتان عندنا على المذهب الصحيح المختار، سواءٌ في ذلك أذان الجمعة وغيرها.
وقال بعض أصحابنا: هما فرض كفاية وقال بعضهم: هما فرض كفاية في الجمعة دون غيرها فإن قلنا: فرض كفاية، فلو تركه أهلُ البلد أو مَحَلَّةٍ قُوتلوا على تركه وإن قلنا: سنّة لم يُقاتلوا على المذهب الصحيح المختار، كما لا يُقاتَلون على سنّة الظهر وشبهها، وقال بعض أصحابنا: يُقاتَلون لأنه شعار ظاهر.
فصل:
ويُستحبُّ ترتيل الأذان ورفع الصوت به، ويستحبّ إدراج الإقامة (١) ، ويكون صوتها أخفض من الأذان، ويستحبّ أن يكون المؤذنُ حسن الصوت، ثقةً، مأموناً، خبيراً بالوقت، متبرعاً، ويستحبّ أن يؤذّن ويقيم قائماً على طهارة وموضع عال، مستقبل القبلة، فلو أذّن أو أقام مستدبر القبلة، أو قاعداً، أو مضطجعاً، أو مُحدثاً، أو
جُنباً صحّ أذانه وكان مكروها، والكراهة في الجُنب أشدّ من المحدث، وكراهة الإِقامة أشد.
فصل:
لا يُشرع الأذان إلا للصلوات الخمس: الصبح والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وسواء فيها الحاضرة والفائتة، وسواء الحاضر والمسافر، وسواء من صلَّى وحده أو في جماعة، وإذا أذّن واحدٌ كفى عن الباقين، وإذا قضى فوائت في وقت واحد أذّن للأولى وحدها، وأقام لكلّ صلاة.
وإذا جمع بين الصلاتين، أذّن للأولى وحدها، وأقام لكل واحدة، وأما غير الصلوات الخمس فلا يؤذن لشئ منها بلا خلاف، ثم منها ما يستحبّ أن يقال عند إرادة صلاتها في جماعة: الصلاة جامعة مثل العيد والكسوف والاستسقاء.
ومنها ما يستحب ذلك فيه، كسنن الصلوات، والنوافل المطلقة، ومنها ما اختلف فيه كصلاة التراويح، والجنازة، والأصحّ أنه يأتي به في التراويح دون الجنازة.
стр. 34
فصل:
ولا تصحّ الإِقامة إلا في الوقت وعند إرادة الدخول في الصلاة، ولا يصحّ الأذان إلا بعد دخول وقت الصلاة، إلا الصبح، فإنه يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت.
واختُلف في الوقت الذي يجوز فيه، والأصحّ أنه يجوز بعد نصف الليل، وقيل: عند السَّحَر، وقيل: في جميع الليل، وليس بشئ، وقيل: بعد ثلثي الليل، والمختار الأوّل.
فصل:
وتقيم المرأة والخنثى المشكل، ولا يؤذّنان لأنهما منهيّان عن رفع الصوت.
(بابُ ما يقولُ مَنْ سمعَ المؤذّنَ والمقيمَ)
يُستحبّ أن يقول من سمع المؤذّن والمقيم: مثل قوله، إلا في قوله: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فإنه يقول في كل لفظة: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ.
ويقول في قوله: الصلاة خير من النوم: صدقتَ وبررتَ، وقيل: يقول: صدق رسول الله ﷺ ، الصلاةُ خيرٌ من النوم.
ويقول في كلمتي الإِقامة: أقامها الله وأدامها (١) ، ويقول عقيب قوله: أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله: وأنا أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يقول: رضيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رسولاً، وبالإِسلام ديناً، فإذا فرغَ من المتابعة في جميع الأذان صلَّى وسلَّم على النبي ﷺ ، ثم قال اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقاماً محموداً الذي وعدته. ثم يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا.
٩٧ - روينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول: " إذَا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذّنُ " رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
٩٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلّوا عَليَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ الله وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ " رواه مسلم في " صحيحه ".
стр. 35
٩٩ - وعن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا قالَ المُؤَذّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ أحَدُكُمْ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إِلهَ
إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاح، قالَ: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبرُ، ثمَّ قالَ: لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، قالَ: لا إلهَ إِلاَّ الله مِنْ قَلْبه دَخَلَ الجنَّة " رواه مسلم في " صحيحه ".
١٠٠ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريك لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ ربا، وبمحمد رَسُولاً، وبالإِسْلامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ " وفي رواية: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: وأنا أشْهَدُ " رواه مسلم في " صحيحه ".
١٠١ - وروينا في " سنن أبي داود " عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذّن يتشهد، قال: " وأنا وأنا ".
١٠٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبِّ هَذهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقاماً محموداً الذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ " رواه البخاري في " صحيحه ".
١٠٣ - وروينا في كتاب ابن السني عن معاوية: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذّن يقول: حيّ على الفلاح، قال: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مُفْلِحِين " (١) .
١٠٤ - وروينا في " سنن أبي داود " عن رجل عن شَهْر بن حَوْشَب عن أبي أمامة الباهلي، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبيّ ﷺ : " أقامَها اللَّهُ وأدَامَها " (٢) ، وقال في سائر ألفاظ الإِقامة، كنحو حديث عمر في الأذان.
١٠٥ - وروينا في كتاب ابن السني، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان إذا سمع المؤذّن يُقيم الصلاة يقول: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمَّد وآته سؤلَه يومَ القيامة.
стр. 36
فصل:
إذا سمع المؤذنَ أو المقيم وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلَّم منها أجابه كما يجيبه مَن لا يُصلي، فلو أجابه في الصلاة كُرِه ولم تبطلْ صلاتُه، وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يُجيبه في الحال، فإذا خرج أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبّح أو يقرأ حديثاً أو عِلْمَاً آخر أو غير ذلك، فإنه يقطع جميع هذا، ويجيب المؤذِّنَ، ثم يعود إلى ما كان فيه، لأن الإِجابة تفوت، وما هو فيه لا يفوت غالباً، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذّن يستحبّ أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل.
(بابُ الدُّعاء بعد الأذان)
١٠٦ - روينا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بَينَ الأذَانِ والإِقامَةِ " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن السني وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وزاد الترمذي في روايته في " كتاب الدعوات " من " جامعه "، قالوا: فماذا نقول يارسول الله؟ قال: " سَلُوا اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ".
١٠٧ - وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رجلاً قال: " يا رسول الله إن المؤذّنين يفضُلُوننا، فقال رسول الله ﷺ : " قُلْ كما يَقُولونَ فإذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَه " رواه أبو داود ولم يضعفه (١) .
١٠٨ - وروينا في " سنن أبي داود " أيضاً في " كتاب الجهاد " بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ، أوْ قالَ: ما تُرَدَّانِ: الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً " قلت: في بعض النسخ المعتمدة: " يلحم " بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر (٢) .
(باب ما يقولُ بعدَ ركعتي سنّة الصُّبح)
١٠٩ - وروينا في كتاب ابن السني عن أبي المُلَيْح، واسمه عامر بن أُسامة عن أبيه ﵁ أنه صلّى ركعتيّ الفجر، وأن رسولَ الله ﷺ صلَّى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول وهو جالس: " اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومُحَمَّدٍ النَّبي ﷺ ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ " (٣) .
стр. 37
١١٠ - وروينا فيه عن أنس عن النبيّ ﷺ قال: " مَنْ قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زبد البحر ".
(بابُ ما يقولُ إذا انتهى إلى الصَّفّ)
١١١ - روَينا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلاً جاء إلى الصلاة ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهمّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: " مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفاً؟ " قَالَ: أنا يا رَسُولَ الله قال: " إذَنْ يُعْقَر جَوَادُكَ وَتَسْتَشْهِد في سَبِيلِ الله تَعَالى " (١) رواه النسائي وابن السني، ورواه البخاري في " تاريخه " في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ.
(باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة)
١١٢ - قال المصنف رحمة الله " باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة ": روينا في كتاب ابن السني عن أُمّ رافع أنها قالت: يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يأجرني الله عليه، قال: " يا أم رافع إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللَّهَ تَعَالى عشرا، وهليله عَشْراً،
واحْمَدِيهِ عَشْراً، وكَبِّرِيهِ عَشْراً، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْراً، فإنَّكِ إذَا سَبَّحْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا هَلَّلْتِ قالَ: هَذَا لِي، وَإذَا حَمِدْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا كَبَّرْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا اسْتَغْفَرْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ ".
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر في رسالة له: الحمد الله وكفى، وسلام على عباد الذين اصطفى، أما بعد: فقد سئلت عما أحدثه بعض المشايخ في مسجده من الاجتماع على ذكر الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عشرا عشرا عند إرادة إقامة الصلاة بحيث يشرع المؤذن في الإقامة عند إنتهائه، فهل لهذا الذي أحدثه الشيخ أصل من السنة في هذا المحل، أو لا؟ وهل عد ذلك من البدع الحسنه التي يثاب فاعلها، أو لا؟
стр. 38
فأجبت وبالله التوفيق: بلغني أنه تمسك بما وقع في كتاب " الأذكار " لشيخ الأسلام النووي نفع اللَّهُ تَعالى به، فانه قال ما نصه: باب ما يقول عنه إرادته القيامَ إلى الصَّلاة: روينا في كتاب ابن السني عن أُمّ رافعٍ ... إلخ فكأنه فهم من قوله ﷺ : إذا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ: إذا أردت القيامَ إلى الصَّلاة، وقد عينه بعض أهل العلم في دعاء الافتتاح، وعينه آخر في صلاة مخصوصة، وهي التي تسمي صلاة التسبيح، فقد جاء التصريح بقول نحو ذلك في الأذكار كلها إلا التشهد، وعينه آخر في التشهد: إذا انتهى التشهد أتى بالذكر المأثور، وبما شاء، ثم سلم فاقتضى خلافهم النظر في الأقوى من ذلك، وذلك يحصل إن شاء الله تعالى بمجمع طرق هذا الحديث، وبيان اختلاف ألفاظه، فإنها ترشد الناظر إلى أقوى الاحتمالات التي تنشأ عن الفكر - في الأصل: وهو تحريف - قبل النظر فيها، وذلك يستدعي ذكر الثلاثه فصول نشتمل على مقدمة ونتيجة وخاتمة، فالمقدمة في الكلام على حال الحديث فيها يرجع إلى الصحة وغيرها، والنتجه فيما يستفاد منه للعمل، وهو المقصود بالسؤال، والخاتمة في التنبيه على الراجع من ذلك.
الفصل الأول: هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن إسحاق الدينوري المعروف بابن السني في كتابه " عمل اليوم والليلة " له، فقال: باب ما يقول إذا قام إلى الصلاة، فلم يتصرف في لفظ الخبر كما تصرف الشيخ محيي الدين - يعني النووي - ثم ساق من طريق علي بن عياش عن عطاف ابن خالد عن زيد بن أسلم عن أُمّ رافعٍ أنها قالت ... فذكره، وقال في آخره: قد غفرت لك، بدل قوله: قد فعلت.
قال الحافظ: في هذا السند علتان.
أحدهما: أن بين زيد بن أسلم وأم واسطة كما سأبينه، فهو منقطع، والثانية أن عطاف بن خالد مختلف في تو ثيقه وتجريحه - في الأصل: وتخريجه، وهو تصحيف - وأما سائر رواته فهم من رجال الصحيح ... قال الحافظ: قد خولف في سند هذا الحديث وفي سياق متنه ... وذكر الخلاف في السند والمتن، بما يطول شرحه.
ثم قال في الفصل الثالث: وتحرر من الذي ذكرته من طريق الترجيح أن لا مدخل لذلك في القول قبل الدخول في الصلاة أصلا، وتحرر من الذي ذكرته من طريق الجمع أنه يشرع قبل الصلاة، لكنه مخصوص بصلاة، قيام الليل، وهو منزل على الحالتين اللتين ذكرتهما من حال المستحضر للذكر المذكور عند إرادة الدخول في صلاة الليل، ومن حال من نسي ذلك، فيستدركه في الافتتاح، هذا الذي يقتضيه النظر فيما دل عليه اختلاف ألفاظ هذا الحديث من حمل مظلقها على مقيدها، ورد مجملها إلى مبنيها.
стр. 39
وأما تنزيله منزلة المذكور المشهور في قصة أهل الدثور، واجتماع المصلين عليه قبل الشروع في الصلاة كما يجتمعون عليه بعد الفراغ من الصلاة، فلا يحفظ عن صنع أحد من السلف، لا عن الصحابة الأطهار، ولا عن التابعين لهم باحسان وهم الأثمة الأبرار، ولا من جاء بعدهم من فقهاء الأمصار، ولا المشايخ المقتدى بهم في الأعصار، فالأولى لمن أراد المواظبة على هذه الأذكار أن يقولها في نفسه، فأفضل الذكر ما يلحق بالسرائر ا. هـ.
(بابُ الدُّعاء عندَ الإِقامة)
١١٣ - روى الإِمام الشافعي بإسناده في " الأُمّ " حديثاً مرسلاً أنَّ رسول الله ﷺ قال: " اطْلُبُوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصَّلاةِ وَنُزُولِ الغَيْثِ " (١) .
وقال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصّلاة (٢) .
(بابُ ما يقولُه إذا دخلَ في الصَّلاة)
اعلم أن هذا الباب واسعٌ جداً، وجاءت فيه أحاديث صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه ننبّه هنا منها على أصولها ومقاصدِها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلّة معظمها إيثاراً للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمل به، والله الموفِّق.
стр. 40
(بابُ تكبيرةِ الإِحْرام) اعلم أن الصلاةَ لا تصحّ إلا بتكبيرة الإِحرام فريضة كانت أو نافلة، والتكبيرةُ عند الشافعي والأكثرين جزء من الصلاة وركن من أركانها، وعند أبي حنيفة: هي شرطٌ ليست من نفس الصلاة.
واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، أو يقول: الله الأكبر، فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، والاحتياط أن يأتي الإِنسان بالأوّل ليخرج من الخلاف، ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين، فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعالي، أو الله أعظم، أو أعزّ أو أجلّ وما أشبه هذا، لم تصحّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصحّ.
ولو قال: أكبرُ الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصح، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحّ على الصحيح.
واعلم أنه لا يصحّ التكبير ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيثُ يُسمعُ نفسَه إذا لم يكن له عارض، وقد قدّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب، فإن كان بلسانه خرسٌ أو عيبُ حرَّكَه بقدر ما يقدرُ عليه وتصحُّ صلاته.
واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قدر عليه بالعربية، وأما من لا يقدر، فيصحّ، ويجب عليه تعلّم العربية فإن قصَّرَ في التعلم لم تصحّ صلاته، وتجب إعادة ما صلاَّه في المدة التي قصَّرَ فيها عن التعلم.
واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإِحرام لا تمدّ ولا تمطّط، بل يقولها مدرجة مسرعة، وقيل: تمدّ، والصواب الأوّل وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحباب مدّها إلى أن يصل إلى الركن الذي بعدها، وقيل: لا تمدّ، فلو مدّ ما لا يمدّ، أو ترك مدّ ما يمدّ، لم تبطل صلاتُه لكن فاتته الفضيلة.
واعلم أن محلّ المدّ بعد اللام من " الله " ولا يمدّ في غيره.
فصل:
والسنّة أنَّ يجهر الإِمام بتكبيرة الإِحرام وغيرها ليسمعَه المأمومُ، ويسرّ المأموم بها بحيثُ يُسْمِعُ نفسَه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإِمام، لم تفسد صلاته.
وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمدّ في غير موضعه، فإن مدّ الهمزة من " الله "، أو أشبع فتحة الباء من " أكبر " بحيث صارت على لفظ " أكبار " لم تصحّ صلاته.