فصل:
إذا سمع المؤذنَ أو المقيم وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلَّم منها أجابه كما يجيبه مَن لا يُصلي، فلو أجابه في الصلاة كُرِه ولم تبطلْ صلاتُه، وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يُجيبه في الحال، فإذا خرج أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبّح أو يقرأ حديثاً أو عِلْمَاً آخر أو غير ذلك، فإنه يقطع جميع هذا، ويجيب المؤذِّنَ، ثم يعود إلى ما كان فيه، لأن الإِجابة تفوت، وما هو فيه لا يفوت غالباً، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذّن يستحبّ أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل.
(بابُ الدُّعاء بعد الأذان)
١٠٦ - روينا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بَينَ الأذَانِ والإِقامَةِ " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن السني وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وزاد الترمذي في روايته في " كتاب الدعوات " من " جامعه "، قالوا: فماذا نقول يارسول الله؟ قال: " سَلُوا اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ".
١٠٧ - وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رجلاً قال: " يا رسول الله إن المؤذّنين يفضُلُوننا، فقال رسول الله ﷺ : " قُلْ كما يَقُولونَ فإذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَه " رواه أبو داود ولم يضعفه (١) .
١٠٨ - وروينا في " سنن أبي داود " أيضاً في " كتاب الجهاد " بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ، أوْ قالَ: ما تُرَدَّانِ: الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً " قلت: في بعض النسخ المعتمدة: " يلحم " بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر (٢) .
(باب ما يقولُ بعدَ ركعتي سنّة الصُّبح)
١٠٩ - وروينا في كتاب ابن السني عن أبي المُلَيْح، واسمه عامر بن أُسامة عن أبيه ﵁ أنه صلّى ركعتيّ الفجر، وأن رسولَ الله ﷺ صلَّى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول وهو جالس: " اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومُحَمَّدٍ النَّبي ﷺ ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ " (٣) .
стр. 37
١١٠ - وروينا فيه عن أنس عن النبيّ ﷺ قال: " مَنْ قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زبد البحر ".
(بابُ ما يقولُ إذا انتهى إلى الصَّفّ)
١١١ - روَينا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلاً جاء إلى الصلاة ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهمّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: " مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفاً؟ " قَالَ: أنا يا رَسُولَ الله قال: " إذَنْ يُعْقَر جَوَادُكَ وَتَسْتَشْهِد في سَبِيلِ الله تَعَالى " (١) رواه النسائي وابن السني، ورواه البخاري في " تاريخه " في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ.
(باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة)
١١٢ - قال المصنف رحمة الله " باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة ": روينا في كتاب ابن السني عن أُمّ رافع أنها قالت: يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يأجرني الله عليه، قال: " يا أم رافع إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللَّهَ تَعَالى عشرا، وهليله عَشْراً،
واحْمَدِيهِ عَشْراً، وكَبِّرِيهِ عَشْراً، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْراً، فإنَّكِ إذَا سَبَّحْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا هَلَّلْتِ قالَ: هَذَا لِي، وَإذَا حَمِدْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا كَبَّرْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا اسْتَغْفَرْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ ".
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر في رسالة له: الحمد الله وكفى، وسلام على عباد الذين اصطفى، أما بعد: فقد سئلت عما أحدثه بعض المشايخ في مسجده من الاجتماع على ذكر الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عشرا عشرا عند إرادة إقامة الصلاة بحيث يشرع المؤذن في الإقامة عند إنتهائه، فهل لهذا الذي أحدثه الشيخ أصل من السنة في هذا المحل، أو لا؟ وهل عد ذلك من البدع الحسنه التي يثاب فاعلها، أو لا؟
стр. 38
فأجبت وبالله التوفيق: بلغني أنه تمسك بما وقع في كتاب " الأذكار " لشيخ الأسلام النووي نفع اللَّهُ تَعالى به، فانه قال ما نصه: باب ما يقول عنه إرادته القيامَ إلى الصَّلاة: روينا في كتاب ابن السني عن أُمّ رافعٍ ... إلخ فكأنه فهم من قوله ﷺ : إذا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ: إذا أردت القيامَ إلى الصَّلاة، وقد عينه بعض أهل العلم في دعاء الافتتاح، وعينه آخر في صلاة مخصوصة، وهي التي تسمي صلاة التسبيح، فقد جاء التصريح بقول نحو ذلك في الأذكار كلها إلا التشهد، وعينه آخر في التشهد: إذا انتهى التشهد أتى بالذكر المأثور، وبما شاء، ثم سلم فاقتضى خلافهم النظر في الأقوى من ذلك، وذلك يحصل إن شاء الله تعالى بمجمع طرق هذا الحديث، وبيان اختلاف ألفاظه، فإنها ترشد الناظر إلى أقوى الاحتمالات التي تنشأ عن الفكر - في الأصل: وهو تحريف - قبل النظر فيها، وذلك يستدعي ذكر الثلاثه فصول نشتمل على مقدمة ونتيجة وخاتمة، فالمقدمة في الكلام على حال الحديث فيها يرجع إلى الصحة وغيرها، والنتجه فيما يستفاد منه للعمل، وهو المقصود بالسؤال، والخاتمة في التنبيه على الراجع من ذلك.
الفصل الأول: هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن إسحاق الدينوري المعروف بابن السني في كتابه " عمل اليوم والليلة " له، فقال: باب ما يقول إذا قام إلى الصلاة، فلم يتصرف في لفظ الخبر كما تصرف الشيخ محيي الدين - يعني النووي - ثم ساق من طريق علي بن عياش عن عطاف ابن خالد عن زيد بن أسلم عن أُمّ رافعٍ أنها قالت ... فذكره، وقال في آخره: قد غفرت لك، بدل قوله: قد فعلت.
قال الحافظ: في هذا السند علتان.
أحدهما: أن بين زيد بن أسلم وأم واسطة كما سأبينه، فهو منقطع، والثانية أن عطاف بن خالد مختلف في تو ثيقه وتجريحه - في الأصل: وتخريجه، وهو تصحيف - وأما سائر رواته فهم من رجال الصحيح ... قال الحافظ: قد خولف في سند هذا الحديث وفي سياق متنه ... وذكر الخلاف في السند والمتن، بما يطول شرحه.
ثم قال في الفصل الثالث: وتحرر من الذي ذكرته من طريق الترجيح أن لا مدخل لذلك في القول قبل الدخول في الصلاة أصلا، وتحرر من الذي ذكرته من طريق الجمع أنه يشرع قبل الصلاة، لكنه مخصوص بصلاة، قيام الليل، وهو منزل على الحالتين اللتين ذكرتهما من حال المستحضر للذكر المذكور عند إرادة الدخول في صلاة الليل، ومن حال من نسي ذلك، فيستدركه في الافتتاح، هذا الذي يقتضيه النظر فيما دل عليه اختلاف ألفاظ هذا الحديث من حمل مظلقها على مقيدها، ورد مجملها إلى مبنيها.
стр. 39
وأما تنزيله منزلة المذكور المشهور في قصة أهل الدثور، واجتماع المصلين عليه قبل الشروع في الصلاة كما يجتمعون عليه بعد الفراغ من الصلاة، فلا يحفظ عن صنع أحد من السلف، لا عن الصحابة الأطهار، ولا عن التابعين لهم باحسان وهم الأثمة الأبرار، ولا من جاء بعدهم من فقهاء الأمصار، ولا المشايخ المقتدى بهم في الأعصار، فالأولى لمن أراد المواظبة على هذه الأذكار أن يقولها في نفسه، فأفضل الذكر ما يلحق بالسرائر ا. هـ.
(بابُ الدُّعاء عندَ الإِقامة)
١١٣ - روى الإِمام الشافعي بإسناده في " الأُمّ " حديثاً مرسلاً أنَّ رسول الله ﷺ قال: " اطْلُبُوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصَّلاةِ وَنُزُولِ الغَيْثِ " (١) .
وقال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصّلاة (٢) .
(بابُ ما يقولُه إذا دخلَ في الصَّلاة)
اعلم أن هذا الباب واسعٌ جداً، وجاءت فيه أحاديث صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه ننبّه هنا منها على أصولها ومقاصدِها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلّة معظمها إيثاراً للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمل به، والله الموفِّق.
стр. 40
(بابُ تكبيرةِ الإِحْرام) اعلم أن الصلاةَ لا تصحّ إلا بتكبيرة الإِحرام فريضة كانت أو نافلة، والتكبيرةُ عند الشافعي والأكثرين جزء من الصلاة وركن من أركانها، وعند أبي حنيفة: هي شرطٌ ليست من نفس الصلاة.
واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، أو يقول: الله الأكبر، فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، والاحتياط أن يأتي الإِنسان بالأوّل ليخرج من الخلاف، ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين، فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعالي، أو الله أعظم، أو أعزّ أو أجلّ وما أشبه هذا، لم تصحّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصحّ.
ولو قال: أكبرُ الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصح، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحّ على الصحيح.
واعلم أنه لا يصحّ التكبير ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيثُ يُسمعُ نفسَه إذا لم يكن له عارض، وقد قدّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب، فإن كان بلسانه خرسٌ أو عيبُ حرَّكَه بقدر ما يقدرُ عليه وتصحُّ صلاته.
واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قدر عليه بالعربية، وأما من لا يقدر، فيصحّ، ويجب عليه تعلّم العربية فإن قصَّرَ في التعلم لم تصحّ صلاته، وتجب إعادة ما صلاَّه في المدة التي قصَّرَ فيها عن التعلم.
واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإِحرام لا تمدّ ولا تمطّط، بل يقولها مدرجة مسرعة، وقيل: تمدّ، والصواب الأوّل وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحباب مدّها إلى أن يصل إلى الركن الذي بعدها، وقيل: لا تمدّ، فلو مدّ ما لا يمدّ، أو ترك مدّ ما يمدّ، لم تبطل صلاتُه لكن فاتته الفضيلة.
واعلم أن محلّ المدّ بعد اللام من " الله " ولا يمدّ في غيره.
فصل:
والسنّة أنَّ يجهر الإِمام بتكبيرة الإِحرام وغيرها ليسمعَه المأمومُ، ويسرّ المأموم بها بحيثُ يُسْمِعُ نفسَه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإِمام، لم تفسد صلاته.
وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمدّ في غير موضعه، فإن مدّ الهمزة من " الله "، أو أشبع فتحة الباء من " أكبر " بحيث صارت على لفظ " أكبار " لم تصحّ صلاته.
стр. 41
فصل:
اعلم أن الصلاة التي هي ركعتان يشرع فيها إحدى عشرة تكبيرة، والتي هي ثلاث ركعات: سبع عشرة تكبيرة، والتي هي أربع ركعات: اثنتان وعشرون تكبيرة، فإن في كل ركعة خمس تكبيرات: تكبيرة للركوع، وأربعاً للسجدتين والرفع منهما، وتكبيرة الإِحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأوّل.
ثم اعلم أن جميع هذه التكبيرات سنّة لو تركها عمداً أو سهواً، لا تبطلُ صلاتُه، ولا تحرم عليه، ولا يسجد للسهو، إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها لا تنعقد الصلاة إلا بها بلا خلاف، والله أعلم.
(بابُ ما يقولُه بعدَ تكبيرة الإِحرام)
اعلم أنه قد جاءت فيه (١) أحاديث كثيرة يقتضي مجموعها أن يقول:
١١٤ - " اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، وسبحان الله بُكْرَةً وَأصِيلاً ".
١١٥ - " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً وما أنا من المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ (٢) ، اللَّهُمَّ أنْتَ المَلكُ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ أَنْتَ رَبِّي وأنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جميعا لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ، لا يَهْدِي لأحْسَنها إلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أنا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتعالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ ".
ويقول: ١١٦ - " اللَّهُمَّ باعِد بَيْني وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ
نَقِّنِي مِنْ خَطايايَ كما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطايايَ بالثَّلْجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ ".
فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله ﷺ .
وجاء في الباب أحاديث أُخَر منها:
١١٧ - حديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك
стр. 42
اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعالى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ " رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، وضعّفه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري وضعفوه.
قال البيهقي: وروي الاستفتاح " بسبحانك اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ " عن ابن مسعود مرفوعاً، وعن أنس مرفوعاً، وكلها ضعيفة (١) .
قال: وأصحُّ ما روي فيه عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه، أنه كبر ثم قال: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وتعالى جدك، ولا إله غيرك " (٢) . والله أعلم.
١١٨ - وروينا في " سنن البيهقي " عن الحارث عن علي ﵁ قال: " كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة قالَ: لا إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ سُوءاً فاغْفِرْ لي إنَّهُ لا يَغْفرُ الذنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهيَ.." إلى آخِرِه، وهو حديث ضعيف، قال: الحارث الأعور: متفق على ضعفه (٣) ، وكان الشعبيّ يقول: الحارث كذّاب (٤) ، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : " وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ " فاعلم أن مذهبَ أهل الحق من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات خيرها وشرَّها، نفعَها وضَرّها كلها من الله ، وبإرادته وتقديره، وإذا ثبت هذا فلا بدّ من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماء فيه أجوبة: أحدها وهو أشهرها قاله النضر بن شُمَيْلِ والأئمة بعده: معناه: والشرّ لا يتقرّب به إليك، والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكَلِم الطيب، والثالث: لا يضاف إليك أدباً، فلا يقال:
стр. 43
يا خالق الشَّرِّ وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنازير وإن كان خالقها، والرابع: ليس شرّاً بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلق شيئاً عبثاً، والله أعلم.
فصل:
هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحبّ الجمع بينها كلها لمن صلى منفرداً، وللإِمام إذا أذن له المأمومون.
فأما إذا لم يأذنوا له فلا يطوِّل عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُنَ اقتصارُه على: وجّهت وجهي إلى قوله: من المسلمين، وكذلك المنفرد الذي يُؤثر التخفيف.
واعلم أن هذه الأذكار مستحبّة في الفريضة والنافلة، فلو تركه في الركعة الأولى عامداً أو ساهياً لم يفعله بعدَها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهاً ولا تبطل صلاته، ولو تركه عقيب التكبيرة حتى شرع في القراءة أو التعوّذ، فقد فات محله فلا يأتي به، فلو أتى به لم تبطل صلاتُه، ولو كان مسبوقاً أدرك الإِمام في إحدى الركعات أتى به إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة، فإنها آكد، لأنها واجبة، وهذا سنّة.
ولو أدرك المسبوقُ الإِمامَ في غير القيام، إما في الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد، أحرم معه، وأتى بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد.
واختلف أصحابنا في استحباب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحُّ أنه لا يستحبّ، لأنها مبنية على التخفيف، واعلم أن دعاء الاستفتاح سنّة ليس بواجب، ولو تركه لم يسجدْ للسهو، والسنّة فيه الإِسرار، فلو جهر به كان مكروهاً، ولا تبطل صلاته.
(بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح) اعلم أن التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح سنّة بالاتفاق، وهو مقدمة للقراءة، قال الله تعالى: (فإذا قَرأت القرآنَ فَاسْتَعِذْ بالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيم) [النحل: ٩٨] معناه عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ.
واعلم أن اللفظ المختار في التعوّذ: أعُوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم، وجاء: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأوّل.
١١٩ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي
стр. 44
وغيرها، أن النبي ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة: " أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وهَمْزِهِ ".
وفي رواية: " أعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرََّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " وجاء في تفسيره في الحديث، أن همزه: المؤْتةُ وهي الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعرُ، والله أعلم.
فصل:
اعلم أن التعوّذ مستحبّ ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، ولا تبطلُ صلاته سواء تركه عمداً أو سهواً، ولا يسجد للسهو، وهو مستحبّ في جميع الصلوات، الفرائض والنوافل كلها، ويستحبّ في صلاة الجنازة على الأصحّ، ويستحب للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضاً.
فصل:
واعلم أن التعوّذ مستحبّ في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يأت به في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها، فلو تعوّذ في الأولى هل يستحبّ في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: أنه يستحبّ، لكنه في الأولى آكد، وإذا تعوّذ في الصلاة التي يُسِرُّ فيها بالقراءة، أسرّ بالتعوّذ، فإن تعوّذ في التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فهل يجهر؟ فيه خلاف، من أصحابنا من قال: يُسرّ، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان.
أحدهما: يستوي الجهر والإِسرار، وهو نصُّه في " الأم ".
والثاني يُسنّ الجهر، وهو نصُّه في " الإِملاء ".
ومنهم مَن قال: فيه قولان.
أحدهما: يجهر، صححه الشيخ أبو حامد الاسفراييني إمام أصحابنا العراقيين، وصاحبه المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعله أبو هريرة ﵁.
وكان ابن عمر ﵄ يُسِرّ، وهو الأصحّ عند جمهور أصحابنا، وهو المختار، والله أعلم.
(بابُ القراءةِ بعدَ التَّعوُّذ)
اعلم أن القراءة واجبة في الصلاة بالإِجماع مع النصوص المتظاهرة، ومذهبنا ومذهب الجمهور، أن قراءة الفاتحة واجبة لا يجزئ غيرها لمن قدر عليها.
١٢٠ - للحديث الصحيحح أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجزئ صَلاةٌ لا يُقْرأُ فِيها
стр. 45
بِفاتِحَةِ الكِتابِ " رواه ابن خزيمة وأبو حاتم ابن حِبّان، بكسر الحاء، في " صحيحيهما " بالإِسناد الصحيح وحكما بصحته.
١٢١ - قال المصنف رحمة الله: وفي " الصحيحين " عن رسول الله ﷺ : " لا صَلاَة إِلاَّ بِفَاتِحَة الكِتابِ ".
قال السيوطي في " تحفطة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ - يعني ابن حجر - لم أره بهذا اللفظ في " الصحيحين " ولا في أحدهما، والذي فيهما حديث عبادة بن الصامت بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ بِفَاتِحَة الكِتابِ ".
ويجب قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية كاملة من أوّل الفاتحة، وتجب قراءة جميع الفاحة بتشديداتها (١) وهي أربع عشرة تشديدة: ثلاث في البسملة، والباقي بعدها، فإن أخلّ بتشديدة واحدة بطلت قراءته.
ويجب أن يقرأها: مرتبة متوالية، فإن ترك ترتيبها أو موالاتها، لم تصحُّ قراءته، ويعذر في السكوت بقدر التنفس.
ولو سجد المأموم مع الإِمام للتلاوة، أو سمع تأمين الإِمام فأمَّن لتأمينه، أو سأل الرحمة، أو استعاذ من النار لقراءة الإِمام ما يقتضي ذلك، والمأموم في أثناء الفاتحة، لم تنقطع قراءته على أصحّ الوجهين، لأنه معذور.
فصل:
فإن لحن في الفاتحة لحناً يخلّ المعنى، بطلت صلاته، وإن لم يخلّ المعنى صحّت قراءته، فالذي يخلّه مثل أن يقول: أنعمت، بضم التاء أو كسرها، أو يقول: إياك نعبد، بكسر الكاف، والذي لا يخلّ مثل أن يقول: ربّ العالمين، بضم الباء أو فتحها، أو يقول: نستعين، بفتح النون الثانية أو كسرها، ولو قال: ولا الضّالّين بالظاء بطلت
صلاته على أرجح الوجهين، إلا أن يعجزَ عن الضاد بعد التعلم فيُعذر.
فصل:
فإن لم يُحسن الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها، فإن لم يُحسن شيئاً من القرآن أتى من الأذكار كالتسبيح والتهليل ونحوهما بقدر آيات الفاتحة، فإن لم يحسن شيئاً من الأذكار، وضاق الوقتُ عن التعلّم، وقف بقدر القراءة ثم يركع، وتُجزئه صلاتُه إن لم، يكن فرّط في التعلم، فإن كان فرّط في التعلم، وجبت الإِعادة، وعلى كلّ تقدير متى تمكَّن من التعلم وجب عليه تعلّم الفاتحة أما إذا كان يُحسنُ الفاتحة بالعجمية ولا يُحسنها بالعربية، فلا يجوز له قراءتها بالعجمية، بل هو عاجز، فيأتي بالبدل على ما ذكرناه.
стр. 46
فصل:
ثم بعد الفاتحة يقرأ سورة أو بعض سورة ; وذلك سنّة، لو تركه صحَّتْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، وسواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، ولا يستحبّ قراءة السورة في صلاة الجنازة على أصحّ الوجهين، لأنها مبنية على التخفيف، ثم هو بالخيار إن شاء قرأ سورة، وإن شاء قرأ بعض سورة، والسورة القصيرة أفضلُ من قدرها من الطويلة.
ويستحبّ أن يقرأ السورة على ترتيب المصحف، فيقرأ في الثانية سورة بعد السورة الأولى، وتكون تليها، فلو خالف هذا جاز (١) ، والسنّة أن تكون السورة بعد الفاتحة، فلو قرأها قبل الفاتحة، لم تحسب له قراءة السورة.
وَاعْلَمْ أنَّ ما ذكرناه من استحباب السورة هو للإِمام والمنفرد، وللمأموم فيما يسرّ به الإِمام أما ما يجهر به الإِمام، فلا يزيد المأموم فيه على الفاتحة إن سمع قراءة الإِمام، فإن لم يسمعها أو سمع همهمة (٢) لا يفهمها، استحبّت له السورة على الأصحّ بحيث لا يشوِّشُ على غيره.
فصل:
السنّة أن تكونَ السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل (٣) ، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل، فإن كان إماماً خفَّف عن ذلك إلا أن يعلم أن المأمومين يُؤثرون التطويل.
والسنّة: أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة سورة (آلم تنزيل) السجدة، وفي الثانية: (هل أتى على الإِنسان) ويقرأهما بكمالهما، وأما ما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما، فخلاف السنّة، والسنّة أن يقرأ في صلاة العيد، والاستسقاء في الركعة الأولى بعد الفاتحة: (ق) ، وفي الثانية: (اقتربت الساعة) ، وإن شاء قرأ في الأولى: (سبّح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية: (هل أتاك حديث الغاشية) ، فكلاهما سنّة، والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة (سورة الجمعة) وفي الثانية (المنافقون) ، وإن شاء في الأولى: (سبّح) ، وفي الثانية: (هل أتاك) فكلاهما سنّة، وليحذر الاقتصار على بعض السورة في هذه المواضع، فإن أراد التخفيف أدرج قراءته من غير هذرمة.
والسنّة أن يقرأ في ركعتي سنّة الفجر، في الأولى بعد الفاتحة: (قولوا آمنّا بالله وما أنزل إلينا ... ) ، وفي الثانية: الآية، وفي الثانية:
стр. 47
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ... ) الآية، وإن شاء في الأولى: (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية: (قل هو الله أحد) وفكلاهما صحّ.
١٢٢ - في " صحيح مسلم " أن رسول الله ﷺ فعله، ويقرأ في ركعتي سنّة المغرب ; وركعتي الطواف والاستخارة في الأولى: (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية: (قل هو الله أحد) وأما الوتر، فإذا أوتر بثلاث ركعات، قرأ في الأولى بعد الفاتحة: (سبّح اسم ربك) وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة: (قل هو الله أحد) مع المعوّذتين، وكل هذا الذي ذكرناه جاءت به أحاديث في الصحيح وغيره مشهورة استغنينا عن ذكرها لشرتها، والله أعلم.
فصل:
لو تركَ (سورة الجمعة) في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، قرأ في الثانية (سورة الجمعة) مع (سورة المنافقين) ، وكذا صلاةُ العيد والاستسقاء والوتر وسنّة الفجر وغيرها مما ذكرناه مما هو في معناه إذا ترك في الأولى ما هو مسنون أتى في الثانية بالأوّل والثاني، لئلا تخلو صلاته من هاتين السورتين، ولو قرأ في صلاة الجمعة في الأولى: سورة المنافقين، قرأ في الثانية: سورة الجمعة، ولا يُعيد المنافقين، وقد استقصيتُ دلائلَ هذا في " شرح المهذّب " (١) .
فصل:
١٢٣ - ثبتَ في الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يطوِّل في الركعة الأولى من الصبح وغيرها ما لا يطوّل في الثانية، فذهب أكثر أصحابنا إلى تأويل هذا، وقالوا: لا يطوّل الأولى على الثانية، وذهب المحققون منهم إلى استحباب تطويل الأولى لهذا الحديث الصحيح، واتفقوا على أن الثالثة والرابعة تكونان أقصرُ من الأولى والثانية، والأصحُّ أنه لا تستحبّ السورة فيهما، فإن قلنا باستحبابها، فالأصحّ أن الثالثة كالرابعة، وقيل بتطويلها عليها.
فصل:
أجمع العلماء على الجهر بالقراءة الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإِسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء، وعلى الجهر في صلاة الجمعة والعيدين، والتراويح والوتر عقبها، وهذا مستحبّ للإِمام والمنفرد فيما ينفرد به منها، وأما المأموم فلا يجهر في شئ من هذا بالإِجماع، ويسنّ الجهر في صلاة كسوف القمر والإِسرار في صلاة كسوف الشمس، ويجهر في صلاة الاستسقاء، ويُسرّ في الجنازة إذا صلاّها في النهار، وكذا إذا صلاّها
стр. 48
بالليل على الصحيح المختار، ولا يجهر في نوافل النهار غير ما ذكرناه من العيد والاستسقاء.
واختلف أصحابنا في نوافل الليل، فقيل: لا يجهر، وقيل: يجهر، والثالث وهو الأصح وبه قطع القاضي حسين والبغوي: يقرأ بين الجهر والإِسرار، ولو فاتته صلاة بالليل فقضاها في النهار، أو بالنهار فقضاها بالليل، فهل يعتبر في الجهر والإِسرار وقت الفوات، أم وقت القضاء؟ فيه وجهان، أظهرهما: يعتبر وقت القضاء، وقيل: يُسِرُّ مطلقاً.
واعلم أن الجهر في مواضعه، والإِسرار في مواضعه سنّة ليس بواجب، فلو جهر موضع الإِسرار، أو أسرّ موضع الجهر، فصلاته صحيحة، ولكنه ارتكب المكروه كراهة تنزيه، ولا يسجد للسهو، وقد قدّمنا أن الإِسرار في القراءة والأذكار المشروعة في الصلاة لابدّ فيه من أن يسمع نفسه، فإن لم يسمعها من غير عارض لم تصحّ قراءته ولا ذكره.
فصل:
١٢٤ - قال أصحابنا: يستحبّ للإِمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات إحداهنّ: عقيب تكبيرة الإِحرام ليأتي بدعاء الاستفتاح، والثانية: بعد فراغه من الفاتحة سكتة لطيفة جداً بين آخر الفاتحة وبين آمين، ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة، والثالثة بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة (١) ، والرابعة بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع.
فصل:
فإذا فَرغَ من الفاتحة اسْتُحِبَّ له أن يقول: آمين.
١٢٥ - والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة، مشهورة في كثرة فضله وعظيم أجره، وهذا التأمين مستحبّ لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أم خارجاً منها، وفيها أربع لغات، أفصحهن وأشهرهنّ: آمين بالمدّ والتخفيف، والثانية: بالقصر والتخفيف، والثالثة: بالإِمالة، والرابعة: بالمدّ والتشديد.
فالأوليان مشهورتان، والثالثة والرابعة حكاهما الواحدي في أوّل " البسيط "، والمختار الأولى، وقد بسطت القول في بيان هذه اللغات وشرحها وبيان معناها ودلائلها وما يتعلق بها في كتاب " تهذيب الأسماء واللغات ".
стр. 49
ويستحبّ التأمين في الصلاة للإِمام والمأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح: أن المأموم يجهر به أيضا، سواء كان الجمع قليلاً أو كثيراً.
ويستحبّ أَنْ يكون تأمين المأموم مع تأمين الإِمام لا قبله ولا بعده، وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإِمام إلا في قوله: آمين، وأما باقي الأقوال فيتأخر قول المأموم.
فصل:
يسنّ لكل مَن قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب أن يستعيذ به من النار، أو من العذاب، أو من الشرّ، أو من المكروه، أو يقول: اللهمّ إني أسألك العافية أو نحو ذلك، وإذا مرّ بآية تنزيه لله ، نزَّهَ فقال: ، أو: تبارك اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، أو جلَّت عظمة ربنا، أو نحو ذلك.
١٢٦ - روينا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: " صَلَّيْتُ مع النبيّ ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى [فقلت: يركع بها] ، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ، مترسّلاً، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّحَ، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، رواه مسلم في " صحيحه ".
قال أصحابنا: يستحبّ هذا التسبيح والسؤال والاستعاذة للقارئ في الصلاة وغيرها، وللإِمام والمأموم والمنفرد لأنه دعاء، فاستووا فيه كالتأمين.
١٢٧ - ويُستحبّ لكل مَن قرأ: (ألَيْسَ اللَّهُ بأحْكَمِ الحاكمين) أن يقول: بلى وأنا
على ذلك من الشاهدين، وإذا قرأ: (أَلَيْسَ ذلكَ بِقادِرٍ على أنْ يحيي الموتى) قال: بلى أشهد، وإذا قرأ: (فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يؤْمِنُونَ) قال: آمنت بالله، وإذا قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ ربك الأعلى) قال: سبحان ربي الأعلى، ويقول هذا كله في الصلاة وغيرها، وقد بينت، أدلته في كتاب " التبيان في آداب حملة القرآن ".
(بابُ أذكارِ الركوع)
قد تظاهرت الأخبارُ الصحيحةُ عن رسول الله ﷺ أنه كان يُكَبِّر للركوع وهو سنّة، ولو تركه كان مكروهاً كراهة تنزيه، ولا تبطلُ صلاتُه ولا يسجدُ للسهو، وكذلك جميع
стр. 50
التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمها، إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، وقد قدّمنا عَدَّ تكبيرات الصلاة في أوّل أبواب الدخول في الصلاة.
وعن الإِمام أحمد رواية: أن جميع هذه التكبيرات واجبة.
وهل يستحبّ مدُّ هذا التكبير؟ فيه قولان للشافعي ﵀، أصحُّهما وهو الجديد: يستحبّ مدّه إلى أن يصل إلى حدّ الراكعين، فيشتغل بتسبيح الركوع لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذكر، بخلاف تكبيرة الإِحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المدّ فيها لأنه يحتاج إلى بسط النيّة عليها، فإذا مدّها شقّ عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاحُ هذا في " باب تكبيرة الإِحرام "، والله أعلم.
فصل:
فإذا وصل إلى حدّ الراكعين اشتغل بأذكار الركوع فيقول: " سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ ".
١٢٨ - فقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث حذيفة أن رسول الله ﷺ قال في ركوعه الطويل الذي كان قريباً من قراءة (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) : " سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ " ومعناه: كرّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيِّناً في " سنن أبي داود " وغيره.
١٢٩ - وجاء في كتب السنن: أنه ﷺ قال: " إذَا قالَ أحَدُكُمْ: سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ
ثَلاثاً فَقَدْ تم ركوعه ".
١٣٠ - وثبت في " الصحيحين " عن عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللهم اغفر لي ".
١٣١ - وثبت في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁: " أن النبي ﷺ كان إذا ركع يقول: " اللهمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، ومُخِّي وَعَظْمِي وَعَصبِي ".
وجاء في كتاب السنن: " خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي، ومُخِّي وَعَظْمِي ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ".
١٣٢ - وثبت في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ " قال أهل اللغة: سبوح قدوس: بضم أولهما وبالفتح أيضاً: لغتان، أجودهما وأشهرهما وأكثرهما: الضمُّ.
стр. 51
١٣٣ - وروينا عن عوف بن مالك ﵁ قال: " قمتُ مع رسول الله ﷺ فقام، فقرأ (سورة البقرة) لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه " سُبْحانَ ذِي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة "، ثم قال في سجوده مثل ذلك، هذا حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائي في " سننهما "، والترمذي في كتاب " الشمائل " بأسانيد صحيحة.
١٣٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ".
واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصودُ الفصل، وهو تعظيم الربّ في الركوع بأيّ لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ فيستحبُّ التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلاً لأصل التسبيح.
ويُستحبّ إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضاً آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلاً لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب.
واعلم أن الذكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا، وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمداً أو سهوا لا تبطلُ صلاته، ولا يأثمُ، ولا يسجد للسهو.
وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به كحديث ابن عباس ﵄: " أما الركوع فعظموا فيه الربّ "، وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء ﵏، والله أعلم.
فصل:
يُكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاتُه، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصحّ، وقال بعض أصحابنا: تبطل.
١٣٥ - روينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: " نهاني رسولُ الله ﷺ أن أقرأ راكعاً أو ساجداً ".
١٣٦ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً: عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ألا وَإني نُهِيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ رَاكِعاً أوْ ساجِداً ".
стр. 52
(بابُ ما يقولُه في رفعِ رأسِه من الركوع وفي اعتدالِه)
السنّة أن يقول حال رفع رأسه: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ولو قال: من حمد الله سمع له، جاز، نصَّ عليه الشافعي في " الأمّ " فإذا استوى قائماً قالَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ ما بَيْنَهُما، وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شئ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمجد، أحق ما قَالَ العَبْدُ، وكلنا لَكَ عَبْدٌ، لا مانِعَ لِمَا أعطيت، ولا معطي لما مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ.
١٣٧ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ أنه
قال: كان رسول الله ﷺ يقول: " سَمِعَ اللََّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: " رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ".
وفي روايات: " ولَكَ الحَمْدُ " بالواو، وكلاهما حسن.
وروينا مثله في " الصحيحين " عن جماعة من الصحابة.
١٣٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عليٍّ وابن أبي أوفى ﵃: أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه قال: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنا لكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ ما شئت من شئ بَعْدُ ".
١٣٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسولَ الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَمِلْءَ ما شِئْتَ من شئ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمجد، أحق ما قالَ العَبْدُ، وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطيت، ولا معطي لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ".
١٤٠ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً: من رواية ابن عباس ﵄: " ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما وملء ما شئت من شئ بَعْدُ ".
١٤١ - وروينا في " صحيح البخاري " عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: كنا يوماً نصلي وراء النبيّ ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، فقال رجل وراءه: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ، فلما انصرف قال: " مَن المُتَكَلِّمُ؟ " قال: أنا، قال: " رأيتُ بِضْعَةً وثلاثين ملكا يَبْتَدِرُونَها أيُّهُمْ يَكْتُبُها أول ".
فصل:
اعلم أنه يُستحبّ أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدّمناه في أذكار
стр. 53
الركوع، فإن اقتصر على بعضها، فليقتصرْ على " سمع الله لمن حمده " ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شئ بعد "، فإن بالغَ في
الاقتصار اقتصر على " سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد "، فلا أقلّ من ذلك.
واعلم أن هذه الأذكار كلها مستحبة للإِمام والمأموم والمنفرد، إلا أن الإِمام لا يأتي بجميعها، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يُؤثرون التطويل.
واعلم أن هذا الذكر سنّة ليس بواجب، فلو تركه كُرِهَ له كراهةَ تنزيه، ولا يسجدُ للسهو، ويُكره قراءةُ القرآن في هذا الاعتدال كما يُكره في الركوع والسجود، والله أعلم.
(بابُ أَذْكَارِ السُّجودِ)
فإذا فَرغَ من أذكار الاعتدال كبر وهو ساجداً ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض.
وقد قدَّمنا حكمّ هذه التكبيرة، وأنها سنّة لو تركها لم تبطلْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة.
١٤٢ - فمنها ما رويناه في " صحيح مسلم " من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ ، حين قرأ (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: " سُبحان ربي الأعلى " فكان سجوده قريباً من قيامه.
١٤٣ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂ قالت: كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ".
١٤٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ ما قدّمناه في الركوع: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ ".
١٤٥ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضاً عن عليّ ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد قال: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين ".
١٤٦ - وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدّمناه في فصل الركوع، أن رسول الله ﷺ ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه: " سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة، ثم قال في سجوده مثل ذلك ".
стр. 54
١٤٧ - وروينا في كتب السنن، أن النبيَّ ﷺ قال: " وَإذا سَجَدَ - أي أحدكم.
فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثاً " وذلك أدْناهُ ".
١٤٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ قالت: افتقدت النبيّ ﷺ ذاتَ ليلة فتحسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: " سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ ".
وفي رواية في مسلم: " فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد (١) ، وهما منصوبتان وهو يقول: " اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ ".
١٤٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: " فأمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السجود، فاجتهدوا فيه بالدعاء فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم ".
يُقال: قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة: قمين، ومعناه: حقيق وجدير.
١٥٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " أقْرَبُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكْثِرُوا الدُّعاء ".
١٥١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أيضاً، أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوّلَهُ وآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه " دِقه وجِلّه: بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره.
واعلم أنه يُستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكن منه في وقت أتى به أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناهُ في أذكار الركوع من كراهة قراءة
القرآن فيه، وباقي الفروع.
فصل:
اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيُّهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه: القيام أفضل.
١٥٢ - لقول النبيّ ﷺ في الحديث في " صحيح مسلم ": " أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القنوت " ومعناه: القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن
стр. 55
أفضل، فكان ما طوّلَ به أفضل.
وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: " أقْرَبُ ما يَكُونَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهو ساجد ".
قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في كتابه: اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود.
وقال بعضهم: كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام.
وقال أحمد بن حنبل رحمة الله: روي فيه حديثان عن النبي ﷺ ، ولم يقضِ فيه أحمد بشئ.
وقال إسحاق: أما بالنهار، فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل، فطولُ القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود.
قال الترمذي: وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصفَ صلاة النبيّ ﷺ بالليل، ووصفَ طول القيام، وأما بالنهار، فلم يُوصف من صلاته ﷺ من طول القيام ما وُصف بالليل.
فصل:
إذا سجد للتلاوة، استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناهُ في سجود الصلاة، ويستحبّ أن يقول معه: ١٥٣ - " اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْراً، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْراً، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْراً،
وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ ﵇ ".
ويُستَحبّ أن يقول أيضاً: " سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً " نصَّ الشافعي على هذا الأخير.
١٥٤ - روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: " سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ " قال الترمذي: حديث صحيح، زاد الحاكم: " فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ " قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط " الصحيحين ".
وأما قوله: " اللَّهمّ اجعلها لي ذخراً ... الخ " فرواه الترمذي مرفوعاً من رواية ابن عباس ﵄ بإسناد حسن.
وقال الحاكم: حديث صحيح.
(باب ما يقولُ في رفعِ رأسه من السجود وفي الجلوس بين السجدتين)
السنّة: أن يُكَبِّرَ من حين يبتدئ بالرفع ويمدّ التكبير إلى أن يستويَ جالساً، وقد قدَّمنا بيانَ عدد التكبيرات، والخلاف في مدّها، والمدّ المبطل لها، فإذا فَرغَ من التكبير واستوى جالساً، فالسنّة أن يدعو بما رويناه في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي،
стр. 56
والبيهقي وغيرها، عن حذيفة ﵁ في حديثه المتقدم في صلاة النبيّ ﷺ في الليل، وقيامه الطويل ب (البقرة) و (النساء) و (آل عمران) وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال:
١٥٥ - وكان يقول بين السجدتين: " رَبّ اغْفِرْ لي، رَبّ اغْفِرْ لي "، وجلس بقدر سجوده.
١٥٦ - وبما رويناه في " سنن البيهقي "، عن ابن عباس في حديث مبيته عند خالته ميمونة ﵂ وصلاة النبيّ ﷺ في الليل، فذكره قال: وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال: " رَبّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِني " فصل:
فإذا سجد السجدة الثانية قال فيها ما ذكرناهُ في الأولى سواء، فإذا رفعَ رأسه منها، رفع مكبّراً، وجلس للاستراحة جلسة لطيفة بحيث تسكنُ حركتُه سكوناً بيِّناً، ثم
يقوم الى الركعة الثانية، ويمدّ التكبيرة التي رفع بها من السجود إلى أن ينتصب قائماً، ويكون المدّ بعد اللام من " الله " هذا أصحّ الأوجه لأصحابنا، ولهم وجه أن يرفع بغير تكبير، ويجلس للاستراحة، فإذا نهض كبَّر، ووجه ثالث: أن يرفع من السجود مكبّراً، فإذا جلس قطع التكبير، ثم يقومُ بغير تكبير.
ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرين في هذا الموضع، وإنما قال أصحابنا: الوجه الأوّل أصحّ لئلا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر.
١٥٧ - واعلم أن جلسة الاستراحة سنة ثابتة صحيحة في " صحيح البخاري " وغيره من فعل رسول الله ﷺ ، ومذهبنا استحبابُها لهذه الأحاديث الصحيحة، ثم هي مستحبّة عقيب السجدة الثانية من كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحبّ في سجود التلاوة في الصلاة، والله أعلم.
(بابُ أذكارِ الرَّكْعةِ الثانية)
اعلم أن الأذكار التي ذكرناها في الركعة الأولى يفعلها كلَّهَا في الثانية على ما ذكرناه في الأولى من النفل وغير ذلك من الفروع المذكورة، إلا في أشياء.
أحدُها: أن الركعة الأولى فيها تكبيرة الإِحرام وهي ركن، وليس كذلك الثانية فإنه لا يكبِّر في أوَّلها، وإنما التكبيرة التي قبلها للرفع من السجود مع أنها سنّة.
الثاني: لا يُشرع دعاء الاستفتاح في الثانية بخلاف الأولى.
стр. 57
الثالث: قدّمنا أنه يتعوّذ في الأولى بلا خلاف، وفي الثانية خلاف.
الأصحُّ: أنه يتعوذ.
الرابع: المختار: أن القراءة في الثانية تكون أقلّ من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدَّمناه، والله أعلم.
(بابُ القُنوتِ في الصُّبح)
اعلم أن القنوتَ في صلاة الصبح سنّة.
١٥٨ - للحديث الصحيح فيه عن أنس ﵁ " أن رسول الله ﷺ لم يزل
يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا "، رواه الحاكم أبو عبد الله في كتاب " الأربعين " (١) ، وقال: حديث صحيح (٢) .
واعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح، وهو سنّة مؤكدة، لو تركه لم تبطل صلاتُه، لكن يسجد للسهو سواء تركه عمداً أو سهواً.
وأما غير الصبح من الصلوات الخمس، فهل يقنت فيها؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى، الأصحُّ المشهورُ منها: أنه إن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا في ذلك لجميع الصلوات، وإلا فلا.
والثاني: يقنتون مطلقاً.
والثالث: لا يقنتون مطلقاً، والله أعلم.
ويستحبُّ القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر، ولنا وجه: أن يقنت فيها في جميع شهر رمضان، ووجه ثالث: في جميع السنة، وهو مذهبُ أبي حنيفة، والمعروف من مذهبنا هو الأوّل، والله أعلم.
فصل:
اعلم أن محل القنوت عندنا في الصبح بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية.
وقال مالك ﵀: يقنت قبل الركوع.
قال أصحابنا: فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يُحسبْ له على الأصحّ، ولنا وجه أن يحسب، وعلى الأصحّ، يعيده بعد الركوع ويسجد للسهو، وقيل: لا يسجد.
وأما لفظه، فالاختيار أن يقول فيه:
стр. 58
١٥٩ - ما روينا في الحديث الصحيح في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرها، بالإِسناد الصحيح عن الحسن بن عليّ ﵄ قال: علّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوتر: " اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِني
فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلّني فِيمَن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئاً أحسن من هذا.
وفي رواية ذكرها البيهقي: أن محمد بن الحنفية (١) ، وهو ابن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن هذا الدعاء [هو الدعاء] الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته (٢) .
١٦٠ - ويستحبُّ أن يقولَ عقيب هذا الدعاء: " اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّم "، فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد حسن (٣) : " وَصَلَى اللَّهُ على النَّبِيّ ".
١٦١ - قال أصحابنا: وإن قنت بما جاءَ عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسناً، وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُد، ولَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ.
اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات والمسلمين والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رسولِك ﷺ ، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُّوَكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الحَقّ وَاجْعَلْنا منهم ".
стр. 59
واعلم أن المنقول عن عمر ﵁ " عذِّب كفرة أهل الكتاب "، لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم، فالاختيار أن يقول: " عذّب الكفرة " فإنه أعمّ.
وقوله: نخلع: أي نترك، وقوله: يفجر أي: يلحد في صفاتك، وقوله نحفِد بكسر الفاء، أي: نُسارع، وقوله: الجِدّ بكسر الجيم: أي الحق، وقوله: مُلْحِق بكسر الحاء على المشهور، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره وقوله: ذات بينهم، أي: أمورهم ومواصلاتهم، وقوله: والحكمة، هي: كل ما منع من القبيح، وقوله: وأوزعهم: أي ألهمهم، وقوله: واجعلنا منهم، أي: ممّن هذه صفته.
قال أصحابنا: يستحبّ الجمع بين قنوت عمر ي ضي الله عنه وما سبق، فإن جمع بينهما، فالأصحّ تأخير قنوت عمر، وإن اقتصر فليقتصر على الأوّل، وإنما يُستحبّ الجمع بينهما إذا كان منفرداً أو إمامَ محصورين يرضون بالتطويل.
واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار، فأيّ دعاء دعا به حصل القنوت ولو قَنَتَ بآيةٍ، أو آياتٍ من القرآن العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت، ولكن الأفضل ما جاءت به السنّة.
وقد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يتعين ولا يجزئ غيره.
واعلم أنه يُستحبّ إذا كان المصلِّي إماماً أن يقول: " اللَّهمّ اهدِنا " بلفظ الجمع، وكذلك الباقي، ولو قال " اهدني " حصل القنوت وكان مكروهاً، لأنه يكره للإِمام تخصيص نفسه بالدعاء.
١٦٢ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يؤم عَبْدٌ قَوْماً فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خانَهُمْ " قال الترمذي: حديث حسن.
فصل:
اختلف أصحابُنا في رَفعِ اليدين في دعاء القنوت ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه.
أصحّها: أنه يستحبّ رفعهما، ولا يمسح الوجه.
والثاني: يرفع ويمسحه.
والثالث: لا يرفع ولا يسمح.
واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا: ذلك مكروه.
وأما الجهر بالقنوت والإِسرار به، فقال أصحابنا: إن كان المصلي منفرداً أسرّ به، وإن كان إماماً جهر على المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الأكثرون والثاني: أنه يسرّ كسائر الدعوات في الصلاة، وأما المأموم، فإن لم يجهر الإِمام قنت سرّاً كسائر
стр. 60
الدعوات، فإنه يوافق فيها الإمام سرّاً.
وإن جهر الإِمام بالقنوت، فإن كان المأموم يسمعه أمَّن على دعائه، وشاركه في الثناء في آخره، وإن كان لا يسمعه، قنت سرّاً، وقيل: يؤمِّن، وقيل له أن يشاركه مع سماعه، والمختار الأوّل.
وأما غير الصبح إذا قنت فيها حيث يقول به، فإن كانت جهريّة وهي المغرب والعشاء، فهي كالصبح على ما تقدّم، وإن كانت ظهراً أو عصراً، فقيل: يُسرّ فيها بالقنوت، وقيل: إنها كالصبح.
١٦٣ - والحديث الصحيح في قنوت رسول الله ﷺ على الذين قَتلوا القرَّاء ببئر معونة يقتضي ظاهرُه الجهرَ بالقنوت في جميع الصلوات، ففي صحيح البخاري في باب تفسير قول الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شئ) عن أبي هريرة ﵁، أن النبيَّ ﷺ جَهَرَ بالقنوت في قنوت النازلة.
(بابُ التشهّدِ في الصَّلاة)
اعلم أن الصلاة إن كانت ركعتين فحسب، كالصبح والنوافل، فليس فيها إلا تشهّدٌ واحد، وإن كانت ثلاث ركعات أو أربعاً، ففيها تشهّدان: أوّل، وثان.
ويتصوّر في حقّ المسبوق ثلاثة تشهّدات، ويتصور في حقه في صلاة المغرب أربعة تشهّدات، مثل أن يُدركَ الإِمام بعد الركوع في الثانية، فيتابعه في التشهّد الأوّل والثاني، ولم يحصل له من
الصلاة إلا ركعة، فإذا سلَّم الإِمام قام المسبوق ليأتي بالركعتين الباقيتين عليه، فيصلي ركعة، ويتشهّد عقبها لأنها ثانيته، ثم يصلِّي الثالثة ويتشهد عقيبها.
أما إذا صلَّى نافلة فنوى أكثر من أربع ركعات ولو نوى مائة ركعة، فالاختيار أن يقتصر فيها على تشهّدين، فيصلِّي ما نواه إلا ركعتين ويتشهد، ثم يأتي بالركعتين، ويتشهد التشهد الثاني ويسلِّم.
قال بعض من أصحابنا: لا يجوز أن يزيد على تشهدين، ولا يجوز أن يكون بين التشهد الأوّل والثاني أكثر من ركعتين، ويجوز أن يكون بينهما ركعة واحدة، فإن زاد على تشهدين، أو كان بينهما أكثر من ركعتين، بطلت صلاته.
وقال آخرون: يجوز أن يتشهد في كل ركعة، والأصحّ جوازه في كل ركعتين، لا في كل ركعة، والله أعلم.
واعلم أن التشهد الأخير واجب عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وسنّة عند أبي حنيفة ومالك.
وأما التشهد الأوّل فسنّة عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأكثرين، وواجب عند أحمد، فلو تركه عند الشافعي صحَّت صلاته، ولكن يسجد للسهو سواء تركه عمداً أو سهواً، والله أعلم.
стр. 61
فصل:
وأما لفظ التشهد، فثبت فيه عن النبي ﷺ ثلاث تشهدات (١) .
١٦٤ - أحدها: رواية ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ : " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد چلله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
الثاني: رواية ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : " التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ، الصَّلَواتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأن مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ "، رواه مسلم في " صحيحه ".
الثالث: رواية أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ : " التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأنَّ محَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، رواه مسلم في " صحيحه ".
١٦٥ - وروينا في سنن البيهقي بإسناد جيد (٢) عن القاسم قال: علمتني عائشةُ ﵂ قالت: هذا تشهُّدُ رسول الله ﷺ : " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه "، وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهُّدَه ﷺ بلفظ تشهُّدُّنا.
١٦٦ - وروينا في موطأ مالك، وسنن البيهقي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الرحمن بن عمر القاريِّ - وهو بتشديد الياء - أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁
стр. 62
وهو على المنبر وهو يعلِّم الناس التشهد يقول: قولوا: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ".
١٦٧ - وروينا في الموطأ، وسنن البيهقي، وغيرهما أيضاً بإسناد صحيح، عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول إذا تشهَّدتْ: " التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ".
وفي رواية عنها في هذه الكتب: " التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَيِّباتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريك له، وأن محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ".
١٦٨ - وروينا في الموطأ، وسنن البيهقي أيضاً بالإِسناد الصحيح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان يتشهد فيقول: " بسم اللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيات لِلَّهِ، السَّلامُ على النَّبِيّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ " والله أعلم.
فهذه أنواع من التشهد.
قال البيهقي: والثابت عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث (٢) : حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، هذا كلام البيهقي.
وقال غيره: الثلاثة صحيحة (٣) وأصحّها حديث ابن مسعود (٤) .
واعلم أنه يجوز التشهّد بأيّ تشهّد شاء من هذه المذكورات، هكذا نصّ عليه إمامنا الشافعي (٥) وغيره من العلماء ﵃.
وأفضلُها عند الشافعي: حديث ابن عباس
стр. 63
للزيادة التي فيه من لفظ المباركات.
قال الشافعي وغيره من العلماء ﵏: ولكون الأمر فيها على السعة والتخيير اختلفت ألفاظ الرواة، والله أعلم.
فصل] :
الاختيار أن يأتي بتشهد من الثلاثة، الأُول بكماله، فلو حذفَ بعضَه فهل يجزيه؟ فيه تفصيل.
فاعلم أن لفظ المباركات، والصلوات، والطيبات والزاكيات، سنّة ليس بشرط في التشهّد، فلو حذفها كلَّها واقتصر على قوله: التحيات للَّه السلام عليك أيُّها النبيّ ... إلى آخره، أجزأه.
وهذا لا خلاف فيه عندنا.
وأما في الألفاظ من قوله: السلام عليك أيُّها النبيُّ ... إلى آخره، فواجب لا يجوز حذف شئ منه إلا لفظ " ورحمة الله وبركاته "، ففيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: لا يجوز حذف واحدة منهما، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل لاتفاق الأحاديث عليهما.
والثاني: يجوز حذفهما.
والثالث يجوز حذف " وبركاته " (١) دون " رحمة الله ".
وقال أبو العباس بن سُريْج من أصحابنا: يجوز أن يقتصر على قوله: التحيات للَّه، سلام عليك أيّها النبيّ، سلام على عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأنَّ محمداً رسول الله.
وأما لفظ السلام، فأكثر الروايات، السلام عليك أيُّها النبيّ، وكذا " السلام علينا " بالألف واللام فيهما.
وفي بعض الروايات: " سلام " بحذفهما فيهما.
قال بعض أصحابنا: كلاهما جائز، ولكن الأفضل: " السلام " بالألف واللام لكونه الأكثر، ولما فيه من الزيادة والاحتياط.
١٦٩ - أما التسمية قبل التحيات، فقد روينا حديثاً مرفوعاً في " سنن النسائي " والبيهقي وغيرهما بإثباتها، وتقدم إثباتها في تشهّد ابن عمر، لكن قال البخاري والنسائي
وغيرهما من أئمة الحديث: إن زيادة التسمية غير صحيحة عن رسول الله ﷺ ، فلهذا قال جمهور أصحابنا: لا تستحب التسمية، وقال بعض أصحابنا: تستحب، والمختار أنه لا يأتي بها، لأن جمهور الصحابة الذين رووا التشهّد لم يرووها.
стр. 64
فصل] :
اعلم أن الترتيب في التشهد مستحبٌّ ليس بواجب، فلو قدم بعضه على بعض جاز على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في " الأم ".
وقيل: لا يجوز كألفاظ الفاتحة، ويدلّ للجواز تقديم " السلام " على لفظ الشهادة في بعض الروايات، وتأخيره في بعضها كما قدّمناه.
وأما الفاتحة، فألفاظها وترتيبها معجز، فلا يجوز تغييره، ولا يجوز التشهّد بالعجمية لمن قدر على العربية، ومن لم يقدر، يتشهد بلسانه ويتعلم كما ذكرنا في تكبيرة الإِحرام.
فصل] :
السنّة في التشهد الإِسرار لإِجماع المسلمين على ذلك، ويدلُّ عليه من الحديث:
١٧٠ - ما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: " من السنّة أن يخفي التشهد ".
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح.
وإذا قال الصحابي: من السنّة كذا (٤) كان بمعنى قوله: قال رسول الله ﷺ ، هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه جمهورُ العلماء من الفقهاء والمحدّثين، وأصحاب الأصول والمتكلمين ﵏، فلو جهر به كره، ولم تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو.
(بابُ الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهّد)
اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة عند الشافعي ﵀ بعد التشهد الأخير، فلو تركها لم تصحّ صلاته، ولا تجب الصلاة على آل النبيّ ﷺ فيه على المذهب
الصحيح المشهور، لكن تستحبُّ.
وقال بعض أصحابنا: تجب.
والأفضل أن يقول:
١٧١ - " اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيّ الأُمِّي، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِه، كما صَلَّيْتَ على إِبْرَاهِيمَ وَعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبارِكْ على مُحَمَّدٍ النَّبِيّ الأُمِّيّ، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ".
стр. 65
وروينا هذه الكيفية في صحيح البخاري ومسلم، عن كعب بن عُجْرَة، عن رسول الله ﷺ ألا بعضها (١) ، فهو صحيح من رواية غير كعب، وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة على محمد ﵌ إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
والواجب منه: اللَّهمّ صلِّ على النبي، وإن شاء قال: صلى الله على محمد، وإن شاء قال: صلى الله على رسوله، أو صلى الله على النبي.
ولنا وجه أنه لا يجوز إلا قوله: اللَّهم صلِّ على محمد.
ولنا وجه أنه يجوز أن يقول: وصلى الله على أحمد.
ووجه أنه يقول: صلَّى الله عليه، والله أعلم.
وأما التشهدُ الأول، فلا تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ بلا خلاف، وهل تستحبّ؟ فيه قولان: أصحُّهما: تستحبُّ، ولا تستحبُّ الصلاة على الآل على الصحيح، وقيل: تستحبُّ، ولا يُستحبّ الدعاء في التشهّد الأول عندنا، بل قال أصحابنا: يُكره لأنه مبني على التخفيف، بخلاف التشهد الأخير، والله أعلم.
(بابُ الدُّعَاء بعدَ التشهّدِ الأخير) اعلم أنَّ الدعاء بعد التشهّد الأخير مشروعٌ بلا خلاف.
١٧٢ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عبد الله بن مسعود ﵁
" أن النبي ﷺ علّمهم التشهّد ثم قال في آخر: " ثم يتخير [بعد] منَ الدُّعَاءِ " وفي رواية البخاري: " [ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ مِنَ الدعاء] أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو ".
وفي روايات لمسلم: " ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ ما شاءَ ".
واعلم أن هذا الدعاء مستحبٌّ ليس بواجب، ويستحبُّ تطويلُه، إلا أن يكون إماماً، وله أن يدعوَ بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، وله أن يدعوَ بالدعوات المأثورة، وله أن يدعو بدعوات يخترعها، والمأثورة أفضل.
ثم المأثورة منها ما وردَ في هذا الموطن، ومنها ما وردَ في غيره، وأفضلُها هنا ما ورد هنا.
١٧٣ - وثبت في هذا الموضع أدعية كثيرة، منها ما رويناه في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا فرغ أحدكم من
стр. 66
التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ومن عذاب القبر، ومن فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ، ومن شر المَسِيحِ الدَّجَّالِ ".
١٧٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂، أن النبيّ ﷺ كان يدعو في الصلاة: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّال، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ من المأثمِ والمَغْرَمِ ".
١٧٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهّد والتسليم: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ ".
١٧٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم "، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
عن أبي بكر الصديق ﵃: أنه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دُعاءً أدعُو به في صَلاتي، قال: " قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ " هكذا ضبطناه: " ظُلْماً كَثِيراً " بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: " كَبِيراً " بالباء الموحدة (٢) ، وكلاهما حسن، فينبغي أن يُجمع بينهما فيُقال: " ظُلْماً كَثِيراً كَبِيراً ".
وقد احتجّ البخاري في " صحيحه "، والبيهقيّ، وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث على الدعاء في آخر الصلاة، وهو استدلال صحيح، فإن قوله: في صلاتي، يعمّ جميعها، ومن مظانّ الدعاء في الصلاة هذا الموطن.
١٧٧ - وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبيّ ﷺ لرجل: " كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ؟ " قال: أتشهد
стр. 67
وأقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أما إني لا أحسنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ معاذ، فقال النبي ﷺ : " حَوْلَهَا ندندن ".
الدندنة: كلام لا يُفهم معناه، ومعنى: " حولها ندندن " أي: حول الجنة والنار، أو حول مسألتهما، إحداهما سؤال طلب، والثانية سؤال استعاذة، والله أعلم.
ومما يستحبُّ الدعاء به في كل موطن: اللَّهمّ إني أسألُك العفوَ والعافية، اللَّهمّ إني أسألُك الهُدَى والتُّقَى والعفافَ وَالغِنَى، والله أعلم.
(بابُ السَّلام لِلتحلُّل من الصَّلاة)
اعلم أن السلام للتحلّل من الصلاة ركنٌ من أركان وفرضٌ من فروضها لا تصحُّ إلا به، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهيرِ السلف والخلف، والأحاديثُ الصحيحةُ المشهورة مُصرّحة بذلك.
١٧٨ - واعلم أن الأكمل في السلام أن يقول عن يمينه: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " وَعَنْ يَسارِهِ: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ولا يُستحبّ أن يقول معه - أن مع السلام عن التحلّل من الصلاة - وبركاته، لأنه خلاف المشهور عن رسوله الله ﷺ ، وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود، وقد قال به جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين، وزاهر السرخسي، والرويّاني في " الجلية " ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمناه (١) .
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر: قد وردت عدة طرق ثبت فها " وبركاته " بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النووي - أنها رواية فردة، قال الأذرعي في " المتوسط ": المختار استحبابها في التسليمتين، فقد فال في " شرح المهذب ": إن حديث أبي داود إسناد صحيح ثبت ذلك أيضا من حديث ابن مسعود، رواه ابن ماجه في سننه، وابن حبّان في صحيحه، قال: والعجب من الشيخ - يعني النووي - مع شدة ورع عه كيف يصوب تركه، مع ثبوت السنة، وحكمة بصحة إسناد الحديث الأول، وزيادة الثقة مقبولة عند الفقهاء، وقد استحسنها أيضا الدارمي، في " الاستذكار " وغره من المقدمين من أصحابنا، ويؤيده إثباتها في التشهد وفاقا ... إلخ.
وسواء كان المصلّي إماماً أو مأموماً أو منفرداً في جماعة، قليلة أو كثيرة في فريضة أو نافلة، ففي كل ذلك يُسلِّم تسليمتين كما ذكرنا، ويلتفتُ بهما إلى الجانبين،
стр. 68
والواجب تسليمة واحدة، وأما الثانية، فسنّة لو تركها لم يضرّه، ثم الواجب من لفظ
السلام أن يقول: السلام عليكم، ولو قال: سلام عليكم، لم يجزئه على الأصح: ولو قال: عليكم السَّلام، أجزأه على الأصح، فلو قال: السلام عليكَ، أو سلامي عليكَ، أو سلام عليكم، أو سلام الله عليكم، أو سلامُ عليكم بغير تنوين، أو قال: السلام عليهم، لم يجزئه شئ من هذا بلا خلاف، وتبطل صلاته إن قاله عامداً عالماً في كل ذلك، إلا في قوله: السلام عليهم، فإنه لا تبطل صلاته به لأنه دعاء (١) ، وإن كان ساهياً لم تبطل، ولا يحصلُ التحلّل من الصلاة بل يحتاج إلى استئناف سلام صحيح، ولو اقتصر الإِمام على تسليمة واحدة، أتى المأموم بالتسليمتين.
قال القاضي أبو الطيب الطبري من أصحابنا وغيره: إذا سلَّم الإِمام فالمأموم بالخيار، إن شاء سلَّم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للدعاء وأطال ما شاء، والله أعلم.
(بابُ ما يقولُه الرجلُ إذا كلَّمه إنسانٌ وهو في الصَّلاة)
١٧٩ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ نَابَهُ شئ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ ".
وفي رواية في الصحيح: " إِذَا نَابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجالُ، ولْتُصَفِّقِ النِّساءُ ".
وفي رواية: " التَّسْبِيحُ للرّجالِ وَالتَّصْفِيقُ للنِّساءِ ".
(بابُ الأذكارِ بعدَ الصَّلاة)
أجمع العلماءُ على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعدّدة، فنذكرُ طرفا من أهمها.
١٨٠ - روينا في كتاب الترمذي، عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الدعاء أسمع؟ قال: " جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِر، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكْتوبات ".
قال الترمذي: حديث حسن.
١٨١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ قال:
" كنتُ أعرفُ انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير ".
وفي رواية مسلم: " كنّا " وفي رواية في " صحيحيهما ".
١٨٢ - عن ابن عباس ﵄: " أن رفعَ الصوت بالذكر حين ينصرفُ
стр. 69
النَّاسُ من المكتوبة كانَ على عهدِ رسول الله ﷺ (١) "، وقال ابن عباس: " كنتُ أعلمُ إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه ".
١٨٣ - وروينا في " صحيح مسلم "، عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: " اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ ".
قيل للأوزاعي (٢) وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: اسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
١٨٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا فَرَغ من الصلاة وسلّم قال: " لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ معطي لما مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجد مِنْكَ الجَدُّ ".
١٨٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن الزبير ﵄، أنه كان يقول دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ حين يسلم: " لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، لا إِلهَ إِلاَّ الله وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ، وَلَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلاَّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ".
قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلّل بهنّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ.
١٨٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن فقراء المهاجرين أتوْا رسولَ الله ﷺ .
فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثُور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، يُصَلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها
стр. 70
ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون، فقال: " ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُِمْ، وَلاَ يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَع مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلّ صَلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثينَ ".
قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة: لما سئل عن كيفية ذكره؟ يقول: سبحان اللَّه، والحمدُ للَّه، واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلُّهن ثلاث وثلاثون.
الدثور: جمع دَثْر بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة: وهو المال الكثير.
١٨٧ - وروينا في " صحيح مسلم "، عن كعب بن عُجْرَة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " مُعَقِّباتٌ لاَ يَخِيبُ قائِلُهُنَّ أوْ فاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلاثاً وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثاً وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وأرْبعاً وَثَلاثِينَ تَكْبِيرةً ".
١٨٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ
قال: " مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثاً وَثَلاثينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَقالَ تَمامَ المائة: لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ".
١٨٩ - وروينا في " صحيح البخاري " في أوائل " كتاب الجهاد " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوّذ دُبُرَ الصلاة بهؤلاء الكلماتِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمُرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتْنَةِ الدُّنْيا وأعُوذُ بِكَ منْ عَذَابِ القَبْرِ ".
١٩٠ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي والنسائي " عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: " خصلتان أوْ خَلَّتانِ (١) لا يُحافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعالى دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ عَشْراً وَيَحْمَدُ عَشْراً، ويُكَبِّر عَشْراً، فَذَلِكَ خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وَيُكَبِّرُ أرْبَعاً وَثَلاثِينَ إذَا أخَذَ مَضْجَعَةُ، وَيحْمَدُ ثَلاثاً وَثَلاثينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلاثاً وَثَلاثينَ فذلك مائة باللِّسانِ، وألفٌ بالميزَانِ، قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يارسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتِي أحَدَكُمْ - يعني الشيطان - في مَنامِهِ، فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أنْ يَقُولَهُ، ويأتِيهِ في صَلاتِهِ، فَيُذَكِّرَهُ حاجَةً قَبْلَ أنْ
стр. 71
يَقُولَهَا "، إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب، وفيه اختلاف بسبب اختلاطه (١) .
وقد أشار أيوبُ السختياني إلى صحة حديثه هذا (٢) .
١٩١ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁، قال: " أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذتين دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ ".
وفي رواية أبي داود: " بالمعوّذات "، فينبغي أن يقرأ: " قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ بربّ الناس ".
١٩٢ - وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، والنسائي، عن معاذ ﵁، أن رسولَ اللَّه ﷺ أخذ بيده وقال: " يا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنّي لأُحِبُّكَ " ثم قال: " أُوصِيكَ يا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ ".
١٩٣ - وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قَضى صلاتَه مسحَ جبهتَه بيده اليمنى، ثم قال: " أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنِّي الهَمَّ والحزنَ " (٣) .
١٩٤ - وروينا فيه عن أبي أُمامة ﵁ قال: ما دنوتُ من رسول الله ﷺ في دُبُر مكتوبة ولا تطوُّع إلا سمعتُه يقولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَخَطايايَ كُلَّها، اللَّهُمَّ انْعِشْنِي واجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِح الأعْمالِ وَالأخْلاقِ، إنَّهُ لاَ يَهْدِي لِصَالِحها وَلاَ يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ ".
١٩٥ - وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فَرَغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلِّم أو بعد أن يسلِّم يقول: " سُبْحانَ ربِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ على المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالمين " (٤) .
стр. 72
١٩٦ - وروينا فيه عن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامي يَوْمَ ألْقاكَ " (١) .
١٩٧ - وروينا فيه عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول في دُبر الصلاة: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ " (٢) .
١٩٨ - وروينا فيه بإسناد ضعيف، عن فضالة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى وَالثَّناء عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبيّ ﷺ ، ثم يدعو بما شاء " (٣) .
(بابُ الحثِّ على ذكرِ اللَّه تعالى بعدَ صَلاةِ الصُّبح)
اعلم أن أشرفَ أوقات الذكر في النهار، الذكرُ بعد صلاة الصبح.
١٩٩ - روينا عن أنس ﵁ في كتاب الترمذي وغيره، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : " مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جَماعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى حتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كانَتْ كأجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تامَّةٍ تامةٍ تامةٍ " قال الترمذي: حديث حسن.
٢٠٠ - وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي ذرّ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ قالَ فِي دُبُرِ صَلاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ ثانٍ رِجْلَيهِ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّمَ: لا إِلهَ
стр. 73
إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ عَشْرَ مرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ يَوْمَهُ ذلكَ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطانِ ولَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليَوْمِ إِلاَّ الشِّرْكَ باللَّهِ تَعالى " قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح (١) .
٢٠١ - وروينا في " سنن أبي داود " عن مسلم بن الحارث (٢) التميمي الصحابي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه أسرّ إليه فقال: " إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاةِ المَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلكَ ثُمَّ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْها، وإذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كذَلِكَ، فإنَّكَ إنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْها " (٣) .
٢٠٢ - وروينا في مسند الإِمام أحمد، وسنن ابن ماجه، وكتاب ابن السني، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال: " اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْماً نافِعاً، وعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَرِزْقاً طَيِّباً " (٤) .
٢٠٣ - وروينا فيه (٥) عن صُهيب (٦) ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يحرّك شفتيه بعد صلاة الفجر بشئ، فقلتُ: يا رسولَ الله! ما هذا الذي تقول؟ قال: " اللَّهُمَّ بِكَ أُحاوِلُ، وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَبِكَ أُقاتِلُ " (٧) والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرة، وسيأتي في الباب الآتي من بيان الأذكار التي تقال في أوّل النهار ما تقرّ به العيون إن شاء الله تعالى.
стр. 74
٢٠٤ - وروينا عن أبي محمد البغوي في " شرح السنّة " قال: قال علقمة بن قيس: بلغنا أن الأرض تعجّ إلى الله تعالى من نومة العالِم بعد صلاة الصبح (١) ، والله أعلم.
(بابُ ما يُقال عند الصَّباحِ وعندَ المساءِ)
اعلم أن هذا البابَ واسعٌ جداً، ليس في الكتاب بابٌ أوسعَ منه، وأنا أذكرُ إن شاء
الله تعالى فيه جملاً من مختصراته، فمن وُفِّق للعمل بكلّها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له، ومن عجز عن جميعها فليقتصرْ من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذكراً واحداً.
والأصلُ في هذا الباب من القرآن العزيز قولُ الله : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) [طه: ١٣] وقال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ) [غافر: ٥٥] وقال تعالى: (واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ من القول بالغدو والآصال) [النساء: ١٤٨] قال أهل اللغة: الآصال جمع أصيل: وهو ما بين العصر والمغرب.
وقال تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] قال أهل اللغة: العشيّ: ما بين زوال الشمس وغروبها.
وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فيها بالغدو والآصال رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تجارة ولا بيع عن ذكر الله ... ) الآية [النور: ٣٦] .
وقال تعالى: (إنَّا سَخَّرْنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالْعَشِيّ وَالإِشْرَاقِ) [ص: ١٨] .
٢٠٥ - وروينا في " صحيح البخاري " عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: " سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأبُوءُ بِذَنبي فاغْفِرْ لي فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، إذا قال ذلك حين يُمسي فمات من ليلته دخل الجنة، أو كانَ من أهل الجنة، وإذا قال ذلك حين يُصبح فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ... مثله " معنى أبوء: أقرُّ وأعترف.
٢٠٦ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحانَ اللَّهِ وبحمده.
مائة مَرَّةٍ لَمْ يأْتِ أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلاَّ أحَدٌ قالَ مثْلَ ما قالَ أوْ زَادَ عليه ".
стр. 75
وفي رواية أبي داود: " سُبْحانَ اللَّهِ العَظيمِ وبِحَمْدِهِ ".
٢٠٧ - وروينا في سنن أبي داود والترمذي، والنسائي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن خُبيب - بضم الخاء المعجمة ﵁، قال: " خرجنا في ليلة مطره وظلمة شديدة نطلب النبيّ ﷺ ليصلي لنا، فأدركناه فقال: قُلْ، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قُلْ، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قُلْ، فقلت: يارسول الله ما أقولُ؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلّ شئ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٢٠٨ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الصحيحة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا أصبح: " اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنا وَبِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ " وإذا أمسى قال: " اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا، وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ " قال الترمذي: حديث حسن.
٢٠٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر يقول: " سَمَّعَ سامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنا، رَبَّنا صَاحِبْنا (١) ، وأفْضِلْ عَلَيْنا، عائِذاً (٢) باللَّهِ منَ النَّارِ ".
قال القاضي عياض وصاحب " المطالع " وغيرهما: سمَّعَ بفتح الميم المشدّدة، ومعناه: بلّغ سامع قولي هذا لغيره، تنبيهاً على الذكر في السحَر والدعاء في ذلك الوقت، وضبطه الخطابي وغيره، سَمِعَ: بكسر الميم المخففة، قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: سَمِعَ سامِعٌ، معناه: شهدَ شاهدٌ.
وحقيقته: ليسمعِ السامعُ وليشهد الشاهدُ حمدنا لله تعالى على نعمته وحسن بلائه.
٢١٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أمسى قال: " أمْسَيْنا وأمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريك له " قال الراوي: أراه قال فيهنٌ: " لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَديرٌ، رَبّ أسألُكَ خَيْرَ ما فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَها وأعُوذ بِكَ مِنْ شَرّ ما في هَذِهِ
اللَّيْلَةِ وَشَرّ مَا بَعْدَهَا، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وَسُوءِ الكِبَرِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ وَعَذَابٍ في القَبْرِ، وَإذَا أصْبَحَ قالَ ذلكَ أيْضاً: أصْبَحْنا وأصْبَحَ الملك لله ... ".