← Фикх общий

Фикх общий · id 1959

دروس رمضان

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (264 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دروس رمضان للشيخ محمد إبراهيم الحمد أيامًا معدودات الحمد لله الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليلَ والنهارَ خِلْفَةً لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، وصلى الله على مَنْ بُعِثَ بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فإن رمضانَ أيامٌ معدوداتٌ، وفرصٌ سانحاتٌ، وإن اغتنام هذه الأيام لدليلُ الحزم، وإنَّ انتهاز تلك الفرص لعنوانُ العقل؛ ذلكم أن الوقت رأسُ مالِ الإنسان، وساعات العمرِ هي أنفسُ ما عني الإنسان بحفظه؛ فكل ساعة من ساعاتِ عُمُرِكَ قابلةٌ لأن تضعَ فيها حجرًا يزداد به صرحُ مجدِك ارتفاعًا، ويقطع بها قومك في السعادة باعًا أو ذراعًا. فإن كنت حريصًا على أن يكون لك المجدُ الأسمى، ولقومك السعادةُ العظمى، وأن تفوز بخيري الآخرة والأولى - فَدعِ الراحةَ جانبًا، واجعل بينك وبين اللهو حاجبًا؛ فالحكيمُ الخبيرُ يَقْدُرُ الوقتَ حقَّ قدره، ولا يتخذه وعاءً لأبخس الأشياء، وأسخف الكلام، ويعلم أنه من أجلِّ ما يصان عن الإضاعة والإهمال، وَيقْصُره على المساعي الحميدة التي ترضي الله، وتنفع الناس.

стр. 2

ولعظم شأن الوقت أقسم به اللهُ في غير ما آية من كتابه العزيز قال : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (الليل: ١- ٢) وقال: ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (الضحى: ١- ٢) وقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر: ١- ٢) . ولئن كان حفظُ الوقتِ مطلوبًا في كل حين وآن، فلهو أولى وأحرى بالحفظ في الأزمنة المباركة. ولئن كان التفريطُ فيه وإضاعتُه قبحًا في كل زمان، فإن قبح ذلك يشتد في المواسم الفاضلة. ومن الناس مَنْ قَلَّ نصيبه من التوفيق، فلا تراه يلقي بالًا لحكمة الصوم، ولا لفضل الشهر، فتراه يجعل من رمضان فرصةً للسهر واللهو الممتد إلى بزوغ الفجر، والنومِ العميق في النهار حتى غروب الشمس. ولا يخفى على عاقل لبيب ما لهذا الصنيع من أضرار على دين الإنسان ودنياه، فهو قلب للفطرة، فالله جعل الليل لباسًا، والنهار معاشًا، كما أنه إضاعة للوقت، وتعطيل للمصالح. ومن كان هذا صنيعَه فلن يرجى منه خيرٌ في الغالب لا لنفسه ولا لغيره.

стр. 3

ثم إن السهرَ سببٌ لإضاعة حقوق الأهل والوالدين؛ فالذي يسهر الليل في مشاهدة الحرام، ويعكف أمام ما تبثه الفضائيات من شرور سيضيِّع أولاده وزوجته إن كانوا يشاهدونها معه، وإن كان يسهر خارجَ المنزل كان ذلك سببًا في بعده عن بيته، وغفلته عما استرعاه الله إياه، وإن كان شابًّا في مقتبل عمره أقلق والديه بطول سهره، وبعده عن المنزل. ثم إن الذي يسهرُ ليله وينام نهارَه سيضيع صلة أرحامه؛ إذ لا وقت لديه لِصِلتهم، وهكذا تنفصم عرى الأمة، وتنفك روابطها. كما أن السهر أمام تلك الفضائيات له آثارُه السلوكيةُ المدمرةُ، ومنها الصد عن سبيل الله، وإضعاف أثر الدين في النفوس، وذلك من خلال ما تبثه من مشاهد فاضحة، وما تطرحه من شبهات كثيرة تطعن في الدين، وتُلْقى على عقول خواء، وأفئدة هواء. ومن آثارها: التمرد على القيم النبيلة، والأخلاق الفاضلة، والآداب المرعية. ومنها: شيوع العادات السيئة كالاستهانة بمحارم الله، والاستخفاف بشعائر الدين. ومنها: الإعجابُ بالكفار وتقليدهم في مستهجن عاداتهم من نحو الملبس، والهيئة، وقصات الشعر، وما إلى ذلك.

стр. 4

ومنها: انتشار الجريمة، وشيوع المظاهر المخلة بالأمن كالقتل، والسرقة، وتعاطي المخدرات ونحو ذلك. ومنها: الزهد بالفضيلة والعفاف، وذلك من خلال الافتتان بالمذيعات والممثلات والمغنيات؛ فقد يفضي ذلك الصنيعُ إلى الزهد بالزوجات؛ لأن بعض مشاهدي تلك القنوات - لفرط جهله - يعقد مقارنة ظالمةً بين زوجته وبين ما يشاهده من تلك النسوة اللاتي نزعن الحياءَ، ووضعْنَ من الأصباغ ومواد التجميل ما يغري بهن. وهذه مقارنةٌ ظالمةٌ لم تُبْنَ على أسس سليمة؛ إذ تغافل ذلك المُقارِنُ عن عفاف زوجته، وسترها، وحيائها. بل ربما تكون أجملَ مما يشاهد، ولكن الشيطان يقبحها في عينه، ويزين ما يشاهده في نفسه. أيها الصائمون: ومن آثار السهر أن له آثارًا على نَفْس الإنسان وخُلُقِه؛ إذ يصبح ونفسه كزَّةٌّ، وخلقُه سيئٌ؛ وذلك لما للسهر من تأثير على الأعصاب؛ فينتج من جَرَّاء ذلك انقباضُ النفس، وقلة احتمالها. ولو لم يأت من آثار السهر إلا أنه سبب لترك صلاة الفجر لكفى. أما النوم الكثير - خصوصًا بالنهار - فلا يخفى ضرره؛ فذلك مضيعة للوقت، وحرمانٌ للبركة؛ فالنومُ يعطل قوةَ العقل، ويُلْحِقُ الإنسان بالخشب المسندة.

стр. 5

وبما أن أمرَه غالب ما له من مَرَد فإن أولي الحكمةِ لا يخضعون لسلطانه إلا حيثُ يَغْلب على أمرهم، ولا يعطونه من الوقت إلا أقلَّ مما تفرضُه عليهم الطبيعةُ البشرية، ويبتغون بذلك أن تبقى عقولهم في حركات تثمر علمًا نافعًا، أو عملا صالحًا. فحقيق على هؤلاء المُفرِّطين المضيعين أوقاتَهم أن يتنبهوا لأسرار الصيام، وأن يغتنموا مدرستَه العظيمة؛ ليجنوا ثمارَه الصحيحةَ، ويستمدوا منه قوةَ الروح؛ فيكون نهارُهم نشاطًا وإنتاجًا وإتقانًا، وتعاونًا على البر والتقوى. ويكون ليلُهم تهجدًا وتلاوةً لكتاب ربهم، ومحاسبةً لأنفسهم على ضوئه؛ ليخرجوا من مدرسة الصيام مفلحين فائزين. اللهم أيقظنا من رقدات الغفلات، وأعنا على اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن للصيام آدابًا كثيرةً، ومن تلك الآداب: أن يقتصدَ الصائمُ في طعامه وشرابه. ومما يلحظ على بعض الصائمين -بل على أكثرهم- أنهم يجعلون شهرَ رمضانَ موسمًا سنويًّا للموائد الزاخرة بألوان الطعام، فتراهم يُسرفون في ذلك أيّما إسرافٍ، وتراهم يتهافتون إلى الأسواق؛ لشراء ما لذّ وطاب من الأطعمة التي لا عهدَ لهم بأكثرها في غير رمضان. والنتيجة من وراء ذلك: إضاعةُ المال، وإرهاقُ الأبدان في كثرة الطعام، وثِقَلُ النفوس عن أداء العبادات، وإهدارُ الأوقات الطويلة بالتسوّق، وإعداد الكميّات الهائلة من الأطعمة التي يكون مصيرُها في الغالب صناديقَ الزِّبل. إن هذا الاستعدادَ المتناهيَ الذي يقع فيه أكثر المسلمين لرمضان بالتفنن والاستكثار من المطاعم والمشارب - مخالفٌ لأمر الله، منافٍ لحكمة الصوم، مناقضٌ لحفظ الصحة، معاكسٌ لقواعد الاقتصاد.

стр. 7

ولو كان هؤلاء متأدبين بآداب الدين لاقتصروا على المعتاد المعروف من طعامهم وشرابهم، ولأنفقوا الزائد في طرق البر والإحسان التي تناسب رمضان، من إطعام الفقراء واليتامى والأيامى، وتفطير الصّوام المعوزِين، ونحو ذلك. والغالب أن يكون لكل غنيٍّ مسرفٍ من هذا النوع جارٌ أو جيران من الفقراء والمساكين، وهم أحق الناس ببر الجار الغني، وإن لم يكن لهؤلاء الأغنياء جيرانٌ من هذا النوع فإنه يحسن صرفها في وجوه الخير. ولو فعل الأغنياء المسرفون ذلك لأضافوا إلى قربة الصوم قربةً عظيمة عند الله، ألا وهي الإحسان إلى المعدمين، وللقيام بهذه الخصلة من الخير مزيّة في المجتمع؛ لأنها تقرب القلوبَ في هذا الشهر المبارك، وتشعر الصائمين كلَّهم بأنهم في شهر إحسان، ورحمة وأخوَّة.

стр. 8

ثم إن الإنسان لو طاوع نفسَه في تعاطي الشهوات، والتهام ما حلا من المطاعم وما مرّ، وما برد منها وما حرّ، وطاوع نفسه باستيفاء اللذة إلى أقصى حد - لكانت عاقبةُ أمره شقاءً ووبالًا، ونقصًا في صحته واختلالًا، ولكانت الحميةُ في بعض الأوقات واجبًا مما يأمر به الطبيب الناصح؛ تخفيفًا على الأجهزة البدنية، وادخارًا لبعض القوة إلى الكِبَر وإبقاءً على اعتدال المزاج، وتدبيرًا منظمًا للصحة. وإن ذلك لهو الحكمة البارزة في الصوم، فكيف يُقْلَبُ الأمر رأسًا على عقب؟ ! ويجعل من شهر الصوم ميدانًا للتوسع في الأكل والشرب؟ !. قال الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . قال بعض العلماء: " جمع الله بهذه الآية الطبَّ كلَّه ". قال النبي ": «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» أخرجه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

стр. 9

أيها الصوام: لا يخفى على عاقل ما للتوسع في المآكل والمشارب من عواقب وخيمة على دين المرء ودنياه زيادةً على ما مضى؛ فهو مما يورث البلادة، ويعوق عن التفكير الصحيح، وهو مدعاةٌ للكسل، وموجبٌ لقسوة القلب، وهو سببٌ لمرض البدن، وتحريك نوازع الشر، وتسلُّط الشيطان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد ثبت عن النبي " أنه قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» رواه البخاري. ولا ريب أن الدَّمَ يتولد من الطعام والشراب؛ ولهذا إذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشيطان، ولهذا قيل: " فضيقوا مجاريَه بالجوع ".

стр. 10

وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي تُفْتَحُ بها أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي تفتح بها أبواب النار، وصفِّدت الشياطين، فضعفت قوتُهم وعملُهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره ولم يقل: " إنهم قتلوا "، ولا ماتوا، بل قال: "صفِّدوا" والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا دفع الشيطان دفعًا لا يدفعه الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وَفْقِهِ " اهـ. قال لقمان ﵇ لابنه: " يا بني إذا امتلأت المعدة؛ نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقَعَدت الأعضاءُ عن العبادة ". وقال عمر ﵁: " من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة ". وقال علي ﵁: " إن كنت بَطِنًا؛ فعد نفسك زَمِنًا ". وقال بعض الحكماء: " أقلل طعامًا، تحمدْ منامًا ". وقال بعض الشعراء: وكم من لقمةٍ منعت أخاها ... بلذةِ ساعةٍ أكلاتِ دهرِ وكم من طالبٍ يسعى لأمر ... وفيه هلاكُه لو كان يدري

стр. 11

وقال ابن القيم ﵀: " وأما فضول الطعام: فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ فإنه يحرك الجوارحَ إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شرًّا، فكم من معصية جَلَبها الشبعُ وفضولُ الطعام، وكم من طاعة حال دونها؛ فمن وقي شرَّ بطنه؛ فقد وقي شرًّا عظيمًا، والشيطان أعظم ما يتحكَّم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام ". إلى أن قال ﵀: " ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله - عز جل - وإذا غفل القلب عن الذكر ساعةً واحدةً جَثَم عليه الشيطانُ، ووعده، ومنَّاه، وشهَّاه وهام به في كل وادٍ؛ فإن النفس إذا شبعت تحركت، وجالت وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت - وخشعت وذلت " اهـ. بل إن الذين يتوسعون في المآكل لا يجدون لها لذةً كما يجدُها المقتصدون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالذين يقتصدون في المآكل نعيمُهم بها أكثرُ من المسرفين فيها؛ فإن أولئك إذا أدمنوها، وألِفُوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يصبرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها " اهـ.

стр. 12

أيها الصائمون الكرام: إذا كان الأمر كذلك؛ فما أحرانا أن نجعل من شهرنا الكريم فرصةً لتوطين نفوسنا على الاعتدال في المآكل والمشارب؛ فالنفوسُ طُلَعةٌ لا ترضى بالقليل من اللذات؛ فإذا جاهدناها؛ انقدعت عن شهواتها، وكفَّت عن الاسترسال مع لذاتها ورغباتها، وإن من أحكم ما قالته العرب قولَ أبي ذؤيب الهذلي: والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنع أما إذا استرسلنا معها، وأعطيناها كل ما تريد؛ فإنها ستقودنا إلى الغواية، وتنزع بنا إلى شر غاية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 13

رمضان شهر الفرح الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن الفرح مطلب مُلحٌّ، وغاية مبتغاة، وهدفٌ منشود، والناس كل الناس يسعى إلى فرح قلبه، وزوال همِّهِ وغمِّهِ، وتفرق أحزانه وآلامه. ولكنْ قَلَّ من يصل إلى الفرح الحقيقي، ويحصل على السعادة العظمى، وينجو من الآلام والأتراح. والحديث هاهنا سيدور حول معنى الفرح، وأسبابه، وموانعه. وبعد ذلك نصل إلى معنى الفرح في الصيام، وكيفيةِ كونِ هذا الشهر الكريم شهرَ فرحٍ. أيها الصائم الكريم الفرحُ لذةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولّدُ من إدراكه حالةٌ تسمى الفرح والسرور. كما أن الحَزَنَ والغَمَّ مِنْ فقد المحبوب، فإذا فقده تولد مِنْ فقده حالةٌ تسمى الحزَن والغم. والفرحُ أعلى نعيمِ القلب ولذتِه وبهجتِه، فالفرحُ والسرورُ نعيمُه، والهمُّ والغمُّ عذابُه. والفرحُ بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينةٌ وسكونٌ وانشراحٌ. والفرح لذةٌ وبهجةٌ وسرورٌ، فكل فَرِحٍ راضٍ، وليس كلُّ راضٍ فَرِحًا. ولهذا كان الفرحُ ضدَّ الحزن، والرضا ضدَّ السخط، والحزنُ يؤلم صاحبَه، والسُّخط لا يؤلمه إلا إذا كان مع العجز عن الانتقام.

стр. 14

ولقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلقٍ ومقيدٍ، فالمطلقُ جاء في الذم كقوله - تعالى -: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ . والفرح المقيَّدُ نوعان - أيضًا - مقيَّدٌ بالدنيا يُنْسِي فضل الله ومنته، وهو مذموم كقوله - تعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ . والثاني فرحٌ مقيَّدٌ بفضل الله ورحمته: وهو نوعان - أيضًا - فضلٌ ورحمةٌ بالسبب، وفضل بالمسبِّب، فالأول كقوله - تعالى-: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، والثاني كقوله - تعالى -: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . ولقد ذكر الله - سبحانه - الأمر بالفرح بفضله ورحمته عقيب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 15

ولا شيءَ أحقُّ أن يَفْرح به العبدُ من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظةَ وشفاءَ الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة, الهدى الذي يتضمَّن ثَلْجَ الصدور باليقين، وطمأنينةَ القلبِ به، وسكونَ النفسِ إليه، وحياةَ الروح به. والرحمةُ التي تجلب لها كلَّ خيرٍ ولذةٍ، وتدفع عنها كلَّ شرٍّ وألمٍ. والموعظةُ التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. وشفاءُ الصدورِ المتضمنُ لعافيتها من داء الجهل، والظلمة، والغي، والسفه؛ تلك الأدواءُ التي هي أشدُّ ألمًا لها من أدواء البدن. فالموعظةُ، والشفاءُ، والهدى، والرحمةُ هي الفرح الحقيقي، وهي أَجَلُّ ما يفرح به؛ إذ هو خيرٌ مما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها؛ فهذا هو الذي ينبغي أن يُفْرح به، ومَنْ فرح به، فقد فرح بأجلّ مفروحٍ به، لا ما يجمع أهل الدنيا فيها؛ فإنه ليس بموضع للفرح؛ لأنه عرضةٌ للآفات، وشيكُ الزوال، وخيمُ العاقبة، وهو طيفُ خيالٍ زار الصبَّ في المنام، ثم انقضى المنامُ، ووَلَّى الطيف، وأعقب مزاره الهجران. فالدنيا، لا تتخلص أفراحُها من أتراحِها وأحزانِها البتة، بل ما من فرحة إلا ومعها تَرْحةٌ سابقةٌ، أو مقارنة، أو لاحقة.

стр. 16

ولا تتجرد الفرحةُ، بل لا بد من تَرْحة تقارنها؛ ولكن قد تقوى الفرحةُ على الحزن، فينغمر حكمُه وألمهُ مع وجودها وبالعكس. فالفرحُ بالله وبرسوله، وبالإيمان، وبالقرآن، وبالسنة، وبالعلم يُعَدُّ مِنْ أعلى مقامات العارفين، وأرفع منازل السائرين. وضدُّ هذا الفرحِ الحزنُ، الذي أعظم أسبابه الجهلُ، وأعظمُه الجهل بالله، وبأمره، ونهيه؛ فالعلمُ يوجب نورًا، وأنسًا، وضدُّه يوجب ظلمةً، ويوقع في وحشة. ومن أسباب الحزن تَفَرُّقُ الهمِّ عن الله؛ فذلك مادةُ حزنه، كما أن جَمْعِيَّة القلب على الله مادةُ فرحِهِ ونعيمِه؛ ففي القلب شَعَثٌ لا يَلُمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حُزْنٌ لا يذهبه إلا السرورُ بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكِّنه إلا الاجتماعُ عليه والفرارُ منه إليه، وفيه نيرانُ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دونَ أن يكون هو وحده مطلوبَهُ، وفيه فاقةٌ لا يسدُّها إلا محبتُه والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقةُ منه أبدًا.

стр. 17

ولقد قرَّر العلماء العالمون بالله وبأمره هذا المعنى، وعلى رأس أولئك العلامةُ ابن القيم ﵀. أيها الصائمون هذا هو الفرح الحق، وهذا هو فرح أهل الإيمان، لا فرحُ أهلِ الأشر والبطر والطغيان. هذا وإن للصائمين من هذا الفرح نصيبًا غيرَ منقوص؛ كيف وقد قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» . قال ابن رجب ﵀: " أما فرحة الصائم عند فطره؛ فإن النفوسَ مجبولةٌ على الميل إلى ما يلائمها من مطعم، ومشرب، ومنكح؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإن النفوسَ تفرح بذلك طبعًا؛ فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شرعًا.

стр. 18

والصائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله - تعالى - حَرَّم على الصائم في نهار الصيام تناولَ هذه الشهواتِ، فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرةَ إلى تناولها من أول الليل وآخره؛ فأحب عباد الله إليه أعجلهم فطرًا، والله وملائكته يصلون على المتسحرين؛ فالصائمُ ترك شهواتِه في النهار تقربًا إلى الله، وطاعةً له، وبادر إليها بالليل تقربًا إلى الله، وطاعة له؛ فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه؛ فهو مطيعٌ في الحالين؛ ولهذا نُهِيَ عن الوصال؛ فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقربًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه ترجى له المغفرةُ، أو بلوغُ الرضوان بذلك ". إلى أن قال ﵀: " ثم إنه ربما استجيب دعاؤه عند فطره، وعند ابن ماجه: «إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد» . وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابًا على ذلك، كما أنه إن نوى بنومه في الليل والنهار التقوّيَ على العمل كان نومُه عبادة.

стр. 19

ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه، لم يتوقَّف في معنى فرحه عند فطره؛ فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله - تعالى -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . وقال ابن رجب ﵀: " وأما فرحه عند لقاء ربه، ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدَّخرًا؛ فيجده أحوجَ ما كان إليه كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ . وقال - تعالى -: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ . وقال - تعالى -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ اهـ. اللهم أفرح قلوبنا بالإيمان، والقرآن، والسنة، والعلم، والصيام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 20

الصوم والإخلاص (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن حديث هذه الليلة سيدور حول فضيلة الإخلاص، وأثرِ الصوم في اكتسابها. وقبل الدخول في أثر الصوم في اكتساب الإخلاص يحسن الوقوفُ عند الإخلاص من حيث مفهومُه، وأهميتُه. معاشر الصائمين: أصل الإخلاص في اللغة مادة خلص , والخالص: هو ما زال عنه شوبُه بعد أن كان فيه. والإخلاصُ في الشرع: هو تصفيةُ العمل من كل شائبة تشوبه. ومدارُ الإخلاصِ على أن يكون الباعثُ على العمل امتثالَ أمرِ الله، وإرادتَه فلا يمازج العملَ شائبةٌ من شوائب إرادة النفس: إما طلبُ التزيُّن في قلوب الخلق، وإما طلبُ مدحِهم والهربُ من ذمهم، أو طلبُ تعظيمهم، أو طلبُ أموالهم أو خدمتِهم ومحبتِهم، وقضائهم حوائجه، أو غيرُ ذلك من العلل، والشوائب التي يجمعها إرادةُ ما سوى الله في العمل؛ فهذا هو مدار الإخلاص. ولا حرج بعد هذا على من يطمح إلى شيء آخر، كالفوز بنعيم الآخرة، أو النجاة من أليم عذابها.

стр. 21

بل لا يذهب بالإخلاص-بعد ابتغاء وجه الله-أن يخطر في بالِ العامل أن للعمل الصالح آثارًا طيبةً في هذه الحياة الدنيا كطمأنينة النفس، وأَمْنِها من المخاوف، وصيانتها عن مواقف الذل والهون، إلى غير ذلك من الخيرات التي تعقب العمل الصالح، ويزداد بها إقبال النفوس على الطاعات قوة إلى قوة. هذا هو مفهوم الإخلاص. أما أهميته فيكفي أنه شرط لقبول العبادة؛ فالعبادة تقوم على شرطين هما: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول- ﷺ قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . وقال النبي- ﷺ : «يقول الله -تعالى-: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهُوَ للذي أشرك» رواه مسلم.

стр. 22

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ متحدثًا عن الإخلاص وفضله وأهميته: "بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه، وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان، وهو خلاصة الدعوة النبوية، وهو قطب رحى القرآن الذي تدور عليه رحاه". إلى أن قال ﵀: "قال -تعالى- في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ . فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور المحرمة، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله، والإخلاص له بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها. فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي قلبه انقهر بلا علاج " اهـ. معاشر الصائمين هذا هو مفهوم الإخلاص، وذلك شيء من أهميته وفضله. هذا وإن للصيام أثرًا عظيمًا في تربية النفوس على فضيلة الإخلاص، وألا يراعى في الأعمال غيرُ وجه الله-جل وعلا-. ذلكم أن الصائم يصوم إيمانًا واحتسابًا، ويدع شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله -تعالى- وأيُّ درسٍ في الإخلاص أعظمُ من هذا الدرس؟

стр. 23

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» . قال ابن حجر ﵀ قوله: "إيمانًا": أي تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، و"احتسابًا": أي طلبًا للأجر، لا لقصد آخر من رياء ونحوه" اهـ. وفي البخاري -أيضًا-من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لَخُلوف فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من ريح المسك؛ يترك طعامه وشرابه، وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» . قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: قوله: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» هكذا وقع هنا، ووقع في الموطأ «وإنما يذر شهوته» إلخ ... ولم يصرح بنسبته إلى الله، للعلم به، وعدم الإشكال فيه". وقال ﵀: "وقد يفهم من صيغة الحصر في قوله: "إنما يذر" إلخ ... التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصُّ به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتُّخمة لا يحصل للصائم الفضلُ المذكور" اهـ.

стр. 24

معاشر الصائمين: هكذا يربينا الصوم على فضيلة الإخلاص؛ فالصومُ عبادةٌ خفيةٌ، وسِرٌّ بين العبد وربه، ولهذا قال بعض العلماء: الصوم لا يدخله الرياء بمجرد فعله، وإنما يدخله الرياء من جهة الإخبار عنه. بخلاف بقية الأعمال؛ فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. ولا ريب أن الإخلاص من أعظم الخصال، وأحمد الخلال إن لم يكن أعظمها وأحمدها. ثم إن للإخلاص آثارَهُ العظيمةَ على الأفراد بخاصة، وعلى الأمة بعامة، فللإخلاص تأثير عظيم في تيسير الأمور، فمن تعكست عليه أمورُه، وتضايقت عليه مقاصدُه -فليعلم أنه بذنبه أصيب، وبقلة إخلاصه عوقب. والإخلاص هو الذي يجعل في عزم الرجل متانةً، ويربط على قلبه؛ فيمضي في عمله إلى أن يبلغ الغاية. وكثيرٌ من العقبات التي تقوم دون بعض المشروعات لا يساعدك على العمل لتذليلها إلا الإخلاص. ولولا الإخلاص الذي يضعه الله في نفوس زاكيات لَحُرِمَ الناسُ من خيراتٍ كثيرةٍ تقف دونها عقبات. أيها الصائمون: قد يُخِلُّ الرجلُ في بعض الأعمال، ويتغلب عليه الهوى في بعضها؛ فيأتي بالعمل صورةً خاليةً من الإخلاص.

стр. 25

والذي يرفع الشخص إلى أقصى درجات الفضل والمجد إنما هو الإخلاص الذي يجعله الإنسانُ حليفَ سيرته؛ فلا يُقْدِم على عمل إلا وهو مستمسك بعروته الوثقى. ولا تبالغُ إذا قلت: إن النفسَ التي تتحرر من رق الأهواء، ولا تسير إلا على وفْق ما يمليه عليها الإخلاص هي النفسُ المطمئنةُ بالإيمان، المؤدبة بحكمة الدين، ومواعظه الحسنة. قال ابن تيمية ﵀: "وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه؛ فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف ضد ذلك. بخلاف القلب الذي لم يُخْلِص لله؛ فإن فيه طلبًا، وإرادةً، وحبًّا مطلقًا؛ فيهوى كلَّ ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أيُّ نسيمٍ مرَّ بِهِ عطفه وأماله" اهـ. وللحديث بقية -إن شاء الله- في الليلة القادمة، اللهم ارزقنا الإخلاص في ما نأتي وما نذر، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 26

الصوم والإخلاص (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الحديث في هذه الليلة إكمال للحديث الماضي، ألا وهو الإخلاص. معاشر الصائمين: إذا أخلص المسلمُ صيامه لله، وقام به على الوجه الذي يرضي الله كان ذلك داعيًا له لأن يخلص لله في شتى أموره، وكافة أحواله، وسائر أيامه، فَرَبُّ رمضانَ هو ربُّ سائرِ الشهور، والذي فرض الصيام هو الذي فرض غيره من سائر الطاعات والقربات، والذي يُتَقَرَّبُ إليه بالصيام هو الذي يُتَقَرَّبُ إليه بسائر الأعمال. وهكذا يفيد المسلمُ هذا الدرسَ العظيمَ من شهر الصوم. ولقد وقف الحديث في الدرس الماضي عند أثر الإخلاص على الأفراد بخاصة، وعلى الأمة بعامة؛ فإليكم جملة من تلكم الآثار التي تعود بالخير على الأفراد والجماعات. أيها الصائمون: الإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقيَ للفلاح، فصغير الأعمال -بالإخلاص- يكون كبيرًا، وقليلها يكون كثيرًا.

стр. 27

والإخلاص هو الذي يحمل الإنسانَ على مواصلة عمل الخير؛ فمن يصلي رياءً، أو حياءً من الناس لا بد أن تمرَّ عليه أوقاتٌ لا ينهض فيها إلى الصلاة، ومن يحكم بالعدل؛ ابتغاءَ السمعةِ، أو خوفَ العزلِ من المنصب قد تَعْرِضُ له منفعةٌ يراها ألذَّ من السمعة، أو يصادفه أمن العزلِ فلا يبالي أن يدع العدل جانبًا. ومن يدعو إلى الإصلاح ابتغاء الجاه قد ينزل بين قوم لا يحظى بينهم إلا من ينحط في أهوائهم، فينقلب داعيًا إلى الأهواء. ومن يفعل المعروف لأجل أن تُردِّدَ ذِكْرَهُ الألسنةُ في المجالس أو الصحف قد يرى بعينه سبيلًا من سبل الخير في حاجة إلى مؤازرة؛ فيصرف عنه وجهه وهو يستطيع أن يمد إليه يده، ويسدَّ حاجته. أيها الصائمون: الإخلاص الذي يقوم على الإيمان الصادق هو الذي يسمو سلطانه على كل سلطان، ويبلغ أن يكون مبدأً راسخًا تصدر عنه الأعمال الصالحة. وهو الذي يجد له صاحبه حلاوة، فيسهل عليه أن يكون أحد السبعة المشار إليهم بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظله» إلى أن قال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» .

стр. 28

حكى أشعبُ بنُ جبير أنه كان في بعض سكك المدينة، فلقيه رجل، وقال له: كم عيالك؟ قال: فأخبرته، فقال لي: قد أُمِرتُ أن أجْرِي عليك وعلى عيالك ما كنتَ حيًّا، فقلت من أمرك؟ ، قال: لا أخبرك، قلت: إنَّ هذا معروفٌ يشكر، قال: الذي أمرني لم يرد شكرَك. قال أشعب بن جبير: فكنت آخذ ذلك إلى أن توفي خالد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فحفل له الناس، فشهدته، فلقيني ذلك الرجل، فقال: يا أشعب هذا -والله-صاحبك الذي كان يجري عليك ما كنت أعطيك. فهذا فاعلُ خيرٍ من وراء حجاب. أيها الصائم: لعلك لا تجد أحدًا يتصدى لعمل إلا وهو يدَّعي الإخلاص فيما يعمل؛ ذلك أن الإخلاصَ موطِنُه القلبُ، والقلوبُ محجوبةٌ عن الأبصار. وإذا وصفتَ أحدًا بالإخلاص أو عدمه فإنما ترجع في وصفك إلى أمارات تبدو لك من أحواله الظاهرة. ومن هذه الأحوال ما يدلك على سريرته دِلالةً قاطعةً، ومنها ما لا يتجاوز بك حدَّ الظن.

стр. 29

وهذا موضع التثبت والاحتراس؛ ففي وصف المخادعِ بالإخلاص ووصفِ المخلص بالمخادع ضررٌ اجتماعيٌّ كبير؛ فإن وثقت بمجردِ الظن لم تأمن أن تقضيَ على فاسد الضمير بالإخلاص؛ فيتخذه الناسُ موضعَ قدوةٍ؛ فيستدرجهم من فساد صغير، حتى إذا ألِفوه نقلهم إلى فساد كبير. وربما قضيت على طاهر القلب بعدم الإخلاص، فكنت كمن يسعى لإطفاء سراج، والناس في حاجة إلى سُرجٍ تنير لهم السبيل. أيها الصائمون: الإخلاص فضيلة في نفسه، ولا ينزل في نفس إلا حيث تنزل فضائلُ كثيرةٌ، فالإخلاص يَمُدُّ قلبَ صاحبه بقوة؛ فلا يتباطأُ أن ينهضَ للدفاع عن الحق، ولا يبالي في دفاعه إذا أصابه ما أصابه. والإخلاصُ يشرحُ صدر صاحبه للإنفاق في بعض وجوه البر؛ فتراه يؤثرها بجانب من ماله وإن كان به خصاصة. والإخلاص يعلم صاحبَه الزهد في عرض الدنيا؛ فلا يُخشى منه أن يناوئ الحقَّ، أو يُلْبِسَهُ بشيء من الباطل، ولو أمطر عليه أشياع الباطل فضةً أو ذهبًا. والإخلاص يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا؛ فلا يفصل في قضية إلا بعد أن يتبين له الحق.

стр. 30

والإخلاص يوحي إلى الأستاذ أن يبذلَ جُهْدَه في إيضاح المسائل، وأن لا يبخل على الطلاب بما تسَعُهُ أفهامُهم من المباحث المفيدة، وأن يسلكَ في التدريس الأساليبَ التي تجددُ نشاطَهم للتلقي عنه. والإخلاص يصون التاجر عن أن يخون الذي يأتمنه في صنف البضاعة أو قيمتها، ويحمل الصانع على إتقان عمله حسب الطاقة. والإخلاص يردع قلم الكاتب عن أن يقلب الحقائق، أو يكسوها لونًا غير لونها؛ إرضاءً لشخص أو طائفة. أيها الصائمون: هذه بعض مآثر الإخلاص الذي ينميه الصوم في نفوسنا؛ ويبعثنا إلى أن نخلص لله في جميع أعمالنا، وشتى أحوالنا. فحقيق علينا أن نربي أنفسنا ومن تحت أيدينا على فضيلة الإخلاص، وأن نلقن ناشئتنا ماذا يناله المخلص من حمدٍ وكرامة وحسن عاقبة؛ لكي يَخْرُجَ لنا رجال مخلصون يقوم كل منهم بالعمل الذي يتولاه بحزم وإتقان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 31

رمضان شهر الدعوة نحمدك اللهم أن هديتنا سُبُلَ الفلاح، ونستعين بك على إعلاء كلمة الحق والدعوة إلى الصلاح، ونصلي ونسلم على نبيك محمد الذي أنزلت إليه قرآنًا عربيًّا، وعلى كل من دعا إلى سبيلك مخلصًا تقيًّا. أما من زاغ عن الهدى، واتخذ من المضلين عضدًا فإليك إيابه، وعليك حسابه، أما بعد: فإن الدعوة إلى الله لمن أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأعظم القربات. وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحةٌ، ومناسبة كريمة، وأرضٌ لنشر الدعوةِ خصبةٌ، ذلكم أن القلوب في رمضان تخشع لذكر الله، وتستعد لقبول المواعظ الحسنة، وتقوى بها إرادة التوبة. والحديث في هذه الليلة سيدور حول الدعوة إلى الله من حيث مفهومها، وفضائلها وآدابها، وما يدور في فلكها. أيها المسلمون الكرام: الدعوة إلى الله تشمل كلَّ ما يُقصد به رفعةُ الإسلام، ونشرُه بين الناس، ونفيُ ما علق به من شوائب، وردُّ كلِّ ما يغضُّ من شأنه، ويصرف الناس عنه. والدعوة إلى الله تشمل كلَّ قولٍ، أو فعل، أو كتابة، أو حركة، أو سكنة، أو خُلق، أو نشاط، أو بذل للمال، أو الجاه، أو أي عمل يخدم الدين، ولا يخالف الحكمة.

стр. 32

ولا ريب أن العلم هو مرتكز الدعوة، وهو أساسها، ودليلها، وقائدها. ولكن الدعوة تحتاج مع العلم إلى كثير من الجهود التي مضى شيء منها؛ فكلٌّ يعمل على شاكلته، وقد علم كل أناس مشربهم. أيها الصائمون الكرام: لقد جاءت نصوص الشرع آمرةً بالدعوة، منوهةً بشأنها، محذرةً من التخاذل في تبليغها، مبينةً فضائلَها، والأجورَ المترتبةَ عليها. ولقد جاءت النصوص في ذلك الصدد على وجوه شتى، وصيغ متعددة. فجاءت بصيغة الأمر بالدعوة بصريح لفظها قال - تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) وقال: ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (الرعد: ٣٦) . وجاءت بصيغة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . وجاءت بصيغة التبليغ قال الله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) . وجاءت بصيغة النصح قال : ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة: ٩١) .

стр. 33

وجاءت بصيغة التواصي قال الله - تعالى -: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ٣) . وجاءت بصيغة الوعظ قال - سبحانه -: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ (سبأ: ٤٦) . وجاءت بصيغة التذكير، قال الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥) . وجاء بصيغة الإنذار، قال الله - تعالى -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) . وجاءت بصيغة التبشير قال ﵎: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية ١١٢) وجاءت بصيغة الجهاد قال : ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٢) . وجاءت بصيغة التحذير من التولي عن الدعوة، ونصرة الدين قال : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: من الآية ٥٤) .

стр. 34

أما فضائل الدعوة وثمراتها التي تعود على الأفراد بخاصة، وعلى الأمة بعامة - فلا تكاد تحصى، وأدلةُ الوحيينِ مليئةٌ بذلك، متضافرةٌ عليه. فالدعوة إلى الله طاعة لله، وإرضاءٌ له، وسلامةٌ من وعيده. والدعوةُ إلى الله إعزازٌ لدين الله، واقتداءٌ بأنبيائه ورسله، وإغاظةٌ لأعدائه من شياطين الجن والإنس، وإنقاذٌ لضحايا الجهل والتقليد الأعمى. والدعوةُ إلى الله سبب في زيادة العلم والإيمان، ونزول الرحمة ودفع البلاء، ورفعه. وهي سبب لمضاعفة الأعمال في الحياة وبعد الممات، وسبب للاجتماع والألفة، والتمكين في الأرض. والدعوةُ إلى الله أحسنُ القول، فلا شيء أحسن من الدعوة إلى الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) . وهدايةُ رجلٍ واحدٍ خيرٌ من الدنيا وما عليها، والدعاةُ إلى الله هم أرحمُ الناس، وأزكاهم نفوسًا، وأطهرهم قلوبًا، وهم أصحابُ الميمنة، وهم ورثة الأنبياء.

стр. 35

أيها الصائمون الكرام: هناك صفات يحسن بالداعي إلى الله أن يتَّصف بها - سواء كانت دعوته فردية أم عامة - فمن ذلك: العلمُ، والعملُ بالعلم، والإخلاصُ، والصبرُ، والحلمُ، وحسنُ الخلقِ، والكرمُ، والإيثارُ، والتواضعُ، والحكمةُ، والرحمةُ، والحرصُ على جمع الكلمة على الحق. ومن الصفات التي يجمل بالداعي أن يتَّصف بها: الصفحُ الجميلُ، ومقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، والثقةُ بالله، واليقينُ بنصره، والرضا بالقليل من النتائج، والسعيُ للكثير من الخير. ومنها تجنبُ الحسدِ، وتجنبُ استعجالِ النتائج، وتجنبُ التنافس على الدنيا والانهماك في ملذاتها ومشاغلها. ومن آداب الداعي إلى الله أن يكون ملازمًا للِّينِ والرفق، حريصًا على هداية الخلق، مستشعرًا للمسئولية، قويَّ الصلة بالله، كثير الذكر والدعاء والإقبال على الله بسائر القربات. ومن آدابه: الحرصُ على مسألة القدوة، وأن يغتنم كل فرصة للدعوة، وألا يحتقر أي جهد في سبيلها مهما قل. ومن آدابه: أن ينزلَ الناسَ منازلَهم، وأن يتحامى قدر المستطاع ما يسوؤهم، وأن يتحمل همَّهم، وألا يحمِّلهم شيئًا من همومه. ومن آدابه: تحسُّسُ أدواء المدعوين، ومعرفة أحوالهم.

стр. 36

ومنها: البعدُ عن الجدال إلا في أضيق الحدود، وبالتي هي أحسن. ومنها: تعاهدُ المدعوين، وتشجيعُهم، وربطُهم بالرفقة الصالحة، ومراعاة الحكمة في إنقاذهم من رفقة السوء. ومنها: البدء بالأهم فالمهم، والبعد عن الانتصار للنفس. ومنها: تنويع وسائل الدعوة، فتارة بالموعظة، وتارة بالهدية، وتارة بالتوجيه غير المباشر وهكذا ... ومنها: إظهار الاهتمام بالمدعو، ومعرفةُ اسمه، وإشعاره بأهميته، وإشغاله بما ينفعه. أيها الصائمون الكرام: هذه هي الدعوة إلى الله، وتلك فضائلها، وآداب أهلها؛ فحريّ بنا أن نكون دعاة إلى الله؛ كُلٌ بحسبه، فهذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بجهده؛ لنحقِّقَ الخيرية ولنسلمَ من الوعيد. فيا طالب العلم هذا شهرُ رمضانَ فرصةٌ عظيمة للدعوة إلى الله، فها هي القلوب ترق، وها هي النفوس تهفو إلى الخير، وتجيب داعي الله؛ فهلا استشعرت مسئوليتك، وهلا استفرغت في سبيل الدعوة طاقتك وجهدك، وهلا أبلغت وأعذرت، ورفعت عن نفسك التبعة!!.

стр. 37

ويا من آتاه الله بسطةً في المال: ألا تؤثر الدعوة إلى الله بجانب من مالك، فتساهم في كفالة الدعاة، وإعدادهم، وتشارك في طباعة الكتب النافعة، ونحو ذلك مما يدور في فلك الدعوة، ألا تريد أن تدخل في زمرة الدعاة إلى الله. ويا من آتاه الله جاهًا: ألا بذلته في سبيل الله، ألا سعيت في تيسير أمور الدعوة إلى الله؟ . ويا أيها الإعلامي المسلم أيًّا كان موقِعُك ألا يكون لك نصيب في نشر الخير، والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، والطرح البناء، أما علمت أنك ترسل الكلمةَ أو تعين على إرسالها، فتسير بها الركبانُ، وتبلغ ما بلغ الليل والنهار؟ أما علمت أن لك غُنْمَها، وعليك غُرْمَها؟ ويا من حباه الله دراية ومعرفة بشبكة الاتصالات وما يسمى بالإنترنت، ألا جعلت من ذلك وسيلة لنشر الدعوة إلى الله؟ أليس من اليسير في حقك أن تبث الخير على أوسع نطاق، وبأقل مؤونة، ألست تخاطب العالم، وأنت منزوٍ في قعر بيتك؟ . ويا أيتها المرأة المسلمة ألا تسعين جاهدة في نشر الخير في صفوف النساء بما تستطيعين؟ .

стр. 38

ويا أيها المسلمون عمومًا: ألا نتعاون جميعًا في سبيل الدعوة إلى الله، ألا نجعل من شهرنا هذا ميدانًا لاستباق الخيرات، ألا نتعاون في نصح الغافلين، وتذكير الناسين، وتعليم الجاهلين؟ !. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) . اللهم اجعلنا من أنصار دينك، ومن الدعاة إلى سبيلك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 39

رمضان شهر البر (١) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ البرِّ، وموسمُ الخير، وميدان التنافس. وإن من أعظم البرِّ وأجل القربات برَّ الوالدين، ذلكم أن حقَّ الوالدين عظيم، ومنزلتهما عالية في الدين؛ فَبِرُّهما قرينُ التوحيد، وهو من أعظم أسباب دخول الجنة، وهو مما أقرته الفطر السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية. وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين، وهو سبب في زيادة العمر، وسعة الرزق، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات، وانشراح الصدر، وطيب الحياة. وهو -أيضًا- دليل صدق الإيمان، وعلامة حسن الوفاء، وسبب البر من الأبناء. وفي مقابل ذلك فإن عقوق الوالدين ذنب عظيم، وكبيرة من الكبائر، فهو قرين للشرك، وموجب للعقوبة في الدنيا، وسبب لرد العمل، ودخول النار في الأخرى. وهو جحودٌ للفضل، ونكرانٌ للجميل، ودليلٌ على الحمق والجهل، وعنوانٌ على الخسة، والدناءة، وأمارةٌ على حقارة الشأن وصِغَرِ النفس. ولعظم حق الوالدين تظاهرت نصوص الشرع آمرةً ببرهما والإحسان إليهما، ناهيةً عن عقوقهما والتقصير في حقهما، قارنة حقوقهما بحق الله -تعالى-.

стр. 40

قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: من الآية ٣٦) . وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥١) . وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣-٢٤) وفي الصحيحين «عن ابن مسعود أنه قال: سألت رسول الله " أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر الوالدين» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي " قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» رواه البخاري.
следующие страницы →