← Фикх общий

Фикх общий · id 1959

دروس رمضان

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (264 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثم إن للسخاء أثرًا في صيانة الأعراض، ونباهة الذكر، وائتلاف القلوب، وتأكيد رابطة الإخاء. وللسخاء أثرٌ في القضاء على كثير من الأخلاق المرذولة، كالحسد من الفقراء للأغنياء، وكالكبر من الأغنياء على الفقراء. وللسخاء أثرٌ في ستر العيوب، قال الشافعي ﵀: وإنْ كثرت عيوبُكَ في البرايا ... وَسرَّك أن يكون لها غطاءُ تَسَتَّرْ بالسخاء فكلُّ عيبٍ ... يُغَطِّيه كما قيل السخاءُ ثم إن السخيَّ قريبٌ من الله، ومن خلق الله، ومن الجنةِ، والبخيلُ بعكس ذلك. والسخاءُ مُتَّصِل بفضائلَ أخرى؛ فالسخيُّ في أغلب أحواله يأخذ بالعفو، ويتحلّى بالحلم، ويجري في معاملاته على الإنصاف، ويؤدي حقوقَ الناسِ من تلقاء نفسه. ولتجدنّ السخيَّ بحق متواضعًا، لا يطيش به كبر، ولا تستخفه خيلاء، ولتجدنَّه أقربَ الناس إلى الشجاعة وعزة النفس؛ وإنما يخسر الإنسانُ الشجاعةَ والعزةَ بشدَّة حرصه على متاع الحياة الدنيا.

стр. 107

ولقد جَرَتْ سُنةُ اللهِ بأن السخيَّ بحقٍّ يفوز بالحياة الطيبة، ولا تكون عاقبتُه إلا الرعايةَ من الله والكرامة؛ فلما كان رحيمًا بالفقراء، والمساكين، والمحتاجين، حريصًا على إسعادهم، وإدخال السرور والبهجة على نفوسهم - كان جزاؤه من جنس عمله. هذا، وإن السخاء ليس مقتصرًا على بذل المال فحسب، بل إن مفهومَه أوسعُ، وصورَهُ أعمُّ وأشمل. فمن صور السخاء: أن يكونَ للإنسان دَيْنٌ على آخر؛ فيطرحَه عنه، ويُخْلِيَ ذمته منه، وهو يستطيع الوصول إليه، دون عناء ولا تعب. كان قيسُ بنُ سعدِ بنِ عبادة ﵄ من الأجواد المعروفين، حتى إنه مرض مرة، فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقيل له: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدَّيْن، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي: من كان لقيس عليه مالٌ فهو منه في حِل؛ فما أمسى حتى كُسِرتْ عتبةُ بابِه من كثرة من عاده. ويدخل في قبيل الأسخياء مَنْ يستحق على عمل أجرًا؛ فيترك الأجر من تلقاء نفسه.

стр. 108

ويدخل في قبيلهم مَنْ يسعى في قضاء حوائج الناس، وتفريج كرباتهم، فعن الحسن ﵀ قال: (لأنْ أقضيَ حاجةَ أخٍ لي أحبُّ إلي من أن أعتكفَ سنة) . وقيل لابن المنكدر ﵀: (أي الأعمال أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، وقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان) . وقال الشافعي ﵀: وأفضلُ الناسِ ما بينَ الورى رجلٌ ... تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ ويدخل في السخاء سخاوة الإنسان بجاهه؛ بحيث يبذله في سبيل الخير، والشفاعات الحسنة: من إحقاق حق، ونُصْرِة مظلوم، وإعانة ضعيف، ومَشْيٍ مع الرجل إلى ذي سلطان، قال - تعالى -: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (النساء: من الآية ٨٥) . وقال ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» رواه البخاري ومسلم. ومن السخاءِ سخاءُ الإنسان برياسته؛ فيحمله سخاؤه على امتهانها، والإيثار في قضاء حاجات الملتمس. ومن السخاءِ سخاءُ الإنسانِ براحته، ووقته، ونصحه؛ في سبيل نفع الناس. ومن أعلى مراتبِ السخاء سخاءُ الإنسان بالعلم؛ فذلك أشرف من السخاء بالمال.

стр. 109

ومن السخاءِ سخاءُ الإنسانِ بِعِرضه؛ بحيث يعفو ويصفح عمن ناله بسوء.. مر الشعبيُّ ﵀ بقوم يذكرونه بسوء، فتمثَّل بقول كُثَيِّر عزةَ: هنيئًا مريئًا غيرَ داءٍ مخامرٍ ... لِعَزَّةَ من أعراضنا ما استحلتِ أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً ... لدينا ولا مقليةً إن تقلَّتِ وفي هذا السخاءِ من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلُّص من معاداة الخلق ما فيه. ومن السخاءِ السخاءُ بالصبر، والاحتمال، والإغضاء، وهي مرتبةٌ شريفةٌ لا يقدر عليها إلا النفوسُ الكبار. ومن السخاءِ السخاءُ بالخلق، والبشر، والتبسم، والبشاشة، والبسطة، ومقابلة الناس بالطلاقة؛ فذلك فوق السخاء بالصبر، والاحتمال، والعفو، وهذا هو الذي بلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم، وهو أثقلُ ما يوضع في الميزان، وفيه من أنواع المسارّ والمنافع والمصالح ما فيه. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وإني لأكسو الخلَّ حُلَّةَ سُندسٍ ... إذا ما كساني من ثياب مداده ويدخل في السخاء حَضُّ الناس على الخير، ودِلالتهم على وجوهه، وشُكْرُ الأسخياءِ، والدعاءُ لهم.

стр. 110

ومن صور السخاء الخفية المحمودة سخاء النفس بترفُّعها عن الحسد، وحبِّ الاستئثار بخصال الحمد، وذلك بأن يحب المرء لإخوانه ما يحبه لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، فيفتح لهم المجالات، ويعطيهم فرصة للإبداع، والحديث، والمشاركة، ونحو ذلك؛ فيفرح لنجاحهم، ويحزن لإخفاقهم؛ فهذه من الصور الخفية للسخاء، وقلَّ من يتفطَّن لها، ويأخذ نفسه بها. ومن جميل السخاءِ سخاءُ المرء عما في أيدي الناس، فلا يلتفت إليه، ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرَّض له بحاله ولسانه. وأروع ما في السخاء، سخاء المرء بنفسه، وأروع ما في ذلك ما كان في سبيل الله . أيها الصائمون الكرام: يتفاضل الناس بالسخاء، على قدر هممهم، وشرف نفوسهم. فيتفاضلون من جهة الإنفاق؛ فالذي ينفق في السر أكمل من الذي لا ينفق إلا في العلانية. ويتفاضلون من جهة استصغارِ ما يُنْفَق واستعظامِه؛ فالذي ينفق في الخير، وينسى أو يتناسى أنه أنفق، هو أسخى ممن ينفق ثم لا يزال يذكر ما أنفق، ولا سيما إذا كان في معرض الامتنان.

стр. 111

ويتفاضل الناس في السخاء من جهة السرعة إلى البذل، والتباطؤ فيه؛ فمن يبذل المال لذوي الحاجة لمجرد شعوره بحاجتهم، يَفْضُل مَنْ لا يبذل إلا بعد أن يسألوه. ومن يقصد بالبذل موضع الحاجة - عرفه أو لم يعرفه - يكون أسخى ممن يَخُصُّ بالنوال من يعرفهم ويعرفونه. ومن يعطي عن ارتياحٍ، وتلذُّذٍ بالعطاء يعد أسخى ممن يحسن وفي نفسه حرجٌ. ومن علامات الرسوخ في السخاء ملاقاةُ السائلين بأدب وحفاوة؛ حتى يحفظ عليهم عزتهم. وأبلغ ما يدل على أصالة الرجل، ورسوخ قدمه في فضيلة السخاء - أن يرقَّ عطفُه، حتى يبسط إحسانه إلى ذي الحاجة، وإن كان من أعدائه؛ فذلك من كِبَر النفس، وضروب العزة، والترفع عن العداوات. ومن علامات الرسوخ في السخاء أن يتألمَ المرءُ، وأن يتأسف أشد الأسف إذا سئل شيئًا وهو غيرُ واجدٍ له، قال الشافعي ﵀: إن اعتذاري لمن قد جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات ومن الأسخياء من تَسْمُو به الحال، فيرى أن الفضل والمنَّة إنما هي لمن جاء يستجديه ويسأله؛ حيث أحسن الظنَّ به، وتكرَّم عليه؛ فهذا من غرائب السخاء. ينسب لابن عباس ﵄ أنه قال:

стр. 112

إذا طارِقَاتُ الهمِّ ضَاجعت الفتى ... وأعْمل فكرَ الليلِ والليلُ عاكرُ وباكرني في حاجة لم يجدْ بها ... سواي ولا مِنْ نكبة الدهرِ ناصرُ فَرَجتُ بمالي همَّهُ من مقامه ... وزايله همٌّ طروقٌ مسامرُ وكان له فضل عليَّ بظنه ... بي الخير إني للذي ظنَّ شاكرُ وأرفع درجات السخاء أن يكون الإنسان في حاجة ملحَّة إلى ما عنده؛ فيدع حاجته، ويصرف ما عنده في وجوه الخير؛ وذلك ما يسمى بالإيثار. اللهم قنا شح أنفسنا، واجعلنا من المفلحين، وصلِّ اللهم وسلم على خاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 113

حقوق الجار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ الترابط، وشهرُ التواصي، وشهرُ التقارب، وشهر المودّات. والحديث اليوم سيدور حول معنى من هذه المعاني، ألا وهو حق الجار؛ فلقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره؛ حيث قرن الله حق الجار بعبادته وبالإحسان إلى الوالدين، واليتامى، والأرحام. قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (النساء: من الآية ٣٦) . أما السنَّةُ النبويةُ فقد استفاضت نصوصُها في بيان رعاية حقوقِ الجارِ، والوصايةِ به، وصيانةِ عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسدّ خلَّته، وغضِّ البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه، ويسيء إليه. ومن أجلِّ تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيوَرِّثه» .

стр. 114

أي: ظننت أنه سَيبْلُغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ. أيها الصائم الكريم: الجار في الاصطلاح الشرعي هو من جاورك جوارًا شرعيًّا، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًّا أو فاجرًا، صديقًا أو عدوًّا، محسنًا أو مسيئًا، نافعًا أو ضارًّا، قريبًا أو أجنبيًّا، غريبًا أو بلديًّا. وله مراتب بعضها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه وقرابته، ودينه وتقواه، ونحو ذلك؛ فيعطى بحسب حاله وما يستحق. أما حدّ الجوار؛ فقد اختلفت عباراتُ أهل العلم في حدِّ الجوار المعتبر شرعًا، والأقرب - والله أعلم - أن حدَّ الجوار يُرجع فيه إلى عُرْفِ الناس؛ فما عُلِمَ عُرْفًا أنه جارٌ فهو جار. ولا ريب أن الجوارَ في المسكن هو أجل صور الجوار وأوضحُها، ولكنَّ مفهوم الجار والجوار لا يقتصر على ذلك فحسب، بل هو أعمُّ من ذلك وأشمل؛ فالجار معتبرٌ في المتجر، والسوق، والمزرعة، والمكتب، ومقعد الدرس. ومفهومُ الجارِ يشمل الرفيقَ في السفر؛ فإنه مجاورٌ لصاحبه مكانًا وبدنًا، والزوجةُ كذلك تسمى جارةً، وكذلك مفهومُ الجوارِ يشمل الجوارَ بين المدن، والدول، والممالك، فلكل منهما حق على الآخر.

стр. 115

أيها الصائمون الكرام: حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جدًّا، أما أصولها فتكاد ترجع إلى أربعة حقوق. أولها: كف الأذى: فالأذى على كل أحد بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريمًا. جاء في صحيح البخاري عن أبي شريح ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» . وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره» . وفي مسند الإمام أحمد، والأدب المفرد للبخاري، وعند الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي عن أبي هريرة ﵁ قال: «قيل يا رسول الله إن فلانةً تصلي الليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة، قال: (لا خير فيها هي في النار) . وقيل له: إن فلانةً تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار (وهي القطع الكبيرة من الأقط وهو اللبن الجامد المستحجر) وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي جيرانها، قال: (هي في الجنة) .»

стр. 116

ولفظ الإمام أحمد: «لا تؤذي بلسانها جيرانها» . بل لقد جاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، ففي حديث أبي جُحيفة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره فقال له: (اطرح متاعك في الطريق) . قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من الناس؟ قال: وما لقيتَ منهم؟ قال: يلعنوني، قال: فقد لعنك الله قبل الناس قال: يا رسول الله فإني لا أعود» . أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والبزار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي. قال علي بن أبي طالب للعباس ﵄: (ما بقي من كرمِ إخوانك؟ قال الإفضالُ إلى الإخوان، وتركُ أذى الجيران) . فانظر كيفَ عدَّ العباسُ ﵁ تركَ أذى الجيران من الكرم. ولقد كان العرب يتمدحون بكف الأذى عن الجار، قال هُدْبَةُ بنُ الخَشْرم: ولا نَخْذِلُ المولى ولا نرفع العصا ... عليه ولا نزجي إلى الجار عقربا وقال لبيد: وإن هوانَ الجارِ للجار مؤلمٌ ... وفاقرةٌ تأوي إليها الفواقر

стр. 117

الثاني من حقوق الجار: حماية الجار: فمما ينبه لشرف همّة الرجل نهوضُه لإنقاذ جاره من بلاءٍ يُنال به في عرضه، أو بدنه أو ماله، أو نحو ذلك. ولقد كانت حمايةُ الجار من أشهر مفاخر العرب التي ملأت أشعارهم، قال عنترة: وإني لأحمي الجارَ من كل ذلّة ... وأفرحُ بالضيف المقيم وأَبْهَجُ وقالت الخنساءُ تمدح أخاها بحمايته جارَه: وجارُكَ مَحْفُوظٌ منيعٌ بنجوة ... من الضيم لا يُؤذى ولا يتذللُ بل لقد غالى العرب، وبالغوا في المحاماة عن الجار؛ إذ لم تتوقَّف محاماتُهم عن الجار الإنسان، بل لقد تعدّوا ذلك؛ فأجاروا ما ليس بإنسان إذا نزل حول بيوتهم حتى ولو كان لا يعقل ولا يستجير؛ مبالغةً في الكرامة والعزَّة، وتحديًا لأن يَخْفِرُ الجوارَ أحدٌ، مثل ما فعل مدلجُ بنُ سويدٍ الطائيُّ، الذي نزل الجرادُ حول خبائه؛ فمنع أن يصيدَه أحدٌ حتى طار وبَعُدَ عنه. وكان كليبٌ يجير الصيدَ، فلا يَعْرِضُ له أحدٌ. الثالثُ من حقوق الجار: الإحسانُ إليه؛ فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق.

стр. 118

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» الحديث، ولمسلم - أيضًا -: «فليحسن إلى جاره» . ومن ضروب الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان. الرابع: من حقوق الجار احتمال أذاه: وذلك بأن يغضيَ عن هفواته، ويتلقى بالصفح كثيرًا من زلاته، ولا سيّما إساءةً صدرت من غير قصد، أو إساءةً ندم عليها، وجاء معتذرًا منها؛ فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفع الأخلاق، وأعلى الشيم. ولقد فقه السلف هذا المعنى، وعملوا به، روى المرّوذي عن الحسن: ليس حسنُ الجوارِ كفَّ الأذى، حسنُ الجوارِ الصبرُ على الأذى. هذه هي الأصولُ الأربعةُ التي عليها مدارُ حقوقِ الجارِ، ومع عظم ذلك الحقِّ إلا أن هناك تقصيرًا كبيرًا في حقِّ الجار من كثيرٍ من الناس.

стр. 119

فمن صورِ ذلك التقصير مضايقةُ الجارِ، وحسدُه، واحتقارُه، وكشفُ أسراره، وتتبعُ عثراته، والفرحُ بزلاته. ومن ذلك: إيذاؤه بالجلبة، ورفعُ الأصوات، وتأجيرُ مَنْ لا يرغب الجيران في إسكانه. ومن صور التقصير في حق الجار: خيانتُه، والغدرُ به، وقلةُ الإحسان إليه، وتركُ النهوضِ لحمايته، وقلةُ الحرص على التعرُّف على الجيران، وقلةُ التفقُّد لأحوالهم. ومن ذلك: قلّةُ التهادي بين الجيران، والتكبُّرُ عن قبول هداياهم، ومنعُهم ما يحتاجون إليه من الأدوات اليسيرة، وقلةُ الاهتمام بإعادة المعار من الجيران إليهم. ومن صور التقصير في حق الجيران: تركُ الإجابةِ لدعوتهم، وقلَّةُ المبالاة بدعوتهم إلى الولائم والمناسبات، وقلَّةُ المناصحة لهم، وقلةُ التعاون معهم على البر والتقوى. ومن ذلك: كثرةُ الخصومةِ معهم، والتهاجرُ، والتدابرُ عند أدنى سبب، وقلةُ الحرص على إصلاح ذات البين إذا فسدت بين الجيران. ومن صور التقصير في حق الجار: تركُ الإحسان إلى الجار الغريب، وقلّةُ العناية باختيار الجار الصالح، والتفريطُ به، وقلّةُ الوفاء للجيران بعد الرحيل عنهم.

стр. 120

وخلاصة القول: إن انتظام رابطة الجوار أكبر شاهد على رقي المجتمع، وسمو آدابه، والعكس بالعكس، وبإصلاح تلك الرابطة تطوى عند المحاكم قضايا كثيرة لا منشأ لها إلا عدم رعاية حق الجار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 121

فإنه أغضُّ للبصر (١) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» . قال ابن حجر في شرح الحديث: (الوجاء: رضُّ الخصيتين، وقيل: رضُّ عُروقِهما، ومن يُفعَل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصومَ قامعٌ للشهوة) . انتهى كلامه. معاشر الصائمين: في هذا الحديث إشارة إلى فائدة كبرى من فوائد الصوم، ألا وهي غض البصر، وإحصان الفرج. فالصائم ينال هذه الفضيلة، ويسلم من معاطب إطلاق البصر وآفاته؛ فالعين مرآةُ القلب، وإذا أطلق الإنسان بصرَه أطلق القلبُ شهوتَه، ومن أطلق بصرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيٍء على القلب إرسالُ البصر؛ فإنه يريد ما يشتدُّ إليه طلبُه، ولا صبر له عنه، ولا سبيل إلى الوصول إليه، وذلك غايةُ ألمه وعذابه.

стр. 122

ثم إن النظرةَ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس - كما جاء في الحديث - وشأنُ السهمِ أن يسريَ في القلب؛ فيعملَ فيه عملَ السمِّ الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه وإلا قتله ولا بد. وكذلك النظرةُ؛ فإنها تفعل في القلب ما يفعله السهمُ في الرَّميَّة، فإن لم تقتله جرحته. والنظرةُ بمنزلة الشرارة تُرمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقْه كلَّه أحرقت بعضه كما قيل: كلُّ الحوادثِ مبداها من النظر ... ومعظمُ النارِ من مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها ... فتكَ السهام بلا قوسٍ ولا وتر والمرءُ ما دام ذا عينٍ يقلبها ... في أعين الغيد موقوفٌ على الخطر يسرُّ مُقْلَتَهُ ما ضرَّ مهجتَه ... لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهامٍ غَرضُها قلبه وهو لا يشعر، قال المتنبي: وأنا الذي اجتلب المنيةَ طرفُهُ ... فَمَنِ المطالبُ والقتيلُ القاتلُ قال ابن القيم ﵀: (ولما كان النظرُ أقربَ الوسائلِ إلى المحرم اقتضت الشريعةُ تحريمَه، وأباحتْه في موضع الحاجة. وهذا شأن كلِّ ما حُرِّم تحريم الوسائل؛ فإنه يباح للمصلحة الراجحة) .

стр. 123

قال جرير بن عبد الله ﵁: «سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرفَ بصري» . قال ابن القيم ﵀: (ونظرُ الفجأةِ هي النظرة الأولى، التي تقع بغير قصد؛ فما لم يتعمدْه القلبُ لا يعاقب عليه، فإذا نظر الثانيةَ تَعَمُّدًا أثِم؛ فأمره النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يصرفَ بصرَه، ولا يستديم النظر، فإنَّ استدامته كتكريره) . معاشر الصائمين: ما أحوجنا إلى غضِّ البصر، وإلى ما يذكرنا به، خصوصًا في هذه الأزمنة، التي كثرت فيها الفتن، وتنوعت؛ حيث التبرجُ والسفورُ، والمجلاتُ الهابطةُ، والأفلام الخليعة، والقنوات الفضائية التي تغري بالرذيلة، وتزري بالفضيلة. فغض البصر - بإذن الله - أمانٌ من الفتنة، وسبيلٌ إلى الراحة والسلامة؛ فإذا غض العبدُ بصره غضَّ القلب شهوتَه وإرادته. قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور: من الآية ٣٠) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فجعل - سبحانه - غضَّ البصر، وحفظَ الفرج هو أقوى تزكيةٍ للنفوس.

стр. 124

وزكاةُ النفوسِ تتضمن زوالَ جميعِ الشرورِ من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك) . وقال ابن الجوزي ﵀: (والواجب على من وقع بصرُه على مُسْتَحسنٍ، فوجد لذةَ تلك النظرةِ في قلبه أن يصرفَ بصرَه؛ فمتى ما تَثَبَّت في تلك النظرة أو عاود وقع في اللوم شرعًا وعقلًا. فإن قيل: فإن وقع العشقُ بأول نظرةٍ فأي لومٍ على الناظر؟ فالجواب: أنه إذا كانت النظرةُ لمحةً لم تَكَدْ توجبُ عِشقًا، إنما يوجبه جمودُ العين على المنظور بقدر ما تَثْبُتُ فيه، وذلك ممنوع منه. ولو قَدَّرنا وجودَه باللمحة، فأثَّر محبةً سَهُلَ قمْعُ ما حصل) . إلى أن قال ﵀: (فإن قيل: فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة؟ قيل: علاجهُ الإعراضُ عن النظر؛ فإن النظرةَ مثلُ الحبةِ تُلْقَى في الأرض؛ فإذا لم يُلتَفَتْ إليها يَبَستْ، وإن سقيت نَبَتَتْ؛ فكذلك النظرةُ إذا أُلحقت بمثلها) . وقال: (فإن جرى تفريطٌ بإتْباعِ نظرةٍ لنظرةٍ فإن الثانية هي التي تُخاف وتُحذر؛ فلا ينبغي أن تُحْقَر هذه النظرةُ؛ فربما أورثت صبابةً، صبَّت دمَ الصبِّ) .

стр. 125

وقال ابن القيم: (فعلى العاقلِ ألا يُحَكِّم على نفسه عشقَ الصور؛ لئلا يؤدِّيَه ذلك إلى هذه المفاسد، أو أكثرِها، أو بعضِها؛ فمن فعل ذلك فهو المفرِّط بنفسه، المُضِرُّ بها؛ فإذا هلكت فهو الذي أهلكها؛ فلولا تكرارُه النظرَ إلى وجه معشوقه، وطمعه في وصاله لم يتمكَّنْ عِشْقُه من قلبه) اهـ. اللهم إنَّا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى، وللحديث صلة - إن شاء الله - وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 126

فإنه أغضُّ للبصر (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد كان الحديث بالأمس يدور حول أثرِ الصيام في غضِّ البصر، وذلك انطلاقًا من قوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» . وقد جاء في الحديث الماضي ذكرٌ لأضرار إطلاق البصر، والحديث هاهنا إكمال لما مضى، وبيان لفوائد غضّ البصر. معاشرَ الصائمين قد يقول بعض الناس: إذا نظرتُ نظرةً، فاشتدَّ تعلقي بمن نظرتُ إليه؛ فهل لي أن أكررَ النظرَ، لعلي أراه دون ما في نفسي، فَأَسْلوَ عنه؟ والجواب: أن ذلك من تلبيس الشيطان، ولا يجوز فعلُه لأوجهٍ عديدةٍ ذكرها ابن الجوزي، وابن القيم - رحمهما الله - ومن تلك الأوجه ما يلي: أولًا: أن الله - سبحانه - أمر بغضِّ البصر، ولم يجعلْ شفاءَ القلبِ فيما حرَّمه على العبد. الثاني: أن النبي ﷺ سُئل عن نظر الفجأة، وقد علم أنَّه قد يؤثر في القلب، فأمر بمداواته بصرف البصر، لا بتكرار النظر.

стр. 127

الثالث: أنه صرح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومحالٌ أن يكون داؤه مما هو له، ودواؤه فيما ليس له. الرابع: أن الظاهرَ أن الأمرَ كما رآه في أول مرة؛ فلا تحَسُنُ المخاطرةُ بالإعادة. الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه؛ فزاد عذابُه. السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية، يقوم في ركائبه، فيزيِّن له ما ليس بحسن؛ لتتمَّ البلية. السابع: أنه لا يعان على مطلوبه، إذا أعرض عن امتثال أمر الشرع، وتداوى بما حرمه عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلَّف عنه المعونة. الثامن: أن النظرةَ الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس، ومعلومٌ أن الثانية أشدُّ سُمًّا؛ فكيف يتداوى من السم بالسم؟ ! التاسع: أن صاحبَ هذا المقام في مقام معاملة الحق في ترك محبوب - كما زعم - وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبينَ حالَ المنظور إليه؛ فإن لم يكن مرضيًّا تَرَكَهُ؛ فإذًا يكون تَرْكُهُ لأنه لا يلائم غرضه، لا لله - تعالى - فأين معاملة الله - تعالى - بترك المحبوب لأجله؟ وبهذه الأوجه وغيرها مما لم يذكر يتبينُ لنا خطورةُ إطلاقِ البصر، وإتْبَاعُ النظرةِ النظرة.

стр. 128

معاشر الصائمين: لغضِّ البصر فوائدُ عظيمةٌ، لو استحضرها العاقل لقادته إلى غض البصر، ولمنعته من الاسترسال فيه، ومن تلك الفوائد ما يلي: الفائدة الأولى: تخليص القلب من ألم الحسرة. الفائدة الثانية: أنه يورثُ القلبَ نورًا وإشراقًا، يَظْهرُ في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح. الفائدة الثالثة: أن غضَّ البصر يورثُ صحةَ الفِرَاسَة؛ فإنها من النور، وثمراته، وإذا استنار القلبُ صحَّت الفِراسةُ؛ لأنه يصير بمنزلة المرآةِ المجلوَّةِ تظهر فيها المعلوماتُ كما هي، والنظرُ بمنزلة التنفُّس فيها؛ فإذا أطلق العبد نظره تنفَّست نفسُه الصُّعَداءُ في مرآة قلبه، فطمست نورها كما قيل: مرآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صلاحَهُ ... والنَّفسُ فيها دائمًا تتنفسُ والله يجازي العبدَ على عمله بما هو من جنسه، فمن غضَّ بصرَه عن المحارم عوَّضه الله إطلاقَ بصيرتِه؛ فلما حبس بصرَه لله أطلق اللهُ نور بصيرتِه، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرتَه.

стр. 129

الفائدة الرابعة من فوائد غض البصر: أنه يفتحُ للعبد طرقَ العلمِ ويسهلُ عليه أسبابَه، وذلك بسب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائقُ المعلومات، وانكشفتْ له بسرعة، ونفذَ من بعضها إلى بعض. ومن أرسلَ بصَره تكدَّر عليه قلبه، وأظلم، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطرقُه. الفائدة الخامسة: أن غضَّ البصر يورث القلبَ سرورًا، وفرحًا، وانشراحًا، أعظم من اللذة والسرور الحاصلِ بالنظر؛ وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته، ومخالفة نفسه، وهواه. ثم إنه لما كفَّ لذَّتَهُ، وحبسَ شهوتَه لله وفيها مسرةُ نفسه الأمارةِ بالسوء أعاضه الله مَسَرَّةً ولذةً أكملَ منها، كما قال بعضهم: والله لَلَذَّةُ العفةِ أعظمُ من لذة الذنب. ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحًا، وسرورًا، ولذّةً أكملَ من لذّة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى. الفائدة السادسة: أن غضَّ البصر يُخَلِّص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسيرُ شهوته وهواه. الفائدة السابعة: أن غضَّ البصر يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظرة باب الشهوة الحاملة على مواقعة الإثم.

стр. 130

الفائدة الثامنة: أن غضَّ البصر يقوي العقلَ، ويزيده ويثبِّته؛ فإن إطلاق البصر وإرسالَه لا يحصل إلا من خِفة العقل، وطيشِه، وعدمِ ملاحظته للعواقب. الفائدة التاسعة: أنه يُخَلِّصُ القلب من سُكْرِ الشهوة، ورقدةِ الغفلة. وبالجملة ففوائدُ غضِّ البصر، وآفاتُ إرسالِه أضعافُ أضعاف ما ذكر؛ فعلى من يريد السلامة لنفسه أن يغضَّ طرفَه عما تشتهيه نفسُه من الحرام، وليكن له في ذلك الغض نيةٌ يحتسب بها الأجرَ، ويكتسب الفضلَ، ويدخل في جملة مَنْ نهى النفسَ عن الهوى. وهكذا معاشر الصائمين: يتبيَّن لنا أثرُ الصيامِ في غضِّ البصر، ويتّضح لنا آثار إرسالِ البصر، وثمراتُ غَضِّه. وإذا استفاد الصائم هذا الدرس من صيامه بعثه ذلك إلى غضِّ بصره، واستحضار مشاهدة الرب له؛ فينال بذلك فوائدَ غضِّ البصر، ويدخل في زمرة المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم. اللهم اجعلنا ممن خافك، واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 131

أثر الصيام في اكتساب العزَّة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن العزةَ خصلةٌ شريفةٌ، وخَلّةٌ حميدة، وخُلُقٌ رفيع، وأدبٌ سامٍ، تَعْشَقُها قلوبُ الكرام، وتهفو إلى اكتسابها النفوسُ الكبار. وإن الإسلام لَدِينُ العزة والكرامة، ودينُ السموِّ والارتفاع، ودينُ الجدِّ والاجتهاد، فليس دينَ ذلةٍ ومَسْكنة، ولا دينَ كسلٍ وخمولٍ ودعة. وإن شهرَ رمضانَ لميدانٌ فسيحٌ لاكتساب العزَّة، والتحلي بها، وذلك من وجوه عديدةٍ متنوعة؛ فالصائمُ - على سبيل المثال - ينال هذا الخُلقَ من جراء صيامه، وتركِه لطعامه، وشرابه، وشهواته المباحةِ فضلًا عن المحرمة. وهذا يبعثه إلى الترفع عن الدنايا، ومحقرات الأمور، ويطلقه من أسر العادات، وأهواء النفوس. وينال العزة ـ كذلك ـ من جراء بعده عن الجدال والمراء والجهل والرفث، والصخب، والإساءة إلى الناس، امتثالًا لقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب» . وفي رواية «ولا يجهل» ، وفي رواية «ولا يجادل» . وإذا كان الصائم كذلك حفظ على نفسه عزَّتها وكرامتها، ورَفَعها عن مجاراة الطائفةِ التي تلذُّ المهاترةَ والإقذاع.

стр. 132

وينال المؤمن الصائم العزَّة في هذا الشهر من جراء صيامه، وكثرة أعماله الصالحة، وانقطاعه عما سوى الله، وهذا هو سر العزة الأعظم؛ إذ ينال بسبب ذلك عزةَ نفسٍ، وزيادةَ إيمانٍ، واتصالًا وقربًا من الرحمن ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) (المنافقون: من الآية ٨) . وينال المؤمنون العزَّة في هذا الشهر بسبب كثرة إنفاقهم، وإحسانهم إلى الفقراء والمعوزين. وفي ذلك صيانةٌ للوجوه من السؤال، وإنقاذٌ لكثير من الناس من عوز الفقر، وذِلَّة الحاجة اللذين قد يَنجرِفان بهم إلى فساد الأخلاق، وضيعة الآداب. وهكذا يتبيَّن لنا أثرُ الصيام في اكتساب العزة، سواء للأفراد أو للأمة. وما أحوجنا، وما أحوج أمتنا إلى هذا الخلق العظيم، الذي أرشدنا إليه دينُنا، وحثنا على التحلِّي به، ووجهنا إلى اكتسابه، وبيَّن لنا جميعَ السبلِ الموصلةِ إليه. ومن مظاهر تربية الإسلام للمسلمين على هذا الخلق، أن وجَّههم إلى إفراد الله بالمسألة دقَّت أو جَلَّت، كثرت أو قلّت. ومن ذلك توجيه المسلمين إلى الكسب المباح، عن طريق الكدح والعمل، والمشي في مناكب الأرض، حتى يُعِفَّ الإنسانُ نفسَه، ويستغني عن غيره.

стр. 133

كما وجههم في المقابل إلى أن يترفعوا عن مسألة الناس، ونفَّرهم من ذلك الخلق الذميم إلا من كان مضطرًا أو متحمِّلًا حَمَالةً، أو من أصابته جائحة، أو فاقةٌ، أو نحوُ ذلك. كما أرشدهم إلى أن اليدَ العليا خيرٌ من اليد السفلى؛ فَمَنَعَ القادرَ على الكسب من بسط كفه؛ للاستجداء إذا كان في استجدائه إراقة لماء وجههِ. بل إن من أحكام الشريعة إباحةَ التيممِ للمكلَّف، وعدمَ إلزامهِ بقبول هبةِ ثَمنِ الماء؛ لما في ذلك من المنَّة التي تُنْقِصُ حظًّا وافرًا من أطراف الهمة الشامخة. بل ومنها عدم إلزامِ الإنسانِ باستهابة ثوبٍ يسترُ بِهِ عورتَه في الصلاة؛ صيانة لضياء وجهه من الانكساف بسواد المطالب. ومن الأحكام القائمة على رعاية هذا الخلق أن التبرعات لا تتقرَّر إلا بقبول المُتَبَرَّعِ له؛ إذ قََْد يَرْبأ بِهِ خُلقُ العزةِ عن قبولها؛ كراهةَ احتمالِ مِنَّتِها، والمنَّةُ تصدَعُ قناةَ العزةِ؛ فلا يحتملها ذو مروءة إلا في حال ضرورة، ولا سيما منةً تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.

стр. 134

ثم إن الشريعةَ أرشدت المسلمَ إذا أخذ المال أن يأخذه بسخاوة نفس؛ ليبارِكَ اللهُ له فيه، وألا يأخذه بإسرافٍ، وهلع، وتعرضٍ، وذلَّةٍ، وإشراف. وإذا اتصف المرء بعزة النفس وَفُرت كرامتُه، وارتفع رأسُه، وسلم من ألم الهوان، وتحرَّر من رقِّ الأهواء وذلِّ الطمع، ولم يَسِرْ إلا على وَفْقِ ما يمليه عليه إيمانُه، والحقُّ الذي يحمله. ولهذا تجدُ أن أشدَّ الناس عزمًا ومضاءً هو أنزهُهُم نفسًا، وأبعدهم عن الطمع وجهةً. ثم إن عزةَ النفس تُلقي على صاحبها وقارًا، وجلالًا، ومكانةً في القلوب، وذلك مما تنشرح له صدورُ العظام. وإنما يعاب الرجل إذا جعل هذه المكانةَ غايتَه المنشودةَ، دون أن يكون الحاملُ عليها رضا الله، ومن ثَمَّ نفع الآخرين. وكما أن للعزة أثرًا في الأفراد فكذلك لها آثارٌ صالحةٌ في الأمة؛ فالأمة التي تُشْرَب في نفوسها العزةَ يشتد حرصُها على أن تكون مستقلةً بشؤونها، غنيَّةً عن أمم غيرها، وتبالغ في الحذر من الوقوع في يدِ مَنْ يطعن في كرامتها، أو يهتضم حقًّا من حقوقها. معاشر الصائمين هذا شيء من معالم العزَّة، وأثرِ الصيام في اكتسابها. وإليكم نبذةً من النصوص الشرعية الواردة في شأن العزة:

стр. 135

قال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: «إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه أحمد والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ﷺ : «لأن يأخذَ أحدُكم أَحْبُلًا، فيأخذَ حزْمةً من حطب؛ فيكفَّ الله به وجْهَهُ ـ خيرٌ من أن يسألَ الناسَ أعطي أو منع» رواه البخاري ومسلم. وقال ﵊: «من يستغنِ يغنِهِ الله، ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، ومن يتصبرْ يصبرْهُ الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً أو خيرًا أوسع من الصبر» رواه البخاري ومسلم. وفيهما ـ أيضًا ـ عن النبي ﷺ قال: «ما يزال الرجلُ يسأل الناسَ حتى يأتيَ يومَ القيامة، وليس في وجهه مُزْعةُ لحمٍ» . وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أو ليستكثر» .

стр. 136

بل لقد أوصى ﵊ نفرًا من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا؛ ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ «أنه لما بايع النبي ﷺ مع طائفة من أصحابه قالوا: فعلام نبايعك؟ قال: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا ... ) وأسر كلمةً خفيةً: (ولا تسألوا الناس شيئًا) .» قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطُ أحدِهم؛ فما يسأل أحدًا يناوله إياه.

стр. 137

وعن قَبيصةَ بنِ مخارق الهلالي ﵁ قال: «تحملت حَمَالةً، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينَا الصدقةُ؛ فنأمرَ لك بها) . قال: ثم قال: (يا قبيصةُ , إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحد ثلاثةٍ: رجلٍ تحمَّل حمالةً، فحلَّت له المسألةُ؛ حتى يصيبَها ثم يُمْسِك، ورجلٍ أصابتْه جائحةٌ اجتاحت ماله؛ فحلَّت له المسألةُ، حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: أو سدادًا من عيش - ورجلٍ أصابته فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصاب فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألةُ حتى يصيبَ قوامًا من عيش - أو سدادًا من عيش -. فما سواهن يا قبيصةُ سحتًا يأكلها سحتًا» رواه مسلم. معاشر الصائمين وكما تظافرت نصوصُ الشرع في الثناء على خلق العزّة، والحثِّ عليه، فكذلك تتابعت وصايا العلماء والحكماء. قال وهب بن منبه ﵀ لرجل يأتي الملوك: (ويحك تأتي من يغلق عنك بابَه، ويظهر لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتدعُ من يفتح لك بابَه بالليل والنهار ويظهر لك غناه، ويقول: (ادعني استجب لك) !.

стр. 138

وقال طاوسٌ - لعطاءٍ - رحمهما الله: (إياك أن تطلبَ حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، ويجعل دونها حُجَّابَه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوَه، ووعدك بأن يجيبك) . وقيل لأبي حازم ﵀: (ما مالُك؟ قال: ثقتي بالله، وإياسي من الناس) . وكتب أمير المؤمنين إلى أبي حازم: ارفع إليّ حاجتك. قال أبو حازم: (هيهات! رفعت حاجتي إلى من لا يَخْتَزِنُ الحوائجَ؛ فما أعطاني قنعت، وما أمسك عني منها رضيت) . وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ إذا قرأ عليه الطالبُ وانتهى يقول: (اقرأ من الباب الذي يليه ولو سطرًا؛ فإني لا أحب الوقوف على الأبواب) . وأنشد الإمام أحمد بن يحيى ثعلب ﵀: من عفّ خفّ على الصديق ... لقاؤه وأخو الحوائج وجهه مبذول وأخوك مَنْ وفَّرْتَ ما في كيسه ... فإذا استعنت به فأنت ثقيل ولله در الشيخِ المَكُّوديّ إذ يقول: إذا عرضت لي في زمانيَ حاجةٌ ... وقد أشكلت فيها عليَّ المقاصدُ وقفت بباب الله وقفةَ ضارعٍ ... وقلت إلهي إنني لك قاصدُ ولست تراني واقفًا عند باب مَنْ ... يقول فتاهُ سيدي اليومَ راقدُ

стр. 139

معاشر الصائمين: هذه هي العزّة، وها نحن في شهر الخير والعزّة، أفلا نستشعر هذا المعنى من جرَّاء صيامنا؟ وندرك أن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ فنلتمس العزة من مظانها، ونسعى لإدراكها، والاتصاف بها؛ فيكون لنا عزٌّ وسرورٌ وذكرٌ جميلٌ في العاجل، وأجرٌ وذخرٌ وعطاءٌ غيرُ مجذوذٍ في الآجل؟ اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 140

رمضان وتربية الأولاد (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن رمضان شهرُ التربية، وشهر المحاسبة، وشهر المراجعة. فالمؤمن يربي نفسه في رمضان، ويربي من تحت يده على الفضائل، ويحاسب نفسه، ويراجع حاله مع ربه، ومع الأمانات التي ائتمنه الله عليها. وإن من أهم المهمات، وأوجب الواجبات على المؤمن رعايتَه لأولاده، وتربيتَه لهم. وهذا الشهر الكريم فرصةٌ سانحة يقف الإنسان فيها مع نفسه، وينظر في حاله مع أولاده، فإن كان محسنًا حمد الله، وازداد إحسانًا، وإن كان مقصرًا نزع عن تقصيره، وتدارك ما فاته. والحديث هاهنا سيكون حول تربية الأولاد، ومظاهر التقصير فيها، والسبل المعينة على تربيتهم. أيها الصائمون الكرام: الأولاد أمانة في أعناق الوالدين، والوالدان مسؤولان عن تلك الأمانة. قال الله- : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .

стр. 141

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . وقال النبي- ﷺ : «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته» . رواه البخاري. وقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» . متفق عليه. فالبيت هو المدرسة الأولى للأولاد؛ فالولد قبل أن تربيه المدرسة أو المجتمع يربيه البيت والأسرة. وهو مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، كما أن أبويه مسؤولان إلى حدٍّ كبيرٍ عن انحرافه الخُلقي. قال ابن القيم ﵀: "وكم ممن أشقى ولده، وفِلْذَة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وتركِ تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه؛ ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبل الآباء". اهـ.

стр. 142

أيها الصائمون الكرام: التقصير في تربية الأولاد يأخذ صورًا شتى، ومظاهر عديدة؛ تتسبب في انحراف الأولاد وتمردهم، وإذا تأملت تلك الأنماط الخاطئة في التربية رأيتها ما بين إفراط وتفريط. فمن الأخطاء في تربية الأولاد: تنشئتُهم على الجبن والهلع والخوف والفزع؛ فذلك يلاحظ على كثير من الناس؛ فتجدهم يخوفون أولادهم إذا بكوا أو أزعجوا؛ ليسكتوا، ويهدأوا؛ فتجد بعض الناس يخوفهم بالغول، أو الحرامي، أو العفريت، أو صوت الريح أو نحو ذلك. وبعض الناس يخوفهم بالأستاذ، أو الطبيب أو المدرسة. وإذا جرح الولد أو أصيب بأي مصيبة أخذت الأم تولول، وَتَلطِمُ وجهها، وتضرب صدرها، وهكذا ينشأ الولد جبانًا رِعديدًا يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه. ومن الخطأ في التربية -أيضًا- تربيةُ الأولاد على التهور، وسلاطةِ اللسان، والتطاول على الآخرين، وتسميةِ ذلك شجاعةً، وهذا نقيض الأول، والحق إنما هو في التوسط. ومن الخطأ في التربية: تربية الأولاد على الميوعة، والفوضى، وتعويدهم على البذخ، والترف، والإغراق في النعيم، وبسط اليد لهم، وإعطائهم ما يريدون. فمثل هذه التربية تفسد فطرتهم، وتقضي على استقامتهم، ومروءتهم، وشجاعتهم.

стр. 143

وفي مقابل ذلك نجد من الوالدين من يأخذ أولاده بالشدة المتناهية، فتراه يقسو عليهم أكثر من اللازم، فيضربهم ضربًا مبرِّحًا إذا أخطأ ولو للمرة الأولى، ويبالغ في توبيخهم عند كل صغيرة وكبيرة، ويحرمهم من العطف والشفقة والحنان، ويقتِّر عليهم في النفقة؛ فلا ينفق عليهم إلا بشق الأنفس. وهذا النمط من التربية يفسد الأولاد، ويقضي على إنسانيتهم، ويقودهم إلى البحث عن المال أو العطف خارج المنزل إما: بالسرقة، أو بسؤال الناس، أو الارتماء في أحضان رفقة السوء. ومن الأخطاء في التربية: أن يقتصر اهتمام بعض الوالدين على المظاهر فحسب؛ فيرى أن التربيةَ مقتصرةٌ على توفير الطعام الطيب، والشراب الهنيء، والكسوة الفخمة، والدراسة المتفوقة، ولا يدخل عندهم تنشئةُ الأولاد على التدين الصادق، والخلق الكريم. ومن الأخطاء في التربية: المبالغةُ في إحسان الظن بالأولاد؛ فتجد من الوالدين مَن لا يتفقَّد أولادَه، ولا يعرف عن أحوالهم، ولا أصحابهم شيئًا، وتراه لا يقبل بهم عذلًا، ولا عدلًا، ولا صرفًا، وذلك لفرط ثقته بأولاده، بل ربما دافع عنهم إذا شكاهم أحدٌ إليه.

стр. 144

وفي مقابل ذلك تجد من يبالغ في إساءة الظن بأولاده؛ فتراه يتهم نياتِهم، ولا يثق بهم البتة، ويشعرهم بأنه وراءهم في كل صغيرة وكبيرة، دون أن يتغاضى عن شيء من هفواتهم أو زلاتهم. ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: التفريقُ بينهم، سواءٌ كان ذلك ماديًّا، أو معنويًّا؛ فهناك من يُفرِّق بين أولاده في العطايا، والهدايا، والهبات وهناك من يفرق بينهم بالملاطفة والمزاح، والمحبة، إلى غير ذلك من صور التفريق، التي تسبب شيوع البغضاء، وتبعث على النفور والتنافر. ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: تركُ المبادرة في تزويج الأبناء مع الحاجة والقدرة، وتأخيرُ تزويج البنات، والمتاجرة بهن، وتزويجهن بغير الأكْفَاء. وهذا من إضاعة الأمانة، والتسبب في شقاء الأولاد. ومن مظاهر التقصير في حق الأولاد: تسميتهم بأسماءٍ سيئة، أو مخالفة، فمن الناس من لا يأبه بذلك، فمنهم من يسمي ولده بالاسم القبيح؛ بحجة أن جدَّه فلانًا أو جدَّته فلانة تسميا بهذا الاسم؛ فهو يرى أن من البر أن يسمي بأسمائهم، ولو كانت غير مناسبة.

стр. 145

ومن الأخطاء التي تقع في تسمية المواليد تسميتهم بالأسماء الممنوعة شرعًا؛ كتسميتهم بأسماء الله المختصة به مثل أن يُسمي الولد: بالأحد، أو الله، أو الرحمن، أو الخالق. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء المعبدة لغير الله مثل: عبد النبي، أو عبد علي، أو عبد الحسين. وكذلك تسميتهم بالأسماء الأجنبية، الخاصة باليهود والنصارى؛ لأن هذا يجر ولو على المدى البعيد إلى موالاتهم. ومن الخطأ في التسمية تسميتهم بأسماء الجبابرة، والطواغيت. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء التي يظن أنها من أسماء الله كالتسمية بـ"عبد المقصود، وعبد الموجود، وعبد الستار". ومن ذلك تسميتهم بالأسماء المكروهة أدبًا وذوقًا، كالأسماء التي تحمل في ألفاظها تشاؤمًا أو معانيَ تكرهها النفوس. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء التي تسبب الضحك والسخرية، أو التي توحي بالتميع، والغرام، وخدش الحياء. ومن صور التقصير في تربية الأولاد: مكثُ الوالدِ طويلًا خارجَ المنزل؛ خصوصًا إذا كان ذلك لغير حاجة؛ فهذا يعرِّض الأولاد للفتن، والمصائب، والانحراف، ويَحْرِمُ الأولادَ من النفقة والرعاية.
следующие страницы →