← Фикх общий

Фикх общий · id 1959

دروس رمضان

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (264 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . وقال النبي- ﷺ : «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته» . رواه البخاري. وقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» . متفق عليه. فالبيت هو المدرسة الأولى للأولاد؛ فالولد قبل أن تربيه المدرسة أو المجتمع يربيه البيت والأسرة. وهو مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، كما أن أبويه مسؤولان إلى حدٍّ كبيرٍ عن انحرافه الخُلقي. قال ابن القيم ﵀: "وكم ممن أشقى ولده، وفِلْذَة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وتركِ تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه؛ ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبل الآباء". اهـ.

стр. 142

أيها الصائمون الكرام: التقصير في تربية الأولاد يأخذ صورًا شتى، ومظاهر عديدة؛ تتسبب في انحراف الأولاد وتمردهم، وإذا تأملت تلك الأنماط الخاطئة في التربية رأيتها ما بين إفراط وتفريط. فمن الأخطاء في تربية الأولاد: تنشئتُهم على الجبن والهلع والخوف والفزع؛ فذلك يلاحظ على كثير من الناس؛ فتجدهم يخوفون أولادهم إذا بكوا أو أزعجوا؛ ليسكتوا، ويهدأوا؛ فتجد بعض الناس يخوفهم بالغول، أو الحرامي، أو العفريت، أو صوت الريح أو نحو ذلك. وبعض الناس يخوفهم بالأستاذ، أو الطبيب أو المدرسة. وإذا جرح الولد أو أصيب بأي مصيبة أخذت الأم تولول، وَتَلطِمُ وجهها، وتضرب صدرها، وهكذا ينشأ الولد جبانًا رِعديدًا يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه. ومن الخطأ في التربية -أيضًا- تربيةُ الأولاد على التهور، وسلاطةِ اللسان، والتطاول على الآخرين، وتسميةِ ذلك شجاعةً، وهذا نقيض الأول، والحق إنما هو في التوسط. ومن الخطأ في التربية: تربية الأولاد على الميوعة، والفوضى، وتعويدهم على البذخ، والترف، والإغراق في النعيم، وبسط اليد لهم، وإعطائهم ما يريدون. فمثل هذه التربية تفسد فطرتهم، وتقضي على استقامتهم، ومروءتهم، وشجاعتهم.

стр. 143

وفي مقابل ذلك نجد من الوالدين من يأخذ أولاده بالشدة المتناهية، فتراه يقسو عليهم أكثر من اللازم، فيضربهم ضربًا مبرِّحًا إذا أخطأ ولو للمرة الأولى، ويبالغ في توبيخهم عند كل صغيرة وكبيرة، ويحرمهم من العطف والشفقة والحنان، ويقتِّر عليهم في النفقة؛ فلا ينفق عليهم إلا بشق الأنفس. وهذا النمط من التربية يفسد الأولاد، ويقضي على إنسانيتهم، ويقودهم إلى البحث عن المال أو العطف خارج المنزل إما: بالسرقة، أو بسؤال الناس، أو الارتماء في أحضان رفقة السوء. ومن الأخطاء في التربية: أن يقتصر اهتمام بعض الوالدين على المظاهر فحسب؛ فيرى أن التربيةَ مقتصرةٌ على توفير الطعام الطيب، والشراب الهنيء، والكسوة الفخمة، والدراسة المتفوقة، ولا يدخل عندهم تنشئةُ الأولاد على التدين الصادق، والخلق الكريم. ومن الأخطاء في التربية: المبالغةُ في إحسان الظن بالأولاد؛ فتجد من الوالدين مَن لا يتفقَّد أولادَه، ولا يعرف عن أحوالهم، ولا أصحابهم شيئًا، وتراه لا يقبل بهم عذلًا، ولا عدلًا، ولا صرفًا، وذلك لفرط ثقته بأولاده، بل ربما دافع عنهم إذا شكاهم أحدٌ إليه.

стр. 144

وفي مقابل ذلك تجد من يبالغ في إساءة الظن بأولاده؛ فتراه يتهم نياتِهم، ولا يثق بهم البتة، ويشعرهم بأنه وراءهم في كل صغيرة وكبيرة، دون أن يتغاضى عن شيء من هفواتهم أو زلاتهم. ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: التفريقُ بينهم، سواءٌ كان ذلك ماديًّا، أو معنويًّا؛ فهناك من يُفرِّق بين أولاده في العطايا، والهدايا، والهبات وهناك من يفرق بينهم بالملاطفة والمزاح، والمحبة، إلى غير ذلك من صور التفريق، التي تسبب شيوع البغضاء، وتبعث على النفور والتنافر. ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: تركُ المبادرة في تزويج الأبناء مع الحاجة والقدرة، وتأخيرُ تزويج البنات، والمتاجرة بهن، وتزويجهن بغير الأكْفَاء. وهذا من إضاعة الأمانة، والتسبب في شقاء الأولاد. ومن مظاهر التقصير في حق الأولاد: تسميتهم بأسماءٍ سيئة، أو مخالفة، فمن الناس من لا يأبه بذلك، فمنهم من يسمي ولده بالاسم القبيح؛ بحجة أن جدَّه فلانًا أو جدَّته فلانة تسميا بهذا الاسم؛ فهو يرى أن من البر أن يسمي بأسمائهم، ولو كانت غير مناسبة.

стр. 145

ومن الأخطاء التي تقع في تسمية المواليد تسميتهم بالأسماء الممنوعة شرعًا؛ كتسميتهم بأسماء الله المختصة به مثل أن يُسمي الولد: بالأحد، أو الله، أو الرحمن، أو الخالق. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء المعبدة لغير الله مثل: عبد النبي، أو عبد علي، أو عبد الحسين. وكذلك تسميتهم بالأسماء الأجنبية، الخاصة باليهود والنصارى؛ لأن هذا يجر ولو على المدى البعيد إلى موالاتهم. ومن الخطأ في التسمية تسميتهم بأسماء الجبابرة، والطواغيت. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء التي يظن أنها من أسماء الله كالتسمية بـ"عبد المقصود، وعبد الموجود، وعبد الستار". ومن ذلك تسميتهم بالأسماء المكروهة أدبًا وذوقًا، كالأسماء التي تحمل في ألفاظها تشاؤمًا أو معانيَ تكرهها النفوس. ومن ذلك تسميتهم بالأسماء التي تسبب الضحك والسخرية، أو التي توحي بالتميع، والغرام، وخدش الحياء. ومن صور التقصير في تربية الأولاد: مكثُ الوالدِ طويلًا خارجَ المنزل؛ خصوصًا إذا كان ذلك لغير حاجة؛ فهذا يعرِّض الأولاد للفتن، والمصائب، والانحراف، ويَحْرِمُ الأولادَ من النفقة والرعاية.

стр. 146

ومن الخطأ في تربية الأولاد: الدعاءُ عليهم، قال النبي- ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءً؛ فيستجيب لكم» رواه مسلم. ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: تربيتهم على سفاسف الأمور، وسيئ العبارات، ومرذول الأخلاق، ومن ذلك: فعل المنكرات أمام الأولاد، وجلب المنكرات لهم في المنزل، والعهد للخادمات والمربيات بتربية الأولاد؛ خصوصًا إذا كُنَّ غيرَ مسلمات. ومما يتسبب في ضياع الأولاد وانحرافهم: كثرة المشكلات بين الوالدين، وترك البنات يذهبن للسوق بلا محرم، وبلا حاجة، وإهمالُ الهاتف وترك مراقبته، والغفلةُ عما يقرؤه الأولاد، وقلةُ الاهتمام باختيار مدارس الأولاد، وقلةُ التعاون مع مدارسهم أو انعدامه بالكلية. ومن الخطأ في تربية الأولاد: احتقارُهم، وتركُ تشجيعهم؛ فبعض الناس يَسْخَرُ كثيرًا بأولاده، ويشنِّع عليهم إذا أخطأوا، ويسكتهم إذا تكلموا؛ مما يجعل الولد عديم الثقة بنفسه.

стр. 147

وأشدُّ صورِ السخرية أن يسخرَ بالولد إذا استقام على أمر الله، فتجد من الآباء من يَسْخَرُ بابنه إذا رآه مستقيمًا، مطبقًا للسنة، مقبلًا على العلم؛ فهذه السخرية قد تسبب انحراف الولد، فيكون عالة على والده، وسببًا لجر البلايا إليه، وما علم ذلك الوالد أنه هو الرابح الأول من صلاح ابنه في الدنيا والآخرة. ومن الخطأ في التربية: قلةُ العناية بتربية الأولاد على تحمل المسؤولية، وعدم إعطائهم فرصةً للتصحيح والتغيير للأفضل. وهكذا ينشأ الولد وهو يشعر بالنقص، وقلة الثقة بالنفس. هذه بعض مظاهر التقصير في تربية الأولاد، فماذا نؤمل بعد هذا الإهمال؟ وماذا سنحصد من جرّاء هذا التقصير؟ ومن هنا نعلم أي جناية نجنيها على الأولاد حين نقذف بهم إلى معترك الحياة في جو هذه التربية الخاطئة! ثم ما أسرعنا إلى الشكوى إذا رأيناهم عاقين متمردين، ونحن قد غرسنا بأيدينا بذور الانحراف! أيها الصائمون: للحديث بقيةٌ-إن شاء الله-حيث سيكون حول السبل المعينة على تربية الأولاد وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 148

رمضان وتربية الأولاد (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد مرّ سالفًا حديثٌ حولَ تربية الأولاد وأهميته، وأن شهرَ رمضانَ فرصةٌ عظيمةٌ لأن يقفَ الإنسانُ مع نفسه وحالِه مع الأولاد، ومرّ ذكرٌ لبعض مظاهر التقصير في تربية الأولاد. والحديث في هذه الليلة-إن شاء الله-سيكون في السبل والأسباب المعينة على تربية الأولاد، والتي تَكْفُلُ -بإذن الله- لمن أخذ بها أن يعان، ويوفق، وأن يجد الآثار الطيبة عاجلًا أو آجلًا. فمن تلك السبل: العنايةُ باختيار الزوجةِ الصالحة؛ فالزوجة أمُّ الأولاد، ولها الأثرُ الأكبر عليهم وعلى زوجها؛ فحري بالإنسان إذا أراد الزواج أن يستشير، ويستخير، ويبحثَ عن ذات الدين، والخلق القويم. قال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: "قد أحسنت إليكم صغارًا وكبارًا، وقبل أن تولدوا". قالوا: "وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ " قال: "اخترت لكم من الأمهات من لا تُسبُّون بها". وأنشد الرياشي: فأول إحساني إليكم تخيُّري ... لماجدةِ الأعراقِ بادٍ عفافُها

стр. 149

ومن السبل المعينة على تربية الأولاد سؤالُ الله الذريةَ الصالحة، وسؤاله الإعانةَ على تربية الأولاد، وكثرةُ الدعاء للأولاد بالصلاح، والحذرُ كلَّ الحذر من الدعاء عليهم، أو تركُ الدعاء لهم إذا رأى الوالد منهم تماديًا في الشر؛ فإجابة الدعاء قد تتأخر لحكمة، وقد يُقْصِرون عن بعض الشر بسبب الدعاء، وقد يصلحون بعد حين، أو بعد فراق الوالد الدنيا، وهكذا ... ومن أعظم ما يعين على صلاح الأولاد، أن يغرس الوالدُ الإيمانَ، والعقيدةَ الصحيحةَ في نفوس الأولاد وهم صغار، وأن يتعاهد ذلك بالسقي والرعاية، فيلَقِّن الوالدُ أولادَه منذ الصغر النطق بالشهادتين، ويعلمهم بأن الله رَبُّهم، والإسلامَ دينُهم، ومحمدًا ﷺ -نبيهم. وينمي في قلوبهم محبة الله ومراقبتَه، وأنه في السماء، وأنه سميعٌ بصيرٌ إلى غير ذلك من أمور العقيدة المُيَسَّرة الملائمة لسن الأولاد.

стр. 150

ومن أعظم ما يعين على صلاحهم-أيضًا-غرسُ الأخلاق الحميدة والخلال الكريمة في نفوس الأولاد، وتجنيبُهم الأخلاقَ الرذيلة وتقبيحُها إليهم، فيحرصُ الوالد على تربيتهم على التقوى، والعفة، والحلم والصدق، والصبر والبر، والصلةِ، والعلم، والجهاد، والدعوة، ويكرِّه إليهم في الوقت نفسه أضرارَ تلك الأخلاق، فيكرّه إليهم الفجورَ، والكذبَ، والخيانةَ، والحسدَ، والغِيبةَ، والنميمةَ، والعقوقَ، والقطيعةَ، والجبنَ، والأَثَرة، وغيرَها من سَفْساف الأخلاق، ومرذولها. وإذا سار بهم على هذه السُّنَّةِ شبوا متعشقين للبطولة، محبين لمكارم الأخلاق، نافرين عن مرذولها. ومن ذلك تعليمُهم الأمورَ المستحسنةَ، وتدريبُهم عليها، كتشميت العاطس، والأكلِ باليمين وآداب قضاء الحاجة، وآدابِ السلام وردِّه، وآدابِ الرد على الهاتف، واستقبال الضيوف، ونحو ذلك. فإذا تدرب الولد على هذه الأخلاق منذُ الصغر أَلِفَها، وأصبحت سجيّة له؛ فالصغير يقبل التعليم والتوجيه، وَيَشِبُّ على ما عُوِّد عليه كما قيل: وينشأ ناشئُ الفتيانِ منا ... على ما كان عوَّده أبوه

стр. 151

ومما ينبغي للوالدين مراعاتُه أن يحرصا في مخاطبة الأولاد على انتقاء العبارات الحسنة المقبولة الطيبة، وأن يربآ بأنفسهم عن السب، والشتم واللجاج، وغير ذلك من العبارات البذيئة المقذعة، وبذلك تعف ألسنة الأولاد، وتنأى عن السباب، والفحش. ومن أجلِّ ما يمكن أن يقوم به الوالدان تجاه الأولاد: أن يحرصا على تحفيظهم كتاب الله- -لما في ذلك من الأجر العظيم وحفظ الوقت، وحماية الأولاد من الانحراف، وغير ذلك من الفضائل التي لا تعد ولا تحصى. ومن المسائل المهمة في التربية: مسألةُ التربية بالقدوة؛ فينبغي للوالدين أن يكونا قدوةً للأولاد في الصدق، والاستقامة، والبر، وأن يتمثلا كل ما يقولانه، ويأمران به. ومن الأمور المستحسنة في ذلك: أن يقوم الوالدان أو أحدُهما، بالصلاة أمام الأولاد؛ حتى يتعلموا الصلاة عمليًّا من الوالدين. ولعل هذا من أسرار مشروعية أداء السنة الراتبة في البيت، وكونِ الصلاةِ في البيت أفضلَ من الصلاة في المسجد إلا المكتوبة. ومما تحصل به القدوة - أيضًا - كظمُ الغيظِ، وحسنُ استقبال الضيوف، وبرُّ الوالدين، والوفاءُ بالعهد والوعد.

стр. 152

ومما يجب على الوالد تجاه أولاده أن يحميهم من المنكرات، وأن يطهرَ بيته منها، حتى يحافظَ على سلامة فطرهم، وعقائدهم وأخلاقهم. ويجدر به - أيضًا - أن يوجدَ لهم البدائل المناسبة المباحة التي تجمع بين المتعة والفائدة، وبذلك يجد الأولاد ما يشغلون به فراغهم. ومما يجب على الوالدين - أيضًا - أن يجنبا أولادهم أسباب الانحراف الجنسي، وذلك بحمايتهم من مطالعةِ القصص الغراميةِ، والمجلاتِ الخليعةِ، والأغاني الماجنة والكتبِ الجنسية وغيرِها، وتجنيبهم الزينةَ الفارهةَ، والميوعةَ القاتلة؛ فَيُمْنَعَ الولد من الإفراط في التجمّل، والمبالغة في التأنق والتطيب، وينهى عن التعري، والتكشف؛ لأن هذه الأعمالَ تتسبب في فساد طباعهم، وتقودهم إلى إغواء الآخرين وفتنتهم، وتدعو إلى جرّ الأولاد إلى الرذيلة؛ خصوصًا إذا كانوا صغارًا أو ذوي مرأًى حسن.

стр. 153

بل يحسن بالوالد أن يعوِّدَ أولاده على الرجولة، والخشونة، والجد، وأن يجنبهم الكسل، والبَطالة، والراحة، والدعة؛ فإن للكسل والبَطالة عواقبَ سوءٍ، ومغبةَ ندمٍ، وللجد والتعب عواقب حميدة؛ فأروحُ الناسِ أتعبُ الناس، وأتعبُ الناسِ أروحُ الناس؛ فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى لا يوصل إليها إلا على جسرٍ من التعب؛ فالراحة تعقب الحسرة، والتعب يعقب الراحة. ومما يحسن في هذا الصدد أن يعوِّد الوالدُ أولاده الانتباه آخر الليل؛ فإنه وقت الغنائم، وتفريق الجوائز، فمستقلٌّ، ومستكثر، ومحروم؛ فمن اعتاده صغيرًا سَهُل عليه كبيرًا. ومما يحسن بالوالد - أيضًا - أن يجنب أولاده فضولَ الكلام، والطعام، والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن الخسارة في هذه الفضلات، وهي تفوِّت على العبد خيرَ دنياه وآخرته، ولهذا قيل: من أكل كثيرًا، شَرِب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. ومن الأمور النافعة المجدية في التربية مراقبةُ ميول الولد، وتنميةُ مواهبه، وتوجيهُه لما يناسبه. وبهذا يجد الولد في المنزل ما ينمِّي مواهبَه، ويصقلُها، ويُعِدُّها للبناء.

стр. 154

قال ابن القيم ﵀: "ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأٌ له منها، فيعلمَ أنه مخلوقٌ له، فلا يَحْمِله على غير ما كان مأذونًا فيه شرعًا؛ فإنه إنْ حَمَلَه على غير ما هو مستعد له لم يفلحْ فيه، وفاته ما هو مهيأٌ له؛ فإذا رآه حسنَ الفهمِ جيدَ الحفظ واعيًا؛ فهذه علامات قبوله، وتَهيُّئه للعلم؛ لينقشه على لوح قلبه ما دام خاليًا، وإن رآه ميالًا للتجارة والبيع والشراء، أو لأي صنعةٍ مباحةٍ فليمكِّنْه منها؛ فكلٌّ ميسر لما خلق له" اهـ. ومن الأمور النافعة في التربية: إشباعُ عواطف الأولاد، وإشعارُهم بالعطف والرحمةِ، والنفقةُ عليهم بالمعروف، والعدلُ بينهم، والقيامُ على حوائجهم، وإشاعةُ روحِ الإيثار بينهم؛ فذلك مما يشعرهم بالمحبة، ويقضي على كثير من المشكلات. ومن أسس التربية الناجحة: أن يكون التفاهمُ قائمًا بين الزوجين؛ فعليهما أن يحرصا كل الحرص على تجنّب الوسائل المفضية للشقاق أمام الأولاد وأن يبتعدا عن العتاب أمامهم؛ حتى يسود الهدوء البيت، وتشيع الألفة فيه، فيجد الأولاد فيه الراحة والسكن، والأنس والسرور.

стр. 155

ومما يحسن بالوالدين إذا لم يُقَدَّر بينهما وفاقٌ، وحصل الطلاق أن يتقيا الله -وأن يكون التسريح بإحسان، وألا يجعلا الأولاد ضحية لعنادهما، وشقاقهما، وألا يغري كل واحد منهما بالآخر. بل عليهما أن يعينا الأولاد على البر، وأن يوصي كلُّ واحدٍ منهما الأولاد ببر الآخر بدلًا من التحريش، وإيغار الصدور، وتبادل التهم، وتأليب الأولاد؛ فإن اتقيا الله في حال الطلاق لم يعرضا الأولاد للاضطراب والتمرد، وإن كانت الأخرى فإن الوالدين هما الخاسر الأول، وإن الأولاد سيعقّون الوالدين. ومما يحسن التنبيه عليه في تربية البنات-على وجه الخصوص-أن يعلمهن ما يَحْتَجْن إليه من أمور دينهن ودنياهن، فكم من الناس من فرط في هذا الحق، وكم من النساء من يجهلن -على سبيل المثال- أحكامَ الحيض والنفاس ومسائل الدماء عمومًا بالرغم من أنه يتعلق بها ركنان من أركان الإسلام وهما الصلاة والصيام، بل والحج. وكم من النساء من تجهل إقامة الصلاة على الوجه المطلوب، وهكذا ...

стр. 156

فينبغي للوالد - أبًا أو أمًّا - أن يُعنى بتعليم بناته أمور دينهن، كما ينبغي حَمْلُهن على الحشْمة، والعفاف والستر، وأن يعلِّمهن-أيضا -أمور حياتهن الخاصة من كيٍّ وغسيلٍ، وطبخٍ، وخياطةٍ، وتدبيرٍ للمنزل وغير ذلك؛ حتى يكُنَّ على أتم استعداد للحياة الزوجية. ومما يجب على الوالد تجاه أولاده: أن يمنع البنين من التشبه بالبنات، وأن يمنع البناتِ من التشبه بالبنين، وأن يمنع الأولادَ من التشبه بالكفار والكافرات، وأن يمنع البنات من الخروج من المنزل وحدهن، سواء للسوق أو الطبيب، أو غير ذلك، بل لا بد من وجود المحرم معهن، وألا يخرجن إلا للحاجة الملحة. كما عليه أن يمنع البنين من الاختلاط بالنساء، ويمنعَ البناتِ من الاختلاط بالرجال، كما عليه أن يحرص كلَّ الحرص على تزويج أبنائه إذا بلغوا سن الرشد عند المقدرة والحاجة، وأن يحرص على تزويج بناته إذا تقدم لهن من يرضى دينه وخلقه. ومما يحسن بالوالدين أن يرعياه أن يعتنيا بصحة الأولاد خصوصًا وهم صغار؛ لأن كثيرًا من العاهات تبدأ مع الأولاد في ذلك السن؛ فإذا أهمل علاجها لازمت الأولاد طيلة أعمارهم.

стр. 157

كما يحسن بالوالدين أن يقوما بشؤون الأولاد إذا أصيبوا بعاهات مزمنة، أو إذا ولدوا معاقين أو مصابين ببعض التشوهات الخِلقية، أو ما شاكل ذلك؛ فحريٌّ بالوالدين أن يقوما برعاية الأولاد، وأن يحسنا تربيتهم، وأن يشعروهم بمكانتهم، كما يحسن بهما أن يحتسبا الأجر، وأن يحذرا من التسخط، بل عليهم أن يحمدا الله، وأن يتحرَّيا الخيرة؛ فربما كان الخير في ذلك البلاء، وربما رحم الله الأسرة جميعها، وأدرَّ عليهم الأرزاق، ودفع عنهم صنوف البلاء، بسبب هؤلاء المساكين. معاشر الصائمين: للحديث صلة في الليلة القادمة -إن شاء الله تعالى- وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 158

رمضان وتربية الأولاد (٣) الحمد لله، والصلاة والسلام على النبي رسول الله، أما بعد: فقد كان الحديث سالفًا يدور حول السبل المعينة على تربية الأولاد، والحديث هاهنا إكمال لما مضى. فمما يعين على تربية الأولاد ونُضجهم: أن ينمي الوالد الشجاعةَ الأدبيةَ في نفس الولد؛ وذلك بإشعاره بقيمته، وزرع الثقة في نفسه، حتى يعيش كريمًا شجاعًا صريحًا جريئًا في إبداء آرائه في حدود الأدب واللياقة؛ بعيدًا عن الإسفاف والصفاقة؛ فهذا النمطُ من التربيةِ يشعره بالطمأنينة، ويكسبه القوةَ والاعتبارَ، ويزيل عنه الترددَ، والخوفَ، والهوانَ، والصَّغارَ. ومما يحسن بالوالد في هذا الصدد: أن يستشير أولادَه في بعض الأمور؛ كأن يستشيرَهم فيما يتعلقُ بالمنزل، أو لونِ السيارة التي سيشتريها، أو أن يأخذ رأيهم في مكان الرحلة أو زمانها، ثم يوازن بين آرائهم، ويستخرج ما لديهم من أفكار، ويطلب من كل واحد منهم أن يبدي مسوغاته، وأسباب اختياره لهذا الرأي وهكذا؛ فكم في مثل هذا العمل من زرع للثقة في نفوس الأولاد، وإشعار لهم بقيمتهم، وكم فيه من تدريب لهم على تحريك أذهانهم، وشحذ قرائحهم، وكم فيه من تعويد لهم على التعبير عن آرائهم.

стр. 159

ومن الأساليب الطيبة في التربية: تعويد الولد على القيام ببعض المسؤوليات؛ كالإشراف على المنزل في حال غياب ولي الأمر، وكالتعويد على الصرف والاستقلالية المالية، وذلك بمنحه مصروفًا ماليًّا كل شهر أو أسبوع؛ ليقوم بالصرف على نفسه، وعلى حاجات المنزل، وكمنحه الثقة في استقبال الضيوف، وإعداد اللازم لهم، وكتعويده على المشاركة الاجتماعية إما بالدعوة إلى الله، أو إغاثة الملهوفين، أومساعدة الفقراء والمحتاجين، أو التعاونِ مع جمعيات البر، أو غيرها. ومن الأساليبِ النافعةِ في التربية: تدريبُ الأولادِ على اتخاذ القرار؛ كأن يَعْمَدَ الوالدُ إلى وضع الولد في مواضع التنفيذ، وفي المواقف المحرجة التي تحتاج إلى حسم الأمر، والمبادرةِ في اتخاذ القرار، وتَحَمُّل ما يترتب عليه؛ فإن أصاب شجَّعه، وشد على يده، وإن أخطأ قوَّمه، وسدَّده بلطف؛ فهذا مما يعوِّده على مواجهة الحياة، والتعامل مع المواقف المحرجة. ومما يحسن بالوالد: أن يُقَدِّر مراحل العمر التي يمر بها الأولاد؛ فالولد يَكْبُرُ، ويَكْبُرُ معه تفكيرُه؛ فلا بد أن تكونَ معاملتُه ملائمةً لسنه وتفكيره، واستعدادِه، وألا يُعامل دائمًا على أنه صغير.

стр. 160

كما يحسن بالوالد: أن يتلافى مواجهةَ الأولادِ مباشرةً قدر المستطاع، خصوصًا في مرحلة المراهقة؛ بل يحسن به إذا لاحظ منهم خطأً أن يُعرِّض لهم، وأن يقودهم بزمام الحجة، والإقناع، والمناقشة الحرة. ومما ينبغي للأب- مهما كان له من شغل- أن يخصص وقتًا يجلس فيه مع الأولاد، يؤنسهم فيه، ويعلمهم ما يحتاجون إليه، ويقصُّ عليهم القصصَ الهادفةَ؛ لأن اقترابَ الوالدِ من أولاده ضروريٌّ جدًّا، وله آثارهُ الواضحةُ، حيث تستقر أحوالُ الأولاد، وتهدأ نفوسُهم، وتستقيم طباعهم. ومما يجدر بالوالد إذا تحدث إليه ولدُه-خصوصًا الصغير-أن يصغي له تمامًا، وأن يبدي اهتمامَه بحديثه، كأن تظهرَ عليه علاماتُ التعجبِ، أو أن يبدي بعضَ الأصواتِ التي تدل على الإصغاء والاهتمام والإعجاب، كأن يقول: رائع، حسن، صحيح، أو أن يقومَ بالهمهمة، وتحريك الرأس، وتصويبه، وتصعيده، أو أن يجيبَ على أسئلته، أو غير ذلك.

стр. 161

فمثل هذا العملِ له آثار إيجابيةٌ كثيرةٌ؛ فهو يعلِّم الولدَ الطلاقةَ في الكلام، ويساعدُه على ترتيب أفكاره وتسلسلها، ويدربه على الإصغاء، وفهمِ ما يسمعه من الآخرين، كما أنه ينمي شخصيةَ الولد، ويصقلُها، ويقوي ذاكرتَه، ويعينُه على استرجاع ما مضى، ويزيدُه قربًا من والده. ومما يحسن بالوالد: أن يتفقد أحوالَ أولاده، وأن يراقبهم من بعد؛ فيلاحظهم في أداء الشعائر التعبدية من صلاة، ووضوء، ونحوه، ويراقب الهاتف المنزلي أحيانًا، وينظر في جيوبهم وأدراجهم من حيث لا يشعرون؛ كأن ينظر فيها إذا ناموا، أو أن ينظر في أدراجهم إذا ذهبوا للمدرسة، وإذا رأى ما لا يرضى تصرف بما يراه مناسبًا. هذا إذا كان يرى الأولاد على حالة لا تُرضى، أما إذا كانوا صُلحاء؛ فلا يلزم أن يقوم بمثل هذا العمل. ومما يحسن بالأب: أن يربطَ ولده بالصحبة الطيبة، وأن يكرم أصحاب ولده الطيبين الصالحين، وأن يحثَّه على ملازمتهم، وأن يُحْسِنَ الوالدُ استقبالَ أصحابِ ولده إذا زاروا الولد؛ بل يَحْسُنُ به أن يحثَّ ولدَه على استزارتهم.

стр. 162

وإذا زاروا الولد فإنه يجدر بالأب أن يفرحَ بذلك، وأن ييسر لهم ما يستطيع، وأن يقابلهم بالبشر، ولا بأس أن يجلس معهم ولو قليلًا، ويتجاذب معهم أطراف الحديث، ويسألهم عن أحوالهم، وأحوال ذويهم؛ فهذا الصنيع يشعر الولد بقيمته، ويحفزه على طاعة والديه، والتمسك بصحبته. أما النفور من الصحبة الصالحة للولد، والجفاء في معاملتهم فلا يليق بالأب؛ لأنه يشعرُ الولدَ بعدم قبولهم، فيسعى لمقاطعتهم، أو التخفي في علاقته بهم، أو أن يتركهم؛ فيقع فريسة لأصحاب السوء. وإذا بُلي الولد بصحبة سيئة فعلى الوالد أن يراعيَ الحكمةَ في إنقاذه منهم، فلا يبادرَ إلى استعمال العنف منذ البداية، ولا يسارعَ إلى إهانتهم أمام ولده، أو طردهم إذا زاروه أول مرة، لأن الولد متعلق بهم، ومقتنع بصحبتهم.

стр. 163

بل ينبغي للوالد أن يتدرج في ذلك؛ فيبدأ بإقناع ولده بسوء صحبته، وأن عليه أن يفارقهم، وأن يبحثَ عن أصحاب خيرٍ منهم، ثم يقومَ بعد ذلك بتهديده، وإشعاره بأنه ساعٍ لتخليصه منهم، وأنه سيذهب إلى أولياء أمورهم، كي يبعدوا أولادهم عنه؛ فإذا حَذَّر الولدَ، وسلك معه ما يستطيع، وأعيته الحيلة، ورأى أن بقاءه معهم ضررٌ محققٌ فهناك يسعى إلى تخليصه منهم بما يراه مناسبًا. ومما ينبغي للوالدين أن لا يضخموا أخطاء الأولاد، بل عليهم أن ينزلوها منازلها، وأن يدركوا أنه لا يخلو بيت من الأخطاء، فمقل ومستكثر. أيها الصائمون الكرام: ومن الأمور المعينة في التربية اصطناعُ المرونة، فإذا اشتدت الأم على الولد لانَ الأب، وإذا عنَّف الأب لانَت الأم؛ فمثلًا قد يقع الولد في خطأ ما، فيؤنِّبه والده تأنيبًا يجعله يتوارى عن الأعين؛ خوفًا من العقاب، فتأتي الأم، وتطيِّبُ نفسَ الولد، وتوضِّح له خطأَه برفق؛ عندئذ يشعر الولد بأنهما على صواب، وأنه على خطأ، فيقبل من أبيه تأنيبَه، ويحفظُ لأمهِ معروفَها، والنتيجة أنه سيتجنب الخطأ مرة أخرى.

стр. 164

ومن السبل النافعةِ في التربية: التربيةُ بالعقوبة؛ فالأصل أن يأخذَ الإنسان باللين والرفق في معاملته لأولاده؛ إلا أن العقوبة قد يحتاج إليها بشرط ألا تكون ناشئة عن سورة جهل، أو ثورة غضب، وألا يَلجأ إليها إلا في أضيق الحدود، وألا يؤدب الولدَ على خطأ ارتكبه مرة واحدة، وألا يؤدبه على خطأ أحدث له ألمًا، وألا يكون أمام الآخرين. ولا يفهم من ذلك أن العقوبةَ قاصرةٌ على الألم البدني فحسب، بل هناك أنواع أخرى كالعقاب النفسي؛ كقطع المديح عنه، أو إشعاره بعدم الرضا أو توبيخه، أو حرمانه من الجائزة، وهكذا ... ومن أنواع العقوبة العقاب البدني الذي يؤلمه، ولا يضره. ومما ينبغي للوالد مراعاته في التربية: أن يعطي أولادهَ فرصةً للتصحيح إذا أخطأوا، وألا يأخذ موقفًا واحدًا من أحد أولاده فيجعلَه ذريعةً لوَصْمِهِ، وعيبه؛ كأن يسرق مرة، أو يكذب فيناديه باسم السارق أو الكذاب. ومما يجدي كثيرًا في عملية التربية: أن يكون للوالد مكتبةٌ منزلية ميسرة تحتوي على كتب، وأشرطة ملائمة لسنهم ومداركهم، وأن يقيم الوالد الحلقات العلمية داخل المنزل، وأن يجري المسابقات الثقافية بين أولاده.

стр. 165

ومما يجدي -أيضًا- أن يصطحب أولاده معه لمجالس الذكر، ودروس العلم. ومن الأمور المستحسنة في التربية الرحلةُ مع الأولاد، إما إلى مكة المكرمة، أو المدينة النبوية أو غيرهما من الأماكن المباحة؛ فبذلك يُجِمُّهُم، ويشرح صدورهم، ويكسبهم معارفَ جديدةً، إلى غير ذلك من فوائد السفر التي لا تخفى. ومن أنفع السبل المعينة على تربية الأولاد أن يربطهم بالسلف الصالح، حتى يسيروا على خطاهم، ويجدوا فيهم القدوة الحسنة. ومما ينبغي مراعاته في عملية التربية عدم استعجال النتائج؛ بل على الوالد أن يبذل مُستطاعَه، ويستمر في تربيته ودعائه؛ فلربما استجاب الولد بعد حين، وادّكر بعد أمَّة. وإذا رأى الوالدُ من ولده نفورًا أو تماديًا؛ فعليه ألا ييأس من صلاحهم واستقامتهم، فالنصحُ والتربيةُ النافعة يؤتيان أكلَهما بإذن اللهِ، فهما بمثابة البذر الذي يوضع في الأرض، والله يتولى رعايته ونماءه، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . فبسبب التربية الحسنة، يستقيم الأولاد، ويُقْصِرون عن التمادي في الباطل، ويُعْذِرُ الإنسان إلى الله.

стр. 166

وكما أن برَّ الوالدين واجب بكلِّ حال فإن على الوالدين أن يعينا الأولاد على البر، وأن يشجعاهم، ويشكراهم، بل على الوالدين أن يغضّا الطرف عن بعض ما يصدر من الأولاد، وعليهما أن يتنازلا عن بعض حقوقهما، خصوصا إذا رأيا من الولد إقبالًا على العلم، وجِدًّا في الطلب، ومصاحبةً للأخيار خصوصًا في بداية عمره، فعلى الوالدين أن يشجعاه، وأن يعذراه على بعض التقصير. تقول أم سفيان الثوري لابنها سفيان: "يا بني , اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي". فكانت تغزل وتبيع وتصرف على سفيان، وتُفَرِّغه لطلَب العلم، فأصبح الإمامَ المتبوعَ، وأمير المؤمنين في الحديث مع أنه نشأ يتيمًا. ومن الأمور المعينة على التربية استشارةُ من لديه خبرة بالتربية، وقراءة الكتب المفيدة في التربية، واستحضار فضلِ التربية في الدنيا والآخرة، واستحضار عواقب الإهمال والتفريط. وخلاصة القول في تربية الأولاد: أن يسعى الوالدُ في جلب ما ينفع الأولاد، ودفع ما يضرُّهم في دينهم ودنياهم.

стр. 167

﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 168

ليلةَ القدرِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن ليلةَ القدرِ ليلةٌ كثيرةُ الخيرِ، شريفةُ القدرِ، عميمةُ الفضلِ، متنوِّعةُ البركات. فمن بركاتها أنها أفضل من ألف شهر، قال الله : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: ٣) . أي أفضل من ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. ومن بركاتها أن القرآن العظيم أنزل فيها قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (الدخان: ٣) . ومن بركاتها أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁. هذه بعضُ بركاتِ تلك الليلة، وهي غيض من فيض من البركات التي خصَّ الله بها هذه الأمة، فهي أمةٌ مباركةٌ، وكتابُها كتابٌ مباركٌ، ونبيها نبيٌّ مبارك. والبركات التي أفاضها الله على هذه الأمة ببركة نبيها لا تعد ولا تحصى. ومن ذلك أنه قد بورك لهذه الأمة في بكورها، وبورك لها في أعمالها، وعلومها؛ فهي خير الأمم، وأكرمها على الله.

стр. 169

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدَّ وأسدَّ عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعافَ ما يناله غيرهم في قرون وأجيال) . وقال في موضع آخر: (فهدى الله الناس ببركة نبوَّة محمد ﷺ ، وبما جاء به من البيِّنات والهدى هدايةً جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته -المؤمنين عمومًا، ولأهل العلم منهم خصوصًا- من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جُمِعَتْ حكمةُ سائرِ الأمم علمًا وعملًا، الخالصةُ من كلِّ شوبٍ إلى الحكمة التي بعث بها - لتَفَاوَتا تَفَاوُتًا يمنع معرفةَ قَدْرِ النسبة بينهما؛ فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها) انتهى كلامه. والدرس المستفاد - معاشر الصائمين - من هذا المعنى أن نتعرَّض لتلك النفحات، وأن نلتمس تلك البركات، وذلك بالإيمان، والعمل الصالح، والإخلاص، واتباع السنَّة، واحتساب الأجر، والبعد عن المعاصي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 170

سر الاعتكاف ومقصوده وآدابه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان» . ففي هذا الحديث دليلٌ على مشروعية الاعتكافِ، وهو لزومُ مسجدٍ على وجهِ القربةِ من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. والاعتكافُ ليس بواجب، وإنما هو نافلةٌ من النوافل. قال ابنُ القيم ﵀ مبينًا المقصود من الاعتكاف: (وشرع لهم الاعتكافُ الذي مقصودهُ وروحهُ عكوفُ القلبِ على الله - تعالى - وجَمْعِيَّتُهُ عليه، والخلوةُ به عن الاشتغال بالخلق، والاشتغَالُ به وحده سبحانه؛ بحيث يصير ذكرُه، وحبُّه، والإقبالُ عليه في محلِّ هموم القلب، وخطراتهِ؛ فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكرُ في تحصيل مراضيه، وما يُقرِّب منه؛ فيصير أُنْسُهُ بالله بدلًا عن أنسه بالخلق؛ فَيُعِدُّهُ بذلك لأُنسه به يومَ الوحشةِ في القبور حين لا أنيسَ لَه، ولا ما يَفْرَحُ به سواه؛ فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظم) انتهى كلامه ﵀. آداب الاعتكاف:

стр. 171

وهذه جملةٌ من الآداب يحسن بالمعتكفين مراعاتُها، والأخذُ بها؛ ليكون اعتكافُهم كاملًا مقبولًا بإذن الله. أولًا: استحضارُ النيَّةِ الصالحةِ، واحتسابُ الأجر على الله . ثانيًا: استشعارُ الحكمةِ من الاعتكاف، وهي الانقطاع للعبادة، وجَمْعِيَّةُ القلب على الله . ثالثًا: ألا يخرج المعتكفُ إلاَّ لحاجته التي لا بد منها. رابعًا: المحافظةُ على أعمال اليوم والليلة من سنن وأذكار مطلقة ومقيَّدة، كالسنن الرواتب، وسنَّة الضحى، وصلاة القيام، وسنَّة الوضوء، وأذكار طرفي النهار، وأذكار أدبار الصلوات، وإجابة المؤذن، ونحو ذلك من الأمور التي يحسن بالمعتكف ألا يفوته شيء منها. خامسًا: الحرصُ على الاستِيقاظ من النوم قبل الصلاة بوقتٍ كاف، سواء كانت فريضة، أو قيامًا؛ لأجل أن يتهيأ المعتكف للصلاة، ويأتِيَها بسكينة ووقار، وخشوع.

стр. 172

سادسًا: الإكثار من النوافل عمومًا، والانتقالُ من نوع إلى نوع آخر من العبادة؛ لأجل ألا يدبَّ الفتور والملل إلى المعتكف؛ فَيُمْضِيَ وقته بالصلاة تارة، وبقراءة القرآن تارة، وبالتسبيح تارة، وبالتهليل تارة، وبالتحميد تارة، وبالتكبير تارة، وبالدعاء تارة، وبالاستغفار تارة، وبالصلاة على النبي ﷺ تارة، وبـ: لا حول ولا قوة إلا بالله تارة، وبالتدبُّر تارة، وبالتفكُّر تارة، وهكذا.... سابعًا: اصطحاب بعض كتب أهل العلم، وخصوصًا التفسير؛ حتى يستعانَ به على تدبُّر القرآن. ثامنًا: الإقلال من الطعام، والكلام، والمنام؛ فذلك أدعى لرقَّة القلب، وخشوع النفس، وحفظ الوقت، والبعد عن الإثم. تاسعًا: الحرص على الطهارة طيلة وقت الاعتكاف. عاشرًا: يحسن بالمعتكفين أن يتواصوا بالحق، وبالصبر، وبالنصيحة، والتذكير، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، والإيقاظ من النوم، وأن يَقْبَل بعضُهم من بعض. وبالجملة فليحرص المعتكف على تطبيق السنَّة، والحرص على كل قربة، والبعد عن كل ما يفسد اعتكافه، أو ينقص ثوابه. ملحوظات حول الاعتكاف:

стр. 173

أولًا: كثرةُ الزياراتِ وإطالتُها من قبل بعض الناس لبعض المعتكفين، وينتجُ عن ذلك كثرةُ حديثٍ، وإضاعةُ أوقات. ثانيًا: كثرةُ الاتِّصالات والمراسلات عبرَ الجوال بلا حاجة. ثالثًا: المبالغةُ في إحضار الأطعمة؛ وذلك يفضي إلى ثِقَلِ العبادة، وإيذاءِ المصلين برائحة الطعام؛ فالأولى للمعتكف أن يقتصد في ذلك. رابعًا: كثرةُ النومِ، والتثاقلُ عند الإيقاظ، والإساءةُ لمن يوقِظُ من قبل بعض المعتكفين، بدلًا من شكره، والدعاء له. خامسًا: إضاعةُ الفرصِ؛ فبعضُ المعتكفين لا يبالي بما يفوته من الخير، فتراه لا يتحرى أوقات إجابة الدعَاء، ولا يحرص على اغتنام الأوقات، بل ربما فاته بسبب النوم أو التكاسل بعضُ الركعاتِ أو الصلوات. سادسًا: أن بعض الناس يشجع أولاده الصغار على الاعتكاف، وهذا أمرٌ حسن، ولكنْ قد يكون الأولادُ غيرَ متأدبين بأدب الاعتكاف، فيحصل منهم أذية، وإزعاج، وجلبةٌ وكثرةُ مزاح وكلام، وخروج من المسجد، ونحو ذلك. فإذا كان الأمر كذلك فبيوتهم أولى لهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم ...

стр. 174

رمضان شهر الحرية (١) الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين المكين، نبي الحريَّة، وعدو العبوديَّة، ومطهر العقول من أدران الوثنية، وسائق ركب الإنسانية إلى السعادة الأبدية، وعلى آله وصحبه أحلاف السيوف، وقادة الزحوف، وأئمة الصفوف، وعلى التابعين لآثارهم في نصرة الدين إلى يوم الدين، أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ الحريَّةِ الحقَّة، ومدرسةُ الأحرارِ الشرفاءِ بالمعنى الصحيح. والحديث هاهنا سيدور حول هذا المعنى العظيم. أيها الصائمون الكرام, ليست الحريةُ كما توهمها أكثرُ الناسِ، مقصورةً على حق الإنسان بالتصرُّف كيفما أراد، وليست الحرية بالانطلاق وراء الشهوات، وسائر الرغبات؛ فتلك الفوضى أولًا، والعبوديةُ الذليلةُ أخيرًا. أما إنها فوضى؛ فلأنه ليس في الدنيا حريَّةٌ مطلقةٌ غيرُ مقيّدةٍ بنظام، بل كلُّ شيء في الدنيا له نظامٌ يُسيّره، وحريةُ الفردِ لا تصان إلا إذا قُيّدت ببعض القيود؛ لتسلم حرياتُ الآخرين.

стр. 175

وإنما تمامُ الحرية - لا كمالُها - قد يكون بالمنع أحيانًا؛ فالمريضُ حين يُمنع عن الطعام الذي يضره هو حرٌّ لم يُنْتَقَصْ من حريته فتيلٌ ولا قطميرٌ؛ فذلك المنع إنما هو منعٌ مؤقتٌ؛ لتسلم له بعد ذلك حريتُه في تناول ما يشاء من الأغذية. والمجرمُ تُحَدُّ حريتُه مؤقتًا؛ ليعرف كيف يستعمل حريته بعد ذلك في إطار كريم، لا يؤذي نفسه، ولا يؤذي الآخرين. ثم إن الإنسانَ مدنيٌّ بطبعه؛ فلا يعيش وحده، وإنما يعيش في مجتمعٍ متماسك يؤذيه كلُّه ما يؤذي بعضَه، ومن هنا كانت الحريّةُ المطلقةُ فوضى. أما كونُها عبوديةً ذليلةً فلأن تمامَ الحريةِ ألا يستعبدك أحدٌ ممن يساويك في الإنسانية، أو يكون دونك فيها. وفي الفوضى التي يعبر عنها الناسُ بالحرية الشخصية عبوديةٌ ذليلةٌ لمن هو مثلُك، أو دونك من قيم الحياة المادية؛ فحين تستولي على الإنسان عادة ُالانطلاق وراء كلِّ لذةٍ، والانفلاتِ من كلِّ قيد يكون قد استعبدته اللذةُ على أوسع مدى، فيصبح أسيرًا لها مُكَبَّلًا في أغلالها، لا يجري في الحياة إلا لأجلها، ولا يعمل إلا وَفْقَ ما تريد؛ فهذه الحريةُ التي تنقلب إلى عبودية أهونُ ما في الحياة من قيمة ومعنى.

стр. 176

ولئن كانت قيمةُ الإنسان بمقدار ما يناله من لذائذه، فإن الحيوانَ أكثرُ منه قيمة، وأعلى قدرًا. وحين ينطلق الإنسانُ وراء فتاةٍ يهواها، أو وراءَ الغانيات يشبع بهن لذائذَه، أيستطيع أن يزعم أنه حرٌّ من سلطانهن؟ !! أو تراه أسيرَ اللحظات، رهنَ الإشارةِ، شاردَ اللبِّ، مُعَنّى القلبِ أقصى أمانيه في الحياة بسمة من حبيبٍ هاجرٍ، أو وصال من جسم ممتنع؟ ! أيةُ عبوديةٍ أذلُّ من هذه العبودية، وهو لا يملك زِمامَ نفسِه، ولا حريّةَ قلبِه؛ فلا يتحكَّم في حبه ولا بغضه، ولا رضاه، ولا غضبه؟ ! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإنَّ أسْرَ القلبِ أعظمُ من أسر البدن، واستعبادَ القلب أعظمُ من استعباد البدن؛ فإن من استُعْبِد بدنُه، واستُرِقّ وأُسِر لا يبالي إذا كانَ قلبُه مستريحًا من ذلك مطمئنًّا، بل يمكنه الاحتيالُ في الخلاص؛ وأما إذا كان القلب - الذي هو مَلِك الجسم - رقيقًا مستعبدًا متيَّمًا لغير الله؛ فهذا هو الذلُّ، والأسرُ المَحْضُ، والعبوديةُ الذليلة لما استعْبَدَ القلبَ.

стр. 177

وعبوديةُ القلب، وأسرُه هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلمَ لو أسره كافرٌ أو استرقّه فاجرٌ بغير حق؛ لم يضرَّه ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استُعْبِد بحق إذا أدّى حقَّ الله وحقَّ مواليه فله أجران، ولو أُكره على التكلّم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضرَّه ذلك. وأما من استُعْبِد قلبُه، فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره , ذلك ولو كان في الظاهر ملكَ الناس؛ فالحريةُ حريةُ القلب، والعبوديةُ عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. قال النبي ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض؛ وإنما الغنى غنى القلب» . اهـ. أيها الصائمون الكرام! وحين يسترسل الإنسان في تناول المسكرات والمخدرات يعبُّ منها ما تناله يده؛ حتى تتلف أعصابه وصحته، وتسلبه عقلَه وكرامتَه، أيزعم بعد ذلك أنه حر؟ ! أيوجد أبشعَ من هذه العبودية لشراب قاتل، وسموم فتاكة؟ ! وقل مثل ذلك في التهالك على المال والجاه، إن ذلك حين يستولي على قلب الإنسان ونفسه ينقلب إلى عبودية ذليلة، وكلُّ هوًى يتمكَّن من النفس حتى تكون له السيطرة على الأعمال والسلوك يفضي بصاحبه إلى عبودية ذليلة مقيتة لا نهاية لقبحها.

стр. 178

ومن أعجب أساليب القرآن تعبيرُه عن مثل هذه الحالة بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: من الآية ٢٣) . فليست العبودية الذليلة - إذًا - قيدًا ولا سجنًا فحسب، فهذه أيسرُ أنواع العبودية، وأسرعُها زوالًا. ولكن العبوديةَ الذليلةَ عادةٌ سيئةٌ تتحكم، وشهوة عارمة تستعلي، ولذةٌ محرمةٌ تُطاع. وليست الحريةُ هي القدرة على الانتقال من بلد إلى بلد آخر، فتلك أيسرُ أنواعِ الحرية، وأقلُّها ثمنًا؛ ولكن الحريةَ الحقَّة: أن تستطيعَ السيطرةَ على أهوائك ونوازع الشر في نفسك، والحريّة الحقَّة ألا تستعبدَك عادةٌ، ولا تَستذِلَّك شهوةٌ. وبهذا المعنى كان المؤمنون - حقًّا - هم أهلُ الحرية الحقَّة؛ فعبوديتهم لله، تحررهم من كل عبودية، وإخلاصُهم لله، يَصْرِفُ عنهم كلَّ ذِلَّةٍ وتبعيَّة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من أراد السعادة الأبدية؛ فليلزم عتبةُ العبودية) .

стр. 179

وقال ﵀: (وإذا كان العبدُ مخلصًا لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلصْ لله، فإن فيه طلبًا، وإرادةً، وحبًّا مطلقًا، فيهوى كلَّ ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه؛ كالغصن أيُّ نسيم مرَّ به عَطَفه وأماله؛ فتارة تجتذبه الصورُ المحرمةُ؛ فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذهُ هو عبدًا لكان ذلك عيبًا، ونقصًا، وذمًّا. وتارة يجتذبه الشرفُ، والرئاسةُ، فترضيه الكلمةُ، وتغضبه الكلمةُ، ويستعبده مَنْ يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي مَنْ يذمه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهمُ والدينارُ، وأمثالُ ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها؛ فيتخذُ إلهَه هواه، ويتبعُه بغير هدى من الله. ومن لم يكن خالصًا لله عبدًا له، قد صار قلبُه مُعَبَّدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحبَّ إليه مما سواه، ويكون ذليلًا له، خاضعًا، وإلا استعبدته الكائناتُ، واستولت على قلبه الشياطينُ، وصار فيه من السوء، والفحشاء ما لا يعلمه إلا اللهُ، وهذا أمرٌ ضروريٌّ لا حيلةَ فيه) . اهـ.

стр. 180

وهكذا يتبيَّن لنا أن المؤمنين الذين يخضعون لأمر الله ونهيه هم أكملُ الناس، وأعقلُهم، وأسعدُهم، وهم في الوقت نفسه أكثر الناس حريَّة؛ فخضوعهم لله حرَّرهم حتى من أنفسهم. أيها الصائمون الكرام, بهذا المعنى الدقيق نستقبل رمضان على أنه شهر الحرية، وعلى أن الصيام مدرسةٌ لتخريج الأحرار بالمعنى العلمي الصحيح. في رمضانَ جوعٌ وعطشٌ، وفيه قيدٌ وحرمانٌ، ولكنه يمنحنا الصحةَ، ويحررنا من العبودية؛ يحررنا من عبودية الطعام، والشراب، وعبودية العادة، والحياة المملة. في رمضانَ امتناعٌ عن اللذة اختيارًا، وهذه هي الحريةُ؛ فحرية الإرادة أن تعمل وفق ما يمليه عليك دينُك، ووازع عقلك، لا ما تمليه عليك عاطفتك وشهوتك؛ فأنت - إذًا - قوي الإرادة، ضعيفُ الهوى، تضبط ميولَك بإحكام عقلك.
следующие страницы →