Полный текст (264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ومن فوائد الذكر أنه يؤمِّن من الحسرة يوم القيامة، وأن فيه شُغْلًا عن الغيبة، والنميمة، والفحش من القول، وأنَّه مع البكاء من خشية الله سببٌ لإظلال الله للعبد يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
معاشر الصائمين: الذكر أمانٌ من النفاق، أمانٌ من نسيان الله.
ومن فوائده أنه غراس الجنة، وأنه أيسر العبادات، وأقلُّها مشقَّة، ومع ذلك فهو يعدل عتق الرقاب، ويُرَتَّبُ عليه من الجزاء ما لا يرتب على غيره.
والذكر يغني القلب، ويسدُّ حاجته، ويجمعُ على القلب ما تفرق من إراداته وعزومه، ويفرق عليه ما اجتمع من الهموم والغموم والأحزان، والأنكاد، والحسرات.
ويفرق عليه - أيضًا - ما اجتمع على حربه من شياطين الإنس والجن.
والذكر يقرِّب من الآخرة، ويباعد من الدنيا، ويعطي الذاكرَ قوةً، حتى إنه لَيفعلُ مع الذكر ما لا يُظن فعلُه بدون الذكر.
ومن فوائده أنه رأس الشكر؛ فما شكر الله من لم يذكره، وأن أكرم الخلق على الله من لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله.
وبالذِّكر تَسْهُل الصعاب، وتَخِفُّ المشاق، وتُيَسَّر الأمور، وتذوب قسوة القلب، وتُسْتَجْلَب بركة الوقت.
стр. 212
والذكر يوجب صلاةَ الله، وملائكتِه، ومباهاةَ الله بالذاكرين ملائكتَه.
وللذكر تأثير عجيب في حصول الأمن، ودفع الخوف، ورفعه؛ فليس للخائف الذي اشتدّ خوفه أنفعُ من الذكر.
ثم إن الجبال والقفار تباهي وتبشر بمن يذكر الله عليها.
ودوام الذكر في الطريق، والبيت، والحضر والسفر، والبقاع - تكثير لشهود العبد يوم القيامة.
وللذكر من بين الأعمال لذَّة لا تُعَادِلُها لذَّة.
وبالجملة فإن ثمرات الذكر وفوائده، تحصل بكثرته، وباستحضار ما يقال فيه، وبالمداومة على الأذكار المطلقة، والمقيدة، وبالحذر من الابتداع فيه، ومخالفة المشروع.
معاشر الصائمين: هناك أذكارٌ مطلقةٌ عظيمةٌ، وقد جاء في فضلها نصوصٌ كثيرة.
وأعظم هذه الأذكار: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر) .
وقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» .
ومن الأذكار العظيمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) .
стр. 213
ومعناها: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوّة له على ذلك إلا بالله.
وقد جاء في فضلها أحاديثُ كثيرةٌ، منها ما جاء في سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض أحدٌ يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كُفِّرتْ خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» .
قال الترمذي: (وهذا حديث حسن غريب) .
وجاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس , ألا أدلك على كنز من كنوز الجنَّة) . قلت: بلى. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) .»
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لا حول ولا قوة إلا بالله تُحمل بها الأثقال، وتُكابد الأهوال، ويُنال رفيعُ الأحوال) .
وقال ابن القيم ﵀: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرًا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا, كيف نحمل عرشَك وعليه عظمتُك وجلالك؟
فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فلما قالوها حملوه) .
стр. 214
وقال ابن القيم - أيضًا -: (وهذه الكلمة - يعني لا حول ولا قوة إلا بالله - لها تأثيرٌ عجيبٌ في معاناة الأشغال الصعبة، وتَحملِ المشاقِّ، والدخولِ على الملوك، ومَنْ يُخاف، وركوب الأهوال، ولها - أيضًا - تأثيرٌ في دفع الفقر) .
قال: (وكان حبيبُ بنُ مسلمةَ يَستَحب إذا لقيَ عدوا، أو ناهض حصنًا، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ناهض يومًا حصنًا للروم فانهزم، فقالها المسلمون، وكبروا، فانهدم الحصن) .
معاشر الصائمين: ومن الأذكار المطلقة العظيمة (سبحان الله وبحمده) .
ولقد جاء في فضلها أحاديثُ كثيرةٌ، منها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» .
ومن الأذكار العظيمة - كذلك -: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
ومن الأذكار العظيمة الاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 215
وقد ورد في فضلهما آثارٌ كثيرةٌ، وألف في ذلك كتبٌ عديدةٌ، والمقام لا يتَّسع للتفصيل.
معاشر الصائمين: الناس في الذكر على أربع طبقات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إحداها: الذكر بالقلب، واللسان، وهو المأمور به.
الثاني: الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان فحسنٌ، وإن كان مع قدرته فتركٌ للأفضل.
الثالث: الذكر باللسان فقط، وهو كون اللسان رطبًا بذكر الله، ويقول الله - تعالى - في الحديث القدسي: «أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه» .
الرابع: عدم الأمرين، وهو حال الأخسرين) .
أيها الصائمون: للذكر مفهومٌ خاصٌّ، وهو ما مضى الحديث عنه، وله مفهوم عامٌّ شاملٌ، وهو كل ما تكلَّم به اللسان، وتصوَّره القلب، مما يقرب إلى الله، من تعلُّم علمٍ، وتعليمه، وأمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المنكر - فهو ذكرٌ لله.
ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقه فيه الفقهَ الذي سماه الله ورسوله فقهًا، فهذا - أيضًا - من ذكر الله.
وكذلك من قام بقلبه محبّةُ الله، وخوفُه، ورجاؤه، ونحو ذلك فهو من ذكر الله.
стр. 216
كما يدخل في الذكر تلاوةُ القرآن، والدعاءُ، والصلاةُ، وإفشاءُ السلام، وإصلاحُ ذات البين، ومخاطبة الناس بالحسنى.
ويدخل في ذلك الصدقةُ، ونشرُ الكتب، والدعوةُ إلى الله، فكلُّ ذلك وغيره، داخلٌ في عموم مفهوم الذكر.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
стр. 217
من فضائل الحلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فلا ريب أن للصوم أثرًا في اكتساب الحلم، ولا ريب أن للحلم فضائلَ عديدةً، والحديث هاهنا تبيان لبعض فضائل الحلم.
معاشر الصائمين: من فضائل الحلم أنك ترى الناسَ في جانب الحليم متى كان خصمُه أو مناظره ينحدر في جهالة، ولا يندى جبينه أن يقول سوءًا.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (حلمُك على السفيه يكثر أنصارَك عليه) .
قال الحكيم العربي:
والحلمُ أعظمُ ناصرٍ تَدْعُونه ... فالزمْهُ يَكْفِكَ قلةَ الأنصار
ومن فضل الحلم أن رئاسةَ الناسِ -صغيرةً كانت أم كبيرة- لا ينتظم أمرُها إلا أن يكون الرئيس راسخًا في خلق الحلم.
قال معاوية ﵁ لعرابةَ الأوسيِّ: بم سُدْتَ قومك حتى قال فيك الشماخ:
رأيت عرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفعت لِمَجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمينِ
قال عرابةُ: غيري أولى مني بذلك يا أمير المؤمنين.
قال معاوية: عزمتُ عليك لَتُخبرَنِّي.
قال عرابة: يا أمير المؤمنين, كنت أحلِم على جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في قضاء حوائجهم.
стр. 218
وما ذلك - أيها الصائمون - إلا أن الناس يكرهون جافي الطبع، ولا يجتمعون حولَ مَنْ يأخذه الغضبُ لأدنى هفوة، إلا أن يساقوا إليه سوقًا.
والرئيس بحق هو مَنْ يملك القلوب قبل أن يبسط سلطانه على الرقاب.
ولقد امتن ربنا -جل وعلا- على نبينا محمد ﷺ بأن جبله على هذه السيرة الحميدة، وأنْ جَنَّبه الغلظةَ والفظاظة، فقال : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٩) .
ولقد كانت سيرةُ نبينا محمد ﷺ حافلةً بهذا الخلق الكريم؛ فلقد كان يلاقي الإساءة بالإحسان، ويدفع بالحسنة السيئة، ويقابل الغِلظَ بالرفق؛ فهذه السيرةُ ترشدُ رئيسَ القومِ، والداعيةَ، والعالمَ، والمعلمَ أن يوسِّع صدرَه لمن يناقشه أو يجادله ولو صاغ أقواله في غلظة وجفاء؛ فسيرته ﵊ هي التي علَّمت معاوية ﵁ أن يقول: (والله لا أحْمِلُ سيفي على مَنْ لا سيفَ له؛ فإن لم يكن لأحدكم سوى كلمةٍ يقولها ليستشفيَ بها فإني أجعل لها ذلك دبر أذني، وتحت قدمي) .
стр. 219
ويقول ﵁: (لا أحمل سيفي ما كفاني سوطي، ولا أحمل سوطي ما كفاني مقولي) .
وإليكم - معاشر الصائمين - هذه القصةَ العجيبةَ من سيرة معاوية ﵁.
قال رجل من قريش: ما أظن معاويةُ أغضبه شيءٌ قطُّ.
فقال بعضهم: إذا ذُكرَت أُمُّه غضب.
فقال مالك بن أسماء المنى القرشي: أنا أغضبه إن جعلتم لي جعلًا، ففعلوا، فأتاه في الموسم، فقال له: يا أمير المؤمنين إن عينيكَ لتشبهانِ عيني أمِّك.
قال معاوية: نعم كانتا عينين طالما أعجبتا أبا سفيان! ثم دعا مولاه شقران فقال له: أَعْدِدْ لأسماء المنى ديةَ ابنها؛ فإني قد قتلته وهو لا يدري.
فرجع مالكُ بنُ أسماءِ المنى وأخذ الجعلَ، فقيل له: إن أتيت عمر بن الزبير فقلت له مثل ما قلت لمعاوية أعطيناك كذا وكذا.
فأتاه فقال له ذلك، فأمر بضربه حتى مات.
فبلغ ذلك معاوية، فقال: أنا والله قتلته، وبعث إلى أمه بديته، وأنشأ يقول:
ألا قل لأسماء المنى أمِّ مالكٍ ... فإني لَعَمْرُ الله أهلكت مالكا
стр. 220
قال ابن الأثير ﵀ متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: (وكان ﵀ حليمًا، حسن الأخلاق، صبورًا على ما يكره، كثير التغاضي عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلِمُهُ بذلك، ولا يتغير عليه.
وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسر موزة - أي بنعل - فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين، فأخطأته ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها) .
معاشر الصائمين: قد يقطع الحلم شَرًّا عظيمًا لو لم يقابل بالحلم لتمادى وعظم.
قال أيوب: (حلمُ ساعةٍ يدفع شرًّا كبيرًا) .
وقال الأحنف: (ربَّ غيظٍ تَجَرَّعْتُه، مخافةَ ما هو شرٌّ منه) .
بل قد يضع الحلمُ مكان الضغينة مودة؛ ذلكم أن الفضيلةَ محبوبةٌ في نفسها، وتدعو إلى إجلال مَنْ يتمسَّك بها.
وكثيرًا ما يكون الصفح عن المسيء دواءً لسوء خلقه، وتقويمًا لعوجه، فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناوأة إلى مسالمة.
أما التسرُّع في دفع السيئة بمثلها أو أشدَّ دونما نظرٍ إلى الأثر السيئ - فذلك دليلُ ضيقِ الصدرِ، والعجزِ عن كبح جماح الغضب.
стр. 221
وإنما يتفاضل الناس في السيادة على قدر تدبُّرهم للعواقب، وإسكاتهم للغضب إذا طغى. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٤-٣٥)
أيها الصائمون الكرام, ومن فوائد الحلم: السلامة من تشوش القلب، ومرض البدن، وسائر المشكلات الناجمة عن الغضب.
أما أعظم فوائده فهي الفوزُ برضا الخالق -جل وعلا- فإنه قد دعا إليه في آيات كثيرة، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) .
وأثنى على عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: من الآية ٦٣) .
أيها الصائم الكريم, تذكَّر أنك تتفيَّأُ في ظلال دين قويم، وتعيش في أيام شهر مبارك كريم؛ فإذا سابَّك أحدٌ أو شاتمك فقل: «إني امرؤ صائم» .
وبذلك ترضي ربك، وتحافظ على صومك، وتسلم من سماع ما يسوؤك.
стр. 222
وإذا لزمت هذه السيرة الرضية في شهرك هذا، كان ذلك دافعًا لك أن تلزم الحلم في بقية عمرك، (وإنما الحلم بالتحلُّم، وإنما العلم بالتعلُّم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 223
رمضان شهر العفة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن رمضانَ شهرُ العفَّة، وشهرُ شرفِ النفس وزكائها؛ ذلكم أن الصائم يدع طعامَه، وشرابَه، وشهوتَه لله ويداومُ على هذا الصنيع شهرًا كاملًا؛ فيحصل له بذلك حبسُ النفس عن شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، وتعديلُ قوَّتِها الشهوانيةِ؛ لتستعدَّ لطلب ما فيه سعادتُها، ونعيمُها، وقبولُ ما تزكو به في حياتِها الأبدية؛ فالصيامُ لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين.
والصيامُ يقوي الإرادةَ، ويدرِّب الصائمَ على أن يمتنع باختياره عن شهواته، ولذةِ حيوانيته؛ فَيصِل بذلك إلى حالةٍ نفسية بالغةِ السُّمُو، ويروِّض نفسه رياضةً عمليةً على معالي الأمور، ومكارم الأخلاق.
وما أشدَّ حاجةَ النفوس إلى أن تروَّض على خلق العفة، ومِنَ العِفَّة ألا يكون الإنسان عبدًا لشهواته، مسترسلًا مع كافة رغباته؛ فالنفس طلعة لا تقف عند حد.
ومَنْ يطعمُ النفسَ ما تشتهي ... كمن يُطْعِمُ النارَ جزلَ الحطبْ
ولا يكون من وراء اتباع كافة الشهوات إلا إذلالُ النفس، وموتُ الشرف، والضعة والتسفّل.
стр. 224
وإن من عجائب حكمة الله أن جعل مع الفضيلة ثوابَها من الصحة، والنشاط، وحُسن الأحدوثة.
وجعل مع الرذيلة عقابَها من المرض، والحِطَّة، وسوء السمعة.
ولو لم يأتِ من فضائل العفة، إلا أن يسلمَ الإنسانُ من شرور الفواحش، وينأى بنفسه عن أضرارها المتنوعة، كيف وقد قال الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ .
ولا ريب أن أعظمَ الفواحش فاحشتا اللواط والزنا، قال ابن القيم ﵀ متحدثًا عن تلك الفاحشتين: "فليس في الذنوب أفسدُ للقلب والدين، من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصِّيَّةٌ في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلبُ بهما بَعُد ممن هو طيب، لا يصعدُ إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثًا ازداد من الله بعدًا".
وقال ﵀ مبينًا أضرار اللواط: "فإنه يحدث الهمَّ، والغمَّ، والنفرةَ، عن الفاعل والمفعول.
وأيضا؛ فإنه يسوّد الوجه، ويظلم الصدرَ، ويطمس نورَ القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير كالسيماء، يعرفها من له أدنى فِراسة.
وأيضًا؛ فإنه يوجب النُّفْرةَ، والتباغضَ الشديدَ، والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد.
стр. 225
وأيضًا؛ فإنه يفسد حالَ الفاعلِ والمفعولِ فسادًا لا يكاد يُرجى بعده صلاح؛ إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.
وأيضاًَ؛ فإنه يَذْهَبُ بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدَّها، كما يذهب بالمودة بينهما، ويبدلُهما بها تباغضًا، وتلاعنًا.
وأيضًا؛ فإنه من أكبر أسباب زوال النعم، وحلول النِّقم؛ فإنه يوجب اللعن، والمقت من الله، وإعراضَه عن فاعله، وعدمَ نظره إليه؛ فأيُّ خيرٍ يرجوه بعد هذا؟ وأي شرٍّ يأمنه؟ وكيف حياةُ عبدٍ حلَّت عليه لعنةُ اللهِ ومقتُه؟ وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه؟ !.
وأيضًا؛ فإنه يذهب بالحياء جملةً، والحياءُ هو حياةُ القلوبِ؛ فإن فَقَدها القلبُ استحسن القبيحَ، واستقبح الحسنَ، وحينئذٍ فقد استحكم فساده".
إلى أن قال ﵀ متحدثًا عن أضرار اللواط:
"وأيضًا؛ فإنه يورث من الوقاحة، والجرأة، ما لا يورثه سواه.
وأيضًا فإنه يورث من المهانة، والسَّفال والحقارةِ ما لا يورثه غيره.
وأيضًا فإنه يكسو العبدَ حُلَّةَ المقت، والبغضاءِ، وازدراءِ الناس، واحتقارِهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس". اهـ.
стр. 226
ولقد أثبتت الدراساتُ الطبية الحديثة؛ أن لهذه الفعلة أضرارًا كبيرة، على نفوس مرتكبيها، وعقولهم، وأبدانهم.
فمن أضرارها: التأثير على الأعصاب، والمخ، وأعضاء التناسل، والدوسنتاريا، والتهابُ الكبد الفيروسي، بل كثيرًا ما يؤدي إلى أمراض الشذوذ الخطيرة: كالزهري، والسيلان، والهربس، والإيدز.
بل إنه على رأس الأسباب المؤدية لتلك الأمراض.
وأكثر هذه الأضرار، يشترك فيها الزنا مع اللواط، ثم إن الزنا يجمع خلال الشر كلَّها، من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، ووأد الفضيلة؛ فالزنا سبب للفقر، ولذهاب حرمة فاعله وسقوطه من عين الله، وأعين عباده، والزنا يسلب صاحبَه اسمَ البَرِّ، والعفيفِ، والعدلِ، ويعطيه اسمَ الفاجرِ، والفاسق، والزاني، والخائن.
ومن أضرار الزنا: الوحشةُ التي تُوضع في قلب الزاني، وهي نظيرُ الوحشةِ التي تعلو وجهَه؛ فالعفيفُ على وجهه حلاوةٌ، وفي قلبه أنسٌ، ومَنْ جالسه استأنس به، والزاني بالعكس من ذلك تماما.
ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة، والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش لرأى أن ما فاته أضعافُ أضعافِ ما حصل له.
стр. 227
والزنا يجرئ على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وكسبِ الحرام، وظلمِ الخلق، وإضاعةِ المال، والأهل، والعيال.
والزنا يَذْهَبُ بكرامة الفتاة، ويكسوها عارًا لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها؛ حيث تدخل العار على أهلها، وزوجها، وأقاربها، وتنكِّس به رؤوسهم بين الخلائق.
وإذا حملت المرأةُ من الزنا، فقتلت ولدَها جمعت بين الزنا والقتل، وإذا حملته على الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبيًّا ليس منهم، فورثهم ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم.
والزنا جنايةٌ على الولد، فإن الزاني يَبْذِرُ نطفته على وجه يجعل النسمةَ المخلَّقةَ منها مقطوعةَ النسبِ إلى الآباء، فكان الزنا سببًا لوجود الولد عاريًا من الروابط التي تربطه بأدنى قربى يأخذون بساعده إذا زلَّت به نَعْلُه.
وفي الزنا جنايةٌ على الولد، وتعريضٌ له لأن يعيش وضيعًا بين الأمة، مدحورًا من كل جانب، فما ذنب هذا المسكين، وأي قلب يحتمل ذلك المصير.
أيها الصوام: هذا نزرٌ يسير من أضرار الفواحش، ومن خلال ذلك يتبين لنا مدى ما يصل إليه الإنسان إذا هو فارق العفةَ، واتبع هواه بغير هدى من الله، وهكذا يتبين لنا أثر الصوم في تنمية خلق العفة.
стр. 228
اللهم إنا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 229
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن للشهوات سلطانًا على النفوس، واستيلاءً وتمكنًا في القلوب؛ فتركُها عزيزٌ، والخلاص منها عسير.
ولكنْ مَن اتقى اللهَ كفاه، ومن استعان به أعانه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
وإنما يجدُ المشقةَ في ترك المألوفات والعوائدِ من تركها لغير الله.
أما من تركها مخلصًا لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا أول وهلةٍ؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؛ فإن صبر على تلك المشقة قليلًا تحولت لذة.
وكلما ازدادتِ الرغبةُ في المحرم، وتاقتِ النفسُ إلى فعله، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيه -عظمُ الأجرُ في تركه، وتضاعفت المثوبةُ في مجاهدة النفس على الخلاص منه.
ولا ينافي التقوى ميلُ الإنسانِ بطبعه إلى بعض الشهوات المحرمة إذا كان لا يغشاها، وكان يجاهد نفسَه على بغضها.
بل إن ذلك من الجهاد، ومن صميم التقوى؛ فالنار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره.
ولقد جرت سنةُ الله بأنّ مَنْ ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
стр. 230
والعِوضُ من الله أنواع مختلفة، وأجلُّ ذلك العوض: الأنسُ بالله، ومحبتُه، وطمأنينةُ القلبِ بذكره، وقوَّتُه، ونشاطُه، ورضاه عن ربه، مع ما يلقاه العبد من جزاء في هذه الدنيا، ومع ما ينتظره من الجزاء الأوفى في العقبى.
ولقد تظاهرت نصوصُ الشرع في هذا المعنى العظيم الذي يعد من أدْعى الأسباب لمخالفة الهوى، ولزوم التقوى؛ إذ فيه نظرٌ للعواقب، وإيثارٌ للآجل على العاجل.
هذا وإن الصيام لمن أعظم ما يؤكد هذا المعنى، ويبعث عليه.
ولو استعرض الإنسانُ نصوصَ الشرعِ في الصيام لتجلى له هذا المعنى غاية التجلي.
ومن تلك النصوص ما جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» الحديث.
وجاء فيهما -أيضًا-: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه» .
وبوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الصيام بابًا سماه: "باب الريان للصائمين"
стр. 231
ثم ساق بسنده الحديث عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابًا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أيها الصائمون، فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم؛ فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» .
قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: "الرَّيَّان بفتح الراء، وتشديد التحتانية وزن فعلان من الرِّي: اسمُ علمٍ على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه.
وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الرِّي، وهو مناسب لحال الصائمين، وسيأتي أن من دخله لا يظمأ.
قال القرطبي: اكتُفي بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.
قلت: أو لكونه أشقَّ على الصائم من الجوع" اهـ.
وهكذا -أيها الصائمون- يتبين لنا أن الجزاءَ من جنس العمل، وأن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه؛ فالصائم لما ترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجل الله جازاه الله على عمله، وعوضه خيرًا مما ترك؛ حيث اختص الصيام من بين سائر الأعمال بأنه له، وأنه يتولى جزاءه.
стр. 232
والصائم لما ترك شهواتِه المجبولَ عليها من شراب، وطعام، ومنكح، وفي ذلك منع له مما يشتهي , عوضه الله خيرًا مما ترك، ألا وهو الفرح عند الفطر، والفرح عند لقاء الرب وهو فرحٌ لا يقارن بفرح التمتع بالشهوات وسائر الملذات.
وكذلك الحال بالنسبة للحديث الثالث؛ فالصائمون لما صبروا على ألم العطش حال صيامهم، وفي ذلك قهر للنفس، وقمع لها؛ ابتغاء مرضاة الله عوَّضهم الله خيرًا مما تركوا، فجعل لهم بابًا في الجنة لا يدخل منه غيرهم.
وهكذا يتجلى لنا هذا المعنى في الصيام.
والعبرة المأخوذة، والدروس المستفادة من هذا أن يستحضر الصائم هذا المعنى العظيم في جميع ما يأتي وما يذر، وأن يعلم أن الله- كريم شكور، وأن مقتضى ذلك أن يجازي الإنسان بالحسنة خيرًا منها تفضلًا وتكرمًا. والجزاء ليس في الآخرة فحسب، بل الغالب أنه في الدنيا والآخرة معًا.
ولو قام هذا المعنى في القلوب لانبعثت إلى فعل الطاعات، ولأقصرت عن كثير من الشرور والمعاصي.
هذا وللحديث صلة في الدرس القادم -بإذن الله- حيث سيذكر فيها نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيرًا منها.
стр. 233
اللهم إنا نسألك حبك، وحبَّ من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 234
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه (٢)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد كان الحديث في الدرس الماضي يدور حول معنى: "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه" وكيف كان الصيام دالًّا على هذا المعنى، ومرشدًا إليه.
والحديث هاهنا إكمال لما مضى، وسيدور حول ذكرٍ لأمور من تركها لله عوضه الله خيرًا منها؛ لعل النفوس تنبعث إلى فعل الخير، والإقصار عن الشر.
فمن ترك مسألَة الناس، ورجاءَهم، وإراقةَ ماءِ الوجه أمامهم، وعلَّق رجاءه بالله دون سواه -عَوّضَه خيرًا مما ترك، فرزقه حريةَ القلب، وعزةَ النفس، والاستغناء عن الخلق «ومن يتصبرْ يصبرْه الله، ومن يستعففْ يُعِفَّهُ الله» .
ومن ترك الاعتراض على قدر الله، فسلم لربه في جميع أمره رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال.
ومن ترك الذهابَ إلى العرافين والسحرة رزقه الله الصبرَ، وصِدْقَ التوكل، وتَحَقُّقَ التوحيد.
ومن ترك التكالبَ على الدنيا جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبه، وأَتَتْهُ الدنيا وهي راغمةٌ.
стр. 235
ومن ترك الخوفَ من غير الله، وأفرد اللهَ وحده بالخوف -سَلِمَ من الأوهام، وأمَّنه الله من كل شيء، فصارت مخاوفُه أمنًا وبردًا وسلامًا.
ومن ترك الكذبَ، ولزم الصدقَ فيما يأتي وما يذر - هُدي إلى البر، وكان عند الله صديقًا، ورزق لسانَ صدقٍ بين الناس، فسوَّدوه، وأكرموه، وأصاخوا السمع لقوله.
ومن ترك المراءَ وإن كان مُحِقًّا ضُمن له بيتٌ في ربض الجنة، وسلم من شر اللجاج والخصومةِ، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه.
ومن ترك الغشَّ في البيع والشراء زادت ثقةُ الناس به، وكثر إقبالُهم على سلعته.
ومن ترك الربا، وكَسْبَ الخبيثِ بارك الله في رزقه، وفتح له أبوابَ الخيرات والبركات.
ومن ترك النظرَ إلى المحرم عوَّضه الله فِراسةً صادقةً، ونورًا وجلاءً، ولذةً يجدها في قلبه.
ومن ترك البخلَ، وآثر التكرمَ والسخاءَ أحبه الناس، واقترب من الله ومن الجنة، وسلم من الهم والغم وضيق الصدر، وترقى في مدارج الكمال ومراتب الفضيلة ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 236
ومن ترك الكبر، ولَزِمَ التواضع كمل سؤدده، وعلا قدره، وتناهى فضله، قال ﷺ فيما رواه مسلم في الصحيح: «ومن تواضع لله رفعه» .
ومن ترك المنام ودفأه ولذته، وقام يصلي لله عوضه الله فرحًا، ونشاطًا، وأنسًا.
ومن ترك التدخينَ، وكافةَ المسكراتِ والمخدراتِ أعانه الله، وأمده بألطاف من عنده، وعوَّضه صحةً وسعادةً حقيقية، لا تلك السعادة الوهمية العابرة.
ومن ترك الانتقامَ والتشفِّيَ مع قدرته على ذلك-عوَّضه الله انشراحًا في الصدر، وفرحًا في القلب؛ ففي العفو مِنَ الطمأنينة والسكينةِ، والحلاوةِ، وشرفِ النفس، وعزها، وترفُّعها -ما ليس شيءٌ منه في المقابلة والانتقام.
قال ﷺ فيما رواه مسلم: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» .
ومن ترك صحبة السوء التي يظن أن بها منتهى أنسه، وغايةَ سروره - عوَّضه الله أصحابًا أبرارًا، يجد عندهم المتعة والفائدة، وينال من جرّاء مصاحبتهم ومعاشرتهم خيري الدنيا والآخرة.
стр. 237
ومن ترك كثرة الطعام سلم من البطنة، وسائر الأمراض؛ لأن من أكل كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. ومن ترك المماطلةَ في الدَّين أعانه الله، وسدد عنه بل كان حقًَّا على الله عونُه.
ومن تركَ الغضبَ حفظ على نفسه عزتَها وكرامتَها، ونأى بها عن ذل الاعتذار، ومَغَبَّةِ الندم، ودخل في زمرة المتقين ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ .
«جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني , قال: "لا تغضب» رواه البخاري.
قال الماوردي ﵀: "فينبغي لذي اللُّبِّ السوي والحزمِ القوي أن يتلقى قوةَ الغضب بحلمه فيصدَّها، ويقابلَ دواعي شرَّتِهِ بحزمه فيردَّها، ليحظى بأجَلِّ الخيرة، ويسعد بحميد العاقبة".
وعن أبي عبلة قال: غضب عمر بن عبد العزيز يومًا غضبًا شديدًا على رجل، فأمر به، فأُحضر وجُرِّد، وشُدَّ في الحبال، وجيء بالسياط، فقال: خلوا سبيله؛ أما إني لولا أن أكون غضبان لَسُؤْتُكَ، ثم تلا قوله -تعالى-: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ .
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
стр. 238
معاشر الصائمين: للحديث بقية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 239
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه (٣)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد كان الحديث الماضي يدور حول بعض النماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيرًا مما ترك.
والحديث هاهنا إكمال لما مضى، وذكرٌ لنماذج أخرى من ذلك القبيل.
معاشر الصائمين: من ترك الوقيعة في أعراض الناس والتعرضَ لعيوبهم ومغامزهم - عُوِّض بالسلامة من شرهم، ورزق التبصرَ في نفسه.
قال الأحنف بن قيس ﵀: "من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون".
وقالت أعرابيةٌ توصي ولدها: "إياك والتعرضَ للعيوب فَتُتَّخذَ غرضًا، وخليقٌ ألا يثبتَ الغرضُ على كثرة السهام، وقلما اعْتَوَرَتِ السهامُ غرضًا حتى يهيَ ما اشتد من قوته".
قال الشافعي ﵀:
المرءُ إن كان مؤمنًا ورِعًا ... أشغله عن عيوب الورى ورعُهْ
كما السقيمِ العليلِ أشغله ... عن وجع الناس كلِّهم وجعُهْ
ومن ترك مجاراةَ السفهاء، وأعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
стр. 240
ومن ترك الحسدَ سلم من أضراره المتنوعة؛ فالحسد داء عضال، وسمٌّ قتَّال، ومسلكٌ شائنٌ، وخلقٌ لئيم، ومن لؤم الحسد أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والخلطاء، والمعارف، والإخوان.
قال بعض الحكماء: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحسود، نَفسٌ دائمٌ، وهمٌّ لازمٌ، وقلبٌ هائمٌ.
ومن سلم من سوء الظن بالناس سلم من تشوش القلب، واشتغال الفكر؛ فإساءَةُ الظنِّ تفسد المودةَ، وتجلب الهمَّ والكدر، ولهذا حذرنا الله منها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ .
وقال ﷺ : «إياكم والظنَّ، فإن الظنَّ أكذبُ الحديث» رواه البخاري ومسلم.
ومن اطَّرح الدعةَ والكسلَ، وأقبل على الجد والعمل -علت همتُهُ، وبورك له في وقته، فنال الخيرَ الكثير في الزمن اليسير.
ومَنْ هجر اللذات نال المنى ومن ... أكبَّ على اللذات عضَّ على اليد
ومن ترك تَطلُّبَ الشهرةِ وحبَّ الظهورِ رفع الله ذكره، ونشر فضلَه، وأتته الشهرة تُجَرِّرُ أذيالها.
стр. 241
ومن ترك العقوقَ، فكان بَرًّا بوالديه ﵁، ويسر الله له أمره، ورزقه الله الأولاد البررة وأدخله الجنة في الآخرة.
ومن ترك قطيعةَ أرحامِه، فواصلهم، وتودَّد إليهم، واتقى الله فيهم - بسط الله له في رزقه، ونَسَأَ له في أثره، ولا يزال معه ظهير من الله ما دام على تلك الصلة.
ومن ترك العشقَ، وقطع أسبابَه التي تُمِدُّه، وتجرَّع غُصَصَ الهجر، ونارَ البعادِ في بداية أمره، وأقبل على الله بِكُلِّيته -رُزِقَ السلوَّ، وعزةَ النفس، وسلم من اللوعةِ والذلة والأَسْر، ومُلئ قلبُه حريةً ومحبةً لله تلك المحبة التي تَلُمُّ شعثَ القلبِ، وتسدَّ خَلَّتَهُ، وتشبع جوعته، وتغنيه من فقره؛ فالقلب لا يُسَرُّ ولا يُفْلِحُ، ولا يطيب ولا يسكُن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.
ومن ترك العبوسَ والتقطيبَ، واتصف بالبشر والطلاقة - لانت عريكته، ورقت حواشيه، وكثر محبوه، وقلَّ شانؤوه.
قال ﷺ : «تبسمك في وجه أخيك صدقة» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال ابن عقيل الحنبلي: "البشرُ مُؤنسٌ للعقول، ومن دواعي القَبول، والعبوسُ ضدُّه".
стр. 242
وبالجملة فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه؛ فالجزاء من جنس العمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
أيها الصائم الكريم: إذا أردت مثالًا جليًّا، يبين لك أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه فانظر إلى قصة يوسف -مع امرأة العزيز؛ فلقد راودتْهُ عن نفسه فاستعصم، مع ما اجتمع له من دواعي المعصية، فلقد اجتمع ليوسف ما لم يجتمع لغيره، وما لو اجتمع كلُّه أو بعضُه لغيره لربما أجاب الداعي، بل إن من الناس من يذهب لمواقع الفتنِ بنفسه، ويسعى لحتفه بظلفه، ثم يبوءُ بعد ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة.
أما يوسف ﵇ فقد اجتمع له من دواعي الزنا ما يلي:
أولًا: أنه كان شابًّا، وداعيةُ الشباب إلى الزنا قوية.
ثانيًا: أنه كان عَزَبًا، وليس له ما يعوضه ويرد شهوته من زوجة، أو سُرِّيَّة.
ثالثًا: أنه كان غريبًا، والغريبُ لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه بين أصحابه ومعارفه.
رابعًا: أنه كان مملوكًا، فقد اشتري بثمن بخس دراهم معدودة، والمملوكُ ليس وازعه كوازع الحر.
خامسًا: أن المرأة كانت جميلة.
стр. 243
سادسًا: أنها ذاتُ منصبٍ عالٍ.
سابعًا: أنها سيدته.
ثامنًا: غياب الرقيب.
تاسعًا: أنها قد تهيأت له.
عاشرًا: أنها غلقت الأبواب.
حادي عشر: أنها هي التي دعته إلى نفسها.
ثاني عشر: أنها حرصت على ذلك أشد الحرص.
ثالث عشر: أنها توعدته إن لم يفعل بالصغار والسجن، وهو تهديد من قادر.
ومع هذه الدواعي صبر إيثارًا واختيارًا لما عند الله، فنال السعادة والعز في الدنيا، وإن له للجنةَ في العقبى، فلقد أصبح هو السيد، وأصبحت امرأة العزيز فيما بعد كالمملوكة عنده، وقد ورد أنها قالت: "سبحانَ مَنْ صيَّر الملوك بِذُلِّ المعصية مماليك، ومن جعل المماليك بعز الطاعة ملوكًا".
فحري بالعاقل الحازم أن يتبصَّر في الأمور، وأن ينظر في العواقب، وألا يؤثر اللذة الحاضرة الفانية على اللذة الآجلة الباقية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 244
تقسيمات وضوابط في الحياء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد مر حديثٌ حولَ الحياء، وأثرِ الصيام في اكتسابه، والتحلي به، والحديثُ هاهنا إكمالٌ لما مضى؛ حيث سيتناول بعض التقسيمات والضوابط في الحياء.
معاشرَ الصائمين: قَسَّم بعض العلماءِ الحياءَ إلى ثلاثةِ أقسام وبعضُهم إلى أكثر من ذلك.
قال الماوردي ﵀: "واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: حياؤه من الله -تعالى- ويكون بامتثال أوامره، والكف عن زواجره.
والثاني: حياؤه من الناس، ويكون بكف الأذى، وترك المجاهرة بالقبيح.
والثالث: حياؤه من نفسه، ويكون بالعفة، وصيانة الخلوات".
وقال ابن القيم ﵀: "وقد قُسِّمَ الحياءُ على عشرة: حياءُ جناية، وحياءُ تقصيرٍ، وحياءُ إجلالٍ، وحياءُ كرمٍ، وحياءُ حشمةٍ، وحياءُ استصغارٍ للنفس، واحتقارٍ لها، وحياءُ محبةٍ، وحياءُ عبوديةٍ، وحياءُ شرفٍ وعزٍّ، وحياءُ المستحيي من نفسه.
فأما حياءُ الجناية، فمنه حياءُ آدمَ ﵇ لما فر هاربًا من الجنة، فقال الله -تعالى -: "أفرارًا مني يا آدم؟
قال: لا يا رب، بل حياءً منك".
стр. 245
وحياءُ التقصيرِ: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك.
وحياءُ الإجلالِ: هو حياءُ المعرفةِ، وعلى حسب معرفة العبدِ بربه يكون حياؤه منه.
وحياءُ الكرمِ: كحياء النبي- ﷺ -من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا الجلوس عنده، فقام استحياءً أن يقول لهم: انصرفوا.
وحياءُ الحشمةِ: كحياء علي بن أبي طالب ﵁ أن يسأل النبي ﷺ عن المذي لمكانة ابنته منه.
وحياءُ الاستحقارِ واستصغارِ النفس: كحياء العبد من ربه أن يسأله حوائجه، احتقارًا لنفسه، واستصغارًا لها.
وفي أثر إسرائيلي "أن موسى ﵇ قال: يارب, إنه لتعرض لي حاجةٌ من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب".
فقال الله - تعالى -: "سلني حتى ملحَ عجينتك، وعلفَ شاتك".
وأما حياءُ المحبةِ: فهو حياءُ المحبِّ من محبوبه، حتى إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياءُ من قلبه، وأحسَّ به في وجهه، ولا يدري ما سببه.
وكذلك يعرضُ للمحب عند ملاقاة محبوبه، ومفاجأته له روعةٌ شديدة.
стр. 246
وأما حياءُ العبودية: فهو حياءٌ ممتزجٌ من محبةٍ، وخوفٍ، ومشاهدةِ عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجلُّ منها؛ فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
وأما حياءُ الشرفِ والعزة: فحياءُ النفسِ العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذلٍ، أو عطاءٍ، أو إحسانٍ؛ فإنه يستحيي -مع بذله- حياءَ شرفِ نفسٍ، وعزة.
وهذا له سببان أحدهما هذا، والثاني: استحياؤه من الآخذ، حتى كأنه هو الآخذُ السائلُ، حتى إنَّ بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسُه بمواجهته لمن يعطيه حياءً منه، وهذا يدخل في التلوم؛ لأنه يستحيي من خجلة الآخذ.
وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، فيجدُ نفسَه مستحييًا من نفسه، حتى لكأن له نَفْسين، يستحي بإحداهما من الأخرى.
وهذا أكملُ ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر" انتهى ملخصًا من كلام ابن القيم ﵀.
стр. 247
معاشر الصائمين: قد يشكل على بعض الناس كونُ الحياءِ من الإيمان، وكونُه خيرًا، أو لا يأتي إلا بخير مع أن صاحبه قد يمتنع من أن يواجِهَ بالحق من يستحيي منه، فيترك إنكار المنكر عليه، وأمرَه بالمعروف، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة.
والجواب أن ذلك المانعَ ليس حياءً حقيقيًّا بل هو صوريّ وإنما هو عجز ومهانةٌ، وخورٌ، وتسميته حياءً من باب التجوز لمشابهته الحياء الحقيقي.
ثم إن الحياءَ وسطٌ بين رذيلتين إحداهما: الوقاحة، والأخرى: الخجل، ويقال لها: الخَرَق.
أما الوقاحةُ فمذمومةٌ بكلِ لسانٍ بالنسبة لكل إنسان وحقيقتها: لجاج النفس في تعاطي القبيح.
وأما الخرقُ وهو الدهشةُ من شدة الحياء، فيذم به الرجل لا سيما في المواطن التي تقتضي الإقدامَ، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكمِ بالحق، والقيام به، وأداء الشهادات على وجهها، ونحو ذلك.
معاشر الصائمين: ومع عظم مكانة الحياء، وما ورد في فضله، والنهي عن ضده إلا أن هناك مظاهرَ تشيع في أوساط الناس تدلُّ على قلة الحياء، ومنها المجاهرةُ بالمعاصي، وقلةُ الأدب مع الوالدين، والجيران، والمربين، والمعلمين.
стр. 248
ومنها كثرةُ اللجاج، والسباب، والخصومة، والصخب.
ومنها التدخينُ -خصوصًا في الأماكن العامة-.
ومن مظاهر قلة الحياء التفحيطُ، ورفعُ الصوت بالغناء، والمعاكساتُ، والكتاباتُ البذيئة على الجدارن والأماكن العامة.
ومنها التبذلُ، والتبرجُ، والتكشفُ، والتعري، وتقليدُ الكفار في مستهجن العادات.
ومن مظاهر قلة الحياء كثرةُ الحديث عن النفس على سبيل المفاخرة، وتقصُّدُ استعمال ما يدعو إلى الشهرة ولفت الأنظار، وما إلى ذلك من مظاهر قلة الحياء.
معاشر الصائمين: الحياءُ فطريٌّ غريزي يولد مع الإنسان، وهو -كذلك- اكتسابي يناله الإنسان بالأخذ بالأسباب.
ومما يعين على اكتساب الحياء وتنميته استحضارُ مراقبة الله- -والإمساكُ مما تقتضيه قلةُ الحياءِ من قولٍ أو فعلٍ، وتذكرُ الآثارِ الطيبة للحياء، والآثارِ القبيحة لقلة الحياء.
ومنها مجالسة أهل الحياء، ومجانبةُ أهل الوقاحة، ومجاهدةُ النفس، وقراءةُ القرآن بالتدبر؛ فإنه يهدي للتي هي أقوم، والحياء من جملة ذلك.
стр. 249
ومنها تعاهدُ الإيمان وتقويتُه؛ فإن الحياء من الإيمان، وتحري الصدق؛ فإنه يهدي إلى البر، والحياءُ من البِر، وتجنبُ الكذب؛ فإنه يهدي إلى الفجور وقلة الحياء من الفجور.
ومن أسباب اكتساب الحياءِ الدعاءُ، واستحضارُ حياء النبي ﷺ ومطالعةُ أخلاق الكمَّل من الرجال، والتناصحُ والتواصي بالحياء، وإشاعةُ روح الحياء في المجتمع، والحرصُ على إزالة ما ينافي ذلك، وتربية الأولاد على هذا الخلق العظيم.
اللهم اجعلنا من أهل الحياء، وأعذنا من الوقاحة وسوء الأدب.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 250
رمضان فرصة لترك التدخين (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن التدخينَ وباءٌ خطير، وشرٌّ مستطيرٌ، وبلاءُ مدمرٌ.
وقد وقع في شَرَكِه فِئامٌ من الناس، وكثيرٌ مِنْ أولئك يملكون قلوبًا حية، وعواطفَ للإسلامِ قوية، إلا أنهم بلوا بالتدخين.
وأكثرُ هؤلاءِ لا يكابرونَ في ضررِ التدخين، ولا يشكُّون في أثرهِ وحرمتهِ، بل تراهم يؤمِّلونَ في تركهِ، ويسعونَ للخلاصِ منهُ؛ فلهؤلاءِ حقٌّ على إخوانهم أن يعينوهم، ويأخذوا بأيديهم خصوصًا في هذا الشهر الكريم.
следующие страницы →